تلسكوبات عملاقة لسبر الشموس والكواكب البعيدة

عين كبرى تنظر إلى السماء

تلسكوبات عملاقة لسبر الشموس والكواكب البعيدة
TT

تلسكوبات عملاقة لسبر الشموس والكواكب البعيدة

تلسكوبات عملاقة لسبر الشموس والكواكب البعيدة

غالبا ما يقال إن المستقبل هو ملك أولئك الذين يخططون له، وعلماء الفلك كانوا طوال الوقت مشغولين في تحقيق ذلك، ويبدو أن لديهم الآن ما يريدون لنا أن نراه. وبعد أكثر من عقد من الزمن من قيام مجموعات منهم بجمع المال لإنشاء تلسكوبات ضخمة بمقدورها دراسة الكواكب التي تدور حول الشموس البعيدة، وبالتالي محاولة فك لغز ولادة المجرات منذ بداية الزمن، يبدو أن الكثير من الأدوات والأجهزة باتت على وشك العمل على قمم الجبال في هاواي وتشيلي ضمن شبكة من المراصد والتلسكوبات التي ستسطر تاريخ الفلك.
وإذا سارت كل هذه الأمور على ما يرام، كما هو متوقع، سيكون الفلكيون في العشرينيات من هذا القرن يسبحون في بحر من البيانات والملايين من الغيغابايتات التي تأتي من الأرض والفضاء البعيد.

* عدسات كونية
في 20 يونيو (حزيران) الماضي، قام المسؤولون في المرصد الجنوبي الأوروبي بنسف قمة في جبل في شمال تشيلي يدعى «أمازونس» لتشييد أكبر وأقوى مرصد بصري عرف حتى الآن. وسيكون لهذا المرصد الذي سيعرف بـ«المرصد الأوروبي الكبير جدا» E - ELT وهو عدسة مقطعية مجزأة يبلغ قطرها 39 مترا، هي من القوة ما يمكن معها رؤية الكواكب حول الشموس البعيدة. وعلى سبيل المقارنة فإن أكبر المراصد العاملة الحالية يبلغ قطر عدستها 10 أمتار.
ومرصد جنوبي أوروبا هو اتحاد مكون من 14 دولة أوروبية مع البرازيل، التي ما تزال تنتظر موافقة برلمانها للمصادقة على هذه الخطوة. وإذا ما حصل ذلك تكون هذه المجموعة من الدول قد قطعت 90 في المائة من الطريق في جمع 1.5 مليار دولار، التي هي تكلفة إقامة المرصد. ومن المقرر الانتهاء من إقامة المرصد في 19 يونيو (حزيران) من عام 2024 وفقا إلى تيم دي زيوا مدير إدارة المجموعة، الذي صرح أثناء حفل حفر الأساسات في قمة الجبل، «سنعود إلى هنا في هذا التاريخ».
وهذا ليس المشروع العملاق الوحيد فقط، فقبل سنتين قامت مجموعة أخرى من الفلكيين، بحفر قمة جبل آخر في تشيلي، يخططون فيه لتشييد تلسكوب «جاينت ماغلان» العملاق. وسيكون في قلب مجموعة من سبع عدسات، كل منها بقطر ثمانية أمتار مترابطة معا، لتؤدي وظيفة عدسة بقطر 25 مترا. وقد جرى حتى الآن قطع ثلاث من هذه العدسات وصبها وصقلها وتلميعها وذلك في جامعة أريزونا في أميركا، أحد المؤسسات التسع التي تشكل منظمة «جاينت ماغلان». وقد جرى حتى الآن جمع نحو 500 مليون دولار من أصل 880 مليونا تكلفة التلسكوب، وفقا إلى ويندي فريدمان مديرة مراصد كارنيغي، إحدى ركائز المنظمة هذه. ومن المتوقع الشروع بعملية البناء والإنشاء أواخر العام الحالي.
وفي هاواي تقوم مجموعة أخرى من الفلكيين بالتخطيط لتشييد تلسكوب بقطر 30 مترا، مطلقين عليه اسم «تلسكوب الثلاثين مترا»، وذلك على هضبة تقع تحت قمة جبل «مونا كيه» البالغ ارتفاعها 14 ألف قدم، التي هي أعلى قمة مطلة على المحيط الهادئ التي هي سلفا مقر لـ12 تلسكوبا، بما في ذلك تلسكوبان بقطر 10 أمتار في مرصد «كيك»، فضلا عن زوج من التلسكوبات بقطر ثمانية أمتار، ما يجعله أكثر الجبال ازدحاما بالمراصد في عالم الفلك. ويعد هذا المكان مقدسا من قبل سكان جزر هاواي، لأن الكثير من أجدادهم دفنوا هناك، وبذلك من الصعب الحصول على ترخيص لإضافة تلسكوب جديد هناك، كما يقول مايكل بولتي من جامعة سانتا كروز في كاليفورنيا، والمدير المشارك للمشروع، الذي هو وليد تعاون تقوده «كالتيك» (جامعة كاليفورنيا للتقنيات) فضلا عن جامعة كاليفورنيا.
وسيكلف «تلسكوب الثلاثين مترا» 1.2 مليار دولار بقيمة دولارات عام 2012. وفي أوائل العام الحالي، عندما يتوقع أن تصبح الهند وكندا عضوين كاملين في مجموعة أو تحالف الدول هذه، يكون قد جرى جمع 85 في المائة من المال المطلوب، كما يقول بولتي، مما يجعلهم يبحثون عن المزيد من الشركاء.

