المرئي والمحسوس في السرديات العربية

دراسات لـ17 رواية من الخليج والعراق ومصر والمغرب

غلاف «اللمس والنظر» «اللمس والنظر: مقاربات في سرديات المحسوس المتخيلة» المؤلف: د. رسول محمد رسول الناشر: دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة
غلاف «اللمس والنظر» «اللمس والنظر: مقاربات في سرديات المحسوس المتخيلة» المؤلف: د. رسول محمد رسول الناشر: دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة
TT

المرئي والمحسوس في السرديات العربية

غلاف «اللمس والنظر» «اللمس والنظر: مقاربات في سرديات المحسوس المتخيلة» المؤلف: د. رسول محمد رسول الناشر: دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة
غلاف «اللمس والنظر» «اللمس والنظر: مقاربات في سرديات المحسوس المتخيلة» المؤلف: د. رسول محمد رسول الناشر: دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة

صدر عن دائرة الثقافة والإعلام صبالشارقة كتاب نقدي جديد للدكتور رسول محمد رسول يحمل عنوان «اللمس والنظر: مقاربات في سرديات المحسوس المتخيلة». وفي حقيقة الأمر لا يقتصر الكتاب على حاستي اللمس والبصر، وإنما يمتد إلى الحواس الثلاث الأخرى أيضا وهي السمع والشم والذوق. لا تنحدر السردية العربية من وجهة نظر رسول إلى النفس التسجيلي الساذج، بل إنها ترتقي إلى الواقع من خلال فهمه وتحويله إلى واقع متخيل يستجيب لشروط الإبداع السردي، لأن السرد يسرب الواقع شئنا أم أبينا.
يضم الكتاب دراسات معمقة لـ17 رواية عربية تتمحور على الحواس المذكورة أعلاه وقد تبنى الناقد منهج التحليل السيميائي الذي «يبتغي دراسة المعنى والتمثيل والإشارة والعلامة والتواصل كما هي متخيلة في بنية المسرود روائيا».
لا بد من تقسيم الكتاب على وفق البلدان والفضاءات العربية التي رصدها الناقد وهي العراق والخليج العربي ومصر والمغرب، آخذين بنظر الاعتبار أن العراق قد حظي بحصة الأسد وهي ثماني روايات، ويليه الإمارات بأربع روايات، والسعودية بروايتين، ورواية واحدة لكل من مصر والمغرب.
ما يجمع هذا العدد الكبير من النصوص الروائية هو تناول الذات سرديا؛ الذات كجسد مقهور ومستلب مرة، ومحبذ ومرغوب به مرة أخرى، كما أن تمثيلات الجسد لها حصة كبيرة تتجاوز الأنا لتمتد إلى الزمان والمكان والمصير الذي تواجهه الشخصيات التي وضعها الباحث تحت مشرطه النقدي الحاذق.
لقد توصل الناقد إلى أن تمثيل الجسد الأنثوي العراقي لا يخرج عن إطار العطب والمهانة لأن النصوص الثمانية التي فككها الناقد لا تخرج عن فضاء الخطف والتعذيب، والاغتصاب السياسي والأخلاقي، والموت كنهاية مرتقبة. لا شك في أن بعض الأسماء العراقية ضالعة في الإبداع السردي، ومنهم محمد خضير ومحمود سعيد وعالية ممدوح، وهذا التقييم لا يقلل من أهمية الأسماء الخمسة الأخرى فلكل منهم بصمته الخاصة، ونكهته التي تختلف عن الآخرين.
