كتاب سعوديون: ما كتب أدبيا عن أحداث المنطقة أغلبه انفعالي

توقعات بميلاد أجناس أدبية تستمد مفرداتها من قاموس لغوي قيد التشكل

أشجان هندي و عبدالله الناصر  و محمد الصفراني
أشجان هندي و عبدالله الناصر و محمد الصفراني
TT

كتاب سعوديون: ما كتب أدبيا عن أحداث المنطقة أغلبه انفعالي

أشجان هندي و عبدالله الناصر  و محمد الصفراني
أشجان هندي و عبدالله الناصر و محمد الصفراني

هل تمهد الأحداث الكبيرة التي تعصف بالمنطقة، بما تنطوي عليه من ويلات ومآس لميلاد قاموس لغوي وأدبي مختلف، أو في الأقل، للغة تستلهم مفردات ومصطلحات جديدة تتسرب تدريجيا، وبوعي أو غير وعي، إلى كتابات أدبائنا؟
الناقد والشاعر د. محمد الصفراني، يتوقع أن يفرز المشهد الثقافي نتاجا أدبيا مختلفا، بلغة جديدة ومصطلحات مغايرة، شريطة أن يصنع على أيادي مبدعين حقيقيين، لا يسارعون للتعبير عن الأحداث قبل أن تنتهي مرحلتها وتكتمل صورها وتختمر فكرتها.
يقول: «لكل مرحلة قاموسها اللغوي، الخاص بها، فكلمة (ثورة) جديدة على الوطن العربي، وكلمة (ربيع) أخذت مدلولا جديدا غير المدلول المتعارف عليه في السابق، فهي تعبر عن التغيير أو عن التفاؤل أو عن المستقبل والديمقراطية».
ووفق الصفراني، هناك أحداث صاحبتها تعابير، أصبحت لها معانٍ جديدة في العالم العربي، مثل الانتخابات والتصويت، فضلا عن الإشارة البصرية، كالإشارة إلى ميدان رابعة، التي تتبادر للذهن كثورة وانتفاضة للشعب المصري ما تبعها من أحداث خلال مرحلة الإخوان المسلمين هناك، فضلا عن أحداث غزة الأخيرة و«داعش» وغيرها.
ويضيف: «أنتظر أن يكون بالفعل هناك قاموس لغوي يتشكل في المنطقة وهو إخراج هذه المصطلحات إلى السطح الآن وهذا القاموس ينطبق عليه ما ينطبق على الأحداث نفسها، أي لم يكتب بعد، إذ لا يزال قيد الكتابة. ولكن ستصبح هناك كلمات متداولة من هذا القاموس ستجد طريقها للرواية والشعر، وللخاطرة والمقالة الأدبية».
غير أن الصفراني استدرك أن ما يكتب حاليا وقت لحظة الحدث، لم يصل إلى مستوى الكتابة الأدبية والقاموس الأدبي الجديد، لأنه لا تنطبق عليه شروط استثمار مفردات الحدث، وهو برأيه ما يقع في دائرة الاستثمار السطحي الانفعالي وردة الفعل.
ويصف ما يحدث حاليا من كتابة بأنه يتعلق بالحساسية التي تميز الشخصية العربية، والتي تقوم على رد الفعل السريع والمباشر، مبينا أن ذلك ينتهي بأخطاء على المستوى السلوكي وعلى المستوى الأدبي لا تأتي بأدب جيد، مشيرا إلى أنه إذا استكمل الحدث عناصره واستنفد وقته، فسيبرز بشكل ناضج ومغاير قاموس ولغة جديدتين. وعن دوره بوصفه ناقدا في تقييم ملامح هذه المرحلة أدبيا، يقول:
«كناقد أنتظر انتهاء المرحلة، وأدرسها على النصوص الحالية وهي نصوص منفعلة مع المرحلة وليست معبرة عنها لأن الانفعال العاطفي الشخصي هو أكثر من الأدبي، لأنه بعد ما تنتهي المرحلة، قد يغير هذا الشخص أو ذاك موقفه. اكتمال الحدث هو مربط الفرس».
وعن تقييمه لمدى تفاعل الكتاب مع الأحداث، يعتقد الصفراني أن التفاعل ضعيف، ضاربا مثلا بقضية محمد الدرة، «ففي فترة الحدث وبدايته لم توجد صحيفة أو مطبوعة، إلا وأفردت مساحة لقصيدة عنه، وحتى الذين لم يكتبوا شعرا من قبل كتبوه في تلك الفترة، وكذلك الحال في الرواية والقصة. ولكن تلك الانفعالات ذهبت أدراج الرياح. لقد نشرت (مؤسسة البابطين للإبداع الشعري) مجموعة من القصائد قيلت في هذا الحدث باعتبار أنه كان حدث الساعة. وبعد ثلاث إلى أربع سنوات كتبت نصوص جمعتها البابطين أيضاً. وعند المقارنة بينهما، نجد أن بينهما بون شاسع، فالأخيرة أكثر نضجا بكثير».
ويعزي الصفراني سبب هذا البون إلى أن الحدث نضجت عناصره؛ حيثياته ومآلاته، فأصبح التعبير عنه ناضجا أدبيا، بخلاف ما كان عليه الأمر في النتاجات الأولى التي كانت أشبه بالعزاء والمواساة، وهذا ينطبق على الأحداث الآنية الأخرى. المبدع الحقيقي، لن يتناول موضوعاً إبداعياً إلا بعد نضوج الحدث واكتمال عناصره ومخرجاته واختمار فكرته».

