البابا فرنسيس في الرباط: الكنيسة تنمو بالاستمالة لا بالتبشير

حض الأقلية المسيحية في المغرب على التعايش

البابا يغادر بعد قداس أقامه في الرباط أمس (أ.ف.ب)
البابا يغادر بعد قداس أقامه في الرباط أمس (أ.ف.ب)
TT

البابا فرنسيس في الرباط: الكنيسة تنمو بالاستمالة لا بالتبشير

البابا يغادر بعد قداس أقامه في الرباط أمس (أ.ف.ب)
البابا يغادر بعد قداس أقامه في الرباط أمس (أ.ف.ب)

ترأس البابا فرنسيس أمس الأحد، في الملعب الرياضي مولاي عبد الله في الرباط، قداساً دينياً حضره نحو 10 آلاف شخص، وذلك في اليوم الثاني لزيارته للمغرب بدعوة من العاهل المغربي الملك محمد السادس.
وأعرب البابا في كاتدرائية الرباط الكاثوليكية عن تأييده للأقلية المسيحية في المغرب. وقال: «المسيحيون أقلية صغيرة في هذا البلد. ومع ذلك، فإنه في رأيي، هذه ليست مشكلة رغم أنني أدرك أن الأمر قد يكون صعبا على بعضكم في بعض الأوقات».
وكثيرا ما يوجه محافظون من الكاثوليك انتقادات لموقف البابا المناهض لبذل جهود منظمة لاستقطاب من يحتمل إدخالهم في المسيحية. وقوبل البابا بالتصفيق عندما قال: «الكنيسة تنمو بالاستمالة لا بالتبشير». وخرج البابا عن نص خطابه المكتوب ليؤكد «رجاء لا تبشير!».
وأضاف: «وهذا يا أصدقائي الأعزاء معناه أن مهمتنا كأفراد معمدين وقساوسة ورجال ونساء نذروا أنفسهم، لا تتحدد في الواقع بعدد أو حجم المساحات التي نشغلها بل بقدرتنا على تحقيق التغيير وإيقاظ الدهشة والرحمة». وقال البابا فرانسيس: «المشكلة ليست عندما يكون عددنا قليلا، ولكن عندما نكون محدودي الأهمية».
ودعا الأقلية المسيحية في المغرب إلى الانخراط في حوار. وذكر أنه «بهذه الطريقة، سوف تقومون بكشف وتعرية كل محاولة لاستغلال الخلافات والجهل من أجل زرع الخوف والكراهية والصراع».
وأوضح البابا فرنسيس أن دور أفراد الأقلية المسيحية في تلك الدولة ليس السعي إلى إدخال جيرانهم في المسيحية بل في التعايش بأخوة مع الأديان الأخرى.
واستغل البابا فرنسيس رحلته التي انتهت أمس للتأكيد على الحوار بين الأديان. كما أيد مساعي الملك محمد السادس للعمل على نشر الاعتدال الديني لتعزيز الحوار بين الأديان ورفض العنف باسم الدين.
يشار إلى أن المسيحيين يمثلون أقلية صغيرة في المغرب، حيث يشكل المسلمون 99 في المائة من السكان البالغ عددهم نحو 35 مليون نسمة.
ويبلغ عدد المسيحيين الكاثوليك في المغرب 23 ألفا أغلبهم من الوافدين من أوروبا وخاصة فرنسا ومن المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء.
ولا تعترف السلطات المغربية بمن يعتنق المسيحية من المغاربة. وكثيرون منهم يمارسون شعائر الدين سرا في بيوتهم. فالتحول عن الإسلام إلى المسيحية ممنوع كما هو الحال في كثير من الدول الإسلامية كما أن القانون يعاقب على ممارسة التبشير بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.
وحث البابا فرنسيس العالم السبت على تغيير موقفه إزاء المهاجرين، حيث هلك الآلاف في السنوات الأخيرة أثناء محاولاتهم للوصول إلى أوروبا. وقال إنه يجب النظر إلى المهاجرين «كأشخاص وليس كأرقام»، ولا بد أن يتمتعوا بحقوقهم وكرامتهم في الحياة اليومية وفي القرارات السياسية.
والتقى البابا فرنسيس أمس بالرباط بكهنة مسيحيين وراهبات في كاتدرائية القديس بطرس.
