كتاب سعوديون: ما كتب أدبيا عن أحداث المنطقة أغلبه انفعالي

توقعات بميلاد أجناس أدبية تستمد مفرداتها من قاموس لغوي قيد التشكل

أشجان هندي و عبدالله الناصر  و محمد الصفراني
أشجان هندي و عبدالله الناصر و محمد الصفراني
TT

كتاب سعوديون: ما كتب أدبيا عن أحداث المنطقة أغلبه انفعالي

أشجان هندي و عبدالله الناصر  و محمد الصفراني
أشجان هندي و عبدالله الناصر و محمد الصفراني

هل تمهد الأحداث الكبيرة التي تعصف بالمنطقة، بما تنطوي عليه من ويلات ومآس لميلاد قاموس لغوي وأدبي مختلف، أو في الأقل، للغة تستلهم مفردات ومصطلحات جديدة تتسرب تدريجيا، وبوعي أو غير وعي، إلى كتابات أدبائنا؟
الناقد والشاعر د. محمد الصفراني، يتوقع أن يفرز المشهد الثقافي نتاجا أدبيا مختلفا، بلغة جديدة ومصطلحات مغايرة، شريطة أن يصنع على أيادي مبدعين حقيقيين، لا يسارعون للتعبير عن الأحداث قبل أن تنتهي مرحلتها وتكتمل صورها وتختمر فكرتها.
يقول: «لكل مرحلة قاموسها اللغوي، الخاص بها، فكلمة (ثورة) جديدة على الوطن العربي، وكلمة (ربيع) أخذت مدلولا جديدا غير المدلول المتعارف عليه في السابق، فهي تعبر عن التغيير أو عن التفاؤل أو عن المستقبل والديمقراطية».
ووفق الصفراني، هناك أحداث صاحبتها تعابير، أصبحت لها معانٍ جديدة في العالم العربي، مثل الانتخابات والتصويت، فضلا عن الإشارة البصرية، كالإشارة إلى ميدان رابعة، التي تتبادر للذهن كثورة وانتفاضة للشعب المصري ما تبعها من أحداث خلال مرحلة الإخوان المسلمين هناك، فضلا عن أحداث غزة الأخيرة و«داعش» وغيرها.
ويضيف: «أنتظر أن يكون بالفعل هناك قاموس لغوي يتشكل في المنطقة وهو إخراج هذه المصطلحات إلى السطح الآن وهذا القاموس ينطبق عليه ما ينطبق على الأحداث نفسها، أي لم يكتب بعد، إذ لا يزال قيد الكتابة. ولكن ستصبح هناك كلمات متداولة من هذا القاموس ستجد طريقها للرواية والشعر، وللخاطرة والمقالة الأدبية».
غير أن الصفراني استدرك أن ما يكتب حاليا وقت لحظة الحدث، لم يصل إلى مستوى الكتابة الأدبية والقاموس الأدبي الجديد، لأنه لا تنطبق عليه شروط استثمار مفردات الحدث، وهو برأيه ما يقع في دائرة الاستثمار السطحي الانفعالي وردة الفعل.
ويصف ما يحدث حاليا من كتابة بأنه يتعلق بالحساسية التي تميز الشخصية العربية، والتي تقوم على رد الفعل السريع والمباشر، مبينا أن ذلك ينتهي بأخطاء على المستوى السلوكي وعلى المستوى الأدبي لا تأتي بأدب جيد، مشيرا إلى أنه إذا استكمل الحدث عناصره واستنفد وقته، فسيبرز بشكل ناضج ومغاير قاموس ولغة جديدتين. وعن دوره بوصفه ناقدا في تقييم ملامح هذه المرحلة أدبيا، يقول:
«كناقد أنتظر انتهاء المرحلة، وأدرسها على النصوص الحالية وهي نصوص منفعلة مع المرحلة وليست معبرة عنها لأن الانفعال العاطفي الشخصي هو أكثر من الأدبي، لأنه بعد ما تنتهي المرحلة، قد يغير هذا الشخص أو ذاك موقفه. اكتمال الحدث هو مربط الفرس».
وعن تقييمه لمدى تفاعل الكتاب مع الأحداث، يعتقد الصفراني أن التفاعل ضعيف، ضاربا مثلا بقضية محمد الدرة، «ففي فترة الحدث وبدايته لم توجد صحيفة أو مطبوعة، إلا وأفردت مساحة لقصيدة عنه، وحتى الذين لم يكتبوا شعرا من قبل كتبوه في تلك الفترة، وكذلك الحال في الرواية والقصة. ولكن تلك الانفعالات ذهبت أدراج الرياح. لقد نشرت (مؤسسة البابطين للإبداع الشعري) مجموعة من القصائد قيلت في هذا الحدث باعتبار أنه كان حدث الساعة. وبعد ثلاث إلى أربع سنوات كتبت نصوص جمعتها البابطين أيضاً. وعند المقارنة بينهما، نجد أن بينهما بون شاسع، فالأخيرة أكثر نضجا بكثير».
ويعزي الصفراني سبب هذا البون إلى أن الحدث نضجت عناصره؛ حيثياته ومآلاته، فأصبح التعبير عنه ناضجا أدبيا، بخلاف ما كان عليه الأمر في النتاجات الأولى التي كانت أشبه بالعزاء والمواساة، وهذا ينطبق على الأحداث الآنية الأخرى. المبدع الحقيقي، لن يتناول موضوعاً إبداعياً إلا بعد نضوج الحدث واكتمال عناصره ومخرجاته واختمار فكرته».