* الناصر: «الربيع العربي» حالة مرتبكة

* أما الروائي والكاتب عبد الله الناصر وهو مستشار وزارة التعليم العالي السعودية بالرياض، فيعتقد أن الوضع أو الربيع العربي وما بعده، هو حالة مرتبكة وغير مستقرة وتأخذ أشكالا وألوانا من التغيير الارتدادي بشكل دراماتيكي لا يتيح للمبدع أن يرصدها أو يصفها كحالة واضحة المعالم.
يقول: «في ظل هذا الارتباك الذي أحدثته قوى مختلفة خارجية وداخلية، أفرز تكوين أشبه بالجنين المشوه داخل الرحم، حيث إن هناك مصطلحات تزاحمت مؤخرا في المشهد، منها إرهابية ورهبوية وشرطجية وبلطجية، وهناك دخان ودماء وبارود».
وعليه، يعتقد الناصر أن الوعي البوليسي أصبح أقوى من الوعي الجماهيري، ومن ثم فإنه كما يرى لا تتشكل حالة يمكن للمبدع أن يرصدها ويتفاعل معها إلا في حالة الاضطراب، في المشهد العراقي ونظيره السوري والفلسطيني مثلا. وهنا «يمكن للمتأمل أو المتعايش أن ينفعل مع هاتين الحالتين انفعالا ثابتا لأنهما أخذا شكل الديمومة والمنهج الثابت، ذلك المنهج القائم على الذبح والقتل والتدمير والإحراق والإبادة، فيما أخذ المشهد السوري شكل الفضيحة الأخلاقية والثقافية والأممية».
وبرأي الناصر فإن فضيحة المشهد السوري، تأخذ شكل الإجرام والرذيلة بالنسبة للنظام الذي يبيد شعبه على حد تعبيره، مبينا أنه أصبح أيضا فضيحة أممية لأن العالم كله تواطأ على إبادة الشعب السوري وإحراق أرضه وتدمير بنيته التحتية.
أما الفضيحة الثقافية والفنية فتتجلى بوضوح، كما يعتقد الناصر، في وقوف بعض الكتاب والشعراء والفنانين إلى جانب النظام السوري، حيث إن بعض الذين كانوا يمارسون الغش على المثقفين طيلة ستين عاما، بزعم الحداثة والتنوير والانبثاق نحو الإنسانية، فإذا بهم يعودون إلى شرنقة الطائفية المذهبية. وهكذا وضع عالمنا العربي في حالة مخاضعة لا وضوح فيها ولا بصيص ضوء يستنير بضوئه من أراد أن يكتب من المبدعين عن هواجسه وخواطره، إنما هي قطع من الليل وسحائب من الظلم».
وأما فيما يتعلق بالإنتاج الأدبي في المشهد الثقافي الخليجي فيرى الناصر أن الشعر والقصة والرواية أغرقها طوفان الأمية متمثلة في الأدب الأمي والشعر الأمي أو ما يسمى بالشعر الشعبي. فالحكايات والقصص والأشعار الشعبية، أصبحت هي الطاغية على المشهد الثقافي الخليجي حتى على مستوى المسابقات المليونية والجوائز الثقافية، والمحطات التلفازية والملاحق والمنابر الصحافية، مشيرا إلى أن ثمرتها تتلخص في الشهرة والبيع والشراء، و«إننا نحن نعيش اليوم أزهى عصور الشعر والأدب الشعبي بعيدا عن التنوير العصري».

* د. زيد الفضيل: ميلاد مفردات «تويترية»

