القادة العرب أمام القمة: الجولان والقدس... ووحدة الكلمة

السبسي أطلق عليها قمة «العزم والتضامن»... والملك عبد الله يؤكد أن خطر الإرهاب لم ينته بعد

الملك سلمان والشيخ صباح الأحمد الصباح والباجي قائد السبسي (واس)
الملك سلمان والشيخ صباح الأحمد الصباح والباجي قائد السبسي (واس)
TT

القادة العرب أمام القمة: الجولان والقدس... ووحدة الكلمة

الملك سلمان والشيخ صباح الأحمد الصباح والباجي قائد السبسي (واس)
الملك سلمان والشيخ صباح الأحمد الصباح والباجي قائد السبسي (واس)

رفع القادة العرب أمس الصوت عاليا في وجه «التدخلات الأجنبية» في الدول العربية، وأكدوا على مركزية القضية الفلسطينية وعروبة الجولان وضرورة مكافحة الإرهاب وتوحيد المواقف والرؤى.
وشهدت الكلمات التي ألقيت من قبل الزعماء العرب توصيفا متشابها للواقع من معظم القادة الذين تناوبوا على الكلام في الجلسة العلنية التي سبقت جلسات العمل المخصصة لمناقشة البيان الختامي و«إعلان تونس»، خصوصا فيما يتعلق بضرورة التزام الشرعية الدولية والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن.
وأعلن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي عن تسمية القمة العربية العادية الثلاثين بقمة «العزم والتضامن». وأكد الرئيس التونسي - في كلمته في الجلسة الافتتاحية بعد تسلمه رئاسة القمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز عاهل المملكة العربية السعودية - ضرورة أن تكون هناك وقفة عربية لتحديد مواطن الخلل في العمل العربي المشترك، وضرورة إعادة ترتيب الأولويات على قاعدة الأهم فالمهم.
وكانت القمة قد بدأت أعمالها صباح أمس بمشاركة 13 زعيما عربيا، واستهلت بكلمة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بصفته رئيس القمة السابقة، ثم سلم رئاسة القمة للرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الذي رأى أن «تخليص المنطقة من بؤر التوتر أصبح حاجة ملحة لا تحتمل التأجيل، كما يجب تأكيد أولوية القضية الفلسطينية في العمل العربي المشترك وتسليط الضوء عليها في الساحة الدولية».
وأكد السبسي ضرورة «توجيه رسالة للمجتمع الدولي بأن تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة وفي العالم بأسره، يمر عبر تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف على الأراضي المحتلة عام 1967. وعلى أساس قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، ومبدأ حل الدولتين».
وشدد على أن الجولان أرض عربية محتلة باعتراف المجتمع الدولي، مؤكدا ضرورة بذل الجهود لإنهاء الاحتلال لتحقيق الاستقرار على المستويين الأمني والدولي، وليس تكريس الاحتلال ومخالفات القرارات الدولية التي تؤكد أن الجولان أرض سورية محتلة.
ثم تحدث الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط فأكد أن «التدخلات من جيران العرب الإقليميين وبالأخص إيران وتركيا، فاقمت من تعقد الأزمات وأدت إلى استطالتها، بل واستعصائها على الحل، ثم خلقت أزمات ومشكلات جديدة على هامش المعضلات الأصلية». وقال أبو الغيط: «إننا نرفض كافة هذه التدخلات وما تحمله من أطماع ومخططات». وشدد على أنه «لا مجال لأن يكون لقوى إقليمية جيوب في داخل بعض الدول العربية تسميها مثلاً مناطق آمنة، ومن غير المقبول أن تتدخل قوى إقليمية في الشؤون الداخلية للدول العربية بدعم فصيل أو آخر تحت غطاء طائفي لا يكاد يخفي ما وراءه من أطماع إمبراطورية في الهيمنة والسيطرة».