يصنف رسول رواية «كراسة كانون» لمحمد خضير بأنها أنموذج لسرديات ما بعد الحداثة وقد بنى مدينته الفانتازية كبديل متخيل عن البصرة وبقية المدن العراقية التي طالها الدمار. وقد اعتمد الروائي في هذا النص على ضمير المتكلم، وهو السارد الموضوعي، والعالم بكل تفاصيل النص الروائي، كما أنه البطل والشاهد والمشارك في الأحداث. وقد لبت تقنية الاستذكار هذا النمط من التمثيل السردي الذي استدعى من خلاله رسامين إسبانيين وهما غويا وبيكاسو اللذين صورا الخراب الذي حل ببلدهما إثر الحروب المتعاقبة فبنى كل منهما مدينته الفانتازية المتخيلة، لأن المدن التي عانت من ويلات الحروب ونكباتها قد أصبحت مشوهة ومغتصبة، وباعثة على الإحساس بالألم، والشعور بالمرارة.
لا تخرج رواية «الطعنة» لمحمود سعيد عن إطار الخراب الذي حل بالعراق وطنا وشعبا، فهي أنموذج للعنف الجسدي، والاغتصاب، ومحاولات لتركيع الإنسان العراقي بشتى السبل، وطعنه في شرفه وكرامته. فالرفيق الكبير الذي زار مدرسة ما في البصرة أعجب بالمعلمة «حسن» وقرر ابتزازها ومساومتها على شرفها مقابل إخلاء سبيل زوجها د. ودود الذي زجوا به في السجن. وحينما تمانع ويتعذر إقناعها يلجأ إلى ضربها ضربا مبرحا، ويغتصبها في نهاية المطاف، ويزرع في بطنها جنينا لابنة سوف تسميها «شامة»، وهي تحمل كل ملامح المغتصب التي تؤرق «حسن» ليل نهار. وعلى الرغم من اقتصاص منظمة إسلامية كانت تتخذ من إيران مقرا لها من المغتصب وإعدامه، فإن زوجها د. ودود لم يظهر لا حيا ولا ميتا. لقد لعب الصوت دورا مهما في هذا النص القائم على التنصت، وتسجيل الأصوات والمكالمات بطريقة سرية تفاجئ المجني عليها التي جرى استباحتها وتحطيمها، لكنها لم تُهزم.
يلعب الصوت دورا مهما في رواية «غرام براغماتي» حيث يترك «بحر» رسائل صوتية إلى «راوية» فتحول هذه الأخيرة الصوت الأيقوني إلى جسدية مضاعفة مشبعة بصوت الحبيب. لقد تعاضد الصوت والشم واللمس لخلق مشهدية التواصل المحكي.
وتندرج رواية «أقصى الجنون.. الفراغ يهذي» لوفاء عبد الرزاق في إطار روايات المنفى، لكن أسباب النفي سياسية. فثمة سجن، وتعذيب، واغتصاب لابنة أمام أبيها، الأمر الذي يدفع ببطلة النص للهروب من العراق والاستقرار في سوريا أولا ثم المغرب قبل أن تصل إلى لندن وتستعيد اسمها الحقيقي (وصال)، بعد أن تقنّعت بثلاثة أسماء مستعارة زينب، مريم وسكينة.
ترصد رواية «القنافذ في يوم ساخن» لفلاح رحيم وقع الغربة على الأستاذ سليم كاظم الذي قرر العودة من الخارج إلى بغداد بعد السقوط، لكنه يصدم حينما يسمع بنبأ اغتيال صديقه الشيوعي شهاب بمسدس كاتم للصوت الأمر الذي يدفع للتفكير بالمغادرة والبحث عن منفى آخر. تتمحور هذه الرواية حول موقف غالبية المثقفين العراقيين من ثنائية الوطن والغربة، إذ غادروا الوطن جسديا، لكن أرواحهم ظلت عالقة هناك في سماء ما بين النهرين.
كثيرة هي المعضلات التي ترصدها الرواية الإماراتية ومنها صورة الرجل الإماراتي وهي صورة إيجابية في رواية «أجراس» لزينب الياسي التي رصدت العلاقة الزوجية التي تربط أماني بزوجها سالم. فعلى الرغم من أنها تتهمه بالنسيان المفرط لمواعيد العيادة، واجتماع أولياء الأمور في المدرسة، وتجديد الجوازات، فإنه لم يتخلّ عنها، ولم يخنها مع غيرها، ولم يسارع إلى الطلاق، ولا الزواج بامرأة أخرى، على الرغم من تسلمه رسائل وصورا إلكترونية عن علاقات زوجته برجال آخرين.