* الناصر: «الربيع العربي» حالة مرتبكة

* أما الروائي والكاتب عبد الله الناصر وهو مستشار وزارة التعليم العالي السعودية بالرياض، فيعتقد أن الوضع أو الربيع العربي وما بعده، هو حالة مرتبكة وغير مستقرة وتأخذ أشكالا وألوانا من التغيير الارتدادي بشكل دراماتيكي لا يتيح للمبدع أن يرصدها أو يصفها كحالة واضحة المعالم.
يقول: «في ظل هذا الارتباك الذي أحدثته قوى مختلفة خارجية وداخلية، أفرز تكوين أشبه بالجنين المشوه داخل الرحم، حيث إن هناك مصطلحات تزاحمت مؤخرا في المشهد، منها إرهابية ورهبوية وشرطجية وبلطجية، وهناك دخان ودماء وبارود».
وعليه، يعتقد الناصر أن الوعي البوليسي أصبح أقوى من الوعي الجماهيري، ومن ثم فإنه كما يرى لا تتشكل حالة يمكن للمبدع أن يرصدها ويتفاعل معها إلا في حالة الاضطراب، في المشهد العراقي ونظيره السوري والفلسطيني مثلا. وهنا «يمكن للمتأمل أو المتعايش أن ينفعل مع هاتين الحالتين انفعالا ثابتا لأنهما أخذا شكل الديمومة والمنهج الثابت، ذلك المنهج القائم على الذبح والقتل والتدمير والإحراق والإبادة، فيما أخذ المشهد السوري شكل الفضيحة الأخلاقية والثقافية والأممية».
وبرأي الناصر فإن فضيحة المشهد السوري، تأخذ شكل الإجرام والرذيلة بالنسبة للنظام الذي يبيد شعبه على حد تعبيره، مبينا أنه أصبح أيضا فضيحة أممية لأن العالم كله تواطأ على إبادة الشعب السوري وإحراق أرضه وتدمير بنيته التحتية.
أما الفضيحة الثقافية والفنية فتتجلى بوضوح، كما يعتقد الناصر، في وقوف بعض الكتاب والشعراء والفنانين إلى جانب النظام السوري، حيث إن بعض الذين كانوا يمارسون الغش على المثقفين طيلة ستين عاما، بزعم الحداثة والتنوير والانبثاق نحو الإنسانية، فإذا بهم يعودون إلى شرنقة الطائفية المذهبية. وهكذا وضع عالمنا العربي في حالة مخاضعة لا وضوح فيها ولا بصيص ضوء يستنير بضوئه من أراد أن يكتب من المبدعين عن هواجسه وخواطره، إنما هي قطع من الليل وسحائب من الظلم».
وأما فيما يتعلق بالإنتاج الأدبي في المشهد الثقافي الخليجي فيرى الناصر أن الشعر والقصة والرواية أغرقها طوفان الأمية متمثلة في الأدب الأمي والشعر الأمي أو ما يسمى بالشعر الشعبي. فالحكايات والقصص والأشعار الشعبية، أصبحت هي الطاغية على المشهد الثقافي الخليجي حتى على مستوى المسابقات المليونية والجوائز الثقافية، والمحطات التلفازية والملاحق والمنابر الصحافية، مشيرا إلى أن ثمرتها تتلخص في الشهرة والبيع والشراء، و«إننا نحن نعيش اليوم أزهى عصور الشعر والأدب الشعبي بعيدا عن التنوير العصري».