وحيا البابا بحرارة، في بداية اللقاء، الراهب جون بيير شوماخر (94 سنة)، آخر الناجين من حادث مقتل رهبان دير تيبحيرين بالجزائر، والذي يقطن حاليا بدير «سيدة الأطلس» بمدينة ميدلت. وقبل كل منهما يد الآخر، وسط تصفيقات الحضور.
وبعد الاستماع لشهادتين لكاهن (الأب جرمان) وراهبة (الأخت ماري)، ألقى البابا فرنسيس كلمة أشاد فيها بتوفر الأجواء المناسبة بالمغرب للمسيحيين من أجل ممارسة شعائرهم في أفضل الظروف، وهو ما من شأنه تعزيز الحوار والتعاون والصداقة، بين المسلمين والمسيحيين، داعياً، من جهة أخرى، إلى نبذ الحقد والنزاع، لكونهما يشكلان تهديدا للاستقرار.
واعتبر البابا فرنسيس أنه يمكن ضمان استمرار الحوار باسم «الأخوة الإنسانية التي تجمع البشر جميعا، وتوحدهم وتنشر المساواة بينهم، رغم سياسات التعصب والتفرقة، التي تعبث بمصائر الشعوب، وليس بالعنف والحقد والهيمنة العرقية والدينية والاقتصادية»، مسلطاً الضوء على أهمية الحوار والتعاون بين المسيحيين والمسلمين لتقوية ثقافة اللقاء والتعايش والأخوة.
إثر ذلك، حيا البابا فرنسيس بطريقة رمزية الراهبة والكاهن الأكبر سناً في الأبرشية، قبل أن يترأس صلاة خاصة.
وحضر هذا اللقاء مسلمون ومسيحيون من عدة دول عربية وأفريقية وأوروبية، تكريسا لتمازج الثقافات وتعايش الأديان منذ قرون بالمملكة المغربية، واستمرار هذا التعايش، بفضل مبادرات الملك محمد السادس على الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية، ما يجعل منه بلد الانفتاح والتعددية والتنوع في إطار الوحدة الوطنية.
وقال أغريلو مارتينيز أسقف مدينة طنجة، في تصريح صحافي بهذه المناسبة: «أود أن يسمع جميع المسيحيين والمسلمين في ربوع العالم أننا أولا إخوة ولسنا متنافسين، كما أننا نعمل معا في أرض المغرب من أجل بناء عالم تسوده العدالة والسلام».
وفي تصريحات مماثلة، أعرب الكثير من الرهبان والكهنة أن حضور البابا بكاتدرائية القديس بطرس يكتسي أهمية بالغة بالنظر للدلالات العميقة والرسائل القوية التي بعثها للعالم من خلال الخطاب الذي ألقاه قداسته بهذه المناسبة.
والتقى البابا أمس الأحد بتمارة (ضواحي الرباط)، عددا من أعضاء ومتطوعي المركز القروي للأعمال الاجتماعية الواقع بقرية مرس الخير.
ولدى وصوله إلى المركز، الذي تشرف على إدارته راهبات من إسبانيا، استقبل البابا من طرف عامل (محافظ) الصخيرات - تمارة، يوسف اضريس، قبل أن يطلع قداسته على الأعمال الخيرية والتطوعية للمركز، والتي تشمل تقديم خدمات الرعاية الصحية ودروس محو الأمية للأطفال والبالغين.
ويقدم هذا المركز أيضا، مساعدة طبية قيمة للمواليد الجدد، وكذا في الطب النفسي بدعم من اختصاصيين في المجال.
إثر ذلك، زار البابا مختلف مرافق المركز التي تشمل أربع بنايات، هي مستوصف خاص بالنساء والأطفال، وقاعة مخصصة لدروس محو الأمية لفائدة الأطفال والبالغين، وقاعة للإطعام، إلى جانب بناية مخصصة للراهبات المشرفات على المؤسسة.
بعد ذلك، التقى البابا الذي كان مرفوقا بوفد مهم يتألف من شخصيات مرموقة من الفاتيكان، وسفير الفاتيكان في الرباط المونسينيور فيتو رالو، بعدد من الأطفال في وضعية إعاقة، كما استمع إلى شهادات أوليائهم الذين أعربوا عن امتنانهم للراهبات اللائي يدرن المركز. كما تابع البابا والوفد المرافق عرضا غنائيا شمل باقة من الأناشيد الترحيبية أداه أطفال المركز.
