المرئي والمحسوس في السرديات العربية

دراسات لـ17 رواية من الخليج والعراق ومصر والمغرب

غلاف «اللمس والنظر» «اللمس والنظر: مقاربات في سرديات المحسوس المتخيلة» المؤلف: د. رسول محمد رسول الناشر: دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة
غلاف «اللمس والنظر» «اللمس والنظر: مقاربات في سرديات المحسوس المتخيلة» المؤلف: د. رسول محمد رسول الناشر: دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة
TT

المرئي والمحسوس في السرديات العربية

غلاف «اللمس والنظر» «اللمس والنظر: مقاربات في سرديات المحسوس المتخيلة» المؤلف: د. رسول محمد رسول الناشر: دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة
غلاف «اللمس والنظر» «اللمس والنظر: مقاربات في سرديات المحسوس المتخيلة» المؤلف: د. رسول محمد رسول الناشر: دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة

صدر عن دائرة الثقافة والإعلام صبالشارقة كتاب نقدي جديد للدكتور رسول محمد رسول يحمل عنوان «اللمس والنظر: مقاربات في سرديات المحسوس المتخيلة». وفي حقيقة الأمر لا يقتصر الكتاب على حاستي اللمس والبصر، وإنما يمتد إلى الحواس الثلاث الأخرى أيضا وهي السمع والشم والذوق. لا تنحدر السردية العربية من وجهة نظر رسول إلى النفس التسجيلي الساذج، بل إنها ترتقي إلى الواقع من خلال فهمه وتحويله إلى واقع متخيل يستجيب لشروط الإبداع السردي، لأن السرد يسرب الواقع شئنا أم أبينا.
يضم الكتاب دراسات معمقة لـ17 رواية عربية تتمحور على الحواس المذكورة أعلاه وقد تبنى الناقد منهج التحليل السيميائي الذي «يبتغي دراسة المعنى والتمثيل والإشارة والعلامة والتواصل كما هي متخيلة في بنية المسرود روائيا».
لا بد من تقسيم الكتاب على وفق البلدان والفضاءات العربية التي رصدها الناقد وهي العراق والخليج العربي ومصر والمغرب، آخذين بنظر الاعتبار أن العراق قد حظي بحصة الأسد وهي ثماني روايات، ويليه الإمارات بأربع روايات، والسعودية بروايتين، ورواية واحدة لكل من مصر والمغرب.
ما يجمع هذا العدد الكبير من النصوص الروائية هو تناول الذات سرديا؛ الذات كجسد مقهور ومستلب مرة، ومحبذ ومرغوب به مرة أخرى، كما أن تمثيلات الجسد لها حصة كبيرة تتجاوز الأنا لتمتد إلى الزمان والمكان والمصير الذي تواجهه الشخصيات التي وضعها الباحث تحت مشرطه النقدي الحاذق.
لقد توصل الناقد إلى أن تمثيل الجسد الأنثوي العراقي لا يخرج عن إطار العطب والمهانة لأن النصوص الثمانية التي فككها الناقد لا تخرج عن فضاء الخطف والتعذيب، والاغتصاب السياسي والأخلاقي، والموت كنهاية مرتقبة. لا شك في أن بعض الأسماء العراقية ضالعة في الإبداع السردي، ومنهم محمد خضير ومحمود سعيد وعالية ممدوح، وهذا التقييم لا يقلل من أهمية الأسماء الخمسة الأخرى فلكل منهم بصمته الخاصة، ونكهته التي تختلف عن الآخرين.
