روسيا «غاضبة» من وصول إيران إلى جوارها في مياه المتوسط

الحكومة السورية تضغط على رجال أعمال لإعطاء حق تشغيل ميناء اللاذقية إلى طهران

عناصر من الشرطة الروسية قرب صورتين لبوتين والاسد في غوطة دمشق (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة الروسية قرب صورتين لبوتين والاسد في غوطة دمشق (أ.ف.ب)
TT

روسيا «غاضبة» من وصول إيران إلى جوارها في مياه المتوسط

عناصر من الشرطة الروسية قرب صورتين لبوتين والاسد في غوطة دمشق (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة الروسية قرب صورتين لبوتين والاسد في غوطة دمشق (أ.ف.ب)

أعربت موسكو عن غضبها من إعطاء دمشق الجانب الإيراني حق تشغيل ميناء اللاذقية غرب سوريا، ما أعطى طهران لأول مرة «موطئ قدم» على البحر المتوسط قرب القاعدتين الروسيتين في طرطوس واللاذقية.
وكان وزير النقل السوري علي حمود طلب في 25 فبراير (شباط) الماضي من المدير العام لمرفأ اللاذقية العمل على «تشكيل فريق عمل يضم قانونيين وماليين للتباحث مع الجانب الإيراني في إعداد مسودة عقد لإدارة المحطة من الجانب الإيراني»، تلبية لـ«طلب الجانب الإيراني حق إدارة محطة الحاويات لمرفأ اللاذقية لتسوية الديون المترتبة على الجانب السوري»، بسبب الدعم المالي والعسكري الذي قدمته طهران لدمشق في السنوات الثماني الماضية. ويشغل مرفأ اللاذقية منذ سنوات بموجب عقد بين الحكومة السورية من جهة، و«مؤسسة سوريا القابضة» التي تضم كبار رجال الأعمال السوريين، ووقّعت شراكة مع شركة فرنسية لإدارة المرفأ، إذ إن آليات ضخمة تفرغ الواردات من السفن إلى المرفأ، قبل نقل البضائع ومشتقات النفط إلى سوريا ودول مجاورة. لكن الحكومة، بحسب معلومات، وجّهت كتباً خطية إلى «سوريا القابضة» لالتزام الاتفاق بين دمشق وطهران لمنح الأخيرة حق تشغيل المرفأ اعتباراً من الخريف المقبل.
وطرح هذا الاتفاق الجديد إشكاليتين؛ الأولى إمكانية ذهاب الشركة الفرنسية إلى القضاء لرفع قضية ضد الحكومة السورية وطلب تعويضات على فسخ العقد المبرم بين الطرفين. الثانية سياسية – استراتيجية، ذلك أن تسلم الجانب الإيراني إدارة مرفأ اللاذقية «يثير غضب موسكو التي كانت استفردت بالسيطرة على المياه الدافئة السورية»، بحسب دبلوماسي غربي.
وجاء قرار دمشق إعطاء تشغيل المرفأ إلى طهران، بموجب اتجاه سياسي في دمشق، تمثل في «اللعب بين الجانبين الروسي والإيراني» والانحياز إلى طهران وإعطائها امتيازات خاصة للمساهمة في إعمار سوريا.
وجرى في نهاية يناير (كانون الثاني) خلال اجتماع اللجنة المشتركة، برئاسة رئيس الوزراء السوري عماد خميس، ونائب الرئيس الإيراني إسحاق جهانغيري، توقيع 9 مذكرات تفاهم «في مجالات عدة، بينها سكك الحديد وبناء المنازل والاستثمار ومكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال بالإضافة إلى التعليم والثقافة»، بحسب وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا). وقال خميس إن الاتفاقات «دلالة على جدية دمشق بشكل كبير في تقديم التسهيلات للشركات الإيرانية العامة والخاصة للاستثمار وإعادة الإعمار»، واعتبرها «استكمالاً للاتفاقيات الموقعة سابقاً، لكن اتفاقية التعاون الاقتصادي طويل الأمد هي أهم اتفاقية»، معتبراً أن التوقيع على وثائق اليوم هي «لحظة تاريخية» في العلاقات بين البلدين.
وبعد أقل من شهر من توقيع هذا الاتفاق، التقى الرئيس السوري بشار الأسد في طهران المرشد الإيراني علي خامنئي، في أول زيارة من نوعها منذ 8 سنوات.
وكانت طهران عملت في نهاية العام الماضي على ممارسة ضغوط على دمشق بسبب انزعاجها من بطء تنفيذ اتفاقات استراتيجية، بسبب تحفظات داخلية، وأخرى قدّمها الجانب الروسي.
وفي بداية 2017، قام رئيس الوزراء السوري بزيارة طهران ووقّع 5 اتفاقات استراتيجية، هي... الاتفاق الأول، استثمار حقول الفوسفات في منطقة الشرقية، قرب مدينة تدمر التاريخية لـ99 سنة. وتملك سوريا أحد أكبر احتياطي من الفوسفات في العالم بـ1.8 مليار طن، لكن الإنتاج منخفض عن الإمكانية، إذ إنه لم يتجاوز 3.5 مليون طن في 2011، إضافة إلى تصدير 400 ألف طن إلى إيران في 2013.