وأضاف «إن حاجتنا تشتد اليوم أكثر من أي وقت مضى لمفهوم جامع للأمن القومي العربي... نتفق عليه جميعاً، ونعمل في إطاره... مفهوم يُلبي حاجة كل دولنا إلى الاستقواء بالمظلة العربية في مواجهة اجتراءات بعض جيراننا، والتدخلات الأجنبية في شؤوننا، ومخططات جماعات القتل والإرهاب للنيل من استقرارنا».
وأشار إلى الإعلان الأميركي المناقض لكافة الأعراف القانونية المستقرة بل ولأسس النظام الدولي الراسخة الذي يمنح المحتل الإسرائيلي شرعنة لاحتلاله لأرض عربية في الجولان السوري. وحذر من أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى اغتنام المكاسب، سواء في سوريا أو فلسطين المحتلة، بتثبيت واقع الاحتلال وقضم الأراضي. وقال «للأسف فإن مواقف الإدارة الأميركية الأخيرة تُشجع الاحتلال على المضي قدماً في نهج العربدة والاجتراء، وتبعث بالرسالة الخطأ للشعب الفلسطيني والقيادة الفلسطينية... وكأنها تحملهم عبئا فوق عبء الاحتلال، ومعاناة فوق معاناة القمع والاستيطان».
وثمن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الجهود العربية في مواجهة المشاكل الراهنة على غرار مسألة اللاجئين، معربا عن الأمل في أن تعزز دورها في هذا المجال لا سيما في ظل الأوضاع المأساوية باليمن وسوريا.
ودعا إلى تعزيز الوحدة في العالم العربي واعتبرها شرطا جوهريا وأساسيا لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة ولتجنيب الدول العربية العيش في وضع هش يفسح المجال أمام تدخل القوى الأجنبية مما يتسبب في المزيد من مشاكل عدم الاستقرار في المنطقة.
وشدد غوتيريش على ضرورة التشبث بحل الدولتين بالنسبة للقضية الفلسطينية قائلا «لا يوجد أي حل لهذه القضية سوى تعايش الشعبين في فلسطين وإسرائيل جنبا إلى جنب في سلم واستقرار وأمن وأن تكون القدس عاصمة للدولتين»، مشيرا إلى أن العنف المتواصل في غزة يذكر بالوضع الأمني الهش داعيا إلى تعزيز دور الأونروا. وأشار إلى أن الآلاف من السوريين ما زالوا يعيشون مهجرين ويواجهون مشاكل إنسانية، مشددا على أن أي حل في سوريا يجب أن يضمن وحدة الشعب السوري ووحدة ترابها بما في ذلك الجولان المحتل وإيجاد حلول على أساس قرارات الأمم المتحدة.
ورأى الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، يوسف بن أحمد العثيمين أنّ «الإرهاب طاعون العصر، ويجب التصدي له ولخطاب التكفير»، معتبراً أنّ «الدين الإسلامي دين نبذ العنف». وشدد العثيمين على أنّه «لا يجوز تحول الدين إلى سبب للفرقة والخوف، وتوظيفه لأغراض شخصية». وجدّد استنكار المنظمة لكل العمليات الإرهابية في كل دول العالم، مشيراً إلى أنّ ما حدث في نيوزيلندا رسالة مفادها أن الإرهاب لا دين له.
وشدد موسى فقي، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي على الترابط الكبير بين القمة العربية والقمة العربية الأفريقية. وقال، إن الاتحاد الأفريقي بكل مصادره وإمكاناته هو رهن الإشارة لتحرك مشترك فعال ومثمر في سبيل تحقيق الغايات المشتركة.
وأعلنت نائبة رئيس المفوضية الأوروبية فريدريكا موغيريني رفضها لسياسات الأمر الواقع كطريق لحل الأزمات في المنطقة. وقالت: «نحن نواجه سياسة الأمر الواقع، يجب أن ندرك أن الحلول التي تفرض بالقوة لا يمكن لها الاستدامة والحل الذي لا يكون شاملا لا يمكن أن يكون ناجحا». وتابعت: «الوضع في سوريا بلا حل وليبيا بلا دولة، وتجاهل قرارات المجتمع الدولي بشأن مرتفعات الجولان ليس بالحل».
وقالت موغيريني «الاتحاد الأوروبي سيواصل عدم الاعتراف بسيادة إسرائيل على الأراضي المحتلة عام 67». وشددت، في كلمتها على «التعاون المصيري» والمهم مع جامعة الدول العربية.
