تقلبات السندات تعكس تفاقم حالة القلق في الاقتصاد العالمي

أميركا ليست محصنة وتراجع بالغ للثقة بمنطقة اليورو وارتباك في بريطانيا

تشير الدلائل إلى أن الاقتصاد الأميركي ليس محصناً في مواجهة استمرار تباطؤ النمو العالمي في 2019 (رويترز)
تشير الدلائل إلى أن الاقتصاد الأميركي ليس محصناً في مواجهة استمرار تباطؤ النمو العالمي في 2019 (رويترز)
TT

تقلبات السندات تعكس تفاقم حالة القلق في الاقتصاد العالمي

تشير الدلائل إلى أن الاقتصاد الأميركي ليس محصناً في مواجهة استمرار تباطؤ النمو العالمي في 2019 (رويترز)
تشير الدلائل إلى أن الاقتصاد الأميركي ليس محصناً في مواجهة استمرار تباطؤ النمو العالمي في 2019 (رويترز)

واصلت عائدات السندات العالمية تراجعها الحاد خلال الأسبوع الماضي، بما يعكس إلى حد ما المخاوف المتعلقة بالنمو العالمي. وقد شجع ذلك المشاركين في السوق للبدء في تسعير إمكانية إقدام البنوك المركزية الكبرى على خفض أسعار الفائدة.
وكان البنك الاحتياطي النيوزيلندي أول بنك مركزي من ضمن مجموعة العشرة الكبرى الذي أعلن صراحة عن تبني سياسة نقدية تيسيرية بما يعكس حالة القلق تجاه تراجع معدلات النمو العالمي وارتفاع الدولار النيوزيلندي الملقب بالكيوي... إلا أنه على الرغم من ذلك، كان تراجع عائدات السندات أكثر وضوحاً في الولايات المتحدة مما أدى إلى تحرك فروق عائدات السندات في اتجاه معاكس للدولار الأميركي، إلا أن الدولار تمكن من الصمود مقابل العملات الرئيسية نظراً لاستمرار الضغوط الناتجة عن حالة عدم اليقين في التأثير على العملات الأخرى بخلاف الدولار.
وأكد تقرير صادر عن وحدة الأبحاث في بنك الكويت الوطني أن الدلائل تشير إلى أن الاقتصاد الأميركي ليس محصناً في مواجهة استمرار تباطؤ النمو العالمي في العام 2019، وتمت مراجعة نمو الناتج المحلي الإجمالي للربع الرابع وخفضها إلى 2.2 في المائة، من 2.6 في المائة، فيما يعد أقل بكثير من المعدلات المتوقعة، حيث إن تلك النسبة أقل بشكل حاد من نسبة 3.4 في المائة المسجلة في الربع الثالث. بالإضافة إلى ذلك، تراجعت مؤشرات ثقة المستهلك من 131.4 نقطة إلى 124.1 نقطة مع تراجع المؤشرات الخاصة بالتوقعات والظروف الحالية. كما أن الإقبال الشديد على شراء سندات الخزانة الأميركية يرسل إشارات واضحة عن حالة القلق السائدة تجاه المستقبل.
وأشار الكثير من مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي في تصريحاتهم الأسبوع الماضي إلى توقع تباطؤ النمو الاقتصادي هذا العام، إلا أنهم أبقوا على النظرة التفاؤلية. وقال رئيس الاحتياطي الفيدرالي في ولاية نيويورك جون ويليامز إن «الوضع الأرجح» يتمثل في إمكانية نمو الاقتصاد الأميركي بنسبة 2 في المائة فقط مع تراجع معدلات البطالة، وإن احتمال حدوث ركود هذا العام «لا يعد مرتفعاً مقارنة بأي سنة أخرى».
من جانب آخر، صرح رئيس الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، جيمس بولارد أن «سلسلة البيانات الضعيفة» «ربما تكون مؤقتة في معظمها»، وأنه «من السابق لأوانه التفكير في خفض أسعار الفائدة».
وقبل أيام، قال وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين إنه يتطلع قدماً إلى «اجتماعات مثمرة» لدى وصوله إلى بكين مع الممثل التجاري روبرت لايتهايزر لحضور جولة جديدة من المفاوضات التجارية مع الصين. وصرح منوتشين للصحافيين قائلاً: «يسعدني أنا والسفير لايتهايزر العودة مجدداً إلى بكين، ونتطلع إلى اجتماعات مثمرة». كما أفادت «رويترز» بأن المقترحات التي قدمتها الصين تعد أفضل مما تم طرحه في السابق بما يبعث بالأمل في التوصل إلى الاتفاق التجاري المنشود.
أما على صعيد أسواق الأسهم، فقد شهدت استقراراً بعد أن تبين اقتراب المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة والصين من التوصل إلى حل وسط. وبعد عقد اجتماعات كثيرة على مدى الشهور الماضية ذكرت وكالة «رويترز» أن بكين قدمت خطة جديدة للحد من نقل التكنولوجيا وفتح الأسواق الصينية أمام المنافسة الأجنبية.
