صحافيو معارك «داعش»... تغطيات تحت «مطر» الشظايا

حملوا عتادهم وتنقلوا في صحراء مترامية الأطراف لرواية فظائع التنظيم

الصحافية ناز السيد مراسلة قناة «الغد» العربية أثناء تغطيتها في جبهة الباغوز
الصحافية ناز السيد مراسلة قناة «الغد» العربية أثناء تغطيتها في جبهة الباغوز
TT

صحافيو معارك «داعش»... تغطيات تحت «مطر» الشظايا

الصحافية ناز السيد مراسلة قناة «الغد» العربية أثناء تغطيتها في جبهة الباغوز
الصحافية ناز السيد مراسلة قناة «الغد» العربية أثناء تغطيتها في جبهة الباغوز

صحافيون وصحافيات يقطعون مئات الكيلومترات، حاملين عتادهم من كاميرات وعدسات تصوير وأدوات الحماية الشّخصية. من مكان إلى آخر يتنقلون وسط صحراء مترامية الأطراف، سالكين طُرقاً وعرة وأماكن خطرة. من قلب الأرض المحفوفة بالمخاطر، حيث موت المئات من الأبرياء في كل لحظة، يروي لنا هؤلاء الصّحافيون تجربتهم الشّخصية لدى تغطيتهم المعارك ضدّ تنظيم «داعش» في شمال شرقي سوريا. هناك حيث تستعرّ المعارك صوّروا للعالم أحداث وروايات أشخاص عايشت الحرب، وكتبوا قصصاً وتقارير عن الفظائع والجرائم التي ارتكبها التنظيم المتطرف.
أجروا المقابلات مع أخطر المقاتلين في العالم، وشاهدوا كيف يستسلمون ويعلنون خسارتهم العسكرية، وتعرفوا عبر تسجيلاتهم على المتطرفين القادمين من جميع أنحاء العالم. فقبل سنوات عمدوا إلى نشر الرّعب والهلع بمشاهد قطع الرؤوس، وحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، ونحر أبناء عشيرة الشعيطات السورية. واليوم قد جاء ليشهد هؤلاء الصّحافيون نهاية التنظيم في أكثر بقع الشرق الأوسط سخونة منذ ثمان سنوات.
- هشام وتحدي نقل الحقائق
هشام عرفات المتحدر من مدينة رأس العين أو (سري كانيه)، كما يسميها سكانها الأكراد، وتقع أقصى شمال سوريا، صحافي كردي سوري، غطى المعارك ضد «داعش» في كل من مدينة الموصل في العراق، ومدن وبلدات منبج والرّقة ودير الزور في سوريا أخيراً. يكتب باللغة العربية والإنجليزية منذ عام 2006 في صحف محلية وعالمية. عمل محرّراً للأخبار ومعدّاً للبرامج في «تلفزيون الشارقة» بالإمارات، من ثمّ مراسلاً لجريدة «الإندبندنت» البريطانية في إقليم كردستان العراق، أثناء تغطية المعارك ضد «داعش» المتطرف، ويعمل حالياً كاتباً في القسم الإنجليزي لموقع فضائية «كردستان 24».
خلال تغطيته معركة الباغوز، وقبلها معركة هجين في ريف دير الزور الشمالي، نشر عرفات، العشرات من التقارير الإخبارية باللغة الإنجليزية، وقد كان يسلّط الضوء على المجرى الرئيس للأحداث، خلافاً لباقي الصّحف والمواقع الأجنبية التي كانت تنشر قصصاً ومواضيع معينة. وعن تجربته يقول إنّ «معظم المواضيع التي ركّزت عليها كانت عن المناطق التي حُرّرت حديثاً من قبضة التنظيم. أتناول التفاصيل والمواضيع التي تكشف حكم عناصر (داعش) ووسائل دفاعه وهجماته».
يرى عرفات أنّ الصحافي مطالب بالمزيد من الدّقة والموضوعية في توضيح مجرى الحدث، خصوصاً إشكالية التقدم والتحرير لكل طرف عسكري والحرص في نقل صورة المدنيين، وتجنبهم من القتال في الوقت ذاته، كما أجرى الكثير من اللقاءات مع عناصر التنظيم الإرهابي أثناء خروجهم من الباغوز واستسلامهم، وفي السجون.
وكان التنظيم قد أعلن في يناير (كانون الثاني) 2014، سيطرته على مساحات واسعة، خصوصاً في ذروة قوته، أي منتصف عام 2015، ليعود بعدها ويشهد خسائر ميدانية كبرى خلال العامين الأخيرين، على وقع هجمات شنتها أطراف عدة، أبرزها «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، ومشاركة 79 دولة غربية وعربية.