* د. زيد الفضيل: ميلاد مفردات «تويترية»

* أما الكاتب الدكتور زيد الفضيل ورئيس اللجنة الثقافية لمعرض الرياض الدولي للكتاب في دورته السابقة، فيتصور أن جانبا من المشهد الثقافي السعودي سبق آفاق الربيع العربي في زاوية منه بسنوات كثيرة، وهي الزاوية المتعلقة بمحاولة التنويريين فيه، التحرر من سلطة الطيف الديني المتشدد، وحركته الواسعة في المجتمع على حد تعبيره.
صدمة المجتمع السعودي جراء أعمال المتشددين الإسلامويين، وفق الفضيل، انعكست على طبيعة المشهد الثقافي الذي أظهر تحررا في كثير من أفكاره، ومارس نقدا واضحا لكثير من المظاهر السياسية التي أدت إلى ظهور ذلك الطيف المتشدد.
يقول الفضيل: «كانت كتابات كثير من مثقفينا شاهدا على ذلك سواء من خلال المقالة أو الرواية وحتى على صعيد المفردة الشعرية».
فكان المشهد الثقافي السعودي مواكبا لما يدور في المجتمع بفعالية قوية، في حين انغمس عدد من الدول العربية في أتون ما يسمى بالربيع العربي الذي اصطبغ بلون ديني جراء سيطرة الإخوان المسلمين وتيار السلفية الحركية على وتيرة المشهد السياسي فيه».
وفيما يخص المصطلحات والمفردات الجديدة التي ظهرت في النتاج الأدبي والثقافي، يرى الفضيل أننا نلمس ذلك في استخدام المفردات الـ«تويترية» تحديدا، إذ أصبح «تويتر» ساحة مفتوحة للنقاش الحاد بين المنتمين للتيار الإسلاموي الحركي الذين لم يخفوا مساندتهم السياسية والفكرية لنظرائهم في دول الربيع العربي، وبين جانب واسع من الشريحة المتنوعة للمثقفين السعوديين من ليبراليين وقوميين وكثير من المنتمين لوسطية المفردة والفكرة بمنأى عن الدخول في شرك التصنيفات. وكان من جراء ذلك أن ازداد المشهد الثقافي السعودي وضوحا في تمايز الأفكار، بل وتجلى في كثير من مفرداته كثير من الألفاظ السياسية والقانونية، وإن كانت لم تظهر بجلاء على صعيد المنتج القصصي والروائي تحديدا».
غير أنه يستدرك بقوله إن هذه الألفاظ الوليدة كانت جلية في مسار المفردة الـ«تويترية» والكتابة الصحافية، التي عكست طبيعة وعي المشهد الثقافي السعودي، ومايزت بين محدداته.