وشدد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني على أنه لا أمن ولا استقرار في المنطقة دون حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، مؤكدا أن الأردن مستمر بدوره التاريخي في حماية القدس والدفاع عنها. وقال إن «القضية الفلسطينية كانت وستبقى الهم الأول الذي يشغل الوجدان العربي». وأضاف «تحدياتنا العربية عابرة للحدود وليس بإمكان أي دولة أن تدافع عن مصالحها بشكل منفرد»، مؤكدا أنه رغم هزيمة «داعش» إلا أن خطر الإرهاب لم ينته بعد. وأكد العاهل الأردني أن «الجولان أرض سورية محتلة وفق قرارات الشرعية الدولية»، مشيرا إلى أن «الأردنيين احتضنوا الأشقاء السوريين وشاركوهم لقمة العيش». وشدد على أنه لا بديل عن الحل السياسي الذي يحفظ وحدة سوريا أرضا وشعبا.
وأعرب أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح عن أسفه لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان، ووصفه بأنه «خروج عن المرجعيات الدولية». وأكد في كلمته أن القضية الفلسطينية ستظل قضية العرب الأولى، ولفت إلى أن «أي ترتيبات لعملية السلام في الشرق الأوسط لا تستند للمرجعيات الدولية ستكون بعيدة عن أرض الوقع».
ودعا إلى إفساح المجال أمام حل سياسي في سوريا، وشدد على أن «القتال لن يفضي لإنهاء الصراع». ودعا إلى البحث عن حلول تعيد الاستقرار إلى المنطقة العربية، وقال: «نمر بظروف حرجة وتحديات خطيرة... وسنتصدى لهذه الظروف والتحديات بتوحيد مواقفنا وتجاوز الخلافات».
وأكد الرئيس اللبناني ميشال عون أن الأخطر من الحرب هو المشاريع السياسية والصفقات التي تلوح في الأفق، وما تحمله من تهديد وجودي لدول وشعوب المنطقة وقال عون: «تسع سنوات مرت على بدء الحروب الإرهابية في الدول العربية، سقط فيها مئات آلاف الضحايا وتشرد الملايين، ناهيك عن الآلاف المؤلفة من المعوقين والجرحى وأيضا المفقودين». وأضاف: «أنظمة تهاوت ورؤساء غابوا، مدن بكاملها دمرت وثروات تبددت ومعالم ضاعت وشعوب تمزقت، وخسر الجميع، اليوم خفت أزيز الرصاص ودوي الانفجارات وخفّ نزف الدم، ولكن الجراح التي خلفتها هذه الحروب حفرت عميقا في الوجدان العربي وفي المجتمعات العربية، فزادتها تمزقا وزادت شروخها شروخا».
وتابع: «الحرب هدأت أو تكاد، ولكن نتائجها لم تهدأ، فإلى متى الانتظار للبدء بترميم ما تكسر وإزالة التداعيات المؤلمة؟». وأشار إلى أن «شرذمة المنطقة والفرز الطائفي يمهدان لمشروع إسقاط مفهوم الدولة الواحدة الجامعة لصالح كيانات عنصرية طائفية وفرض واقع سياسي وجغرافي جديد يلاقي ويبرر إعلان إسرائيل دولة يهودية».
وأكد الرئيس اللبناني أن «قرار ترمب لا يهدد سيادة دولة شقيقة فحسب، بل يهدد أيضا سيادة الدولة اللبنانية التي تمتلك أراضي قضمتها إسرائيل تدريجيا، لا سيما في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقسم الشمالي من بلدة الغجر، والملكية اللبنانية لهذه الأراضي مثبتة بالوثائق والخرائط المعترف بها دوليا».
وقال الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، إن إيران تواصل محاولة السيطرة على العواصم العربية بعد إحكام الميليشيات الحوثية قبضتها على العاصمة صنعاء، وأضاف في كلمته أمام القمة العربية أن الميليشيات الحوثية أحدثت مأساة للشعب اليمني عندما انقضت على صنعاء وحولتها إلى سجن كبير للمواطنين. وأضاف أن الميليشيات الحوثية اجتاحت كافة المدن وعملت على تدمير أوجه الحياة اليومية للشعب اليمني. واتهم الرئيس اليمني، الميليشيات الحوثية بتسليم نفسها إلى عدو حاقد على الأمة العربية وهو إيران. وأشار إلى تبجح إيران بأنه تمت السيطرة على العاصمة العربية الرابعة عقب انقلاب الميليشيات الحوثية على الحكومة الشرعية وسيطرتها على صنعاء.