يتحدث عرفات عن أبرز التحديات والعقبات التي كانت تواجه عملهم أثناء هذه التغطية قائلاً: «بدءاً بنيران المعارك، ومروراً بخطر القناصين والألغام والصّواريخ الحرارية التي كان يطلقها التنظيم، وانتهاءً بشظايا طائرات التحالف». يذكر أنه في معركة الباغوز منتصف شهر فبراير (شباط) الماضي، كادوا يُصابون بشظية كبيرة من نيران طائرات التحالف، وأضاف: «كنا موجودين في نقطة متقدمة نحو 400 متر فقط من عناصر التنظيم. كان بالإمكان رصد حركتهم بوضوح خلال هدنة مؤقتة، وعند القصف تطايرت الشّظايا بالقرب منّا. حقيقة، المشهد كان مرعباً».
وأعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية، بدء مرحلة جديدة في محاربة «داعش» في سوريا، عبر كلمة ألقاها القائد العام مظلوم عبدي في مراسيم إعلان القضاء على التنظيم الإرهابي في 23 مارس (آذار) الماضي، حين قال: «نعلن عن بدء مرحلة جديدة في محاربة (داعش)، وذلك من خلال الاستمرار بحملات عسكرية وأمنية دقيقة بالتنسيق مع قوات التحالف الدُّولي بهدف القضاء الكامل على الوجود العسكري والسّري للتنظيم»، مشيراً إلى خطورة خلاياه النائمة «التي لا تزال تشكل خطراً كبيراً على منطقتنا والعالم بأسره».
- ناز في مواجهة غسل الأدمغة
ناز السيد، مراسلة قناة «الغد» العربية. تتحدّر من مدينة القامشلي الواقعة أقصى شمال شرقي سوريا. كانت من بين أول المراسلين الذين أعلنوا خبر القضاء على تنظيم «داعش» في 23 مارس من العام الحالي، وانتهاء «خلافته» المزعومة. وأعربت السّيد عن مشاعرها قائلة: «هذا يجعلك تنسى كل ما عانيناه خلال الشهور الطّويلة التي قضيناها في الصّحراء القاحلة وسط معارك عنيفة ونيران الصّواريخ وأصوات لم تهدأ». وتضيف: «لا أحد سوى زملائي الصّحافيين يستطيع مشاهدة الحدث من زاويتنا». وتقول: «لن أنسى هذه اللحظات طوال حياتي».
وبعد إعلان تحرير بلدة الباغوز، دخلت إلى المخيم؛ البقعة الجغرافية الأخيرة حيث يتحصّن عناصر «داعش». وقالت السيد: «استهدفنا من قبل القناصة الموجودين في أحد جحور التلال المطلّة على البلدة. أيقنت حينها، أنّهم بالفعل متمسكون بأفكار التنظيم المتطرف وعقيدته. وتبادر إلى ذهني أسئلة كثيرة، من هو هذا المقاتل؟ ومن يكون؟ وما الذي يجعله متمسكاً بهذه العقيدة على الرّغم من سقوط خلافته المزعومة».
وتروي المشاهد الأولى من المخيم الذي وصفته السّيد، بأنّه كومة خردة من سيارات مكسّرة وخيم مهترئة، ووجود شبكة أنفاق محفورة تحت الأرض وسواتر ترابية، وتزيد: «تدلّ هذه المناظر على أنّ مقاتلي التنظيم وعائلاتهم كانوا مقتنعين بعقيدته، كما ثقتهم بزعيمهم البغدادي، وبأنّه سيبقى كما العقيدة». وتضيف: «الحرب لم تنته والمرحلة المقبلة هي الأصعب، في محاربة خلاياه النائمة».
وعملت ناز السيد مراسلة حربية غطت معركة عفرين في ريف حلب الشمالي، وقبلها معركة الرقة وسقوط «داعش» و«خلافته» المزعومة هناك، إلى جانب تغطيتها معركة منبج منتصف 2016، وبعدها جبهة الطبقة، وتضيف: «كانت معركة الباغوز الأصعب، نظراً لوعورة المنطقة الصحراوية، وجغرافيتها مترامية الأطراف». وتابعت «أنّ أصعب ما عايشته، مشاهدة أشخاص لا يزالون يحملون فكر التنظيم على الرّغم من القضاء عليه عسكرياً. والمعركة الأهم هنا، هي كيف نستطيع توعيتهم، وتأهيلهم وإعادتهم إلى الحياة الطبيعية، لا سيما الأطفال منهم».
معركة الباغوز لم تكن تشبه أي معركة أخرى، فقد كانت حاسمة. فيها أصيب صحافي إيطالي بجروح بليغة، جراء تغطيته لها. وتابعت ناز قائلة: «بعد إصابته، انتابتني مشاعر مشوشة، هل أستمر في تغطية المعركة؟ التحديات كانت كبيرة بالفعل».
