مطالبة اللبنانيات بمنح جنسيتهن لأولادهنّ تواجه تزايد التحفظات الحزبية

النزوح السوري يشكل عائقاً إضافياً وقلقاً على «التوازن الطائفي»

من اعتصام للأمهات اللبنانيات للمطالبة بحصول أبنائهن على جنسيتهن (الشرق الأوسط)
من اعتصام للأمهات اللبنانيات للمطالبة بحصول أبنائهن على جنسيتهن (الشرق الأوسط)
TT

مطالبة اللبنانيات بمنح جنسيتهن لأولادهنّ تواجه تزايد التحفظات الحزبية

من اعتصام للأمهات اللبنانيات للمطالبة بحصول أبنائهن على جنسيتهن (الشرق الأوسط)
من اعتصام للأمهات اللبنانيات للمطالبة بحصول أبنائهن على جنسيتهن (الشرق الأوسط)

بعد عشرات السنوات من المطالبة بمساواتها مع الرجل، ستكون المرأة اللبنانية أمام مرحلة أكثر صعوبة في معركة الحصول على حقّها بمنح جنسيتها لأولادها.
ويواجه هذا المطلب، الذي كانت تعيقه الهواجس الطائفية والسياسية، عائقا إضافيا يتمثّل في النزوح السوري مع تسجيل زيجات إضافية بين لبنانيات وسوريين، وذلك بعدما كان الهاجس مقتصرا على اللاجئين الفلسطينيين، وهو ما تخوّف منه وزير الداخلية السابق زياد بارود وبدأ يظهر من تبدل مواقف بعض الفرقاء من القبول إلى القبول المشروط أو المحدّد بضوابط، رغم أن الأرقام تشير إلى استفادة 300 ألف شخص من القانون كحد أقصى.
ويعبّر بارود الذي سبق أن قدّم مشروعا لمعالجة القضية عندما كان وزيرا للداخلية، عن تشاؤمه حيال إمكانية إقرار القانون، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الموضوع سياسي أكثر منه قانوني ومن المرجّح أن يلاقي اليوم صعوبة أكثر في ظل واقع النزوح السوري المستجد بعدما كان يقتصر على اللجوء الفلسطيني، إضافة إلى عدم تسجيل الولادات الذي من شأنه أن يزيد أعداد من يعرفون بمكتومي القيد، وهي المشكلة اللبنانية القديمة في موازاة التخوف مما يعرف بـ(الزيجات البيضاء) أي تلك التي تتم بهدف الحصول على الجنسية».
ويؤكد بارود أن هذه المخاوف ليست واقعية، خاصة أن المشاريع المقترحة تمنح أولاد المرأة اللبنانية جنسيتها وليس الزوج، عبر التركيز على رابطة الدم من ناحية الأم كما الأب ووفق المادة 7 من الدستور التي تنص على مبدأ المساواة بين اللبنانيين من دون التمييز بين الرجل والمرأة.
ويبدو أن خشية بارود في مكانها، حيث بدأ يظهر بعض التحول في المواقف الداعمة إلى تأييد مشروط، وهو ما تعكسه آراء النواب المنتمين للأحزاب، على غرار «القوات اللبنانية» و«حركة أمل» و«حزب الله».
مع العلم، أنه في نهاية العام الماضي، وخلال ندوة تحت عنوان «جنسيتي حق»، دعا إليها النائب في «تيار العزم» علي درويش في قاعة البرلمان وحضرها ممثلون من مختلف الكتل، كان درويش واضحا في كلامه، حيث قال: «في لبنان القوى السياسية الشيعية والسنية والدرزية بالإضافة إلى حزبي (القوات اللبنانية) و(الكتائب) توافق على مطلب إعطاء المرأة اللبنانية الجنسية لأولادها»، وعدد «أسباب الرفض لدى الآخرين؛ وأبرزها الخوف من زيادة الكثافة السكانية والخشية من توطين اللاجئين الفلسطينيين والتشجيع على ارتفاع معدل تزوج اللبنانيات من فلسطينيين، والتخوف من اللاجئين السوريين، وحدوث مزيد من الإخلال بتعداد التوازن الطائفي».
وظهر في العام الماضي تبدل في موقف «التيار الوطني الحر» الذي كان رافضا بشكل قاطع للمطلب عبر تقديم رئيسه الوزير جبران باسيل مشروع قانون رأت فيه الأمهات اللبنانيات تمييزا مضاعفا، لاستثنائه المتزوجات من دول الجوار، أي بشكل أساسي من الفلسطينيين والسوريين.
وبعدما تعهد البيان الوزاري العمل على «متابعة تعزيز حقوق المرأة ومكافحة التمييز ضدها، بكل أشكاله»، وبعد مشاريع قوانين عدّة كانت قد أعدت في هذه القضية سابقا، هناك اليوم اقتراحات جديدة لمنح هذا الحق للبنانيات، منها اقتراح «تيار المستقبل» والهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية و«اللقاء الديمقراطي»(الحزب التقدمي الاشتراكي)، فيما لا تزال مواقف معظم الفرقاء الآخرين غير واضحة رغم أن بعضها كان مؤيدا في السابق.