وأكد هادي أن الحكومة الشرعية لا ترفض السلام، بل دخلت مشاورات عديدة، ولكن الميليشيات الحوثية، بدعم إيران، دأبت على رفض تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، مثلما حدث في تنفيذ اتفاق ستوكهولم الذي تم توقيعه منذ 4 أشهر، فيما تمتنع الميليشيات الحوثية حتى الآن عن الانسحاب من ميناء الحديدة.
وأوضح أن الحكومة الشرعية تواصل تنفيذ مهامها من عدن رغم استيلاء الميليشيات الحوثية على كافة المداخيل، مشيرا إلى حاجة الحكومة الشرعية إلى مزيد من المساعدات. وثمّن هادي المبادرة السعودية التي وصفها بالتاريخية، لمساعدة الحكومة على استعادة المناطق التي اجتاحها الحوثيون.
ورأى الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز أن «القضية الفلسطينية ستبقى قضية العرب الأولى»، مؤكدا وجوب خروج قوات الاحتلال الإسرائيلية من الجولان السوري المحتل ومزارع شبعا اللبنانية. ولفت ولد عبد العزيز إلى «أننا ندعم حق الشعب الفلسطيني في إقامته دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف»، موضحا «أننا نرفض القرار الأميركي الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري».
وتحدث الرئيس العراقي برهم صالح عن الحاجة إلى حوار صريح بين القادة العرب والسعي معا من أجل تعزيز قيم التفاهم والعمل المشترك.
وقال صالح في كلمته خلال الجلسة الافتتاحية لأعمال القمة العربية: «يجب الإقرار بأن التحديات خطيرة ومتعددة وينبغي إدراك أن فرص مواجهة التحديات ومخاطرها ما زالت قائمة وما زال ممكنا العمل بمسؤولية عالية لاجتياز الأزمات وهي أزمات مشتركة لا يمكن المفر منها ولا ينبغي لأي بلد من بلداننا التفكير بأنه في منأى عنها أو عن آثار هزاتها الارتدادية». وأضاف: «العراق خارج لتوه من حرب ضد الإرهاب وقد ضحينا بالغالي والنفيس في مواجهة الإرهاب ودحره»، مبينا أن «الانتصار العسكري المتحقق من الخلافة المزعومة تطور مهم وإنجاز كبير وكان انتصاراً عراقياً بامتياز»، مستدركاً «هذا الانتصار العسكري يجب أن يستكمل بعمل دؤوب لاستئصال الفكر المنحرف وتجفيف منابع تمويل الإرهاب وإعادة إعمار المدن المحررة وعودة النازحين إلى بلادهم، من هذا المسعى يأتي العمل المشترك والتعاون الإقليمي والدولي لمنع ظهور الإرهاب مجدداً ولاجتثاث تمويله وفكره».
وبعث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ببرقية للمشاركين في القمة العربية، أكد فيها أن «روسيا على استعداد للتعاون مع الدول العربية في جميع المجالات». وأشار إلى أن الوضع المتوتر في كثير من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يزيد من أهمية جامعة الدول العربية، كآلية للحوار والتفاعل متعدد الأطراف. وشدد على ضرورة حل الأزمات القائمة بطرق سياسية ودبلوماسية. واستشهد بسوريا كمثال على ذلك، قائلاً: «هذا ينطبق بالكامل على سوريا، حيث تمكنا، بفضل الجهود الروسية، من توجيه ضربة ساحقة إلى قوى الإرهاب، والبدء في العملية السياسية، وحل المشكلات الإنسانية الملحة».
كما رأى بوتين، أنه من أجل استقرار الوضع في المنطقة، من الضروري حل النزاع العربي - الإسرائيلي طويل الأمد، الذي ستكون نتائجه «حلاً عادلاً للمشكلة الفلسطينية». وأكد من جديد المبادرات الروسية السابقة حول الشرق الأوسط، التي تهدف إلى تشكيل تحالف واسع لمكافحة الإرهاب تحت رعاية الأمم المتحدة، وتطوير تدابير الأمن الجماعي والثقة في منطقة الخليج.