وتُخبر ناز: «واجهتني مواقف صعبة، فعندما كنت أوّجه أسئلة إلى أسر التنظيم وعائلاته، تعرضت لكلمات وشتائم وصراخ. مشهد سأبقى أتذكره مهما حييت. فالنساء كن يصرخن: إنّها باقية وتتمدد (أي «داعش»)، والأطفال يرفعون الإبهام ويرددون شعارات متطرّفة تعلموها من التنظيم».
- قاطرات «مركونة» بذاكرة رامان
بالنسبة لرامان عيسى، مدير مكتب شبكة «أورنينا»، السوري من الحسكة، لم تكن هذه أول تجربة في تغطية المعارك، لكن معركة دحر الإرهاب في ريف دير الزور الشّمالي كانت من أقوى المعارك، حسب رأيه، وقال إنّ «اختلاف الجغرافيا وتقلبات المعركة كانت تخلق مناخاً من الخوف والهلع بالنسبة للمصور والصحافي، خصوصاً أثناء الوجود في نقاط الاشتباك»، وأضاف: «بكل تأكيد أشعر بالفرح لهزيمة التنظيم. وأعتبرها لحظة الانتهاء من حقبة سوداء عاشها الكثير من أبناء منطقة شرق الفرات. نعم كانت حقبة من الظلام والإرهاب».
وأشار إلى أنّ أكثر الصّور التي تتوارد على ذهنه، هي مشاهد الناقلات والقاطرات التي كانت تحمل عوائل وأسر من يشتبه بانتمائهم للتنظيم إلى المناطق المحررة، وأضاف عيسى: «أنّه بعد الهزيمة، كان الأطفال يلوحون رافعين أيديهم الصغيرة راسمين بأصابعهم شارة النّصر، يلقون التحية على الصحافيين أثناء عبورهم من الممر الإنساني. والفرحة على وجوههم واضحة بعد خلاصهم من ظلم التنظيم».
من ناحيته، استعبد رامان عيسى القضاء على التنظيم جغرافياً، كما زواله عسكرياً عن الأرض. بمعنى انتهاء حقبة «داعش» بشكل كامل، نظراً لانتشار خلاياه النائمة في أغلب المناطق، خصوصاً في ريف دير الزور وبادية الشّام. وقال: «كنا نسمع أحاديث من المدنيين كيف يخرجون في الليل، أو عند اشتداد العواصف والأمطار، ويرعبون الناس وينشرون الخوف باغتيال شخص ما أو بعملية انتحارية».
- عندما صلب شقيق رضوان أمامه
من قناة «كردستان 24»، يقول مراسلها رضوان بيزار المتحدر من مدينة تل أبيض التابعة لريف الرقة الشّمالي، إنّه تعرض وعائلته للتهجير على يد فصائل وجهات «إسلامية متشددة» منتصف 2013، ولجأوا إلى مدينة أورفا التركية المجاورة لسوريا. وبسبب أنشطته وتغطياته الإعلامية، نشر عناصر تنظيم «داعش»، اسمه وأسماء عدد من زملائه، ولصقوا القائمة على جدران تل أبيض التي كانت خاضعة لسيطرتهم آنذاك، قبل طردهم صيف 2015، وذلك للتحذير من التعامل معهم. بعد طرد «داعش» من مدينته، عاد بيزار إليها واستأنف عمله في الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة. يروي أنّ أول المشاهدات التي لاحظها في مدينته، كانت قفصاً حديدياً موضوعاً في مركز تل أبيض، وهو عبارة عن مكان لمعاقبة المخالفين لقوانين التنظيم، يتذكر صوت الرجل الذي قال له إنّ عناصر «داعش» صلبوا أخاه أمام ناظريه، وتُرك ثلاثة أيّام من دون السماح بدفن جثته.
وقال رضوان: «أثناء تغطيتي لمعركة طرد التنظيم من الطبقة، اجتزنا نهر الفرات بقوارب صغيرة تسمّى محلياً بـ(البرك)، يومذاك حلّقت طائرة مسيرة عائدة للتّنظيم فوقنا وأطلقت قنبلة، ولكن لم يصب أحد منّا بأذى». وتعرض رضوان لحادث آخر أثناء تغطية معركة الرقة في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، حيث استهدف من قبل عناصر «داعش» بقنبلة فراغية عبر طيارة من دون طيار، فأصيب بجروح طفيفة مع اثنين من زملائه. كما يخبرنا بأنّه تعرض لحادث كاد أن يودي بحياته: «عندما فجّر اثنان من الانتحاريين من (داعش) نفسهما بسيارة مفخخة في حي المشلب شرق الرقة، أصبت مع زميلي علاء سعدون بجروح بليغة، وعلى الفور أسعفنا إلى المستشفى وبعد أيام تماثلنا للشفاء».