* تلسكوبات عملاقة
ويقول الفلكيون إن المشاهد من هذه التلسكوبات الجديدة ستكون مدهشة، فقدرة التلسكوب على جمع الضوء تقرره مساحة العدسة الرئيسة. ولفترة طويلة كانت العدسة العاكسة «هال» بقطر خمسة أمتار المركبة على حبل بالومار في منطقة سان دييغو بالولايات المتحدة تعد الحد العملي الأقصى لتلسكوب أرضي. لكن في الثمانينيات صمم الفلكيون أساليب جديدة لتشييد عدسات كبيرة وأكثر رقة لا يمكنها أن تضعف، ما أدى إلى صنع عدسات أكبر بقياس ثمانية أمتار، فضلا عن زوج من عدسات تلسكوب «كيك» بقياس عشرة أمتار. وستكون تلسكوبات «ماغلان» الأصغر في الجيل الجديد في أي حال، أقوى بستة أضعاف من الأخيرة، أي «كيك»، في مراقبة أضواء النجوم البعيدة الخافتة، كما ستكون الأخرى، حتى أقوى من ذلك بكثير.
والمعلوم أن تلسكوب «هابل» الفضائي يبلغ قطره 94 بوصة فقط، أي 2.4 متر. لكنه يستمد قوته ليس من حجمه، بل لكونه فوق الغلاف الجوي الأرضي الذي يتداخل مع الضوء الصادر عن النجوم. ولزيادة قوتها أكثر فأكثر، فإنها ستزود هذه التلسكوبات الجديدة بتقنيات لم تكن موجودة، مما سيمكنها من مراقبة الأضواء الخافتة جدا للأجسام البعيدة، بشكل يتفوق على «هابل».
ولكن أين تقع النجوم في ذلك الفضاء السحيق؟ كان من بين العناوين الكبرى في أخبار الصحف قبل سنتين قيام مكتب الاستطلاع القومي الذي يدير أقمار التجسس الصناعية بإهداء «ناسا» تلسكوبين فضائيين بحجم وتصميم «هابل» كانا متروكين في أحد المستودعات. وأشار الفلكيون، ومنهم رائد الفضاء السابق جون إم. غرنسفيلد مدير الإدارة المشارك في «ناسا» للرحلات العلمية، إلى إمكانية استخدام أحد هذين التلسكوبين في مهمة لدراسة «ألطاقة السوداء».
وقامت لجنة من الأكاديمية الوطنية للعلوم أخيرا بإقرار الاقتراح هذا باستخدام تلسكوب التجسس بقطر 2.4 متر، بدلا من التلسكوب الأصلي بقطر متر واحد. واقتنعت الأكاديمية بأن التلسكوب الكبير من شأنه تعزيز العوائد العلمية للمهمة التي باتت تعرف حاليا بـ«وي فيرست - أفتا»، لكنا حذرت من زيادة النفقات والتكاليف والتعقيدات أيضا. وأشار الكونغرس الأميركي على «ناسا» إنفاق 56 مليون دولار على الرحلة هذه في السنة المالية الأخيرة، 2014، واقترح ميزانية للعام المقبل 2015 تشمل 14 مليون دولار. وقد تبدأ هذه المهمة في أوائل عام 2023، في الوقت الذي ستقوم فيه وكالة الفضاء الأوروبية بإرسال مسبارها لهذا الغرض أيضا المعروف باسم «إيوكلد».
ومن الإمكانات التي تدرسها «ناسا» إضافة «كورونوغراف» إلى التلسكوب هذا، وهو عبارة عن أقراص غير شفافة لحجب الضوء الشديد الصادر عن الشمس والنجوم البراقة، ليتمكن الفلكيون من مراقبة الأجسام الخافتة، مثل الكواكب وما يجاورها، وهذا ما يمكن من دراسة كواكب قد تشبه كوكب الأرض.
تبقى الإشارة إلى أكثر المشاريع تكلفة وأهمية، وهي عبارة عن عين كبرى تنظر إلى السماء. إنها تلسكوب «جيمس ويب» (على اسم المدير السابق لـ«ناسا») الفضائي الذي وصفته مجلة «نيتشر» بـ«التلسكوب الذي سيلتهم علم الفلك». وسيكون خليفة «هابل»، لكن بثلاثة أضعاف حجمه، وبعدسة يبلغ قطرها 6.5 متر، التي ستتفتح في مدارها الفضائي كالوردة. وكان من المقرر أن يبدأ العمل هذا العام، لكنه تأخر عن موعده بتكلفة خمسة مليارات دولار، وقد رصد له ميزانية إجمالية قدرها ثمانية مليارات دولار، لإنجازه وإطلاقه في عام 2018.