* أما الكاتب الدكتور زيد الفضيل ورئيس اللجنة الثقافية لمعرض الرياض الدولي للكتاب في دورته السابقة، فيتصور أن جانبا من المشهد الثقافي السعودي سبق آفاق الربيع العربي في زاوية منه بسنوات كثيرة، وهي الزاوية المتعلقة بمحاولة التنويريين فيه، التحرر من سلطة الطيف الديني المتشدد، وحركته الواسعة في المجتمع على حد تعبيره.
صدمة المجتمع السعودي جراء أعمال المتشددين الإسلامويين، وفق الفضيل، انعكست على طبيعة المشهد الثقافي الذي أظهر تحررا في كثير من أفكاره، ومارس نقدا واضحا لكثير من المظاهر السياسية التي أدت إلى ظهور ذلك الطيف المتشدد.
يقول الفضيل: «كانت كتابات كثير من مثقفينا شاهدا على ذلك سواء من خلال المقالة أو الرواية وحتى على صعيد المفردة الشعرية».
فكان المشهد الثقافي السعودي مواكبا لما يدور في المجتمع بفعالية قوية، في حين انغمس عدد من الدول العربية في أتون ما يسمى بالربيع العربي الذي اصطبغ بلون ديني جراء سيطرة الإخوان المسلمين وتيار السلفية الحركية على وتيرة المشهد السياسي فيه».
وفيما يخص المصطلحات والمفردات الجديدة التي ظهرت في النتاج الأدبي والثقافي، يرى الفضيل أننا نلمس ذلك في استخدام المفردات الـ«تويترية» تحديدا، إذ أصبح «تويتر» ساحة مفتوحة للنقاش الحاد بين المنتمين للتيار الإسلاموي الحركي الذين لم يخفوا مساندتهم السياسية والفكرية لنظرائهم في دول الربيع العربي، وبين جانب واسع من الشريحة المتنوعة للمثقفين السعوديين من ليبراليين وقوميين وكثير من المنتمين لوسطية المفردة والفكرة بمنأى عن الدخول في شرك التصنيفات. وكان من جراء ذلك أن ازداد المشهد الثقافي السعودي وضوحا في تمايز الأفكار، بل وتجلى في كثير من مفرداته كثير من الألفاظ السياسية والقانونية، وإن كانت لم تظهر بجلاء على صعيد المنتج القصصي والروائي تحديدا».
غير أنه يستدرك بقوله إن هذه الألفاظ الوليدة كانت جلية في مسار المفردة الـ«تويترية» والكتابة الصحافية، التي عكست طبيعة وعي المشهد الثقافي السعودي، ومايزت بين محدداته.

* صالحة غابش: غياب الرؤية خلّف الحذر

* وفي هذا السياق قالت الكاتبة الإماراتية صالحة غابش، مدير عام المكتب الثقافي والإعلامي بالمجلس الأعلى لشؤون الأسرة في الشارقة: «أشعر أن لغة الأدب في الوقت الحالي عجزت عن أن تؤدي دورها في التعبير عن قضايا الأمة، على الرغم من أن الأدب شعرا كان أم رواية وحتى القصة القصيرة والمسرح وغيرها كانت إلى وقت قريب انعكاسا لكل تطورات المجتمع. لا أعتقد أن لغة الأدب الحالية، مستوعبة لمستجدات الأحداث وتغيراتها وأثرها على الواقع والإنسان وما يمكن أن يستبقيه التاريخ في دفاتره منها، مع وجود استثناءات لروايات وقصائد.
وتضيف صالحة غابش: «لعل السبب لا يرجع إلى اللغة وصاحبها ولكن إلى حالة الإحباط من عدم وضوح الرؤية أو الخوف والحذر من تناول الأمور من وجهة نظر يؤمن بها الكاتب، الذي قد يكتشف بعد قليل بأنه ضلل وأن الحقيقة لا تزال متوارية في خفايا الأحداث المتتابعة ريثما تنجلي ذات يوم».
وفي الإطار نفسه تتوقع غابش، أن تكون الغلبة للرواية كمنافس قوي من بين الأجناس الأدبية الأخرى، الأقدر على التعبير عن أحداث المنطقة بلغتها التي تتعاطى معها ووفق مفردات إفرازات المشهد الحالي. لكنها تحذر من الغزارة في الكم، فهي «ليست في صالح التطور الإبداعي إن لم يواكبه غزارة في النوع، وفي عمق التناول واللغة والمعرفة التي تأتي بها النصوص الإبداعية، فغزارة الكم لا يعول عليه كأساس لقياس تطور الأدب وتأثيره في المجتمع والثقافة المحلية والإنسانية عموما، بنقله أحداث المنطقة الحالية أو غيرها».
ولفتت إلى أن الأعمال المؤثرة في وجدان الشعوب وفكرها، المستندة إلى أفق ثقافي وحضاري معرفي، وحدها التي تستحق أن تضم إلى قوافل الإبداع، لأنها تؤشر إلى جدية صاحب التجربة ومدى اشتغاله على عمقها، متجنبا الجانب السطحي الذي لا يغني ثقافة ولا معرفة».