يؤكد رسول بأن رواية «شارع المحاكم» لأسماء الزرعوني تتمحور على الأنوثة الجديدة التي تبحث عن حرية التواصل والهوى وتقرير المصير. كما تبحث هذه الشخصيات عن عالم معاصر أكثر حبا وتسامحا مع الآخر المقبل من مجتمعات عربية.
تبدأ رواية «أوجه المرايا الأخرى» لفاطمة السويدي بتمثيلات الحلم وتنتهي بتمثيلات الواقع. فمهرة تستذكر جدتها وأمها، لكن هذه الحفيدة تتعلم سرد الحكايات على الرغم من أن مدار الأم بدا رئيسا في المتن الخطابي.
أما الرواية الرابعة وهي «مخطوطات الخواجة أنطوان» لفاطمة العبد الله فهي أشبه بالخروف الأسود في قطيع أبيض، إذ خرجت كليا عن «الزمكان» والشخصيات الإماراتية حيث تنقلت بين شيكاغو وبيروت وبومباي، قبل أن تحط الرحال في إسبانيا حيث يسرق الخواجة أنطوان وثائق كنسية مهمة ويهرب من المؤسسة الفاتيكانية، لكن الكنسيين يلاحقونه ويسترجعون هذه الوثائق المهمة التي تتعلق بمستقبل الوجود بما فيه الطبيعة والإنسان والمجتمع. تصور الرواية، كما يرى رسول، أزمة الذات الإنسانية وهي تعاني من هيمنة الدين الذي تمارسه كبرى المؤسسات الدينية في العالم. كما يصف الناقد هذه الرواية بأنها نص خلق واقعه الخاص به، وهو بالنتيجة ليس نصا تاريخيا ولا رواية فانتازية.
ربما نكتفي بالقول إن رواية «نساء المنكر» لسمر المقرن قد سعت لتمثيل الغيرة روائيا، فـ«سارة»، التي حلت محل أسيل وارتبطت مع رئيف، الذي سيتصل بأسيل هاتفيا من لندن ليشعل نار الغيرة عند سارة. لا تنطوي هذه الرواية على بعد إشكالي، لكنها تظل عملا واقعيا ينبض بهاجس إنساني ما.
أما الرواية السعودية الثانية فهي «ستر» لرجاء عالم، التي ترصد شخصية مريم الخارقة الجمال التي لا تجد ضيرا في أن تذهب إلى بعض الشقق المشبوهة، طالما أن أباها مريض ومقعد، وأخاها غارق في عالم الإنترنت.
تفضح الروائية القطرية نورة آل سعد في «تداعيات الفصول» الذات الذكورية الغارقة في وحل الفساد المؤسساتي، كما تكشف النعرة القبلية، وتسلط الضوء على التصادم الحاد بين الذكورة والأنوثة.
يرسم الروائي المصري عزت القمحاوي في «مدينة اللذة» معالم مدينة خيالية، كما فعل محمد خصير في «كراسة كانون»، لكن مدينة القمحاوي حوشية الجمال تستسلم لمداعبات الريح الإيروسية فيفيض ماؤها ويغمر المدينة. وربما يكون الناقد رسول محمد رسول قد اختصر تمثيل الحكاية حينما وصفها بأنه «عطر الذكورة قد اختلط بماء الأنوثة».
أما العمل الروائي الأخير فهو «الملهمات» للمغربية فاتحة مرشيد، وتدور أحداثه حول حكاية إدريس مع ملهماته. ويبدو أن الروائية قد وقعت في فخ التطرف مع هذه الشخصية الإشكالية، فهو مثقف يداوي الناس لكنه عليل، وعلته أنه ارتمى في أوحال الإباحية السلبية. ويرى رسول أن مرشيد قد رسمت صورة سلبية للمثقفين العرب الذين جرى تسريد شخصياتهم في الرواية. لا بد من الإشارة إلى التقنية الجميلة التي استعملتها الروائية مع عمر الذي سيتحول إلى مروي له، وهو المغمى عليه، ملتزمة بنصيحة الطبيب الذي أوصاها بأن تسرد له بعض ما عاشه معها منذ أن تعارفا في المرحلة الجامعية. يتعمق النص أيضا بالتلاقحات التناصية المتعددة مع نصوص أندريه مارلو، فيرجينيا وولف، أوسكار وايلد وفرناندو بيسوا وآخرين.



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.