* خدمة «نيويورك تايمز».



سابقة طبية... علاج جنين مصاب بورم وعائي نادر في رحم والدته بفرنسا

صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)
صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)
TT

سابقة طبية... علاج جنين مصاب بورم وعائي نادر في رحم والدته بفرنسا

صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)
صورة تظهر الطفل عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم الأطفال بالمستشفى في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)

عُولج جنين مصاب بورم وعائي نادر كان على وشك أن يموت في رحم والدته في مستشفى بفرنسا، في سابقة في العالم لهذا النوع من الأمراض، وفق ما أعلن الطاقم المشرف عليه.

وفي أواخر الشهر السابع من الحمل، شخّصت إصابة الجنين بمتلازمة «كاسباخ - ميريت» التي قد تؤدّي إلى الوفاة في مستشفى بمولوز في شرق فرنسا.

وكانت كتلة عند مستوى الرقبة «تعرقل تنفّس الجنين»، حسب ما قال الطبيب كريس مينيلا خلال مؤتمر صحافي، الاثنين، في مستشفى الأم والطفل في مولوز، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الورم ينمو بسرعة وصولاً إلى وجه الجنين.

فيفيان تحمّل ابنها عيسى البالغ من العمر 3 أشهر في قسم مستشفى الأطفال في 16 فبراير 2026 في مولوز شرق فرنسا (أ.ف.ب)

واقترح مركز متخصّص في هذه الأمراض النادرة في ليون اللجوء إلى علاج سابق للولادة يحدّ من تشكّل الأوعية الدموية الجديدة بواسطة دواء «سيروليموس» تحت إشراف البروفيسور لوران غيبو.

وأُعطي الدواء للوالدة عبر الفم واجتاز حاجز المشيمة وصولاً إلى الجنين، ما سمح بكبح نموّ الورم.

ووُلد عيسى في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 إثر عملية قيصرية. وهو اليوم رضيع يقظ وبشوش في شهره الثالث. و«بالرغم من الورم، يأكل وينمو جيّداً»، حسب والدته فيفيان (34 عاماً).