* أشجان هندي: اختمار الفكرة أولا

* الشاعرة د. أشجان هندي، ربطت تأثر الأحداث وصورها ولغتها ومصطلحاتها في النصوص الأدبية، بما تستغرق من وقت، مبينة أن المبدع يحتاج إلى مدة زمنية معينة يستوعب خلالها الأحداث ليوظفها شعرا أو رواية أو قصة، تأسيسا على الخبرة المختزنة الصادرة عن رؤية ما.
وهي تتفق مع الصفراني في أن الأثر الآني وإسقاطه على لغة الأدب، لا يتجاوز كونه نتاجا انفعاليا وردة فعل لا يعبر بدقة عن الحدث، بل لا بد أن تأخذ الأحداث وقتا كافيا للتخزين والاختمار على المستوى العام والفردي لأن «تعاطي الأديب مع الحدث ليس كتعاطي المراقب السياسي للحدث، لأن الأخير لا ينتظر لأن تختمر الفكرة لتخرج ناضجة ومعبرة ومشخصة لكافية الجوانب، وذلك لأنه يسقط عليها تحليلاته وقراءاته خاصة له».
وما تراه أشجان هندي حاليا من كتابات لا يخرج عن كونه انعكاسا لحظيا ومحاولة لمواكبة الحدث بطريقة إعلامية أكثر منه طريقة أدبية. ومن هنا، يكون العمل ناقصا، بخلاف الأديب الذي يستغرق زمنا لاستيعاب عناصر ومقومات وصناعة الحدث».



«روائع الأوركسترا السعودية» تعزف في قلب روما بمشاركة أندريا بوتشيلي

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
TT

«روائع الأوركسترا السعودية» تعزف في قلب روما بمشاركة أندريا بوتشيلي

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

في أمسية امتزجت فيها أنغام الموسيقى بروح التاريخ، تحولت ساحة فينوس الأثرية في الكولوسيوم بروما إلى مسرح مفتوح للحوار الثقافي بين السعودية وإيطاليا، مع اختتام «روائع الأوركسترا السعودية» حفلاتها العالمية بمشاركة الفنان العالمي أندريا بوتشيلي، في واحدة من أبرز المحطات الفنية للمشروع السعودي العالمي.

وبرعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي رئيس مجلس إدارة هيئة الموسيقى، اختتمت هيئة الموسيقى جولتها الـ11 من «روائع الأوركسترا السعودية» في العاصمة الإيطالية، وسط حضور ثقافي وفني، في أمسية جمعت الموسيقى السعودية والإيطالية والعالمية على خلفية أحد أشهر المعالم التاريخية في العالم.

شارك في الحفل 32 موسيقياً من الأوركسترا والكورال الوطني السعودي إلى جانب 30 موسيقياً من أوركسترا «فونتان دي روما» (هيئة الموسيقى)

وشارك في الحفل 32 موسيقياً من الأوركسترا والكورال الوطني السعودي، إلى جانب 30 موسيقياً من أوركسترا «فونتان دي روما»، بقيادة المايسترو الإيطالي مارشيلو روتا، في عرض موسيقي مشترك عكس روح التبادل الثقافي بين البلدين، وضم مجموعة مختارة من الأعمال السعودية والإيطالية والعالمية، إلى جانب ألحان وطنية وتوزيعات أوركسترالية متنوعة.

كما استعرض الحفل عدداً من الفنون الأدائية السعودية التقليدية، شملت «عرضة وادي الدواسر»، و«فن الخطوة»، و«الفن الينبعاوي»، قدمها 55 مؤدياً تحت مظلة هيئة المسرح والفنون الأدائية، في إطار جهودها لإبراز التنوع الثقافي والفني للمملكة وتعريف الجمهور العالمي بالموروث الأدائي السعودي.

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

وشهدت الأمسية تقديم مقطوعة موسيقية بعنوان «الحِجر وروما»، بكلمات المؤرخ والباحث الدكتور سليمان الذيب، استلهمت الروابط الحضارية والثقافية بين المملكة وإيطاليا، وعكست امتداد الحوار الثقافي بين الحضارتين عبر الموسيقى، بوصفها لغة مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية والزمنية.

وأعرب الفنان العالمي أندريا بوتشيلي عن سعادته بالمشاركة مع الأوركسترا والكورال الوطني السعودي، مؤكداً أن الغناء بجوار الكولوسيوم يحمل دائماً «مشاعر استثنائية»، لكنه رأى أن المشاركة مع الفرقة السعودية أضفت على التجربة «طابعاً أكثر تميزاً»، مضيفاً أن الموسيقى «لغة قادرة على وصل الثقافات وتجاوز حدود الزمان والمكان».

اختتام الجولة الـ11 من «روائع الأوركسترا السعودية» في العاصمة الإيطالية وسط حضور ثقافي وفني (هيئة الموسيقى)

وقال الرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى، باول باسيفيكو، إن تقديم «روائع الأوركسترا السعودية» في روما يمثل «محطة استثنائية في مسيرة الموسيقى السعودية، ورمزاً يعكس عمق الحوار الثقافي»، مؤكداً أن التعاون الفني مع أوركسترا «فونتان دي روما» على أحد أعرق المعالم التاريخية في العالم يهدف إلى تقديم الموروث الموسيقي الوطني لجمهور عالمي، وبناء شراكات إبداعية مستدامة تسهم في تطوير المنظومة الموسيقية السعودية.