وردت موسكو على هذا الاتفاق بالضغط كي تستحوذ على استثمار الفوسفات. الأمر الذي أغضب طهران وقتذاك. وتتردد معلومات عن «شراكة» روسية - إيرانية في استثمار هذا الملف.
ويتعلق الاتفاق الثاني، باستحواذ شركة إيرانية، يدعمها «الحرس الثوري»، على مشغل ثالث للهاتف النقال، إلى جانب «سيرياتل» و«إم تي إن». وكان مقرراً أن تضم الشراكة 40 في المائة لشركة ورجال أعمال من إيران، و40 في المائة لرجال أعمال و«صندوق دعم الشهداء» السوريين، و20 في المائة لـ«المؤسسة العامة للاتصالات الحكومية». وكان مقرراً أن يمثل الجانب الإيراني عبر شركة «إم سي آي» وهي جزء من مؤسسة تحتكر الاتصالات في إيران. وفي 2009 باتت «إم سي آي» مرتبطة بـ«الحرس الثوري الإيراني»، وسعت في 2010 إلى نيل رخصة تشغيل في سوريا، لكن دمشق رفضت ذلك وقتذاك.
وبحسب المعلومات، بعدما تدخلت روسيا لوقف تنفيذ المشروع، عادت الاتصالات في الفترة الأخيرة، بحيث يدخل الجانب الإيراني عبر تجاوز العقوبات الأميركية المفروضة. وكانت «رويترز» نقلت عن كريم سجادبور، الباحث الأول في برنامج الشرق الأوسط في «معهد كارنيغي للسلام» الدولي: «الاتصالات قطاع حساس للغاية. سيسمح لإيران بمراقبة وثيقة للاتصالات السورية».
وكان مقرراً أن تحصل طهران في العقد الثالث على 5 آلاف هكتار من الأراضي للزراعة والاستثمار، وجرى خلاف حول مكان هذه الأراضي بين مناطق تقع بين السيدة زينب وداريا جنوب دمشق أو في دير الزور شمال شرقي البلاد. ولوحظ زيادة الحضور الإيراني في دير الزور قرب حدود العراق في الضفة المقابلة لوجود الأميركيين والتحالف شرق الفرات.
وفي الاتفاق الرابع، الذي أرادت فيه طهران الحصول على ألف هكتار لإنشاء مرافئ للنفط والغاز على المتوسط، جرى البحث عن مناطق في بانياس بين طرطوس واللاذقية، لكن اعتراضاً روسياً على السماح بـإقامة «ميناء نفطي» لإيران صغير، جمد الأمر.
وسعت طهران قبل 2011 إلى تحويل ميناء طرطوس إلى قاعدة عسكرية، لكن موسكو اعترضت، ثم تدخلت عسكرياً نهاية 2015 ونشرت منظومتي صواريخ «إس 400» و«إس 300» في اللاذقية، ثم قررت توسيع ميناء طرطوس، وحصلت من دمشق على عقدين للوجود العسكري، أحدهما «مفتوح الأمد» في اللاذقية، والثاني لنصف قرن في طرطوس.
وبحسب مراقبين، فإن وصول إيران إلى مرفأ اللاذقية يعيد الوجود الإيراني في البحر المتوسط قرب القاعدتين الروسيتين. وفي حال أنجز الاتفاق الخاص بتشغيل مرفأ اللاذقية، فسيكون أول وصول لإيران إلى المياه الدافئة، ويترك طريق «طهران - بغداد - دمشق – المتوسط» مفتوحاً للإمداد العسكري والاقتصادي، خصوصاً وسط أنباء عن سيطرة إيران على قطاع السكك الحديدية في سوريا.
وأبلغ مسؤولون إيرانيون الجانب السوري أن مرفأ اللاذقية سيستعمل لنقل المشتقات النفطية الإيرانية إلى سوريا عبر البحر المتوسط و«حلّ أزمة الغاز والنفط والكهرباء التي تعاني منها مناطق الحكومة في الأشهر الماضية».
وتناول الاتفاق الخامس الذي وقّع بداية 2017 موافقة إيران على خط ائتمان جديد، بقيمة مليار دولار أميركي، علماً بأن إيران قدمت منذ 2013 خطوط ائتمان إلى دمشق بقيمة 6.6 مليار دولار، بينها مليار دولار قبل سنتين، خصص نصفها لتمويل تصدير النفط الخام ومشتقاته. ووفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، صدّرت إيران 70 ألف برميل من النفط يومياً إلى سوريا.
وكانت الحكومة فقدت السيطرة على آبار النفط والغاز، وانخفض إنتاجها من 380 ألف برميل يومياً في 2011 إلى نحو 30 ألف برميل في 2015. ويقع معظم النفط والغاز السوريين في مناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» حلفاء واشنطن، شرق الفرات. ويجري حالياً إنتاج حوالى 70 ألف برميل يومياً، يذهب جزء منه إلى مناطق الحكومة بتفاهمات مع «أمراء حرب».
وفرضت واشنطن والاتحاد الأوروبي عقوبات على رجال أعمال ساعدوا في نقل النفط من شرق الفرات إلى غربه.



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.