ويخضع عيسى لمتابعة منتظمة في المستشفى وما زال يتلقى العلاج بـ«السيروليموس».


لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟

لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟
TT

لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟

لماذا يحافظ بعض الناس على صفاء ذهني حتى الثمانينات؟

تكشف دراستان علميتان واسعتا النطاق أن جيناً واحداً يُعرف باسم «APOE» يلعب دوراً حاسماً في تحديد ما إذا كان الدماغ سيشيخ وهو بصحة جيدة، أم سيتجه نحو التدهور والإصابة بمرض ألزهايمر. فقد أظهرت النتائج أن اختلاف نسخ هذا الجين يفسِّر إلى حد بعيد سبب احتفاظ بعض الأشخاص بذاكرة قوية وقدرات ذهنية عالية، حتى بعد سن الثمانين، في حين يواجه آخرون خطر الإصابة بالخرف في السن نفسها.

المعمِّرون المميَّزون

ويُطلق الباحثون على كبار السن الذين يحتفظون بذاكرة وأداء معرفي مميز اسم «المعمرين المميَّزين» (Super Agers) وهم أشخاص يبلغون 80 عاماً فأكثر؛ لكن قدراتهم الذهنية تضاهي من هم في الخمسينيات أو الستينيات. وكشفت دراسة واسعة قادها باحثون من المركز الطبي بجامعة فاندربيلت بالولايات المتحدة، ونُشرت في مجلة «Alzheimer’s & Dementia» بتاريخ 16 يناير (كانون الثاني) 2026، أن هؤلاء المعمرين يتمتعون بميزتين جينيتين واضحتين، تقللان بشكل كبير من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر.

جين واحد: بين الخطر والحماية

يحمل جين APOE ثلاث نسخ شائعة، تُعرف بالنسخة الثانية 2، والنسخة الثالثة 3، والنسخة الرابعة 4؛ إذ يرث كل إنسان نسختين من هذا الجين. ومنذ سنوات يعرف العلماء أن النسخة الرابعة تزيد خطر الإصابة بألزهايمر المتأخر، في حين تُعد النسخة الثانية عاملاً واقياً نسبياً.

وقد حللت دراسة جامعة فاندربيلت البيانات الجينية لأكثر من 18 ألف شخص مشارك، عبر 8 مجموعات من كبار السن. وهي أكبر مجموعة من كبار السن الذين تمت دراستهم حتى الآن. وكانت النتائج مذهلة. وأظهرت النتائج أن «المعمِّرين المميَّزين» كانوا الأقل بكثير في حمل النسخة الجينية المرتبطة بمرض ألزهايمر. فقد انخفض احتمال وجود هذه النسخة (النسخة الرابعة) لديهم بنحو 68 في المائة، مقارنة بمن أُصيبوا بالمرض بعد سن الثمانين. كما كانوا أقل بنسبة 19 في المائة في حمل هذه النسخة الخطِرة، مقارنة بأشخاص أصحاء معرفياً في السن نفسها، يتمتعون بصحة ذهنية طبيعية. وفي المقابل كان هؤلاء المعمِّرون أكثر حظاً في حمل النسخة الجينية الواقية (النسخة الثانية) إذ زادت فرص وجودها لديهم بنسبة 28 في المائة، مقارنة بأقرانهم الأصحاء، وبأكثر من الضعف مقارنة بالمصابين بألزهايمر في الفئة العمرية نفسها.

وقالت الدكتورة ليزلي غاينور، من قسم طب الشيخوخة بكلية الطب، مركز فاندربيلت للذاكرة ومرض ألزهايمر، بجامعة فاندربيلت، قائدة الدراسة، إن هؤلاء الأشخاص لا يشيخون بشكل جيد فحسب؛ بل يتمتعون أيضاً بانخفاض واضح في الخطر الجيني للإصابة بألزهايمر.

ومن اللافت أن الدراسة شملت مشاركين من خلفيات عرقية متعددة، ما يعزز أهمية النتائج على نطاق أوسع.