وفي ختام الزيارة، قدم البابا فرنسيس للمركز «أيقونة دينية منحوتة للعائلة المقدسة»، كما تلقى عدة هدايا عبارة عن مجموعة من أعمال الطرز المغربي مقدمة من طرف مسؤولي المركز.
يشار إلى أن المركز القروي للأعمال الاجتماعية، مفتوح في وجه كل من يرغب في القيام بأعمال تطوعية، كما أن الكثير من الممرضات والأطباء يقدمون خدماتهم في مجال الرعاية الصحية مجانا بالمركز، الذي يشكل مثالا ملموسا لقيم الانفتاح والحوار والتسامح.
وكان البابا قد التقى مساء السبت بالرباط، مهاجرين نظاميين من أفريقيا جنوب الصحراء بمقر الجمعية الخيرية «كاريتاس». وركز البابا في كلمة ألقاها خلال هذا اللقاء، على أهمية توفير الضيافة والحماية والتعزيز والإدماج لفائدة المهاجرين، لتمكين كل من يرغب في تقديم المساعدة، من جعل هذا الالتزام ملموساً وحقيقياً، معتبرا أن تقدم المجتمعات لا يمكن أن يقاس فقط من خلال التطور التكنولوجي أو الاقتصادي، بل يتوقف على القدرة على التأثر والتعاطف.
وأبرز البابا فرنسيس أنه لا يمكن التفكير في استراتيجيات واسعة النطاق، قادرة على منح الكرامة بمجرد الاقتصار على أعمال رعاية اجتماعية تجاه المهاجر، مؤكدا ضرورة انخراط المهاجرين في هذا الإطار.
وأضاف بابا الفاتيكان «هنا، نجد مسيرة نقوم بها معا، كرفاق سفر حقيقيين، سفر يلزم الجميع، مهاجرين ومحليين، في بناء مدن مضيافة، تعددية ومتنبهة لعمليات تجمع الثقافات، قادرة على تقييم غنى الاختلافات في اللقاء مع الآخر»، مسجلا أن الكثير من المهاجرين يمكن أن يشهدوا بمدى أهمية الالتزام في هذا الإطار.
وأكد البابا، خلال اللقاء، الذي تخللته لوحة فولكلورية قدمها أطفال مهاجرون يستفيدون من خدمات جمعية «كاريتاس» بالمغرب، أن توسيع قنوات الهجرة النظامية يعد أحد الأهداف الرئيسية للميثاق العالمي للهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية، الذي تم اعتماده في ديسمبر (كانون الأول) الماضي خلال المؤتمر الأممي الحكومي الدولي الذي استضافته مراكش، معتبرا أن هذا الميثاق يشكل خطوة مهمة بالنسبة للمجتمع الدولي الذي يواجه، ولأول مرة، المسألة على المستوى متعدد الأطراف.
يذكر أن الملك محمد السادس، وبابا الفاتيكان السبت بالرباط، قاما بزيارة لمعهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات. وشاهد ملك المغرب وبابا الفاتيكان شريطا وثائقيا حول أهداف المعهد ومهامه ومختلف إنجازاته، قبل أن يلقي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق كلمة بحضور العاهل المغربي ورئيس الكنيسة الكاثوليكية، أكد فيها أن تكوين الأئمة والمرشدات، وهي المهمة التي من أجلها أنشأ الملك محمد السادس هذا المعهد، يقع في صميم ما هو منوط بالملك من حماية الدين.
وأضاف الوزير أنه، ومن أجل حماية الدين، أمر العاهل المغربي، منذ اعتلائه العرش، بسلسلة من الإصلاحات الهيكلية لتدبير هذا الشأن، وبإدخال حيوية قائمة على التوافق بين الصيغ المؤسساتية الحديثة في التدبير وبين مقاصد الدين في مختلف الجوانب.
وسلم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية البابا فرنسيس «دليل معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات»، وكذا بعض إصدارات المعهد ذات الصلة بالديانة المسيحية باللغتين العربية والإنجليزية.



اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
TT

اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)

في الوقت الذي يواصل فيه المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ مساعيه الهادفة إلى إعادة إحياء مسار السلام المتعثر وإطلاق الموظفين الأمميين المحتجزين لدى الجماعة الحوثية، وكذا الدفع لإنجاح تبادل الأسرى والمختطفين، جددت الحكومة اليمنية تلويحها بخيار القوة إذا استمرت الجماعة في رفض السلام.

التلويح اليمني جاء في تصريحات لعضو مجلس القيادة الرئاسي، عبد الرحمن المحرّمي، خلال لقائه في الرياض سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن، عبدة شريف، وذلك بالتزامن مع استمرار الجماعة الحوثية في أعمال التعبئة والتحشيد والقمع وفرض الجبايات.

ونقل الإعلام الرسمي أن المحرّمي أكد أن خيار السلام لا يزال مطروحاً، مشدداً في الوقت نفسه على أن استمرار رفض الحوثيين الانخراط الجاد في هذا المسار سيقابل بجاهزية أمنية وعسكرية لاتخاذ إجراءات رادعة، بما يضمن احتواء التهديدات والحفاظ على الاستقرار.

كما تناول اللقاء سبل تعزيز الدعم البريطاني لليمن، خصوصاً في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن، حيث أشاد المحرّمي بالدور البريطاني بوصفه شريكاً فاعلاً في دعم جهود السلام والاستجابة الإنسانية، مؤكداً أهمية استمرار هذا الدعم خلال المرحلة الحالية.

وفي السياق ذاته، بحث الجانبان التنسيق لمواجهة التهديدات المشتركة، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتأمين الملاحة الدولية، في ظل تصاعد المخاوف من تأثيرات التوترات الإقليمية على أمن الممرات البحرية الحيوية.

وأشار المحرّمي أيضاً إلى أهمية الحوار الجنوبي – الجنوبي المرتقب عقده في الرياض برعاية السعودية، عادّاً إياه محطة مفصلية لتعزيز وحدة الصف الجنوبي، وبناء رؤية مشتركة تستجيب لتحديات المرحلة المقبلة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية استمرار دعم بلادها لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، مشيدة بالجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، ومشددة على التزام لندن بالمساهمة في تخفيف معاناة اليمنيين ودعم تطلعاتهم نحو السلام والتنمية.

جهود أممية

على صعيد الجهود الأممية، اختتم المبعوث إلى اليمن، هانس غروندبرغ، زيارة إلى العاصمة العُمانية مسقط، أجرى خلالها سلسلة لقاءات مع مسؤولين رفيعي المستوى، ركّزت على سبل دفع جهود الوساطة الأممية في ظل متغيرات إقليمية متسارعة. وأكد غروندبرغ أهمية الدور الذي تضطلع به سلطنة عُمان في تقريب وجهات النظر بين الأطراف اليمنية، مشيداً بإسهاماتها المستمرة في دعم قنوات الحوار وتعزيز فرص التهدئة.

وشملت لقاءات المبعوث الأممي أيضاً مفاوض الجماعة الحوثية والمتحدث باسمها، محمد عبد السلام، حيث ناقش الجانبان فرص إحراز تقدم في المسار التفاوضي، خصوصاً فيما يتعلق بملف المحتجزين، حسب ما جاء في بيان صادر عن مكتب المبعوث.

