السوق الهندية عملاق استهلاكي يفتح الباب لآفاق النمو الاقتصادي

واحد من كل 10 هواتف ذكية على مستوى العالم يباع في البلاد

تشير تقارير إلى أن الهند ستصبح قريبا ثالث أكبر سوق استهلاكية على مستوى العالم (غيتي)
تشير تقارير إلى أن الهند ستصبح قريبا ثالث أكبر سوق استهلاكية على مستوى العالم (غيتي)
TT

السوق الهندية عملاق استهلاكي يفتح الباب لآفاق النمو الاقتصادي

تشير تقارير إلى أن الهند ستصبح قريبا ثالث أكبر سوق استهلاكية على مستوى العالم (غيتي)
تشير تقارير إلى أن الهند ستصبح قريبا ثالث أكبر سوق استهلاكية على مستوى العالم (غيتي)

توشك الهند أن تصبح ثالث أكبر سوق استهلاكية في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية والصين في المستقبل المنظور. ومن المتوقع أن يحقق الطلب الاستهلاكي في الهند ما يقرب من 1.6 تريليون دولار في الوقت الراهن وصولاً إلى 4 تريليونات دولار بحلول عام 2025، وفق التقرير الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي.
وتعد الهند، التي يبلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي فيها نسبة 7.3 نقطة مئوية، خامس أكبر اقتصاد على مستوى العالم. وبحلول عام 2030، فإنه من المتوقع للاستهلاك المحلي الخاص، الذي يشكل 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الهندي، أن يصل إلى 6 تريليونات دولار كفرصة من أبرز فرص النمو.
وبالإضافة إلى ذلك، ومع تعداد السكان الهنود البالغ 1.3 مليار نسمة، والمتوقع أن يتجاوز تعداد الصين بحلول عام 2025، سوف تحتل الهند مرتبة السوق الكبيرة المقبلة ذائعة الصيت في قارة آسيا.

