السوق الهندية عملاق استهلاكي يفتح الباب لآفاق النمو الاقتصادي

واحد من كل 10 هواتف ذكية على مستوى العالم يباع في البلاد

تشير تقارير إلى أن الهند ستصبح قريبا ثالث أكبر سوق استهلاكية على مستوى العالم (غيتي)
تشير تقارير إلى أن الهند ستصبح قريبا ثالث أكبر سوق استهلاكية على مستوى العالم (غيتي)
TT

السوق الهندية عملاق استهلاكي يفتح الباب لآفاق النمو الاقتصادي

تشير تقارير إلى أن الهند ستصبح قريبا ثالث أكبر سوق استهلاكية على مستوى العالم (غيتي)
تشير تقارير إلى أن الهند ستصبح قريبا ثالث أكبر سوق استهلاكية على مستوى العالم (غيتي)

توشك الهند أن تصبح ثالث أكبر سوق استهلاكية في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية والصين في المستقبل المنظور. ومن المتوقع أن يحقق الطلب الاستهلاكي في الهند ما يقرب من 1.6 تريليون دولار في الوقت الراهن وصولاً إلى 4 تريليونات دولار بحلول عام 2025، وفق التقرير الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي.
وتعد الهند، التي يبلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي فيها نسبة 7.3 نقطة مئوية، خامس أكبر اقتصاد على مستوى العالم. وبحلول عام 2030، فإنه من المتوقع للاستهلاك المحلي الخاص، الذي يشكل 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الهندي، أن يصل إلى 6 تريليونات دولار كفرصة من أبرز فرص النمو.
وبالإضافة إلى ذلك، ومع تعداد السكان الهنود البالغ 1.3 مليار نسمة، والمتوقع أن يتجاوز تعداد الصين بحلول عام 2025، سوف تحتل الهند مرتبة السوق الكبيرة المقبلة ذائعة الصيت في قارة آسيا.