واستعرض غروندبرغ -حسب البيان- نتائج المشاورات الجارية في العاصمة الأردنية عمّان بشأن تبادل الأسرى والمحتجزين، مشدداً على ضرورة تحقيق اختراق ملموس من شأنه التخفيف من معاناة مئات الأسر اليمنية التي تنتظر تسوية هذا الملف منذ سنوات.

كما أولى المبعوث الأممي اهتماماً خاصاً بملف موظفي الأمم المتحدة المحتجزين؛ إذ ناقش، برفقة المسؤول الأممي المعني بهذا الملف، معين شريم، قضية استمرار احتجاز 73 موظفاً أممياً في سجون الجماعة الحوثية.

ووصف غروندبرغ الأمر بأنه غير مقبول، مؤكداً أن الإفراج الفوري وغير المشروط عن المحتجزين يمثل أولوية قصوى بالنسبة للأمم المتحدة.

وتعكس هذه الجهود الأممية تصاعد القلق الدولي من استمرار الجمود السياسي في اليمن، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإنسانية المرتبطة بملفات الاحتجاز والانتهاكات.

عناصر حوثيون في صنعاء يرفعون أسلحتهم خلال حشد للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

ويُنظر إلى ملف موظفي الأمم المتحدة على أنه اختبار حقيقي لمدى جدية الحوثيين في التعاطي مع مسار التهدئة، خصوصاً أن استمراره يلقي بظلاله على عمل المنظمات الدولية في مناطق سيطرة الجماعة.

ويؤكد مراقبون أن نجاح الوساطة الأممية في تحقيق تقدم، ولو جزئياً، في ملف الأسرى والمحتجزين، قد يمهّد الطريق لإجراءات بناء ثقة أوسع، بما يعزز فرص الانتقال إلى مفاوضات سياسية أكثر شمولاً، غير أن هذا المسار لا يزال رهيناً بحسابات معقدة تتداخل فيها العوامل المحلية والإقليمية، وفي مقدمها الارتباط الحوثي بالمشروع الإيراني.


الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
TT

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

أكد فهد الخليفي، وكيل أول محافظة شبوة اليمنية، أن التدخلات السعودية في المحافظة على مختلف الأصعدة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية، إلى جانب دعم القوات العسكرية والأمنية.

وكشف الخليفي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن أحدث التدخلات التنموية تمثلت في اعتماد 6 طرق استراتيجية في عدد من المديريات، يستفيد منها آلاف المواطنين من أبناء المحافظة.

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

كما أشار إلى تدخلات أخرى شملت دعم ثلاثة مراكز كبيرة للكلى، والتكفل برواتب أطباء أجانب موزعين على مديريات المحافظة الـ17، مؤكداً أن التنسيق بين السلطة المحلية والبرامج السعودية يتم بمستوى عالٍ من الشفافية.

وفي الجانب العسكري، أوضح أن المملكة تكفلت بدفع رواتب وتغذية 11 لواءً من قوات دفاع شبوة، بعد إضافة 4 ألوية جديدة، وهي منتشرة حالياً في جبهات القتال ضد الحوثيين.

وقدّم الخليفي الشكر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، والسفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، على الدعم المتواصل لليمن عموماً، ومحافظة شبوة على وجه الخصوص.

اعتماد 6 مشاريع طرق

قال الخليفي إن التدخلات السعودية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، تستهدف البنية التحتية والمشاريع التنموية. وأضاف: «على مستوى البنية التحتية تم اعتماد 6 مشاريع لطرق استراتيجية، وهي طريق عين - مبلقة، ومرخة - خورة، ونصاب - حطيب، وحبان - هدى، إلى جانب طرق عرماء ورضوم».

