رئيس ديوان الرئاسة في كردستان لـ {الشرق الأوسط}: دخلنا كركوك بطلب من المالكي

فؤاد حسين كشف أسرار الاتصالات مع مكتب رئيس الوزراء بشأن خطورة الموقف في الموصل ومهاجمة داعش

رئيس ديوان الرئاسة في كردستان لـ {الشرق الأوسط}: دخلنا كركوك بطلب من المالكي
TT

رئيس ديوان الرئاسة في كردستان لـ {الشرق الأوسط}: دخلنا كركوك بطلب من المالكي

رئيس ديوان الرئاسة في كردستان لـ {الشرق الأوسط}: دخلنا كركوك بطلب من المالكي

يستغرب من يزور أربيل، عاصمة كردستان العراق، ومحافظتي دهوك والسليمانية، كيف أن الحياة تمضي بشكل هادئ ومسيطر عليه تماما على الرغم من أن تهديد داعش لأمن الإقليم كان قاب قوسين أو أدنى.
ومع وجود أكثر من مليون ونصف المليون نازح أغلبيتهم من العرب، مترافقا مع سوء الأوضاع الاقتصادية بسبب معاقبة حكومة رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي لكردستان وقطع الميزانية عنهم وحرمان موظفيهم من رواتبهم، فإن الأوضاع تبدو طبيعية. فالقيادة الكردية المتمثلة برئيس الإقليم مسعود بارزاني، ورئيس الحكومة نجيرفان بارزاني، والمسؤولون الأمنيون والحكوميون لا ينامون أكثر من ساعتين بسبب اجتماعاتهم وإشرافهم على جبهات القتال، كما يؤكد الدكتور فؤاد حسين، رئيس ديوان رئاسة الإقليم.
حسين في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بمكتبه في أربيل، أمس، كشف الكثير من الأسرار، والملابسات التي واكبت التطورات الميدانية والسياسية، مشيرا إلى أن «التهديدات من قبل تنظيم داعش على أمن الإقليم لا تزال موجودة، لكن في الوقت نفسه كانت هناك مقاومة، رغم تراجعات حدثت نتيجة خلل تنظيمي وقد جرى إعادة تنظيم قوات البيشمركة والآن المبادرة بيد قوات الإقليم بينما قوات داعش الإرهابية تتراجع».
وأوضح «حدود مواجهتنا مع داعش تمتد لمسافة تقرب من 1500 كيلومتر، من أطراف الموصل إلى جنوب خانقين، والمجابهة اليوم في أطراف الموصل بعد تحريرنا وسيطرتنا على سد الموصل، وهناك مواجهات في أطراف كركوك وجلولاء». وأضاف «داعش حاول الوصول إلى أطراف أربيل، ووصل ليلة السابع من الشهر الحالي على مقربة من عاصمة الإقليم لكنه بعد يومين انهار وانهزم».
ويوضح حسين قائلا «توازن القوى العسكرية كان لصالح داعش بعد أن سيطر على أسلحة ستة فرق من الجيش والشرطة العراقية عندما سيطر على الموصل، وعندما نتحدث عن أسلحة ستة فرق في الجيش العراقي فإنما نتحدث عن سيطرتها على ألف سيارة مدرعة والآلاف من المدافع مختلفة المدى، ووقعت مخازن الأسلحة الثقيلة والخفيفة والعتاد الهائلة في الموصل وأطراف صلاح الدين بيده.. وبعد سيطرتها على هذه الأسلحة نظمت قوات داعش هجوما منظما على مقرات بعض الفرق والألوية والمعسكرات للجيش السوري داخل أراضي سوريا وسيطرت على أسلحة متطورة بينها صواريخ متوسطة المدى. بمعنى أن داعش حصل على أكثر الأسلحة تطورا وحداثة وقوة من جيشين، العراقي والسوري»، منبها إلى أنه «في المقابل فإن أسلحة قوات البيشمركة بسيطة ومعظمها خفيفة ودفاعية، يضاف إلى ذلك، وبعد سيطرة قوات داعش على الموصل ومناطق واسعة أخرى، توزعت قوات البيشمركة من سنجار إلى خانقين ونحن نتحدث عن مساحات واسعة للغاية، وهذا أدى إلى خلل في موازين القوى كون قوات داعش متحركة وتمتلك أسلحة هجومية متطورة، بينما قواتنا ثابتة في مواقعها وتمتلك أسلحة دفاعية خفيفة».