محفزات النمو المتوقع
على المستوى الكلي، فإن نحو نصف سكان الهند أقل من 26 عاماً من العمر، وبحلول عام 2020، فإن متوسط عمر السكان في البلاد سوف يكون نحو 29 عاماً. ووفقاً لذلك، سوف تُصاغ قصة الاستهلاك الهندي على أيدي جيل الألفية البالغ عددهم نحو 440 مليون مواطن، و390 مليون مواطن من الجيل التالي. وفي ظل الشبان البارعين في شؤون التكنولوجيا الحديثة، ومع تحسن التعليم، والنمو الاقتصادي السريع، فإن الهند تحاول إيجاد السوق الاستهلاكية التي تمكّنها من المنافسة في مواجهة أكبر الأسواق الاستهلاكية حول العالم.
وفي الأثناء ذاتها، من المتوقع لنحو 250 مليون نسمة من سكان البلاد الانضمام إلى القوة العاملة الهندية بحلول عام 2030. ومن شأن الارتفاع في عدد السكان العاملين في الهند أن يؤدي إلى زيادة الدخل المتاح والاستهلاك، مما يمنح الاقتصاد الوطني دفعة حقيقية وكبيرة.
وسوف تشكل قطاعات الدخل النخبوية والثرية نسبة 40 في المائة من إجمالي الإنفاق بحلول عام 2025، وذلك للمرة الأولى، إذ يشكل الأثرياء أكبر شريحة استهلاكية في البلاد. وسوف تكون المدن الناشئة (أي تلك التي لا يتجاوز تعداد سكانها مليون نسمة على الأكثر) من أسرع المدن الهندية نمواً، وسوف تشكل هي الأخرى ثلث إجمالي الإنفاق الاستهلاكي بحلول عام 2025.
وبحلول العام نفسه، سوف تتحول السوق الاستهلاكية الهندية إلى حضرية بالأساس مع نسبة 62 في المائة من الاستهلاك من المناطق الحضرية مقارنة بنسبة 42 في المائة المسجلة اليوم.
ومن شأن الأسر ذات الدخل فوق المتوسط أن تستحوذ على نسبة 47 في المائة (2.8 تريليون دولار) من إجمالي الاستهلاك، والأسر ذات الدخل المرتفع سوف تحرك الاستهلاك بنسبة تبلغ 14 في المائة (0.8 تريليون دولار). ومن المتوقع لنمو الاستهلاك في المستقبل أن يأتي بالأساس من المدن الثرية، والمدن ذات الكثافة السكانية المرتفعة، والآلاف من البلدات الريفية المتقدمة في مختلف أنحاء البلاد. ومن الإجمالي المتوقع للنشاط الاستهلاكي، سوف يتحقق 1.5 تريليون دولار في أكبر 40 مدينة هندية، وكثير من المدن والبلدات الحضرية الصغيرة سوف تدفع الإنفاق الاستهلاكي الكبير سواء بسواء.
ووفقاً لتحليل وكالة «ماكينزي للتصنيف المالي»، إذا استمرت الهند على المنوال ذاته من النمو المرتفع الراهن، وعلى مدى العقدين القادمين، فإن السوق الهندية سوف تشهد تحولاً كبيراً للغاية، ومن شأن مستويات الدخل أن تتضاعف ثلاث مرات تقريباً.
ومع ارتفاع الدخل الهندي، سوف يتغير شكل هرم الدخل القومي في البلاد بصفة جذرية، إذ سوف يؤدي ذلك إلى انتقال أكثر من 291 مليون شخص من شريحة الفقر المدقع إلى مستوى الحياة الأكثر استدامة، وسوف تتضخم الطبقة المتوسطة الهندية لأكثر من 10 أضعاف حجمها الحالي من 50 مليوناً إلى 583 مليون نسمة. وبحلول عام 2025، سوف يكون أكثر من 23 مليون مواطن هندي - أي أكثر من إجمالي تعداد أستراليا الحالي - من بين أغنى المواطنين في البلاد.
تقول مايوري غوش، مديرة المشروع لدى مبادرة مستقبل نظام الاستهلاك بالمنتدى الاقتصادي العالمي: «تمر الهند بمرحلة تحول، من حيث النمو الاقتصادي أو من حيث التنمية البشرية للمواطنين الذين يزيد تعدادهم على مليار نسمة. ومع دخول البلاد إلى عهد جديد من النمو المتصوّر، فإن الجهود المتآزرة، لا سيما في القطاعين العام والخاص للتعامل مع التحديات الرئيسية يمكنها إطلاق العنان الكامل لإمكانات الشباب الهندي الهائلة، من أجل تشكيل وجه الأمة الهندية التقدمية والديناميكية لصناعة النموذج الهندي العالمي ضمن الأسواق الاستهلاكية العالمية سريعة النمو».
كما حازت المرأة الهندية، في خضم ذلك، المزيد من الزخم والقوة. إذ أصبحت حقوق المرأة من القضايا المهمة والمحورية في الهند، وصارت المرأة الهندية تحصل على رعاية صحية أفضل من أي وقت مضى، وتحتل أهمية أكبر في وسائل الإعلام المحلية. والعامل الأولى بالأهمية الآن هو فرصة التعليم. من عام 2005 وحتى عام 2014، كان معدل التحاق الفتيات بالتعليم الثانوي في الهندي يتراوح بين 45.3 و73.7 في المائة. وهو يبلغ الآن معدلاً أكبر من التحاق الفتيان بمرحلة التعليم الثانوي.
وتمكنت المرأة الهندية الشابة من تجسير الفجوة في التعليم الجامعي كذلك، إذ بلغ معدل التحاقهن 20 في المائة مقابل 22 في المائة للشبان. ومن شأن هذا التحول أن يكون له أثره الكبير على العوامل المجتمعية على المدى البعيد، مثل السمات السكانية للقوة العاملة والاستقلال الاقتصادي.