فهد الخليفي وكيل أول محافظة شبوة (الشرق الأوسط)

القطاع الصحي

وأوضح الخليفي أن التدخلات السعودية في القطاع الصحي تشمل تشغيل مستشفى الهيئة النموذجي في عاصمة المحافظة، الذي يقدم خدماته للآلاف يومياً وبشكل مجاني، ولا يخدم شبوة فقط، بل يستفيد منه سكان من حضرموت ومأرب والبيضاء وأبين، إضافة إلى النازحين والمهاجرين الأفارقة.

وأضاف: «شمل الدعم أيضاً ثلاثة مراكز كبيرة للكلى في عزان، وعتق، وعسيلان ببيحان، وهي تدخلات تلامس احتياجات المواطنين بشكل مباشر، كما تم اعتماد رواتب 63 طبيباً أجنبياً موزعين على 17 مركزاً في شبوة».

ووفقاً لوكيل المحافظة، وزّع مركز الملك سلمان أخيراً أكثر من 40 ألف سلة غذائية على مديريات شبوة الـ17، كما نُفذت مشاريع في التعليم والمياه في عرماء والطلح وجردان.

شبوة نموذج تنموي وأمني

شدّد الخليفي على أن شبوة اليوم آمنة ومستقرة، وتقدم نموذجاً بارزاً بين المحافظات المحررة على المستويين الأمني والتنموي. وقال: «الأشقاء في السعودية يشرفون حالياً بشكل مباشر على القوات المسلحة في شبوة، وتمت إعادة تموضع هذه القوات في الجبهات من ناطع البيضاء وصولاً إلى حريب مأرب، مع الدفع بعدد من قوات دفاع شبوة».

ولفت إلى أن المحافظة تواجه الحوثيين في 6 جبهات، وتتمتع بأهمية استراتيجية، مضيفاً أن المملكة تدرك أهمية شبوة على مستوى الجنوب واليمن عموماً، وتبذل جهوداً كبيرة في التدريب والتسليح، ودعم القوات في المناطق المتاخمة لمأرب والبيضاء، حيث تتمركز قوات الحوثيين.

جانب من توزيع السلال الغذائية المقدمة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة في شبوة (السلطة المحلية)

دعم 11 لواءً عسكرياً

وبيّن الخليفي أن الجانب السعودي التزم برواتب وتغذية قوات دفاع شبوة، التي كانت تضم 7 ألوية، قبل أن يضاف إليها 4 ألوية أخرى، ليصل قوامها إلى 11 لواءً عسكرياً.

وأضاف: «هذه الألوية منتشرة الآن في الجبهات لمواجهة الحوثيين، بعد اعتماد الرواتب والتغذية لها، إلى جانب القوات الجنوبية الموجودة في شبوة، ومنها العمالقة الجنوبية، الأشقاء بذلوا جهداً كبيراً في هذا القطاع، ونحن ممتنون لهم».

وأكد أن القوات العسكرية في المحافظة على أهبة الاستعداد لمواجهة أي طارئ أو أي محاولات حوثية للتقدم نحو المحافظة أو غيرها، مشيراً إلى أن قوات دفاع شبوة تعمل بإشراف مباشر من المحافظ، ومن خلال غرفة عمليات مشتركة مع السعودية والتحالف العربي.

دور السلطة المحلية

وأشار الخليفي إلى أن السلطة المحلية لديها توجيهات واضحة من المحافظ عوض بن الوزير، بتسهيل جميع الجهود السعودية التنموية والإنسانية وغيرها. وقال: «شبوة قدمت أفضل نموذج للتعاون مع السعودية، سواء على المستوى التنموي أو الخدمي أو العسكري، وقدمنا كل التسهيلات للأشقاء في البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومركز الملك سلمان، وهو ما انعكس إيجاباً على سرعة الإنجاز، وظهور المشاريع السعودية في شبوة، بفضل الجاهزية التي وفرها أبناء المحافظة عبر تقديم الدراسات وتجاوز البيروقراطية في بعض الملفات».