دور جيني أكبر مما كان يُعتقد

وتُعزِّز هذه النتائج دراسة أخرى قادها ديلان ويليامز من قسم الطب النفسي ووحدة الصحة مدى الحياة والشيخوخة، وباحثون آخرون من كلية لندن الجامعية بالمملكة المتحدة (UCL) ونُشرت في مجلة «npj Dementia» بتاريخ 9 يناير 2026، والتي حللت بيانات وراثية لأكثر من 450 ألف شخص، لتقدير حجم مساهمة جين APOE في ألزهايمر والخرف عموماً.

وتوصل الباحثون إلى أن ما بين 72 و93 في المائة من حالات ألزهايمر ترتبط بنسختي الجين الثالثة والرابعة. ونحو 45 في المائة من جميع حالات الخرف ما كانت لتحدث لولا تأثير هذا الجين. ومن المرجح أن يكون الجين نفسه مسؤولاً عن ثلاثة أرباع حالات ألزهايمر على الأقل.

وتُعد هذه التقديرات أعلى من دراسات سابقة؛ لأنها لا تركز فقط على النسخة الرابعة؛ بل تُظهر أن النسخة الشائعة -أي الثالثة التي اعتبرت سابقاً «محايدة»- تسهم أيضاً في زيادة الخطر، مقارنة بالنسخة الوقائية الثانية.

الجينات ليست قدراً محتوماً

ورغم التأثير القوي لجين APOE في خطر الإصابة بألزهايمر، فإن الدراستين تؤكدان أن الجينات لا تعمل بمعزل عن غيرها، ولا تمثل حكماً نهائياً. فحتى لدى الأشخاص الذين يحملون نسختين من المتغير عالي الخطورة، النسخة الرابعة (APOE-ε4) تبقى احتمالية الإصابة بالمرض أقل من 70 في المائة، ما يعني أن مسار المرض قابل للتعديل. وتشير هذه النتائج إلى أن تحسين عوامل نمط الحياة، مثل النشاط الذهني والبدني والصحة القلبية، والحد من التدخين والعزلة الاجتماعية، قد يسهم في تأخير ظهور المرض أو الوقاية منه، حتى لدى من يملكون استعداداً وراثياً مرتفعاً.

وتكشف هذه الدراسات مجتمعة أن فهم الجينات لم يعد هدفه التنبؤ بالمرض فقط؛ بل فتح الباب أمام الوقاية والتدخل المبكر. فمعرفة تأثير جين قوي مثل APOE لا تعني الاستسلام له؛ بل تتيح تحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر، وتوجيه الجهود نحو حماية الدماغ قبل ظهور الأعراض.

ويؤكد الباحثون أن تبنِّي نمط حياة صحي قد يغيِّر مسار الشيخوخة المعرفية، ويؤخر المرض سنوات. وهكذا تنتقل رسالة العلم من «ما كُتب في الجينات» إلى «ما يمكن فعله لحماية الذاكرة» مانحةً الأمل، في شيخوخة أطول وأكثر صحة، وجودة حياة أفضل.


طرق علمية مبتكرة لإنتاج اللحوم المستزرعة

الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)
الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)
TT

طرق علمية مبتكرة لإنتاج اللحوم المستزرعة

الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)
الأبحاث تركز على إنتاج لحوم مستزرعة في المختبر تشبه اللحوم التقليدية (جامعة كاليفورنيا)

شهدت السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً بإنتاج اللحوم المستزرعة في المختبر بوصفها بديلاً مستداماً للحوم التقليدية. وتعتمد هذه التقنية على زراعة خلايا حيوانية في بيئات مخبرية، على هياكل صالحة للأكل، بهدف إنتاج لحوم تُشبه منتجات المزارع التقليدية من حيث الملمس والطعم، من دون الحاجة إلى تربية الحيوانات كاملة.

وتركّز الأبحاث في هذا المجال على معالجة تحديات رئيسية عدة، من بينها: ارتفاع تكلفة الإنتاج، وتحسين نسيج اللحوم لمحاكاة تجربة المستهلك، وضمان الاستدامة البيئية، عبر تقليل استهلاك الموارد والحد من النفايات.