محفزات النمو المتوقع
على المستوى الكلي، فإن نحو نصف سكان الهند أقل من 26 عاماً من العمر، وبحلول عام 2020، فإن متوسط عمر السكان في البلاد سوف يكون نحو 29 عاماً. ووفقاً لذلك، سوف تُصاغ قصة الاستهلاك الهندي على أيدي جيل الألفية البالغ عددهم نحو 440 مليون مواطن، و390 مليون مواطن من الجيل التالي. وفي ظل الشبان البارعين في شؤون التكنولوجيا الحديثة، ومع تحسن التعليم، والنمو الاقتصادي السريع، فإن الهند تحاول إيجاد السوق الاستهلاكية التي تمكّنها من المنافسة في مواجهة أكبر الأسواق الاستهلاكية حول العالم.
وفي الأثناء ذاتها، من المتوقع لنحو 250 مليون نسمة من سكان البلاد الانضمام إلى القوة العاملة الهندية بحلول عام 2030. ومن شأن الارتفاع في عدد السكان العاملين في الهند أن يؤدي إلى زيادة الدخل المتاح والاستهلاك، مما يمنح الاقتصاد الوطني دفعة حقيقية وكبيرة.
وسوف تشكل قطاعات الدخل النخبوية والثرية نسبة 40 في المائة من إجمالي الإنفاق بحلول عام 2025، وذلك للمرة الأولى، إذ يشكل الأثرياء أكبر شريحة استهلاكية في البلاد. وسوف تكون المدن الناشئة (أي تلك التي لا يتجاوز تعداد سكانها مليون نسمة على الأكثر) من أسرع المدن الهندية نمواً، وسوف تشكل هي الأخرى ثلث إجمالي الإنفاق الاستهلاكي بحلول عام 2025.
وبحلول العام نفسه، سوف تتحول السوق الاستهلاكية الهندية إلى حضرية بالأساس مع نسبة 62 في المائة من الاستهلاك من المناطق الحضرية مقارنة بنسبة 42 في المائة المسجلة اليوم.
ومن شأن الأسر ذات الدخل فوق المتوسط أن تستحوذ على نسبة 47 في المائة (2.8 تريليون دولار) من إجمالي الاستهلاك، والأسر ذات الدخل المرتفع سوف تحرك الاستهلاك بنسبة تبلغ 14 في المائة (0.8 تريليون دولار). ومن المتوقع لنمو الاستهلاك في المستقبل أن يأتي بالأساس من المدن الثرية، والمدن ذات الكثافة السكانية المرتفعة، والآلاف من البلدات الريفية المتقدمة في مختلف أنحاء البلاد. ومن الإجمالي المتوقع للنشاط الاستهلاكي، سوف يتحقق 1.5 تريليون دولار في أكبر 40 مدينة هندية، وكثير من المدن والبلدات الحضرية الصغيرة سوف تدفع الإنفاق الاستهلاكي الكبير سواء بسواء.
ووفقاً لتحليل وكالة «ماكينزي للتصنيف المالي»، إذا استمرت الهند على المنوال ذاته من النمو المرتفع الراهن، وعلى مدى العقدين القادمين، فإن السوق الهندية سوف تشهد تحولاً كبيراً للغاية، ومن شأن مستويات الدخل أن تتضاعف ثلاث مرات تقريباً.
ومع ارتفاع الدخل الهندي، سوف يتغير شكل هرم الدخل القومي في البلاد بصفة جذرية، إذ سوف يؤدي ذلك إلى انتقال أكثر من 291 مليون شخص من شريحة الفقر المدقع إلى مستوى الحياة الأكثر استدامة، وسوف تتضخم الطبقة المتوسطة الهندية لأكثر من 10 أضعاف حجمها الحالي من 50 مليوناً إلى 583 مليون نسمة. وبحلول عام 2025، سوف يكون أكثر من 23 مليون مواطن هندي - أي أكثر من إجمالي تعداد أستراليا الحالي - من بين أغنى المواطنين في البلاد.
تقول مايوري غوش، مديرة المشروع لدى مبادرة مستقبل نظام الاستهلاك بالمنتدى الاقتصادي العالمي: «تمر الهند بمرحلة تحول، من حيث النمو الاقتصادي أو من حيث التنمية البشرية للمواطنين الذين يزيد تعدادهم على مليار نسمة. ومع دخول البلاد إلى عهد جديد من النمو المتصوّر، فإن الجهود المتآزرة، لا سيما في القطاعين العام والخاص للتعامل مع التحديات الرئيسية يمكنها إطلاق العنان الكامل لإمكانات الشباب الهندي الهائلة، من أجل تشكيل وجه الأمة الهندية التقدمية والديناميكية لصناعة النموذج الهندي العالمي ضمن الأسواق الاستهلاكية العالمية سريعة النمو».
كما حازت المرأة الهندية، في خضم ذلك، المزيد من الزخم والقوة. إذ أصبحت حقوق المرأة من القضايا المهمة والمحورية في الهند، وصارت المرأة الهندية تحصل على رعاية صحية أفضل من أي وقت مضى، وتحتل أهمية أكبر في وسائل الإعلام المحلية. والعامل الأولى بالأهمية الآن هو فرصة التعليم. من عام 2005 وحتى عام 2014، كان معدل التحاق الفتيات بالتعليم الثانوي في الهندي يتراوح بين 45.3 و73.7 في المائة. وهو يبلغ الآن معدلاً أكبر من التحاق الفتيان بمرحلة التعليم الثانوي.
وتمكنت المرأة الهندية الشابة من تجسير الفجوة في التعليم الجامعي كذلك، إذ بلغ معدل التحاقهن 20 في المائة مقابل 22 في المائة للشبان. ومن شأن هذا التحول أن يكون له أثره الكبير على العوامل المجتمعية على المدى البعيد، مثل السمات السكانية للقوة العاملة والاستقلال الاقتصادي.