يصنف رسول رواية «كراسة كانون» لمحمد خضير بأنها أنموذج لسرديات ما بعد الحداثة وقد بنى مدينته الفانتازية كبديل متخيل عن البصرة وبقية المدن العراقية التي طالها الدمار. وقد اعتمد الروائي في هذا النص على ضمير المتكلم، وهو السارد الموضوعي، والعالم بكل تفاصيل النص الروائي، كما أنه البطل والشاهد والمشارك في الأحداث. وقد لبت تقنية الاستذكار هذا النمط من التمثيل السردي الذي استدعى من خلاله رسامين إسبانيين وهما غويا وبيكاسو اللذين صورا الخراب الذي حل ببلدهما إثر الحروب المتعاقبة فبنى كل منهما مدينته الفانتازية المتخيلة، لأن المدن التي عانت من ويلات الحروب ونكباتها قد أصبحت مشوهة ومغتصبة، وباعثة على الإحساس بالألم، والشعور بالمرارة.
لا تخرج رواية «الطعنة» لمحمود سعيد عن إطار الخراب الذي حل بالعراق وطنا وشعبا، فهي أنموذج للعنف الجسدي، والاغتصاب، ومحاولات لتركيع الإنسان العراقي بشتى السبل، وطعنه في شرفه وكرامته. فالرفيق الكبير الذي زار مدرسة ما في البصرة أعجب بالمعلمة «حسن» وقرر ابتزازها ومساومتها على شرفها مقابل إخلاء سبيل زوجها د. ودود الذي زجوا به في السجن. وحينما تمانع ويتعذر إقناعها يلجأ إلى ضربها ضربا مبرحا، ويغتصبها في نهاية المطاف، ويزرع في بطنها جنينا لابنة سوف تسميها «شامة»، وهي تحمل كل ملامح المغتصب التي تؤرق «حسن» ليل نهار. وعلى الرغم من اقتصاص منظمة إسلامية كانت تتخذ من إيران مقرا لها من المغتصب وإعدامه، فإن زوجها د. ودود لم يظهر لا حيا ولا ميتا. لقد لعب الصوت دورا مهما في هذا النص القائم على التنصت، وتسجيل الأصوات والمكالمات بطريقة سرية تفاجئ المجني عليها التي جرى استباحتها وتحطيمها، لكنها لم تُهزم.
يلعب الصوت دورا مهما في رواية «غرام براغماتي» حيث يترك «بحر» رسائل صوتية إلى «راوية» فتحول هذه الأخيرة الصوت الأيقوني إلى جسدية مضاعفة مشبعة بصوت الحبيب. لقد تعاضد الصوت والشم واللمس لخلق مشهدية التواصل المحكي.
وتندرج رواية «أقصى الجنون.. الفراغ يهذي» لوفاء عبد الرزاق في إطار روايات المنفى، لكن أسباب النفي سياسية. فثمة سجن، وتعذيب، واغتصاب لابنة أمام أبيها، الأمر الذي يدفع ببطلة النص للهروب من العراق والاستقرار في سوريا أولا ثم المغرب قبل أن تصل إلى لندن وتستعيد اسمها الحقيقي (وصال)، بعد أن تقنّعت بثلاثة أسماء مستعارة زينب، مريم وسكينة.
ترصد رواية «القنافذ في يوم ساخن» لفلاح رحيم وقع الغربة على الأستاذ سليم كاظم الذي قرر العودة من الخارج إلى بغداد بعد السقوط، لكنه يصدم حينما يسمع بنبأ اغتيال صديقه الشيوعي شهاب بمسدس كاتم للصوت الأمر الذي يدفع للتفكير بالمغادرة والبحث عن منفى آخر. تتمحور هذه الرواية حول موقف غالبية المثقفين العراقيين من ثنائية الوطن والغربة، إذ غادروا الوطن جسديا، لكن أرواحهم ظلت عالقة هناك في سماء ما بين النهرين.
كثيرة هي المعضلات التي ترصدها الرواية الإماراتية ومنها صورة الرجل الإماراتي وهي صورة إيجابية في رواية «أجراس» لزينب الياسي التي رصدت العلاقة الزوجية التي تربط أماني بزوجها سالم. فعلى الرغم من أنها تتهمه بالنسيان المفرط لمواعيد العيادة، واجتماع أولياء الأمور في المدرسة، وتجديد الجوازات، فإنه لم يتخلّ عنها، ولم يخنها مع غيرها، ولم يسارع إلى الطلاق، ولا الزواج بامرأة أخرى، على الرغم من تسلمه رسائل وصورا إلكترونية عن علاقات زوجته برجال آخرين.