وفي هذا السياق، ابتكر فريق بحثي من «يونيفرسيتي كوليدج-لندن» في بريطانيا طريقة جديدة لاستخدام بقايا عملية تخمير الحبوب، وهي عملية تحويل السكريات الموجودة في الحبوب، خصوصاً الشعير، إلى كحول باستخدام الخميرة لإنتاج سليلوز بكتيري صالح للأكل، يمكن زراعة خلايا اللحوم عليه.

ولا يقتصر هذا النهج على خفض التكاليف فحسب، بل يستفيد أيضاً من مخلفات صناعية كانت تُهدر، ويوفّر بديلاً أكثر استدامة وكفاءة من حيث التكلفة لطرق إنتاج اللحوم الحالية، حسب دراسة نُشرت يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2026 بدورية «Frontiers in Nutrition».

إنتاج قطع دجاج مستزرعة في المختبر تحاكي اللحم الحقيقي في الشكل والقوام (جامعة طوكيو)

زراعة خلايا حيوانية

وتعتمد اللحوم المستزرعة بالمختبر على زراعة خلايا حيوانية في بيئات مهيّأة لنموها وتكاثرها، دون الحاجة إلى تربية الحيوانات كاملة. وتبدأ العملية بأخذ خلايا أولية من العضلات أو الأنسجة الدهنية، ثم زراعتها على هياكل داعمة صالحة للأكل تحاكي النسيج الطبيعي للحوم، وتدعم نمو الخلايا ثلاثي الأبعاد، مع تزويدها بالمواد الغذائية الضرورية، والتحكم بعوامل مثل درجة الحرارة ومستويات الأكسجين والضغط لتكوين ألياف عضلية مشابهة للحوم التقليدية.

ويُعد السليلوز البكتيري إحدى المواد الواعدة في هذا المجال، إذ يوفّر هيكلاً داعماً لنمو الخلايا، ويمكن استخدامه في إنتاج اللحوم المستزرعة. وقد استُخدم سابقاً في صناعة بعض أنواع الحلوى، لكنه أصبح مؤخراً يُوظّف في تطبيقات غذائية متنوعة، بما في ذلك الأطعمة النباتية، نظراً إلى قدرته على دعم نمو الخلايا وتحسين النسيج النهائي للمنتج الغذائي.

يقول أستاذ الطب التجديدي في الجامعة، الباحث الرئيسي في الدراسة، الدكتور ريتشارد داي، إن إنتاج اللحوم المستزرعة في المختبر يواجه تحدياً رئيسياً قبل وصوله إلى الأسواق، يتمثّل في تحقيق التكافؤ السعري مع اللحوم التقليدية، مضيفاً أن اللحوم الطبيعية تحتوي على مكونات هيكلية تمنحها ملمسها وتدعم نمو الخلايا، في حين أن الهياكل الداعمة المستخدمة حالياً لإنتاج اللحوم المستزرعة غالباً ما تكون باهظة الثمن، أو غير صالحة للأكل، أو غير مصنّفة بوصفها مادة غذائية.

وأوضح داي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الابتكار الجديد الذي يعتمد على استخدام مخلفات تخمير الحبوب يوفّر حلاً عملياً لهذه المشكلة، إذ يتيح مواد منخفضة التكلفة وصالحة للأكل يمكن تحويلها إلى هياكل داعمة لنمو الخلايا. وأشار إلى أن هذه المواد متوفرة بكميات كبيرة عالمياً، ما يوفّر سلسلة توريد قابلة للتوسع، فضلاً عن خلق مصدر دخل ثانوي ودعم أهداف الاستدامة، وهو ما يعزّز الصورة الإيجابية لدى المستهلكين.

ولفت داي إلى أن الهياكل الداعمة الحالية مناسبة بدرجة أكبر لإنتاج اللحوم المفرومة ومنتجات مثل النقانق والبرغر، في حين أن إنتاج اللحوم الكاملة القطع، مثل شرائح اللحم أو صدور الدجاج، يظل أكثر تعقيداً، ويتطلّب تكرار البنية الطبيعية للحوم والألياف العضلية، مما قد يؤدي إلى ارتفاع التكلفة مقارنة بالمنتجات المفرومة.