بصمات 11 سبتمبر حاضرة بعد ربع قرن

فشلت محاولتا التواصل بين نظام صدام وبن لادن لكن اتهامات التعاون طاردت العراق (أ.ف.ب)
فشلت محاولتا التواصل بين نظام صدام وبن لادن لكن اتهامات التعاون طاردت العراق (أ.ف.ب)
TT

بصمات 11 سبتمبر حاضرة بعد ربع قرن

فشلت محاولتا التواصل بين نظام صدام وبن لادن لكن اتهامات التعاون طاردت العراق (أ.ف.ب)
فشلت محاولتا التواصل بين نظام صدام وبن لادن لكن اتهامات التعاون طاردت العراق (أ.ف.ب)

نادراً ما يستحق يوم صفة «اليوم الذي هز العالم». انتزع 11 سبتمبر (أيلول) 2001 هذا اللقب فور حدوثه. للوهلة الأولى لم يصدق كثيرون ما تبثه الشاشات. كان مشهد الطائرات المدنية تنفجر برموز قوة ونجاح نيويورك وواشنطن مثيراً وقاتلاً. والآن بعد ربع قرن لا يمكن إنكار أن ذلك اليوم ترك بصماته على أميركا والشرق الأوسط والعالم.

تسبب ذلك النهار الذي أطلقه زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن في إسقاط نظامين: نظام «طالبان» في أفغانستان، ونظام صدام حسين في العراق. وإذا كانت أفغانستان عادت إلى العيش في ظل «طالبان» قليلة الدسم، فإن الشرق الأوسط لا يزال يدفع ثمن اختلال التوازنات الإقليمية التي أحدثها إقدام الجيش الأميركي على اقتلاع نظام البعث العراقي. وكان إسقاط النظامين هدية كبرى غير مقصودة تلقتها إيران المنخرطة الآن في نزاع عسكري مع أميركا.

لم يعتد العالم على رؤية أميركا تُهاجم في عقر دارها. في 7 ديسمبر (كانون الأول) 1941 هاجمت اليابان القاعدة الأميركية في بيرل هاربر في هاواي، وردت واشنطن في اليوم التالي بإعلان الحرب على اليابان وبقية القصة معروفة.

في 11 سبتمبر الشهير، نقل أسامة بن لادن الحرب إلى الأرض الأميركية نفسها، فأطلق جورج بوش الحرب على ما اعتبره معاقل الإرهاب.

لم يكن مفاجئاً أن تتخذ أميركا المجروحة بقيادة الرئيس جورج بوش قراراً بإسقاط نظام الملا عمر الذي أصر على احتضان أسامة بن لادن، ضارباً عرض الحائط بالنصائح التي طالبته بالابتعاد عن الرجل أو تسليمه.

لكن الرد الكبير جاء في الشرق الأوسط الذي شاهد في 2003 مدرعة أميركية تقتلع تمثال صدام حسين من ساحة الفردوس في بغداد. وسيشاهد الشرق الأوسط لاحقاً حبل الإعدام يلتف على عنق صدام، ما أثار قلق رجلين: اسم الأول معمر القذافي والثاني علي عبد الله صالح.

لقاء بوش وصالح بعد 11 سبتمبر بأسابيع (أ.ف.ب)

تعمد أسامة بن لادن أن يكون معظم أعضاء الفريق الذي هاجم نيويورك وواشنطن من السعوديين، طامعاً بإثارة أزمة وقطيعة بين واشنطن والرياض. لم يتحقق ما أراد، لكن ما حدث شكّل امتحاناً على امتداد العالم الإسلامي. ارتفعت أصوات كثيرة في أميركا تنادي باقتلاع جذور الإرهاب. أربكت الهجمات علاقات أميركا والغرب بدول كثيرة، وأربكت أيضاً علاقات الحكومات الغربية بالجاليات العربية والإسلامية، خصوصاً مع تزايد أمواج الهجرة. وها نحن اليوم نعاين صعود اليمين المتطرف في أكثر من ساحة أوروبية.

الرئيس الفلسطيني الرحل ياسر عرفات (أرشيفية)

في ذلك اليوم، كان ياسر عرفات مقيماً في غزة. أقلقه التركيز على بضعة فلسطينيين في الضفة الغربية وغزة يوزعون الحلوى احتفاء بالهجمات، وتعبيراً عن الكراهية للانحياز الأميركي إلى إسرائيل. أصر عرفات، رغم تقدمه في السن، على أن يتبرع بالدم للجرحى الذين سقطوا في نيويورك وواشنطن، وتوجه إلى أحد مستشفيات غزة. وثمة من يقول إن عرفات خشي في الساعات الأولى من تورط فلسطينيين في المشاركة في التنفيذ.

معمر القذافي شعر بالقلق، وإن كان توهم في الساعات الأولى هو وصدام حسين أن الضربة ستضعف أميركا.

طلب القذافي من وزير الخارجية عبد الرحمن شلقم تكليف الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بإبلاغ بوش أن ليبيا مستعدة لتطبيع العلاقات وفتح صفحة جديدة مع أميركا. وأبلغ بوتفليقة بوش بالموقف الليبي لكن الرئيس الأميركي قال للزائر: «قل للقذافي إن عليه أن يتخلى فوراً عن ترسانة البرنامج النووي وإلا فسنذهب نحن لتكسيرها».

معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)

وكان شلقم الذي استطلع أجواء التوتر في أميركا قال في اجتماع في طرابلس إن أميركا ستحتل أفغانستان والعراق وليبيا. ولم يتردد الزعيم الليبي في الرضوخ لإرادة بوش.

في مهاجمة العراق، استخدمت أميركا ذريعة امتلاكه أسلحة للدمار الشامل. تحدثت أيضاً عن علاقة بين النظام العراقي و«القاعدة». لم يصدق كثيرون حكاية هذه العلاقة، خصوصاً في ضوء التباين الكبير بين شخصيتي صدام وبن لادن، وتباعد القواميس التي يحتكم كل منهما إليها.

ساد انطباع أن تهمة العلاقة ملفقة. والحقيقة أنه لم تقم علاقة، لكن صدام ارتكب خطأ كبيراً في التسعينات، وتحديداً خلال وجود أسامة بن لادن في السودان حين أرسل شخصاً من «الإخوان المسلمين» في سوريا لمقابلة بن لادن في السودان. لم يظهر زعيم «القاعدة» رغبة في التعاون مع «النظام البعثي الكافر».

بن لادن مع البشير خلال سنواته في السودان

كرر النظام العراقي محاولة الاتصال، وأوفد مسؤولاً في المخابرات اسمه فاروق حجازي، وتم ترتيب لقاء له مع بن لادن بوساطة من الزعيم الإسلامي السوداني الدكتور حسن الترابي. بعد اللقاء الذي استمر أكثر من ثلاث ساعات، عاد حجازي إلى العراق واقترح على صدام صرف النظر عن موضوع بن لادن الذي تردد أنه طالب بإقامة معسكرات مستقلة له على أرض العراق.

طوى النظام العراقي صفحة التفكير بالتعاون مع بن لادن، لكن الاستخبارات الأميركية استغلت خيوطاً غامضة عن اتصالات بين الطرفين واستخدمتها في تبرير غزو العراق.

أسقطت أميركا نظامي «طالبان» وصدام حسين، وأطلقت عملية مطاردة طويلة لرموز «القاعدة». في 2 مايو (أيار)، فوجئ أسامة بن لادن المختبئ في أبوت آباد الباكستانية بالجنود الأميركيين يقتحمون مقر إقامته. انتقمت أميركا من صانع «غزوتي نيويورك وواشنطن»، وألقت جثته في البحر. غاب أسامة بن لادن لكن بصمات «القاعدة» كلفت دول الشرق الأوسط ثمناً هائلاً.


من «هرمز» إلى الصومال... توترات المنطقة تحاصر بحارة مصريين

سفن تجارية راسية وسط ضباب في مضيق هرمز الاثنين 7 سبتمبر 2026 (أ.ب)
سفن تجارية راسية وسط ضباب في مضيق هرمز الاثنين 7 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

من «هرمز» إلى الصومال... توترات المنطقة تحاصر بحارة مصريين

سفن تجارية راسية وسط ضباب في مضيق هرمز الاثنين 7 سبتمبر 2026 (أ.ب)
سفن تجارية راسية وسط ضباب في مضيق هرمز الاثنين 7 سبتمبر 2026 (أ.ب)

في وقت تحاول فيه الجهات الحكومية المصرية الإفراج عن بحارة مختطفين قبالة السواحل الصومالية، طفت على السطح أزمة جديدة تتعلق بوجود عالقين في مضيق هرمز.

وكشف مساعد وزير الخارجية للشؤون القنصلية والمصريين في الخارج، السفير حداد الجوهري، عن أن «هناك مئات السفن العالقة في مضيق هرمز، وعلى متنها بحارة مصريون، وغير مصريين»، مشيراً إلى أن «الوزارة تحث البحارة المصريين الموجودين في مناطق الخطر على التواصل مع أقرب سفارة، أو قنصلية».

ولفت في تصريحات تلفزيونية إلى أن الوزارة نجحت بالفعل في تسهيل دخول بحارة مصريين إلى موانئ إماراتية، والحصول على تأشيرات استثنائية لهم، ما أتاح مغادرتهم السفن، والعودة إلى مصر، مشيراً إلى إعادة عشرات البحارة بهذه الآلية.