الأعمال التجارية المتنامية
وسواء كان الأمر يتعلق بالسفر الجوي، أو شراء الهواتف الذكية، أو التسوّق الإلكتروني، أو شراء السيارات، فإن المواطن الهندي قد صار أكثر إنفاقاً عن ذي قبل، وهذا بدوره يغذي المزيد من النمو الاقتصادي في البلاد. ولقد ساعد ذلك وجود عدد كبير من الشباب في تعداد البلاد، وارتفاع الدخل المتاح، والتطلعات الاستهلاكية.
وجاء في تقرير صادر عن «وكالة التصنيف والأبحاث الهندية» ما مفاده: «على مدى السنوات القليلة الماضية، كان إنفاق الاستهلاك النهائي الخاص والإنفاق الاستهلاكي النهائي الحكومي من المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي الهندي».
وحقق قطاع الطيران الهندي نجاحات كبيرة. وكانت سوق الطيران المحلية هي القطاع الأسرع نمواً في العالم لسنة الرابعة على التوالي. وبحلول عام 2025، من المتوقَّع للهند أن تحتل المرتبة الثالثة كأكبر سوق للطيران في العالم.
وهناك قصة نجاح مماثلة حققها قطاع السيارات. فمن المتوقّع أن تظهر الهند كثالث أكبر سوق لسيارات الركاب في العالم بحلول عام 2021، وذلك وفقاً لشركة «آي إتش إس» البريطانية لأبحاث السوق.
والشعب الهندي مولع بالأجهزة الحديثة لدرجة أن واحداً من كل 10 هواتف ذكية على مستوى العالم يُباع في الهند. وخلال العام الماضي، سجل قطاع مبيعات الهواتف الذكية نمواً بنسبة 14.5 في المائة مع شحن 142.3 مليون وحدة منها إلى البلاد.
ويستخدم الهنود الإنترنت الآن في شراء كل شيء من البقالة إلى الجواهر. ونتيجة لذلك، فإن القيمة الإجمالية للسلع (أو القيمة الإجمالية للسلع التي جرى بيعها في الأسواق) آخذة في التزايد بوتيرة مطردة.
وحققت المبيعات في سوق التجارة الإلكترونية الهندية حالياً مبلغ 38.5 مليار دولار، ومن المتوقع أن يقفز الرقم إلى ما بين 125 و150 مليار دولار بحلول مارس (آذار) من عام 2020 المقبل، وذلك وفقاً إلى مؤسسة «كير» للتصنيفات.
ويوفر النمو الاقتصادي السريع والتركيبة السكانية القوية النظرة الإيجابية المطلوبة لقطاع أعمال الاستهلاك في الهند، على نحو ما جاء في تقرير ديلويت إنديا ورابطة تجارة التجزئة في البلاد.
ومن شأن أنماط الإنفاق الهندية أن تتطور أيضاً اتساقاً مع تراجع أهمية الضروريات الأساسية مثل الغذاء والملابس لصالح لفئات أخرى، مثل الاتصالات والرعاية الصحية التي تنمو بوتيرة متسارعة.
وسوف تشهد سوق المستهلكين الهندية، إثر التغيرات المقبلة على البلاد، فرصاً وتحدياتٍ كبرى أمام الشركات الهندية والشركات متعددة الجنسيات العاملة في البلاد.
والشركات التي يمكنها الوفاء باحتياجات الطبقة المتوسطة الهندية الطامحة، والمحافظة على نقاط التسعير منخفضة بما يتماشى مع مستويات الدخول الهندية، والعاملة على تأسيس الولاء للعلامات التجارية لدى المستهلكين الجدد، التي تتكيف مع بيئة السوق سريعة التغير، سوف تجد مكافآت جمة في سوق الاستهلاك الهندية الآخذة في التوسع. وعلى نحو مماثل، سوف يناضل الساسة الهنود للمحافظة على طريق الإصلاح الاقتصادي الذي اعتمدته البلاد مع مجابهة التحديات الكبرى في قطاع البنية التحتية والاستثمار الاجتماعي.
ويعتبر النمو الاقتصادي القائم على الاستهلاك المحلي أو على الإنفاق الحكومي سليما ما دام مدعوماً بنمو موازٍ على مسار الصناعات والاستثمار.



تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.