الحفل استعرض عدداً من الفنون الأدائية السعودية التقليدية لإبراز التنوع الثقافي والفني للمملكة وتعريف الجمهور العالمي بالموروث الأدائي السعودي (هيئة الموسيقى)

من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لهيئة المسرح والفنون الأدائية الدكتور محمد حسن علوان، أن المشاركة جسدت امتزاجاً بين عراقة المسرح الروماني بوصفه رمزاً حضارياً عالمياً، والفنون الأدائية التقليدية السعودية بوصفها جزءاً من الهوية الوطنية، مشيراً إلى أن العرض قدم الثقافة السعودية بطابع فني يبرز حضورها الدولي ويعزز التواصل الثقافي بين الشعوب.

بدوره، وصف المايسترو مارشيلو روتا التعاون بين الأوركسترا والكورال الوطني السعودي وأوركسترا «فونتان دي روما» بأنه «تجربة فنية ثرية»، مشيراً إلى وجود تقاطع في الفهم والانضباط والإحساس الموسيقي رغم اختلاف الأساليب والتقاليد الفنية، ما أتاح تقديم الأعمال السعودية والإيطالية في إطار حوار موسيقي متناغم.

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

ويأتي حفل روما ضمن سلسلة جولات «روائع الأوركسترا السعودية» التي تسعى من خلالها هيئة الموسيقى إلى دعم الحضور الثقافي السعودي عالمياً، وتمكين الفنانين السعوديين من التفاعل مع جمهور دولي، والاحتفاء بالهوية الموسيقية الوطنية، بالتوازي مع جهود الهيئة في بناء منظومة موسيقية مستدامة داخل المملكة.


أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية
TT

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

يفتتح مركز كامدن للفنون بلندن المعرض الاستعادي للفنان الغياني دونالد لوك بثلاث لوحات رُسمت بالأسود وحده. تلك بداية صادمة، حيث تميزت اللوحات بطابعها الانتهاكي لقواعد التودد للمُشاهد الباحث عن المتعة البصرية؛ ما يجعل النظر إليها مثيراً لقلق استفهامي، سيكون مفيداً على مستوى التعامل مع عالم ذلك الفنان واجتهاده في ربط التجريد بقضية إنسانية ذات صبغة سياسية. في أحد تلك الأعمال استعمل صفوفاً من المسامير الحادة تبرز من السطح كما استعمل في لوحة أخرى شبكاً معدنياً من ذلك الذي يُستعمل في السجون. تلك اللوحات الغامضة بموادها المختلفة التي يعود زمن إنتاجها إلى سبعينات القرن العشرين. وعلى رغم لجوء فنانها إلى لغة التجريد الهندسي، فإنها تخرج التجريد من عالم متعته الجمالية لتزج به في مهمة تمثيل تضاريس مزارع قصب السكر في غيانا (تقع على الكاريبي شمال قارة أميركا الجنوبية) التي أنشأها المستعمرون الهولنديون في القرن السادس عشر ثم سيطر عليها البريطانيون لاحقاً.

لم يصور الفنان البريطاني من أصل غياني، دونالد لوك (1930 -2010) تلك المزارع رغبة منه في أن يحاكي أشكالها المرئية من فوق إلا لأنه كان يسعى إلى التذكير بزمن العبودية والعمل بالسخرة. وهنا بالضبط تكمن أهمية فن لوك بوصفه محاولة للمزج بين الاهتمامات الشكلية التي تتطلبها صناعة لوحة حديثة والمضامين التي ينطوي عليها التاريخ المظلم للعبودية والاستعمار. تكمن فضيلة هذا المعرض الشامل في إخلاصه لرؤية الفنان التي لا يمكن فك ارتباطها بقضية إنسانية سعى مثقفو الاستعمار الثقافي إلى تحويلها مسألة اختلاف في الثقافات من خلال تأطيرها بأبعاد فلكلورية. لقد عمل الفنان عبر تجربته الممتدة من منتصف الستينات إلى أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على التخلص من عبء تلك الأوهام المترفة وتسليط الضوء على مأساة شعب، عانى من التهجير من ثقافته و لغته و تاريخه.

الثقافة السوداء في قلب الحداثة

يجمع المعرض بين الخزف والرسم والنحت. كان مناسباً للوك أن يكون كما شعبه خزَّافاً ورساماً ونحاتاً. وإذا ما كان المعرض الذي يضم 80 عملاً فنياً يكشف عن أن الفنان الغياني قد لعب دوراً محورياً في فن النحت البريطاني في فترة ما بعد الحرب الثانية، فإنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على تجربة طوَّر فنانها أدواته التجريبية ليصل بها إلى مستوى من البراعة الشكلية، لم يكن في الإمكان فصلها عن الموقف الإنساني الذي اتخذه الفنان في مواجهة مشكلات الهوية والقهر، وهي المشكلات التي واجهها شعبه.