مقالات ذات صلة

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

العالم العربي اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ «كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)

مصر تحذر من محاولات تقويض علاقاتها بالدول العربية عبر السجالات الإعلامية

حذرت مصر من محاولات بث الفرقة وتقويض العلاقات المصرية - العربية عبر وسائل الإعلام على وقع الحرب الإيرانية.

أحمد عدلي (القاهرة )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ) p-circle

«الخيانة العظمى»... ترمب يلوّح بأقصى العقوبات ضد الإعلام بسبب تغطية الحرب الإيرانية

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقادات حادة لعدد من المؤسسات الإعلامية، مطالباً بمحاكمتها بتهمة «الخيانة العظمى» على خلفية تغطيتها للحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

أكد مجلس وزراء الإعلام العربي على أهمية قيام وسائل الإعلام العربية بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
الخليج سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الإعلام السعودي: نقف صفاً واحداً في مواجهة العدوان

دعا سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي، الإعلاميين والإعلاميات في دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة كل من يستهدف أمنها واستقرارها عبر خطابٍ واحدٍ وإعلامٍ مسؤول.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
TT

«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)

ما عاد ثمة ريب في أن الذكاء الاصطناعي أصبح إحدى أكثر التقنيات تأثيراً في تشكيل الاقتصاد العالمي. وعلى مدى العقد الماضي، هيمنت حفنة من شركات التكنولوجيا والحكومات، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، على العديد من الإنجازات في مجال التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي التوليدي. ومن الأبحاث الرائدة إلى المناقشات التنظيمية المحورية، جرت صياغة أجندة الذكاء الاصطناعي العالمية داخل «وادي السيليكون»، وواشنطن، وبروكسل ولندن.