زيارة لوفد من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن لإحدى مديريات شبوة (السلطة المحلية)


دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)

فيما تتواصل في محافظة حضرموت عملية دمج التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، أكدت الجهات المعنية أن الخطوات الجارية تمضي بسلاسة، تحت إشراف تحالف «دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في إطار مساعٍ لإعادة بناء المنظومة الأمنية على أسس مؤسسية موحدة.

ويأتي هذا التقدم بعد أسابيع من إعلان القيادة العامة لقوات حماية حضرموت، التابعة لحلف القبائل، اندماجها في قوام مؤسسات الدولة؛ حيث جددت هذه القوة تأكيدها أن عملية تنظيم وترتيب منتسبيها مستمرة وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة، وبما يُسهم في توحيد القرار الأمني ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.

وفي بيان لها، ردّت قيادة القوات على ما وصفته بشائعات تعثر عملية الدمج، مؤكدة تحقيق تقدم ملموس في الخطوات التنفيذية، من خلال استيعاب الدفعة الأولى من منتسبيها ضمن الأجهزة التابعة للأمن العام والشرطة في ساحل حضرموت، مع استكمال تجهيز القوائم الخاصة بالدفعات اللاحقة.

وأكَّدت القيادة أن هذه الإجراءات تهدف إلى استكمال عملية الانضمام الشامل لكل منتسبي القوة، بما يضمن حقوقهم ويعكس تقديراً لدورهم في الدفاع عن المحافظة، مشددة على أن العملية تمضي بوتيرة متصاعدة ومنظمة.

تخرج دفعة جديدة في كلية الشرطة في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشادت قيادة قوات حماية حضرموت بالدور الذي تضطلع به القيادات المحلية والعسكرية في تسهيل عملية الدمج، وفي مقدمتهم رئيس حلف القبائل وكيل أول المحافظة عمرو بن حبريش، والقائد العام للقوات، اللواء مبارك العوبثاني، إضافة إلى اللجان المختصة في التحالف العربي ووزارتي الدفاع والداخلية.

كما نوهت بالدور المحوري الذي تقوم به شعبة القوى البشرية في القيادة العامة، برئاسة العقيد عبد الله باكرشوم، في متابعة الإجراءات الميدانية، وضمان سير العملية وفق المعايير المحددة، بما يكفل صون حقوق المنتسبين، وتحقيق أعلى درجات الانضباط.

وفي السياق ذاته، دعت الإدارة العامة للأمن والشرطة بساحل حضرموت أفراد القوة العسكرية، خصوصاً في مدينة المكلا وضواحيها، إلى استكمال إجراءات توزيعهم على مواقعهم الخدمية، مشيرة إلى أن بقية الأفراد في المديريات الأخرى سيتم إشعارهم لاحقاً بمواعيد توزيعهم.

ويعكس هذا التنسيق مستوى متقدماً من التعاون بين الجهات المحلية والدولية، في سبيل إنجاح عملية إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، بما يُسهم في ترسيخ الاستقرار وتعزيز حضور الدولة.

حصر القوات ومساندة الحكومة

في وادي حضرموت، تتواصل الجهود الحكومية لحصر وتنظيم أوضاع الوحدات العسكرية؛ حيث تفقد رئيس عمليات المنطقة العسكرية الأولى، العميد الركن محمد بن غانم، أعمال اللجان التابعة لوزارة الدفاع المكلفة بحصر القوة في معسكر السويري.

وخلال الزيارة، اطّلع المسؤول العسكري على سير العمل وآليات التنفيذ، واستمع إلى شرح مفصل من القائمين على اللجان حول المهام المنجزة والتحديات التي تواجه عملية الحصر، مؤكداً أهمية الالتزام بالدقة والانضباط في تنفيذ المهام.

وأشار إلى أن هذه الخطوة تُمثل جزءاً أساسياً من مسار إعادة تنظيم القوات المسلحة، بما يُعزز من مستوى الجاهزية القتالية، ويرسخ مبادئ العمل المؤسسي داخل المؤسسة العسكرية.