الأعمال التجارية المتنامية
وسواء كان الأمر يتعلق بالسفر الجوي، أو شراء الهواتف الذكية، أو التسوّق الإلكتروني، أو شراء السيارات، فإن المواطن الهندي قد صار أكثر إنفاقاً عن ذي قبل، وهذا بدوره يغذي المزيد من النمو الاقتصادي في البلاد. ولقد ساعد ذلك وجود عدد كبير من الشباب في تعداد البلاد، وارتفاع الدخل المتاح، والتطلعات الاستهلاكية.
وجاء في تقرير صادر عن «وكالة التصنيف والأبحاث الهندية» ما مفاده: «على مدى السنوات القليلة الماضية، كان إنفاق الاستهلاك النهائي الخاص والإنفاق الاستهلاكي النهائي الحكومي من المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي الهندي».
وحقق قطاع الطيران الهندي نجاحات كبيرة. وكانت سوق الطيران المحلية هي القطاع الأسرع نمواً في العالم لسنة الرابعة على التوالي. وبحلول عام 2025، من المتوقَّع للهند أن تحتل المرتبة الثالثة كأكبر سوق للطيران في العالم.
وهناك قصة نجاح مماثلة حققها قطاع السيارات. فمن المتوقّع أن تظهر الهند كثالث أكبر سوق لسيارات الركاب في العالم بحلول عام 2021، وذلك وفقاً لشركة «آي إتش إس» البريطانية لأبحاث السوق.
والشعب الهندي مولع بالأجهزة الحديثة لدرجة أن واحداً من كل 10 هواتف ذكية على مستوى العالم يُباع في الهند. وخلال العام الماضي، سجل قطاع مبيعات الهواتف الذكية نمواً بنسبة 14.5 في المائة مع شحن 142.3 مليون وحدة منها إلى البلاد.
ويستخدم الهنود الإنترنت الآن في شراء كل شيء من البقالة إلى الجواهر. ونتيجة لذلك، فإن القيمة الإجمالية للسلع (أو القيمة الإجمالية للسلع التي جرى بيعها في الأسواق) آخذة في التزايد بوتيرة مطردة.
وحققت المبيعات في سوق التجارة الإلكترونية الهندية حالياً مبلغ 38.5 مليار دولار، ومن المتوقع أن يقفز الرقم إلى ما بين 125 و150 مليار دولار بحلول مارس (آذار) من عام 2020 المقبل، وذلك وفقاً إلى مؤسسة «كير» للتصنيفات.
ويوفر النمو الاقتصادي السريع والتركيبة السكانية القوية النظرة الإيجابية المطلوبة لقطاع أعمال الاستهلاك في الهند، على نحو ما جاء في تقرير ديلويت إنديا ورابطة تجارة التجزئة في البلاد.
ومن شأن أنماط الإنفاق الهندية أن تتطور أيضاً اتساقاً مع تراجع أهمية الضروريات الأساسية مثل الغذاء والملابس لصالح لفئات أخرى، مثل الاتصالات والرعاية الصحية التي تنمو بوتيرة متسارعة.
وسوف تشهد سوق المستهلكين الهندية، إثر التغيرات المقبلة على البلاد، فرصاً وتحدياتٍ كبرى أمام الشركات الهندية والشركات متعددة الجنسيات العاملة في البلاد.
والشركات التي يمكنها الوفاء باحتياجات الطبقة المتوسطة الهندية الطامحة، والمحافظة على نقاط التسعير منخفضة بما يتماشى مع مستويات الدخول الهندية، والعاملة على تأسيس الولاء للعلامات التجارية لدى المستهلكين الجدد، التي تتكيف مع بيئة السوق سريعة التغير، سوف تجد مكافآت جمة في سوق الاستهلاك الهندية الآخذة في التوسع. وعلى نحو مماثل، سوف يناضل الساسة الهنود للمحافظة على طريق الإصلاح الاقتصادي الذي اعتمدته البلاد مع مجابهة التحديات الكبرى في قطاع البنية التحتية والاستثمار الاجتماعي.
ويعتبر النمو الاقتصادي القائم على الاستهلاك المحلي أو على الإنفاق الحكومي سليما ما دام مدعوماً بنمو موازٍ على مسار الصناعات والاستثمار.



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.