مع ذلك، أثناء انعقاد «قمة الذكاء الاصطناعي العالمية» التاريخية عام 2026 في نيودلهي، شرعت الهند في مسعى أكثر طموحاً وهو إعادة تموضعها، ليس فقط كمشارك في ثورة الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً كـ«مهندس رئيس» لمستقبلها.

صورة من «القمة» (أ.ف.ب)

منصة عالمية فريدة

لقد شارك في هذه «القمة»، التي استغرقت ستة أيام، نخبة من صنّاع السياسات والباحثين والمستثمرين والمديرين التنفيذيين من شركات التكنولوجيا الرائدة، بينهم ممثلون عن شركات عملاقة. وضمّت قائمة الرؤساء التنفيذيين في القمة أسماءً لامعة، على صعيد صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية، مثل سوندار بيتشاي («غوغل» و«ألفابيت»)، وسام ألتمان («أوبن إيه آي»)، وداريو أمودي («أنثروبيك»)، وديميس هاسابيس («غوغل ديب مايند»)، إضافة إلى الملياردير موكيش أمباني، رئيس شركة «ريلاينس إندستريز»، الذي تتخذ مجموعته خطواتٍ حثيثة بمجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وأيضاً وفّرت «القمة» منصة عالمية فريدة، باستضافتها نخبةً من قادة العالم، منهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بجانب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

وبينما أثنى ماكرون على الإطار الرقمي المتميز للهند، داعياً إلى إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية، حذّر غوتيريش من أن «مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُقرره عدد قليل من الدول، أو يُسيطر عليه عدد قليل من المليارديرات»، داعياً إلى نهج أكثر شمولاً وإنصافاً في تطور هذه التكنولوجيا.

تكنولوجيا أساسية

في أي حال، سلطت القمة الضوء على اتجاه عالمي أوسع نطاقاً. إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على عدد قليل من مراكز الأبحاث النخبوية، بل غدا تكنولوجيا أساسية تُؤثر على مختلف الصناعات في جميع أنحاء العالم. وبالفعل، سلطت «قمة» نيودلهي الضوء بشكل واضح على الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية الفورية للذكاء الاصطناعي. وبالنسبة الهند والعديد من دول «الجنوب العالمي»، جرى التركيز على كيفية نشره على نطاق واسع لتسريع وتيرة جهود التنمية.

وهكذا خرجت رسالة «القمة» مؤكدة ألاّ يبقى الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا حصرية تسيطر عليها قلة من الاقتصادات الغنية، بل وجوب تطويره إلى أداة متاحة للجميع، تستطيع معالجة التحدّيات العالمية كالرعاية الصحية، ورصد المناخ، والإنتاجية الزراعية.

في هذا الصدد، وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل»، الذكاء الاصطناعي بأنه «نقلة نوعية في المنصات»، وحث على السعي إليه «بجرأة» و«بمسؤولية» لتجنب اتساع «الفجوة بمجال الذكاء الاصطناعي». وشدد على الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، مُعلناً أنه أكثر أهمية من اكتشاف النار أو الكهرباء.