تباين بشأن المحتجزين

لكن رئيس «نقابة الضباط البحريين» المصرية، القبطان السيد الشاذلي، أكد أن البحارة العالقين في مضيق هرمز عادوا إلى مصر، وانتهت أزمتهم بعد أن كان هناك 22 منهم عالقين إما بسبب انتهاء عقود عملهم، ولديهم مشكلات في العودة بسبب التكلفة المرتفعة، أو ممن لديهم مستحقات مالية لم يحصلوا عليها بعد، أو ممن يتخوفون من العودة، ويواجهون أزمات في تبديل الأطقم بسبب الاضطرابات في مضيق هرمز.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه تم في الأسبوع الماضي حل أزمة 3 بحارة، وقبل أيام جرى التوصل لاتفاق بشأن عودة 19 آخرين كانوا عالقين في مضيق هرمز، وذلك عبر جهود مشتركة قامت بها السلطات البحرية المختصة، بالتعاون مع «نقابة الضباط البحريين» و«المنظمة البحرية الدولية» (IMO).

وتحدث عن «ضغوطات قامت بها جهات مختلفة من أجل استبدال الطواقم العالقة في المناطق الخطرة، وتوفير ممرات آمنة، واستخراج وثائق السفر اللازمة لمن فقدوا أوراقهم أثناء الأزمات، وضمان تحمل ملاك السفن لكامل تكاليف السفر، والعودة، هذا بالإضافة إلى إلزام شركات التأمين ونوادي الحماية بدفع الرواتب المتأخرة وفقاً لاتفاقية العمل البحري».

وفي حين شكا الشاذلي من «ضعف آليات التواصل مع وزارة الخارجية المصرية»، أشار العميد الأسبق لـ«كلية النقل الدولي واللوجستيات» الدكتور محمد علي إبراهيم، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن أزمات البحارة «تتجدد بشكل مستمر في ظل التوترات الإقليمية، وصعوبات التواصل، والضربات المتبادلة في مضيق هرمز، وأن حل مشكلات عدد من البحارة الذين تواصلت معهم النقابة لا يعني أنه لا يوجد غيرهم»، مشدداً على أهمية «التدخل الإنساني السريع لإنقاذهم».

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة سواحل مدينة بندر عباس الساحلية جنوب إيران في 5 سبتمبر (أ.ف.ب)

وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع وزارة الخارجية المصرية للتعرف على تفاصيل البحارة المحتجزين في هرمز، لكن لم تتلقَّ رداً حتى نشر التقرير.

استمرار أزمة المختطفين

إلى ذلك، ما زالت أزمة البحارة المصريين المحتجزين على متن ناقلة نفط قبالة السواحل الصومالية منذ مطلع مايو (أيار) الماضي مستمرة حتى الآن، وقبل أيام أكدت وزارة الخارجية المصرية أنها تكثف اتصالاتها وتحركاتها الدبلوماسية للإفراج عن 8 مصريين من بين 12 مختطفاً، وسط مساعٍ لضمان سلامتهم، وتحسين أوضاعهم إلى حين عودتهم إلى ذويهم.

وأشار الشاذلي إلى أن الوضع لم يتغير منذ اختطافهم، مشيراً إلى أن المفاوضات مستمرة مع القراصنة للإفراج عنهم، في حين تتواصل وزارة الخارجية مع السلطات اليمنية والصومالية لتسهيل عودتهم.

وأكد الدكتور محمد علي إبراهيم أن «ظاهرة القرصنة قابلة لأن تتمدد بسبب التوترات في البحر الأحمر، وهو ما يدفع العناصر الإرهابية في الصومال لتنفيذ عمليات جديدة، كما أن الممرات البحرية الأخرى -مثل طريق رأس الرجاء الصالح ومضيق ملقا- تواجه أيضاً عمليات قرصنة، إلى جانب المصاعب البيئية والمناخية التي تعد مهدداً آخر للبحارة من جميع أنحاء العالم».


رئيس شؤون القبائل اليمنية: أقول للحوثيين اقتربت ساعتكم

TT

رئيس شؤون القبائل اليمنية: أقول للحوثيين اقتربت ساعتكم

رئيس شؤون القبائل اليمنية: أقول للحوثيين اقتربت ساعتكم

وجّه الشيخ بكيل الصوفي، رئيس مصلحة شؤون القبائل بوزارة الداخلية اليمنية، رسالة للحوثيين مفادها أن «ساعتكم اقتربت، وستخرجون من اليمن بسبب أفعالكم».