ولإثبات الفكرة، استخدم الباحثون مخلفات خميرة البيرة المستهلكة لزراعة بكتيريا قادرة على إنتاج سليلوز عالي الجودة. وأظهرت الاختبارات، باستخدام ما يُعرف بـ«آلة المضغ» التي تقيس خصائص مثل القساوة والليونة واللزوجة، أن السليلوز الناتج كان أقرب في نسيجه إلى اللحوم الطبيعية وأكثر ملاءمة من السليلوز التقليدي، كما أظهر قدرة على دعم التصاق الخلايا الحيوانية ونموها، مما يؤكد إمكانية استخدامه في إنتاج اللحوم المستزرعة بالمختبر.

ويؤكد داي أن هذه التكنولوجيا يمكن أن تُسهم في تحسين الأمن الغذائي العالمي، إذ توفّر مادة خاماً رخيصة ومتاحة وصالحة للأكل، مما يجعل اللحوم المستزرعة أكثر جدوى اقتصادية، لا سيما في المناطق ذات الموارد المحدودة. كما أن قابلية التوسع في إنتاجها تساعد على انتقال هذه المنتجات من الأسواق المتخصصة إلى نظم الغذاء الرئيسية، مع تقليل الأثر البيئي لإنتاج اللحوم التقليدية من حيث استهلاك الأراضي والمياه، بما يتيح توجيه الأراضي الزراعية لزراعة محاصيل أخرى، وبهذا، يُسهم هذا الابتكار في دعم الإنتاج المستدام، والمساعدة في توفير الغذاء لسكان العالم المتزايدين.

انتشار محدود

وعلى الرغم من الموافقة على بيع عينات من اللحوم المستزرعة في بعض مناطق العالم، فإن انتشارها ما زال محدوداً جغرافياً ومن حيث حجم الإنتاج، إذ يتطلّب وصولها إلى شريحة أوسع من المستهلكين مزيداً من الموافقات التنظيمية (القانونية) وحلولاً لتحديات التصنيع على نطاق واسع، حسب معهد «The Good Food» البحثي في آسيا والمحيط الهادئ ومقره سنغافورة.

وحتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، سُمح بتداول هذه اللحوم في سنغافورة والولايات المتحدة وأستراليا، مع حصول شركات على موافقات لإنتاج أصناف تشمل الدجاج والسمان والسلمون، في حين تخضع منتجات أخرى للمراجعة التنظيمية في دول ومناطق عدة، من بينها الاتحاد الأوروبي، ونيوزيلندا، وسويسرا، والمملكة المتحدة، وتايلاند، وكوريا الجنوبية، كما تعمل دول أخرى على إعداد أطر تشريعية مماثلة.

وبالتوازي مع التطورات التنظيمية، تتضافر الجهود البحثية لتحسين تقنيات الإنتاج في بلدان، مثل: بريطانيا، واليابان، وأستراليا، والبرازيل، والولايات المتحدة. ففي عام 2025، أعلن فريق من جامعة طوكيو اليابانية إنتاج قطع دجاج مستزرعة في المختبر تحاكي اللحم الحقيقي في الشكل والقوام، باستخدام خلايا ليفية من الدجاج وجهاز يحاكي الدورة الدموية لتوصيل الأكسجين والمغذيات عبر ألياف مجوفة دقيقة، مما أتاح نمو أنسجة أكثر سماكة خلال تسعة أيام.

كما سبق ذلك في عام 2021 نجاح علماء من جامعة أوساكا اليابانية في إنتاج أول شريحة لحم من البقر الياباني «الواغيو» داخل المختبر باستخدام الطباعة الحيوية ثلاثية الأبعاد، عبر تنظيم العضلات والدهون والأوعية الدموية بطريقة تحاكي الملمس المميز لهذا النوع من اللحم. وتفتح هذه التقنيات المجال مستقبلاً لإنتاج لحوم مستزرعة ذات قوام ونكهة قابلة للتخصيص، وفق أذواق المستهلكين واحتياجاتهم الصحية.