غوتيريش يلقي كلمته (UNIC)

استثمارات تكنولوجية ضخمة

من ناحية ثانية، شهدت «القمة» كذلك مواقف مهمة بشأن الاستثمارات في منظومة الذكاء الاصطناعي المزدهرة في الهند. إذ كشف ألتمان، عن أن الهند من أهم أسواق «أوبن إيه آي»، وأنها تضم أكثر من 100 مليون مستخدم نشط أسبوعياً لخدمة «تشات جي بي تي»؛ لتحتل بذلك المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة. أما «غوغل» فأعلنت مجموعة من الالتزامات، بينها مسارات جديدة للألياف الضوئية، ضمن مبادرة «أميركا ـ الهند كونكت» لتعزيز الاتصال الرقمي بين البلدين ومواقع أخرى في نصف الكرة الجنوبي. وعلاوة على ذلك، أعلنت Google.org عن مبادرة منفصلة بعنوان «تحدي الذكاء الاصطناعي من أجل الابتكار الحكومي»، كدعوة عالمية للمنظمات التي تُطوّر حلولاً مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على إحداث نقلة نوعية في الخدمات العامة.

من جهتها، أعلنت مجموعة «أداني»، من القطاع الخاص، عن تخصيص استثنائي بقيمة 100 مليار دولار أميركي، لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الهند، باستخدام الطاقة المتجددة بحلول عام 2035. وأوضحت المجموعة أن هذا الاستثمار سيحفز استثمارات إضافية بقيمة 150 مليار دولار في قطاعات مجاورة، تتضمن تصنيع الخوادم، ومنصات الحوسبة السحابية السيادية، والبنية التحتية الكهربائية المتقدمة. كما خصصت الهند 1.1 مليار دولار أميركي لصندوق رأسمال استثماري مدعوم من الدولة، مخصص للشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم.

وبالتوازي، برزت مبادرة شركة «كوالكوم»، التي كشفت عن برنامج استثماري بقيمة 150 مليون دولار، مصمّم خصيصاً لدعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، يركز على البرمجيات المتقدمة وتكنولوجيا أشباه الموصلات. ومن المقرر أن يتعاون هذا البرنامج مع شركتي «تاتا للإلكترونيات» و«سارفام للأبحاث» الناشئة.

وبشكل عام، تجاوزت التزامات الاستثمار المرتبطة بـ«القمة» 250 مليار دولار أميركي، لتشمل مزيجاً متنوعاً من مبادرات القطاع الخاص والحكومة. ويؤكد محللون على أهمية هذه الاستثمارات، بفضل تزايد اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على القدرات الحاسوبية؛ ما يستلزم بنية تحتية ضخمة للبيانات.

الأثر الملموس للذكاء الاصطناعي

أيضاً، كان من أبرز المواضيع التي برزت في «القمة» التوسع في نطاق التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي. عرضت الشركات الناشئة والمؤسسات البحثية بفخر تكنولوجيات رائدة تهدف إلى إحداث ثورة في تشخيص الرعاية الصحية، وتعزيز الإنتاجية الزراعية، وتحسين فرص الحصول على التعليم. ومن بين العروض التوضيحية البارزة، أداة تشخيصية تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على تحديد اعتلال العين السكري من خلال تحليل متطور للصور؛ ما يتيح إمكانية الكشف المبكّر في العيادات التي تتسم بمستوى محدود من الرعاية المتخصصة.

وقدمت شركات أخرى أدوات ذكاء اصطناعي مبتكرة مصمّمة لتحليل حالة المحاصيل باستخدام صور الأقمار الاصطناعية؛ الأمر الذي يمدّ المزارعين بمعلومات قيّمة لتحسين المحاصيل وتقليل الأثر البيئي. وتُظهر هذه التطبيقات بوضوح كيف يتجاوز الذكاء الاصطناعي البحث التجريبي، ويتغلغل في قطاعات ذات آثار اجتماعية واقتصادية مباشرة وعميقة.

سباق البنية التحتية

في سياق متصل، تمحوَرت إحدى الركائز الأساسية للمناقشات على الطلب المتزايد بسرعة على البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ويتطلب تدريب نماذج اللغة الضخمة المعاصرة كميات هائلة من القدرة الحاسوبية وأجهزة متخصصة. وعليه، غدت شركات مثل «إنفيديا» ركيزة أساسية في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية، مع اعتماد وحدات معالجة الرسوم الخاصة بها الكثير من نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً في العالم. ومن المقرر أن تدمج هذه المبادرة آلاف وحدات معالجة الرسوم العالية الأداء، والمخصصة تحديداً لدعم الجامعات ومختبرات الأبحاث والشركات الناشئة الواعدة.