وتأتي هذه الإجراءات في سياق أوسع يهدف إلى توحيد الهياكل العسكرية تحت مظلة الدولة، بما يحد من التداخلات، ويُعزز من فاعلية الأداء الأمني في مختلف مناطق المحافظة.

حلف قبائل حضرموت يؤكد مساندته للجهود الحكومية (إعلام محلي)

على صعيد موازٍ، جدّد حلف قبائل حضرموت دعمه الكامل للجهود الحكومية الرامية إلى تثبيت الأمن والاستقرار، مؤكداً رفضه القاطع لأي ممارسات من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة، وعلى رأسها إقامة القطاعات القبلية بدوافع شخصية.

ونفى الحلف علاقته بما يجري من قطاعات في شرق مديرية الشحر، عادّاً تلك التصرفات أعمالاً مرفوضة لا تُمثل أبناء حضرموت، لما تسببه من تعطيل لمصالح المواطنين ومضاعفة معاناتهم في ظل تردي الخدمات.

وشدد على أن أي مطالب أو حقوق يجب أن تُطالب عبر الوسائل السلمية والقنوات الرسمية، بعيداً عن الإضرار بالمجتمع أو تهديد أمنه واستقراره، داعياً إلى تغليب المصلحة العامة في هذه المرحلة الحساسة.

كما أشار إلى التأثيرات السلبية لهذه الممارسات على المحافظات المجاورة، خصوصاً محافظة المهرة، التي طالتها تداعيات القطاعات من خلال استهداف ناقلات وقود مخصصة لمحطات الكهرباء.

الرؤية الحضرمية للدولة

بالتوازي مع التحولات الأمنية، شهدت مدينة المكلا انعقاد ورشة عمل موسعة لمناقشة رؤية حضرموت في الدولة المقبلة، بمشاركة واسعة من الأحزاب والقوى السياسية والمكونات الاجتماعية، إلى جانب ممثلين عن الشباب والمرأة ومنظمات المجتمع المدني.

وجاءت هذه الورشة، التي نظمها المعهد الوطني الديمقراطي الأميركي، في إطار التحضير لمؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب في الرياض؛ حيث هدفت إلى بلورة رؤى مشتركة حول مستقبل المحافظة ودورها في أي تسوية سياسية مقبلة.

وأكد وكيل المحافظة حسن الجيلاني أهمية انعقاد هذه الورشة في هذا التوقيت، مشيراً إلى أنها تُمثل منصة حوار جادة لتقييم تجربة حضرموت في المراحل السابقة، واستخلاص الدروس التي تُسهم في صياغة مبادئ واضحة تعكس خصوصيتها وحقوقها المشروعة.

وأضاف أن النقاشات تناولت قضايا جوهرية تتعلق بشكل الدولة ونظام الحكم وموقع حضرموت في الدستور المقبل، بما يُعزز من حضورها السياسي والاقتصادي والإداري.

نقاشات معمقة لرؤية حضرموت استعداداً لمؤتمر الحوار الجنوبي (إعلام حكومي)

من جهته، أوضح مدير البرامج في المعهد الوطني الديمقراطي، محمد الكثيري، أن تنظيم هذه الفعالية يأتي ضمن جهود دعم الحوار الشامل وتعزيز المشاركة السياسية، بهدف الوصول إلى رؤى تُسهم في بناء دولة قائمة على الشراكة والعدالة وسيادة القانون.

وأشار إلى أن هذه المساحات الحوارية تتيح لمختلف المكونات تبادل الآراء وصياغة تصورات واقعية لمستقبل مستقر ومستدام، في ظل التحديات التي تواجه البلاد.

وتناول المشاركون في الورشة، التي استمرت 4 أيام، عدداً من المحاور الرئيسية، من بينها الحوار الجنوبي-الجنوبي وسياقه، وتقييم تجربة حضرموت في المرحلة الماضية، وصولاً إلى بلورة مبادئها في أي تسوية سياسية، إضافة إلى مناقشة نظام الحكم الداخلي وقضايا الإدارة المحلية.