يستعرض معرض «أشكال مقاومة» المراحل الفنية التي تطوَّر من خلالها عالم لوك في مختلف مسيرته الفنية متنقلاً بين منازله في غيانا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، متأثراً بالأشخاص والأماكن التي عاش فيها خلال رحلته. فالمعرض يبدأ بأعماله الخزفية المبكرة التي تستحضر أشكالاً بشرية وطبيعية ويتتبع انتقال الفنان إلى فن النحت متعدد الوسائط واللوحات السوداء أحادية اللون من سلسلة «المزارع» في سبعينات القرن الماضي. كما يعرض لوحاته الضخمة من تسعينات القرن الماضي والتي واصلت ممارسة عملية التجميع التي اتبعها لوك من خلال دمج صور جاهزة ومواد خزفية ومعدنية وخشبية. ويقدم القسم الأخير من المعرض مجموعة مختارة من الأعمال التجريبية التي أنجزها لوك خلال السنوات الأخيرة من حياته في أتلانتا، هناك حيث مزج بين الذاكرة والأساطير، متأثراً بشدة بالمشهد الفني النابض بالحياة وتقاليد التجميع في جنوب الولايات المتحدة. وبهذا يكون العرض مخلصاً لغايته في تسليط الضوء على «المساهمات الفريدة والمتنوعة للثقافة السوداء في الحداثة».

الكاريبي بمفردات جماله الحية

في ستينات القرن الماضي برز دونالد لوك خزَّافاً تكشف أوانيه عن قدرة هائلة على التعبير بحرية من خلال أشكال حيوية ابتكرها لتكون عنواناً لتحرره من القيود الصارمة التي كانت تضع فن الخزف ببريطانيا في إطار صناعة ذات هوية فنية محددة. بدا واضحاً أن ذلك الفنان القادم إلى بريطانيا من ثقافة أخرى كان قادراً على أن يمارس الفن بحرية من غير أن يخضع للتقاليد التي يخضع لقوانيها الآخرون تلقائياً. يقول: «كنت أعمل من غير أن ألتزم بالقيود القديمة التي لا تزال تُعيق الإبداع في الكثير من ورش العمل في بريطانيا». ذلك ما جسدته أعماله الطينية التي احتفى من خلالها بالجسد البشري والأشكال العضوية. بعد تلك التجربة التي كشف من خلالها عن اختلافه الصادر عن اختلاف مرجعياته البصرية انتقل إلى المرحلة الأهم في مسيرته الفنية، وهي المرحلة التي تمثلها سلسلة المزارع. في تلك الأعمال التي أنتجها الفنان بغزارة في سبعينات القرن الماضي نجحت تقنية دمج الخزف بالمعدن والخشب والعشب والسجاد والفراء والطلاء والورنيش في معالجة موضوعات الاستعباد في غيانا خلال الحقبة الاستعمارية بشكل مباشر. في تلك الأعمال أرسى الفنان بأسلوب متمرد ملامح هويته الفنية الشخصية المتحررة من قيود الجغرافيا وفي الوقت نفسه من تقاليد المدرسة البريطانية.

لا يمكن النظر إلى تجربة دونالد لوك إلا من خلال مقاربات تتعلق بالوضع الإنساني الذي يعيشه فنانو الشتات. ففكرة مساهمة الثقافة السوداء في الحداثة الفنية تظل واحدة من أهم الأفكار التي لا يمكن تجاهلها في عصر ما بعد الاستعمار. تلك رؤية متعددة الطبقات ومعقدة من جهة اكتظاظها بأزمات يكمن أساسها في الصراع بين ما هو إرث شخصي وذلك الإرث الاستعماري الذي صار جزءاً من تاريخ غيانا وسواها. كان لوك نموذجاً لفنان برع في تأثيث شتاته بمفردات كاريبية حية.

وهب بلاده حياة متخيلةبعد حصوله على منحة متحف غوغنهايم التي هيأت له فرصة الانتقال للولايات المتحدة عام 1979، حيث أقام أولاً في فينيكس ومن ثم أريزونا لينتقل عام 1990 إلى أتلانتا، جورجيا حتى وفاته انغمس لوك في التفكير بالماضي بطريقة مزدوجة. ماضي تجربته الفنية؛ إذ عاد إلى الخزف متعدد الوسائط وماضي الإرث الفني الغياني؛ إذ عاد إلى استلهام مفردات الفلكلور المحلي في رسوماته بالفحم واللجوء إلى التجسيد في زخرفة الأواني الخزفية. كان عقد التسعينات الحيز الذي شهد ذروة تعبير لوك عن رغبته في التحرر من قواعد الفن الغربي فكانت معارضه تجمع بين جوانب من الفن الشعبي الأميركي - الأفريقي والأساطير الكاريبية. لقد أنتج حينها أعمالاً فنية مزج من خلالها منحوتاتٍ مرتجلة وأشياء وتمائم مصنوعة من مواد مُستعملة وخشب مُهمل وخصلات شعر بشري.