ويرى الصوفي أن حالة الغضب المتصاعدة في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت حدود التذمر من الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وباتت تقترب من لحظة تحرك تنتظر فيها القبائل «ساعة الصفر»، وما وصفه بـ«بصيص أمل» أو سند من الحكومة اليمنية.

وفي حلقة جديدة من «الشرق الأوسط بودكاست»، أجريت في غرفة أخبار «الشرق الأوسط» في الرياض، تحدث رئيس «شؤون القبائل» عن «النكف القبلي» ومطارح الريان في محافظة الجوف، وعلاقة القبائل بالحوثيين، مستعيداً تجربته في الوساطة مع قيادات الجماعة قبل أكثر من عقد، وصولاً إلى رؤيته لمستقبل المواجهة وإشارته إلى «مفاجآت» عسكرية مرتقبة.

ويشرح الصوفي خلال المقابلة التي جرى تصويرها يوم 20 أغسطس (آب) 2026 «النكف» بأنه تقليد تلجأ فيه القبائل إلى التجمع فيما يعرف بـ«المطارح» عند وجود مظلومية أو موقف يستدعي الاستنفار، مؤكداً أن ما يحدث في الجوف «انعكاس لما لمسوه من تصرفات الحوثيين» ومحاولات إخضاع القبائل وإذلالها.

وحسب رئيس مصلحة شؤون القبائل، فإن القبيلة ظلت تاريخياً «جزءاً لا يتجزأ من الدولة» و«العمود الفقري» المساند لها، وفي الأماكن التي يغيب عنها حضور المؤسسات الرسمية تتولى الأعراف والترابطات القبلية أدواراً في حفظ الأمن والاستقرار.

خداع الشعارات

يعتقد الصوفي أن الحوثيين نجحوا في بداية دخولهم صنعاء في مخاطبة مشاعر الناس عبر شعارات الفقر والغلاء والفساد، قبل أن تكتشف القبائل، وفق تعبيره، أن تلك الشعارات كانت وسيلة للوصول إلى السلطة. واتهم الجماعة بفرض جبايات وضرائب على مختلف الأنشطة، واستخدام الحديث عن «الحصار» لتبرير تدهور الأوضاع المعيشية.

لكن التحول الأهم، في تقديره، يحدث داخل مناطق سيطرة الجماعة نفسها. ويقول إن القبائل «لا تنتظر الانضمام إلى المطارح فقط»، بل إن هناك استعداداً أوسع للتحرك ضد الحوثيين، مضيفاً: «الناس منتظرون ساعة الصفر فقط». ويؤكد أنه يتواصل شخصياً مع شخصيات في الداخل من دون الكشف عن أسمائها، واصفاً الوضع بأنه «على فوهة بركان».

ويستعيد الصوفي تجربته رئيساً للجنة وساطة بين الحوثيين والسلفيين في كتاف خلال عامي 2011 و2012، حيث تعامل مع مهدي المشاط، والتقى أبو علي الحاكم ويوسف الفيشي وصالح الصماد. ويقول إن تلك التجربة قادته منذ ذلك الوقت إلى الاعتقاد بأن الجماعة تنفذ مشروعاً إيرانياً، عادّاً أبو علي الحاكم من أهم الشخصيات التي عرفها داخلها بحكم الملفات الأمنية والعسكرية التي كان يديرها.

فشل المفاوضات

لا يرى الصوفي أن مسار التفاوض خلال السنوات الماضية أثبت قدرة على إنهاء الأزمة، ويعتقد أن الحوثيين يناورون عندما يشعرون بالضغط، مستشهداً بتجربته السابقة معهم، ومؤكداً أن الجماعة كانت أكثر استعداداً لتقديم التنازلات عندما تكون في موقف ضعيف.

وعن تأخر الحسم العسكري، يقول إن الحكومة تتصرف بوصفها دولة لديها التزامات داخلية وخارجية، وعليها حساب التداعيات الاقتصادية والعسكرية وما قبل المعركة وما بعدها، بخلاف الجماعات المسلحة.

ومع ذلك، ختم الصوفي حديثه برسالة لافتة، قائلاً إن هناك «ترتيبات قوية» و«مفاجآت» سيسمع عنها اليمنيون قريباً.

وعندما سُئل إن كانت تلك المفاجآت «طائرة أم على الأرض؟»، أجاب باقتضاب: «طائرة وعلى الأرض».