* صالحة غابش: غياب الرؤية خلّف الحذر

* وفي هذا السياق قالت الكاتبة الإماراتية صالحة غابش، مدير عام المكتب الثقافي والإعلامي بالمجلس الأعلى لشؤون الأسرة في الشارقة: «أشعر أن لغة الأدب في الوقت الحالي عجزت عن أن تؤدي دورها في التعبير عن قضايا الأمة، على الرغم من أن الأدب شعرا كان أم رواية وحتى القصة القصيرة والمسرح وغيرها كانت إلى وقت قريب انعكاسا لكل تطورات المجتمع. لا أعتقد أن لغة الأدب الحالية، مستوعبة لمستجدات الأحداث وتغيراتها وأثرها على الواقع والإنسان وما يمكن أن يستبقيه التاريخ في دفاتره منها، مع وجود استثناءات لروايات وقصائد.
وتضيف صالحة غابش: «لعل السبب لا يرجع إلى اللغة وصاحبها ولكن إلى حالة الإحباط من عدم وضوح الرؤية أو الخوف والحذر من تناول الأمور من وجهة نظر يؤمن بها الكاتب، الذي قد يكتشف بعد قليل بأنه ضلل وأن الحقيقة لا تزال متوارية في خفايا الأحداث المتتابعة ريثما تنجلي ذات يوم».
وفي الإطار نفسه تتوقع غابش، أن تكون الغلبة للرواية كمنافس قوي من بين الأجناس الأدبية الأخرى، الأقدر على التعبير عن أحداث المنطقة بلغتها التي تتعاطى معها ووفق مفردات إفرازات المشهد الحالي. لكنها تحذر من الغزارة في الكم، فهي «ليست في صالح التطور الإبداعي إن لم يواكبه غزارة في النوع، وفي عمق التناول واللغة والمعرفة التي تأتي بها النصوص الإبداعية، فغزارة الكم لا يعول عليه كأساس لقياس تطور الأدب وتأثيره في المجتمع والثقافة المحلية والإنسانية عموما، بنقله أحداث المنطقة الحالية أو غيرها».
ولفتت إلى أن الأعمال المؤثرة في وجدان الشعوب وفكرها، المستندة إلى أفق ثقافي وحضاري معرفي، وحدها التي تستحق أن تضم إلى قوافل الإبداع، لأنها تؤشر إلى جدية صاحب التجربة ومدى اشتغاله على عمقها، متجنبا الجانب السطحي الذي لا يغني ثقافة ولا معرفة».

* أشجان هندي: اختمار الفكرة أولا

* الشاعرة د. أشجان هندي، ربطت تأثر الأحداث وصورها ولغتها ومصطلحاتها في النصوص الأدبية، بما تستغرق من وقت، مبينة أن المبدع يحتاج إلى مدة زمنية معينة يستوعب خلالها الأحداث ليوظفها شعرا أو رواية أو قصة، تأسيسا على الخبرة المختزنة الصادرة عن رؤية ما.
وهي تتفق مع الصفراني في أن الأثر الآني وإسقاطه على لغة الأدب، لا يتجاوز كونه نتاجا انفعاليا وردة فعل لا يعبر بدقة عن الحدث، بل لا بد أن تأخذ الأحداث وقتا كافيا للتخزين والاختمار على المستوى العام والفردي لأن «تعاطي الأديب مع الحدث ليس كتعاطي المراقب السياسي للحدث، لأن الأخير لا ينتظر لأن تختمر الفكرة لتخرج ناضجة ومعبرة ومشخصة لكافية الجوانب، وذلك لأنه يسقط عليها تحليلاته وقراءاته خاصة له».
وما تراه أشجان هندي حاليا من كتابات لا يخرج عن كونه انعكاسا لحظيا ومحاولة لمواكبة الحدث بطريقة إعلامية أكثر منه طريقة أدبية. ومن هنا، يكون العمل ناقصا، بخلاف الأديب الذي يستغرق زمنا لاستيعاب عناصر ومقومات وصناعة الحدث».



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.