- منطقة اليورو
أوروبياً، أظهرت المؤشرات الاقتصادية في منطقة اليورو علامات ضعف جديدة الأسبوع الماضي بعد ظهور نتائج عدد من مؤشرات الثقة بشكل أسوأ من المتوقع. وكشفت المفوضية الأوروبية أن المعنويات الاقتصادية في منطقة اليورو تراجعت إلى 106.1 نقطة في فبراير (شباط) مقابل 106.3 في يناير (كانون الثاني) مسجلة أدنى مستوياتها منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بسبب «تراجع الثقة بشكل ملحوظ في القطاع الصناعي».
وتراجع مؤشر مناخ الأعمال في منطقة اليورو إلى 0.53 نقطة مقابل 0.69 نقطة، فيما يعد أدنى من مستوى التوقعات البالغ 0.69 نقطة. وكان أداء المكونات الخمسة للمؤشر سيئاً بصفة عامة، في حين شهدت وجهات نظر المديرين حول الإنتاج السابق وتوقعات الإنتاج، وتقييماتهم لكل من دفاتر الطلبات العامة والتصدير تراجعات حادة.
كما تتضح أيضاً حالة انعدام الثقة في تحركات عائدات سندات الخزانة مع تراجع عائدات الخزانة الألمانية لأجل عشر سنوات إلى ما دون الصفر. ومع تزايد احتمال مواجهة البنك المركزي الأوروبي لصعوبات في رفع أسعار الفائدة، هناك شواهد أخرى تدفع نحو استمرار حالة تراجع عائدات السندات.
وتحدث محافظ البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي الأسبوع الماضي عن الوضع الاقتصادي لمنطقة اليورو، معززاً الآراء التي تنادي باستمرار السياسة النقدية التيسيرية. وأكد دراغي أن فقد زخم النمو في منطقة اليورو العام الماضي قد امتد أثره في العام 2019 نتيجة لسيادة حالة عدم اليقين تجاه الاقتصاد العالمي على نطاق واسع. وتابع أن فقدان زخم النمو يمكن أن يصبح أكثر اتساعاً واستمراراً إذا تحقق نوعان من المخاطر: أولاً، في حالة استمرار تدهور الطلب الخارجي، وثانياً، إذا انتقل هذا التدهور ليطال الطلب المحلي.
في الوقت ذاته، أكد دراغي أن الخطر الأول قد تحقق نسبياً، حيث واصلت التجارة العالمية تدهورها، مما أثر بشكل كبير في قطاع الصناعات التحويلية. وسجل نمو واردات السلع العالمية في يناير أدنى مستوياته منذ الكساد الكبير على خلفية ازدياد حالة عدم اليقين تجاه النزاعات التجارية وتباطؤ اقتصادات الأسواق الناشئة، لا سيما الصين. ويرى دراغي أنه حتى الآن، ظل الاقتصاد المحلي مرناً نسبياً، وما زالت محركات التوسع الحالي قائمة، إلا أن المخاطر المتعلقة بالآفاق الاقتصادية لا تزال تتجه إلى الجانب السلبي. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو ما إذا كانت السياسة النقدية الحالية ستسهم في استمرار دعم الطلب المحلي؟
ومع خفض توقعات التضخم هذا العام ليصل إلى 1.6 في المائة في العام 2021 ستبقى السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي ملائمة، وسوف تستجيب لأي تغييرات قد تطرأ على توقعات التضخم.
- المملكة المتحدة
استمر الجنيه الإسترليني في مواجهة تقلبات السوق على خلفية انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي، حيث فقد نحو 1 في المائة من قيمته خلال الأسبوع المنتهي يوم الجمعة 29 مارس (آذار)، حيث يتصادف مع التاريخ المحدد للانفصال رسمياً. وبدلاً من انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي، أعادت رئيسة الوزراء تيريزا ماي صفقة الانفصال التي خسرت التصويت عليها مرتين إلى البرلمان مرة أخرى للتصويت عليها.
حيث صوت البرلمان بأغلبية 344 صوتا لصالح رفض اتفاق الانسحاب مقابل 286 صوتا، وسيكون أمام المملكة المتحدة حتى 12 أبريل (نيسان) الحالي - وهو التاريخ الذي يتعين على المملكة المتحدة أن تشير فيه إلى ما إذا كانت ستقدم مرشحين في انتخابات البرلمان الأوروبي - «للإشارة إلى طريق المضي قدماً».
ويترك هذا التصويت للمملكة المتحدة مجالاً لمدة أسبوعين فقط للتوصل إلى حل، ولم يتضح بعد الخطوة المقبلة لحكومة تيريزا ماي، إلا أن المجلس الأوروبي دعا لإقامة قمة أوروبية طارئة في 10 أبريل.



أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.