ويضيف رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان قائلا «يضاف إلى كل هذا سيطرة قوات داعش على قضاء تلعفر قبل سقوط قضاء سنجار بأسبوعين، وهو ما خلق وضعا استثنائيا لصالح القوات الإرهابية ذلك أن غالبية أهالي تلعفر، وخاصة الشيعة التركمان نزحوا من مدينتهم إلى سنجار، وهي مدينة فقيرة أصلا وتبتعد عن الإقليم نحو مائة كيلومتر. وفي أطراف الطريق إلى سنجار بنحو 70 كيلومترا تنتشر عشائر عربية سنية، والوصول إلى سنجار يحتاج إلى طريق، فإذا كان هذا الطريق بيد حلفاء وأصدقاء كان من السهل علينا الوصول إلى سنجار ومساعدة الأهالي، لكن للأسف هذه العشائر انقلبت علينا وصارت من أنصار داعش وأصبح هذا الطريق عدائيا لنا. وكان هناك خلل كبير في تنظيم البيشمركة في سنجار وإدارة العمليات العسكرية هناك لهذا سيطرت قوات داعش على سنجار بدعم من العشائر العربية السنية، وهذا أدى إلى انهيار بقية المناطق المحيطة بسنجار لأن الأهالي سمعوا بجرائم وفظائع داعش التي مارسوها على سكان المناطق التي سيطروا عليها».
وأشار حسين إلى أن «داعش يقاتل بأسلوبين في آن واحد، الهجوم المسلح وإعلام الرعب الذي يصدره والذي يحقق 60 في المائة من نجاحات داعش وخلق حالة من الرعب بين الأطفال والنساء، وهم لا يقاتلون جيشا بل يحاربون الأهالي أولا، هذه العوامل مجتمعة خلقت بعض الانهيارات هنا وهناك، لكن بعد أيام تدخلت القوة الجوية الأميركية في الميدان».
وقال حسين «نحن كنا ومنذ الأيام الأولى مع الإدارة الأميركية نقوم بإطلاعهم على سير الأمور ومدى خطورتها وتدخلهم كان مهما لتغيير موازين القوى». ويحمل حسين نوري المالكي باعتباره رئيسا للوزراء والقائد العام للقوات المسلحة (وقتذاك) مسؤولية انسحاب القوات العراقية من الموصل والسماح لداعش بالسيطرة عليها، منبها إلى أن «رئيس الإقليم مسعود بارزاني كان قد اتصل بالمالكي قبل أشهر وأبلغه بأن داعش موجود وبقوة في الموصل وطلب منه التعاون سوية لتصفية داعش هناك، فأجابه المالكي (أنتم دبروا الأمور في الإقليم ونحن ندبرها ببقية المناطق) ورفض التعاون».
وأضاف أن «المالكي الذي ساعده الأكراد في تثبيته بمنصبه خدمة للعملية السياسية لم يثق يوما بنا، المالكي تحول إلى عدو للمالكي، وبدلا من أن ينقل الأعداء إلى خانة المحايدين، والمحايدين إلى خانة الأصدقاء، نقل الأصدقاء والمحايدين إلى خانة الأعداء».
يقول حسين «لا بد من تثبيت الأمور تاريخيا، قبل سيطرة داعش بأيام قليلة على الموصل كان الرئيس بارزاني خارج العراق، وبناء على توجيهاته وتوجيهات الأخ نجيرفان بارزاني، رئيس حكومة الإقليم، اتصلت بمدير مكتب المالكي طارق نجم، قبل بضعة أيام من سقوط الموصل، وهو صديق للمالكي وأعرف أنه يستطيع الوصول إليه بسهولة، وقلت له أقترح أن تأتي مع مسؤولين عسكريين وأمنيين للاجتماع في أربيل لتبادل المعلومات واتخاذ قرار عاجل لأن الأوضاع صارت صعبة للغاية وأن احتمالات سيطرة داعش على الموصل باتت أكيدة، فقال لي بين الجد والمزاح، وهو صديق لي، أقسم إنكم إذا دخلتم الموصل فلن تنسحبوا منها بعد هدوء الأمور.
وأنا أعرف أن هذه هي فكرة المالكي ففي اجتماعات سابقة قال إن قوات البيشمركة إذا دخلت إلى الموصل لن تنسحب منها، قلت له أنا اتصلت بك لتبليغ رئيس الوزراء بخطورة الموقف، نحن لدينا معلومات ونحتاج إلى جهودكم ومن دون تنسيق مع الجيش العراقي لا نستطيع دخول الموصل وإذا لم يجر تبليغ القيادة العسكرية في الموصل بضرورة التنسيق مع البيشمركة سيتحول الوضع إلى فوضى أمنية ولن يجري التعاون». واستطرد «عند الساعة الثانية من فجر اليوم التالي، أي بعد ساعات من احتلال داعش للموصل، اتصل بي طارق نجم، وكانت أولى كلماتي له أقسم أن الموصل جرى احتلالها من قبل داعش؟ ماذا تبقى؟ الأوضاع انهارت تماما».