يؤكد رسول بأن رواية «شارع المحاكم» لأسماء الزرعوني تتمحور على الأنوثة الجديدة التي تبحث عن حرية التواصل والهوى وتقرير المصير. كما تبحث هذه الشخصيات عن عالم معاصر أكثر حبا وتسامحا مع الآخر المقبل من مجتمعات عربية.
تبدأ رواية «أوجه المرايا الأخرى» لفاطمة السويدي بتمثيلات الحلم وتنتهي بتمثيلات الواقع. فمهرة تستذكر جدتها وأمها، لكن هذه الحفيدة تتعلم سرد الحكايات على الرغم من أن مدار الأم بدا رئيسا في المتن الخطابي.
أما الرواية الرابعة وهي «مخطوطات الخواجة أنطوان» لفاطمة العبد الله فهي أشبه بالخروف الأسود في قطيع أبيض، إذ خرجت كليا عن «الزمكان» والشخصيات الإماراتية حيث تنقلت بين شيكاغو وبيروت وبومباي، قبل أن تحط الرحال في إسبانيا حيث يسرق الخواجة أنطوان وثائق كنسية مهمة ويهرب من المؤسسة الفاتيكانية، لكن الكنسيين يلاحقونه ويسترجعون هذه الوثائق المهمة التي تتعلق بمستقبل الوجود بما فيه الطبيعة والإنسان والمجتمع. تصور الرواية، كما يرى رسول، أزمة الذات الإنسانية وهي تعاني من هيمنة الدين الذي تمارسه كبرى المؤسسات الدينية في العالم. كما يصف الناقد هذه الرواية بأنها نص خلق واقعه الخاص به، وهو بالنتيجة ليس نصا تاريخيا ولا رواية فانتازية.
ربما نكتفي بالقول إن رواية «نساء المنكر» لسمر المقرن قد سعت لتمثيل الغيرة روائيا، فـ«سارة»، التي حلت محل أسيل وارتبطت مع رئيف، الذي سيتصل بأسيل هاتفيا من لندن ليشعل نار الغيرة عند سارة. لا تنطوي هذه الرواية على بعد إشكالي، لكنها تظل عملا واقعيا ينبض بهاجس إنساني ما.
أما الرواية السعودية الثانية فهي «ستر» لرجاء عالم، التي ترصد شخصية مريم الخارقة الجمال التي لا تجد ضيرا في أن تذهب إلى بعض الشقق المشبوهة، طالما أن أباها مريض ومقعد، وأخاها غارق في عالم الإنترنت.
تفضح الروائية القطرية نورة آل سعد في «تداعيات الفصول» الذات الذكورية الغارقة في وحل الفساد المؤسساتي، كما تكشف النعرة القبلية، وتسلط الضوء على التصادم الحاد بين الذكورة والأنوثة.
يرسم الروائي المصري عزت القمحاوي في «مدينة اللذة» معالم مدينة خيالية، كما فعل محمد خصير في «كراسة كانون»، لكن مدينة القمحاوي حوشية الجمال تستسلم لمداعبات الريح الإيروسية فيفيض ماؤها ويغمر المدينة. وربما يكون الناقد رسول محمد رسول قد اختصر تمثيل الحكاية حينما وصفها بأنه «عطر الذكورة قد اختلط بماء الأنوثة».
أما العمل الروائي الأخير فهو «الملهمات» للمغربية فاتحة مرشيد، وتدور أحداثه حول حكاية إدريس مع ملهماته. ويبدو أن الروائية قد وقعت في فخ التطرف مع هذه الشخصية الإشكالية، فهو مثقف يداوي الناس لكنه عليل، وعلته أنه ارتمى في أوحال الإباحية السلبية. ويرى رسول أن مرشيد قد رسمت صورة سلبية للمثقفين العرب الذين جرى تسريد شخصياتهم في الرواية. لا بد من الإشارة إلى التقنية الجميلة التي استعملتها الروائية مع عمر الذي سيتحول إلى مروي له، وهو المغمى عليه، ملتزمة بنصيحة الطبيب الذي أوصاها بأن تسرد له بعض ما عاشه معها منذ أن تعارفا في المرحلة الجامعية. يتعمق النص أيضا بالتلاقحات التناصية المتعددة مع نصوص أندريه مارلو، فيرجينيا وولف، أوسكار وايلد وفرناندو بيسوا وآخرين.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».