ربما شكَّل ذلك التداخل ما بين التعلق المدهش بالبنى الفنية الكاريبية ذات المنحى السحري وبين الانتماء للحداثة الفنية بكل أساليبها وصولاً إلى التجريد مصدراً لغموض، سيكون بمثابة امتياز شخصي. من ذلك لوحاته التي هي عبارة عن مساحات شاسعة من الطلاء الأسود رُسمت بضربات فرشاة عشوائية وعفوية كانت مغطاة بخليط مربك من الأشياء والصور الفوتوغرافية. تتداخل قطع الخشب والمعدن والغراء مع صور فوتوغرافية ونسخ مصورة لجنود المرحلة الاستعمارية والعائلة المالكة البريطانية والأسلحة إضافة إلى منحوتاته التي مثلت فرصته لاستعراض اللحظات المأساوية التي عاشتها بلاده منذ القرن التاسع عشر.

غير أن ذلك ليس كل شيء في مسيرة فنان مهم مثل دونالد لوك الذي نجح في أن يكون فناناً حديثاً، لكن بشروطه؛ ما وهبه القدرة على أن يضم إلى آليات عمل الحداثة تعليقاته على العنف الذي شكَّل محور ذاكرته. لقد وهب لوك الحداثة الفنية من خلال استلهامه لتراث بلاده حياة لم تكن متوقعة.


حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب
TT

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

في مجموعتها القصصية «متحف الأخطاء» الصادرة أخيراً عن «دار الشروق» بالقاهرة، تنظر الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى السرد عبر عدسةٍ مراوغة، ليتشكّل من خلال تخوم اللغة، ويختبر حدود المكان وموقع الإنسان داخله، فالشخصيات تتحرّك داخل مساحات من سعادة متوتّرة، تقتطع من العالم أزمنةً تتلكّأ في مغادرتها، أو تُوسّعها عبر الخيال، تحت وطأة سؤالٍ خفي؛ هل نسير إلى الأمام أم إلى الخلف؟

مفهوم «الخطأ» الذي يؤرّق بطلة القصة الأولى، يتسرّب صداه عبر قصص المجموعة بوصفه خيطاً ناظماً، حيث يُعاد تعريفه والالتفاف حوله، من خلال أبطالٍ مُنسحبين، ينظرون إلى وجودهم في العالم بوصفهم «ذنباً» يستوجب الاعتذار، فيعتري بطلة قصة «متحف الأخطاء» تطرّفٌ حاد في استجابتها للمحيطين بها: «عاشت لبنى كأنها تعتذر للعالم عن وجودها فيه»، فيبدو إيقاع حياتها مشدوداً إلى الحذر والانسحاب، ومحاولات دائمة للتغلّب على «دبيب الذنب»، ولا يلبث هذا الإيقاع أن يتكرّر بوجهٍ آخر لدى بطلة قصة «هذا كل ما في الأمر»، التي يغمرها شعور خفي بأنها مدينة للآخرين بشيءٍ لا تعرفه.

أبعد من إِرم

تتبدى نصوص المجموعة بوصفها قصصاً مُنفصلة، في حين تطرح الكاتبة «ثلاثية» قصصية تُقرأ كمُتتالية قصصية متصلة، عبر «رفقة ظلي»، و«أبعد للمشتاق من إرم»، و«تفاح نورماندي»، التي تتوزّع فيها الحكاية بين ثلاث شخصيات يتقاطع مسارهم داخل زاوية قدرية مشتركة، وفي لعبةٍ فنية تُبنى على تناوب الضوء والظل على ملامح أبطالها، تتشكل الحكاية عبر كشف وإضمار، لترسم عالماً مشدوداً إلى الأسى، على هيئة مثلثٍ مغلق: الزوج، والزوجة، والحبيبة.

يبدو تعقيد هذه العوالم، في ظاهره، نابعاً من تباعد المكان السردي الذي يجمع الشخصيات الثلاث، حيث يتفرّقون بين بلدانٍ متباعدة، غير أن هذا التباعد الجغرافي، وفروق التوقيت، لا يلبثان أن ينزاحا لصالح غربةٍ داخلية أعمق، يعيشها كلّ منهم على حِدة، فتغدو محاولات التواصل بينهم مدفوعةً بالاشتياق والغيرة، والحيرة معاً.

ففي «تفاح نورماندي» تنشغل الزوجة الفرنسية بتتبّع فتور علاقتها الزوجية، وتبدأ في البحث عن شواهِد عبر تفاصيل يومية؛ هاتفٌ مغلق، وآخر صامت، وإفراطٌ في استخدام زوجها لتعبيرات «الإيموجي» في تعليقات موجّهة إلى امرأة بعينها عبر مواقع التواصل، على غير عادته. تتحوّل هذه التفاصيل، بالنسبة لها، شواهد على علاقة تتشكّل في الخفاء، يتبعها تتبعٌ مستمر لتحديثات الصور على «إنستغرام» على كل من حِساب زوجها وحِساب الفتاة التي تُراودها الظنون بشأنها، حيث تغدو المقارنة بين تلك التحديثات أداةً لقراءة تطوّر علاقتهما المُفترضة.