وفي محاولة «الشرق الأوسط» الاطلاع على آخر المواقف، تبيّن أنه حتى الآن، «تيار المستقبل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» إضافة إلى «تيار العزم» الذي يرأسه رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي وعدد من النواب المستقلين، فقط، يؤيدون بشكل حاسم المطلب، أما الأحزاب الأخرى، وأبرزها: «القوات اللبنانية» و«حزب الله» و«حركة أمل»، فمواقفها غير واضحة كما يؤكد رئيس حملة «جنسيتي كرامتي» مصطفى الشعار. في المقابل، يؤكد «حزب الكتائب» على لسان النائب إلياس حنكش، لـ«الشرق الأوسط» أنه يدعم المساواة بين المرأة والرجل في كامل الحقوق بما فيها منح أبنائها الجنسية، مع وضع شروط، أبرزها مدة الزواج والإقامة في لبنان وطبيعة العمل، ويشدّد على استثناء كل من يحمل صفة لاجئ بغض النظر عن جنسيته، وذلك منعا للتوطين الذي يخالف الدستور.
وبينما يلفت الشعار إلى أن «الحجة الجديدة اليوم هي النزوح السوري»، رغم غياب الإحصاءات الدقيقة، يؤكد أنه وفق المعطيات التي يملكها لا يزيد عدد أولاد النساء اللبنانيات اللواتي قد يشملهن القانون إذا أقر، على 300 ألف شخص، وهم في معظمهم من المسلمين، فيما يقدّر عدد المسيحيين بـ60 ألفا.
ولا تختلف كثيرا أرقام «الدولية للمعلومات»، حيث يوضح الباحث محمد شمس الدين، أن هناك نحو 40 ألف امرأة متزوجة من أجنبي، بحيث يصبح عدد الأشخاص الذين قد يستفيدون من الجنسية نحو 200 ألف شخص. ويلفت إلى أن نسبة السوريين وصلت في السنوات الأخيرة إلى نحو 30 في المائة والفلسطينيين 10 في المائة، إضافة إلى أوروبيين وأميركيين وجنسيات عربية أخرى. وبحسب التوزيع الطائفي، فهناك 87 في المائة من النساء من المسلمين و13 في المائة من المسيحيين.
ويدرس رئيس الحكومة سعد الحريري اقتراحي تيار المستقبل، والهيئة الوطنية، فيما يسعى نواب «اللقاء الديمقراطي» للإسراع بإحالة اقتراحهم حول منح المرأة اللبنانية هذا الحق إلى لجنة الإدارة والعدل، بحسب ما يؤكد أحد أعضائها النائب هادي أبو الحسن واصفا الخطوة بـ«المعركة الصعبة في ظل المحرمات التي يتمسك بها البعض».
لكن في المقابل، تؤكد مصادر مطلعة على موقف «حزب الله» أنه «ليس هناك قرار نهائي له حتى الآن»، مشيرة إلى أنه يقارب هذه القضية من زاويتين، قانونية وشرعية.
وعلى خط حركة «أمل»، يقول النائب غازي زعيتر: «لم يبحث الموضوع حتى الآن، وسنأخذ الموقف المناسب بعد التباحث به ككتلة نيابية وكـ(حركة أمل)»، موضحا لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الحق إنساني بالدرجة الأولى إنما لا شك عند اتخاذ الموقف بشأنه فلا بد من الأخذ بعين الاعتبار ظروف البلد وهواجس الآخرين وأن تكون غالبية الفرقاء مؤيدة له إضافة إلى مبدأ المعاملة بالمثل بين الدول».
ولا يختلف رأي «حركة أمل» كثيرا عن رأي «القوات» حيث يُجمع النائب جورج عقيص والنائب السابق فادي كرم على أهمية مساواة حقوق المرأة مع الرجل، مشيرين في الوقت عينه إلى أنه لا قرار نهائيا حياله من قبل «القوات».
ويقول كرم لـ«الشرق الأوسط»: «هو مطلب محق للمرأة التي يجب ألا تختلف في الحقوق عن الرجل لكن لا شك أننا نعرف المشكلة والحساسية المرتبطة بها وهي تلك المتعلقة بالديموغرافيا اللبنانية». بدوره يوضح عقيص «أننا مع كل ما يعطي المرأة حقّها بعيدا عن التمييز لكن حتى الآن ليس لدينا موقف نهائي وقد بدأنا العمل على دراسة الموضوع انطلاقا من إحصاءات وأرقام»، مضيفا لـ«الشرق الأوسط»: «في هذه القضية هناك حدّ حقوق المرأة من جهة، وحدّ أهمية ألا يؤثر هذا الأمر على التركيبة اللبنانية، وبين هذين الحدين سيكون لنا الموقف المناسب بما يتلاءم مع المصلحة العامة حاضرا ومستقبلا وبما يضمن حقوق الإنسان».
أمام هذا الانقسام، يدعو أبو الحسن في تصريح لـ«الشرق الأوسط» لمعالجة الموضوع من منطلق إنساني، اجتماعي، أخلاقي بعيدا عن الطائفية والسياسة، مضيفا: «لو أردنا النظر إلى القضية من هذا المنطلق فقد نكون نحن الدروز أكبر المتضررين، لكن هدفنا هو تحقيق العدالة والمساواة بين اللبنانيين في الحقوق المدنية».
والرأي نفسه تعبّر عنه النائبة في «تيار المستقبل» رلى الطبش، مشدّدة على أن كتلتها ورئيس الحكومة متمسكان بالموقف السابق الداعم لحق المرأة بمنح جنسيتها لأولادها من دون أي تمييز أو استثناء، وتلفت الطبش إلى أن الحريري يدرس الاقتراح المقدم من «الهيئة الوطنية لشؤون المرأة» الذي يتضمن ما يعرف بـ«البطاقة الخضراء» التي تعطى لأولاد المرأة اللبنانية لفترة مؤقتة إلى حين الانتهاء من بعض الإجراءات المطلوبة مع منحهم حقوقهم المدنية كافة.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».