سد الفجوات اللغوية

التحدّي المعقّد المتمثل في التنوّع اللغوي ناقشته «القمة» بعناية. وتاريخياً، جرى تدريب معظم نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الرائدة، بشكل أساسي، على بيانات اللغة الإنجليزية. ولكن، يتواصل مليارات الأشخاص حول العالم بلغات أخرى. وبالتالي، قدّم المطوّرون أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة مصممة بدقة لمواجهة هذا التحدي. وهنا يبرز BharatGen Param2، كنموذج لغوي ضخم مصمم خصيصاً لدعم جميع اللغات الهندية الـ22 المعترف بها دستورياً. كذلك، عرضت شركة «سارفام إبه آي» نموذجاً متعدد اللغات ضخماً مبنياً على بنية «مزيج من الخبراء»؛ بهدف تحسين الكفاءة وقابلية التوسع بشكل كبير.

التحديات

أخيراً، لا تزال التحديات قائمة، وبخاصة الحاجة إلى تعزيز صناعة أشباه الموصلات، ودعم مؤسسات البحث المتقدمة، وتعميق التعاون الدولي. ولكن مع هذا، أشارت المناقشات والالتزامات المقنعة، التي شهدتها «القمة» بقوة إلى أن مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي يشهد بالفعل تطوراً كبيراً. وفي حين يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي قد بدأ عصره الحديث في عدد محدود من مختبرات التكنولوجيا، فإن الخبراء يؤكدون أن مستقبله سيتشكل من خلال نظام بيئي عالمي مترابط أوسع نطاقاً.


منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار

ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
TT

منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار

ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)

عزّز التفاعل مع حفل توزيع جوائز الأوسكار على منصّات التواصل الاجتماعي المنافسة مع التلفزيون. فوفق بيانات لشركة «نيلسن» المتخصّصة في قياسات وأبحاث سوق الإعلام، نشرتها شبكة «إيه بي سي» الأميركية أخيراً، اجتذب البث التلفزيوني لحفل الأوسكار هذا العام 17.9 مليون مشاهد في الولايات المتحدة، بانخفاض بنسبة 9 في المائة عن العام الماضي، وهذه أدنى نسبة مشاهدة منذ عام 2022.

وتبعاً للشبكة نفسها، وتزامناً مع تراجع مشاهدة البث التلفزيوني للحفل السنوي السينمائي الكبير، ازداد التفاعل مع الحفل على منصات التواصل الاجتماعي بنسبة 42 في المائة هذا العام بالمقارنة مع عام 2025 ليصل إلى ‌أكثر من 184 مليون مشاركة.

خبراء التقدم بـ«الشرق الأوسط» رأوا أن «منصّات التواصل تفرض الآن واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار»، وذكروا أن المنصات الرقمية تتنافس لتكون المكان الذي يناقش فيه المشاهدون الأحداث لحظة بلحظة. والبيانات الخاصة بحفل الأوسكار تعزّز الآن الطروحات التي ترى أن العالم دخل رسمياً عصر ما بعد التلفزيون التقليدي.

الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي بليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقةً إن ما يحدث «جزء من التحوّل في أنماط استهلاك المحتوى حول العالم، في ظل الاعتماد على الهواتف الجوالة ومنصات التواصل الاجتماعي».