ويوضح بقوله «كانت القيادة العسكرية العراقية بالموصل بيد علي غيدان وعبود كنبر، وفي اليوم الثاني كنا قد شكلنا غرفة عمليات، وكان عندنا اجتماع للقيادات الأمنية الكردية ورئيس الوزراء نجيرفان بارزاني ونائب رئيس الإقليم، وتلقى جبار ياور، وكيل وزارة البيشمركة، اتصالا من غيدان يفيد بأنه متجه بسيارته لأربيل ويريد أن يعرف الطريق وأن يجري استقباله من قبل البيشمركة، فأرشده ياور ونسق معه حتى وصوله إلى قوات البيشمركة وتم التعامل معه باحترام كقائد عسكري وفي اليوم التالي أرسلناه بواسطة طائرة إلى بغداد. وفي ذات الوقت استقبلت البيشمركة الآلاف من الجنود العراقيين الذين كان الجيش العراقي قد أرسلهم لمحاربة داعش لكنهم هربوا وانهار الجيش العرقي، وقد ساعدتهم البيشمركة والأكراد للعودة إلى بيوتهم سالمين».
ومن الأسرار التي يكشفها حسين أنه «في العاشر من يوليو (تموز) اتصل بي حامد الموسوي، المدير التنفيذي لمكتب المالكي، وكانت هذه هي المرة الأولى التي نتحدث بها هاتفيا، وقال أنا أتحدث معك باسم رئيس الوزراء (المالكي) ونطلب منكم دخول قوات البيشمركة إلى كركوك لأن داعش سوف يسيطر عليها، وقلت له طيب سوف نتدخل لإنقاذ كركوك، يعني قواتنا دخلت كركوك بطلب من المالكي.
ولو سيطر داعش على كركوك كانت حدثت مصيبة كبرى للناس للعرب والأكراد والتركمان، وكان سيطر على منابع النفط وأنبوب التصدير الذي تعبر من خلاله نصف مليون برميل يوميا إلى تركيا و300 ألف برميل يوميا إلى بيجي، وكان هذا هدفهم، السيطرة على كركوك ومصفى بيجي لتكون منابع النفط والمصفى بأيديهم، وحمت قوات البيشمركة كركوك».
ويشير حسين إلى أنه «عندنا اليوم أكثر من مليون عربي نزحوا من المناطق السنية يضاف إليهم المسيحيون الذين فروا من الموصل وسهل نينوى والأيزيديون، يوجد اليوم في الإقليم أكثر من مليون ونصف المليون نازح بالإضافة إلى اللاجئين السوريين الذين يبلغ عددهم ربع مليون لاجئ». مشيدا «بالدعم الدولي الإنساني فهناك جسر جوي بين الدول الأوروبية وأربيل لإيصال المساعدات على الرغم من أن بغداد تعرقل وصول طائرات المساعدات العسكرية إلينا كون المجال الجوي (الطيران المدني) بأيديهم والحكومة العراقية تتحدث عن السيادة بالوقت الذي لم تبق فيه لا حدود ولا سيادة بعد أن عاث داعش الفساد والقتل في مناطق واسعة من العراق، نحن نؤمن أن المحافظة على السيادة هي الحفاظ على أرواح الناس وأمنهم وتحرير مناطق البلد من سيطرة داعش فالسيادة ليست شعارات».
وحول إمكانية مشاركة الأكراد في الحكومة المقبلة، قال رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان «الإخوة ببغداد يجب أن يتعلموا من دروس الحكومة السابقة في تشكيل الحكومة وإشراك الآخرين بقوة ويجب أن يدركوا مسؤوليتهم وأن يصلوا لقناعة مفادها أن الواقع العراقي قد تغير تماما وأنه لا يمكن أن تحكم فئة أو مذهب أو قومية كل العراق، هناك سنة وأكراد وشيعة ومسيحيون وتركمان، ونحن سنكون جزءا من العملية السياسية والحكومة المقبلة وقد بدأ وفدنا التفاوضي برئاسة الأخ هوشيار زيباري بالاجتماعات ببغداد لهذا الغرض، ونحن متفائلون بإرادتنا وبان نكون جزءا من الحل كما كنا دائما وليس جزءا من الأزمة».
وبلغة العتب الشديد يقول حسين إن «العشائر العربية في مناطقنا والمحيطة بنا وعلى الرغم من كل ما قدمناه لهم ساندوا داعش لقتلنا وخطف نسائنا ومع ذلك نحن لا نفقد إنسانيتنا ونحن لا نعادي العرب ولا نكرههم ولا نخلق آيديولوجية معادية للعرب، بل متمسكون بآيديولجيتنا الكردستانية التي تدعو للتسامح والمحبة.
نعم نحن مجروحون من العرب، نحن دافعنا عن كل العراق وعن الأردن والكويت والسعودية بأن نحارب داعش وحدنا وبدعم أميركي وإشغالهم عن الهجوم والتوسع نحو دول الجوار، ومع ذلك لم يدعمنا أي بلد عربي، باستثناء المملكة الأردنية الهاشمية التي بعثت بمساعدات إنسانية، ولبنان الذي أرسل وزير خارجيته، لم يقولوا أي شيء، لم تصدر حتى إدانة لجرائم داعش وبأن داعش لا يمثل الإسلام والعرب، الولايات المتحدة وأوروبا البعيدة عنا جغرافيا واجتماعيا وتاريخيا هي من هرعت لمساعدتنا ودعمنا عسكريا وإنسانيا».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.