من هنا تنزلق البطلة إلى «التلصّص» لاستكمال أحجية انجذاب زوجها إلى أخرى، في لعبةٍ سردية تستثمر فيها منصورة عز الدين توتّر الحب الذي يُضاعفه الفضاء الإلكتروني، في مقابل واقعٍ يتآكل بصمت، حيث لا تعود «الافتراضية» نقيضاً له، بل امتداداً ملتبساً يعيد تشكيل حدوده.

وفي موازاة ذلك، يقترب السرد من الزوج السوداني «إدريس»، بطل قصة «أبعد للمشتاق من إرم»، الذي لم يكن سفره إلى آيوا سيتي سوى تكريس لمسافاتٍ عاطفية طويلة تفصله عن زوجته المقيمة في فرنسا. تُزعجه اتصالاتها، في وقتٍ يحنّ فيه إلى مَرابع قريته القديمة في السودان، ويلازمه طيف امرأةٍ أخرى، تتبّع الزوجة حضورها بحدسها عبر ما تلتقطه من إشاراتٍ «خوارزمية» على مواقع التواصل.على هذا النحو، تبدو القصص الثلاث وكأنها انعكاساتٍ لعلاقة تتآكل، وأخرى مُحاصَرة داخل طيفٍ من نُحب.

ورغم تعدّد واتساع الأماكن التي تدور فيها قصص المجموعة، فإن الكاتبة تضع أبطالها داخل مساحاتٍ أضيق، سواء عبر الحنين أو المراجعة الذاتية، حيث ينسحبون من دوائر الصخب إلى عزلاتٍ صغيرة؛ السير في حديقة، أو الوقوف في ظلّ شجرة، حيث «الجمال واضح لمن يرغب في رؤيته»، وهي عبارةٌ تنسحب على الشجن والرحيل، كما في قصة «نجمة الصباح»، حيث تصنع البطلة عالماً موازياً على الورق، تبتكر فيه بطلةً مُتخيلة، قبل أن تتداخل معها تدريجياً في حياةٍ رحيبة لا تُغادر خطواتها طاولة المقهى الذي تجلس فيه، حيث «الأحلام تعبر الجسر قبل أصحابها».

حمولة اللغة

في مستوى آخر، تبدو اللغة في المجموعة ساحة أخرى للاشتباك، والمناورة والتوتّر، بحمولتها الثقافية والعاطفية، فبطلة «هذا كل ما في الأمر»: تستدعي رد فعلها الانفعالي تجاه صديقتها الفرنسية فتقول: «رددت بالعربية بعبارات مقتطعة، ثم حين استعادت أنفاسي بعض انتظامها، أخبرتها بالإنجليزية أنها أفزعتني، وأنني كنت فقط أتأمل النهر، فردّت عليّ بفرنسيتها المتعالية»، ليبدو اللجوء إلى اللغة الأم فعلاً عفوياً منحازاً للذات والحزن، فتلوذ البطلة بلغتها العربية وهي تستعيد «نوازلها وأحزانها» القديمة في دفقة شعورية متصلة، تعجز صديقتها عن التقاط معناها بلغتها الفرنسية، مكتفية بالتعاطف والمؤازرة، في حين يلوذ بطل قصة «ثوب العالم» بلغة الصمت: «أنتظر أن يأتي من يتحدث بلغتي؛ كي أطلعه على سر من أسراري».

ورغم هيمنة الزمن المعاصر على قصص المجموعة، تشد الكاتبة خيطها الناظم القائم على تمثيلات «الأطياف» ومراياها، إلى فضاءٍ برزخي يتجاوز حدود الزمان والمكان، مستعيدةً التراث وعالم الليالي في قصة «سرحة الغزلان»، لا من مركز «شهرزاد»، بل من موقعها بوصفها طيفاً تستدعيه زوجة «شهريار»، التي أُلصق بها ذنب الخيانة عبر التاريخ.

من هذا الموضع السردي المغاير، تُستعاد الحكاية من طرفها المهمَّش، فتُزاح السردية المكرَّسة إلى موضع الشك، في لعبةٍ فنية تُعيد توجيه الحكاية لتقويض مركزها، فيصدر السرد هنا عن صوت «جُلبهار»، الزوجة التي تستيقظ في برزخها عقب غدر شهريار بها وقتلها، لتعيد تأويل الحكاية من جديد.

 في هذا الانزياح، لا تعود صورة «الملك السعيد» بوصفه الملك المأزوم الذي تُبرَّر جرائمه بوصفها ردّ فعل على خيانة زوجته، بل يُعاد النظر إليها بوصفها سردية كرّست العنف وبرّرته. ومن ثم، يتقدّم صوت «جُلبهار» بحمولة «ما ورائية»، مخاطباً «شهرزاد» بصوتٍ يُخلخل منطق الحكاية والنجاة بها، مُتسائلاً: «أَمِن المجدي هدهدة السفّاح بالحكايات؟».