وأردفت أن «البيانات الخاصة بحفل الأوسكار تعزّز الطروحات التي تقول إن العالم قد دخل رسمياً عصر ما بعد التلفزيون التقليدي... وحتى الرياضة التي كانت الحصن الأخير للتلفزيون التقليدي شهدت انتقالاً لحقوق البث نحو المنصات الرقمية». ولفتت في هذا الصدد إلى صفقة «نتفليكس» مع «WWE بقيمة 5 مليارات دولار، واستحواذ شركة «Prime Video» على حق تغطية مباريات دوري الكرة الأميركية (NFL)، مضيفةً أن «هذه مؤشرات لا يمكن تجاهلها وستسهم في سحب جزء كبير من جمهور التلفزيون نحو منصات المشاهدة الرقمية».

إلا أن أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي ترى أن «التلفزيون يستطيع مع هذا تبني بعض الاستراتيجيات التي تضمن بقاءه ضمن هذه البيئة التنافسية»، وأن من بين هذه الاستراتيجيات «استراتيجية محرك الاكتشاف» عبر تصميم المحتوى القصير ليعمل «محرك اكتشاف» يحوّل المشاهدين الرقميين إلى جمهور مخلص للتلفزيون. ثم هناك استراتيجية ثانية تعتمد على «تفعيل نموذج التلفزيون الاجتماعي»، موضحةً أن هذه الأخيرة «تعتمد على تبني نموذج التسويق عبر البث المباشر من خلال دمج التفاعلية في الوقت الفعلي».

وأوضحت د. مي عبد الغني أن «التلفزيون يظل المصدر الأكثر ثقة للأخبار في الأوقات العصيبة مقارنةً بمنصات التواصل المزدحمة... ولكنّ تعزيز هذه المكانة يتطلب الالتزام الصارم بالتدقيق المهني وتطوير مهارات الكوادر البشرية للتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي».

وبالمناسبة، في ضوء التنافس بين المنصات والتلفزيون، من المقرر أن ينتقل بث حفل الأوسكار عام 2029 من شبكة «إيه بي سي» إلى موقع «يوتيوب» التابع لشركة «غوغل».

من جهة أخرى، أوضح محمد فتحي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن «منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار». وأشار إلى أن «قواعد اللعبة التنافسية بين التلفزيون والمنصات الرقمية تغيّرت، فتحولت من صراع بقاء إلى تكامل استراتيجي». ثم تابع أن «المعلنين ما عادوا الآن يكتفون بالإعلان التلفزيوني، إذ تثبت البيانات أن العلامات التجارية التي تدمج حملاتُها بين التلفزيون والمنصات تحقق عائداً أعلى بنسبة تصل إلى 800 في المائة». وأضاف أن «المنافسة ليست على جذب المشاهد لترك التلفزيون، بل على الاستحواذ على انتباهه في أثناء المشاهدة؛ فالمنصات الرقمية تتنافس لتكون المكان الذي يناقش فيه المشاهدون الأحداث لحظةً بلحظة».

ولفت فتحي إلى أن «التلفزيون فقد القدرة على الاحتكار، ولم يعد البوابة الوحيدة للأحداث، بل أصبح جزءاً من منظومة كبرى... نتيجة تغيير سلوك المشاهدة. فالمشاهد اليوم لا يشاهد 3 ساعات متواصلة، ويفضل اللحظات المفضلة والمقاطع القصيرة والقصص».

واستطرد أن «تراجع التلفزيون سيكون مفزعاً... نعم... إذا استمر التلفزيون بنفس الشكل القديم». لكنه استدرك ليشير إلى قدرته على الاستمرار بسبب بثّه الأحداث الرياضية والحفلات، وقدرته على الوصول إلى شريحة جمهور غير قادرة على امتلاك شاشات ذكية أو الوصول إلى الإنترنت، وهي شريحة تتقلص بمرور الوقت».

واختتم بالقول إن «المنافسة بين التلفزيون والمنصات الرقمية لم تعُد تهدف لإقصاء الآخر، بل أدّت إلى خلق نظام تكاملي، فالتلفزيون يتراجع بوصفه وسيلة وحيدة للبث، فيما تعمل المنصّات الرقمية مسوّقاً للأحداث وداعماً أكبر للانتشار».


حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».