حماس تتوعد إسرائيل بعد اغتيال 3 من قيادييها

الجيش الإسرائيلي يستدعي 10 آلاف جندي احتياط تحسبا لتوسيع العمليات > الحركة تقر باختطاف وقتل 3 مستوطنين

فلسطينيان يشاهدان أمس مظاهر الدمار الذي خلفه القصف الإسرائيلي في رفح  (إ.ب.أ)
فلسطينيان يشاهدان أمس مظاهر الدمار الذي خلفه القصف الإسرائيلي في رفح (إ.ب.أ)
TT

حماس تتوعد إسرائيل بعد اغتيال 3 من قيادييها

فلسطينيان يشاهدان أمس مظاهر الدمار الذي خلفه القصف الإسرائيلي في رفح  (إ.ب.أ)
فلسطينيان يشاهدان أمس مظاهر الدمار الذي خلفه القصف الإسرائيلي في رفح (إ.ب.أ)

دخل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة مرحلة جديدة أمس عدما تمكنت إسرائيل من اغتيال 3 من قيادات الصف الأول في «كتائب القسام»، بينهم محمد أبو شمالة الذي يعد أحد أبرز قادة الجناح المسلح لحماس ومسؤول المنطقة الجنوبية في غزة. وفيما هنأ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قيادة الاستخبارات والجيش على العملية «النوعية» المبنية على «معلومات استخباراتية دقيقة»، وقرر استدعاء 10 آلاف جندي احتياط لأي تطورات، هددت حماس بأن تدفع إسرائيل الثمن، وقتلت عملاء، وقصفت مدنا إسرائيلية ومطار بن غوريون.
وأعلنت حماس، في وقت مبكر أمس، «استشهاد» 3 من كبار قادة «القسام»، في ضربة واحدة، هم: رائد العطار، ومحمد أبو شمالة، ومحمد برهوم، في قصف استهدف منزلا بحي السلطان في رفح (جنوب القطاع).
وألقت طائرات حربية إسرائيلية عدة صواريخ (يزن كل واحد منها طنا)، تجاه المنزل المكون من 3 طوابق فأحالته إلى أثر، وقضى إلى جانب قادة «القسام» 5 آخرون من السكان. وقالت صحيفة «يديعوت أحرنوت» الإسرائيلية إن العملية كانت الأكثر نجاحا لـ«الشاباك» منذ سنتين حين جرى اغتيال أحمد الجعبري رئيس أركان حماس. وكتبت الصحيفة: «رئيس (الشاباك) يورام كوهين أشرف بنفسه على العملية». وأضافت: «العطار وأبو شمالة كانا في ملجأ أسفل المنزل. كانت الدقائق الأخيرة قبيل تنفيذ الهجوم عصيبة، وتعمل الاستخبارات مع أكثر من مصدر للتأكد من وجودهم. وفي النهاية، العشرات من العملاء أكدوا وجودهم في المنزل ونفذت العملية».
وتطارد إسرائيل العطار وأبو شمالة، منذ نحو عقدين، ونشرت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية اسميهما مرارا ضمن مجموعة أخرى في قائمة «الاغتيالات» المطلوبة. وكانت إسرائيل تتهم العطار وأبو شمالة بالوقوف وراء اسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في 2006، والضابط هدار جولدين في الحرب الحالية، وبناء منظومة الأنفاق الهجومية.
وبعد تنفيذ عملية الاغتيال، سربت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية قائمة أخرى لمن تبقوا على رأس المطلوبين، بينهم مروان عيسى ويحيى السنوار اللذان يعدان الذراع اليمنى لمحمد الضيف القائد العام لكتائب «القسام».
وقال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: «إن قرار استهداف قادة حماس الذين يقفون وراء تخطيط اعتداءات إرهابية خطيرة ضد مواطني الدولة - اتخذ بفضل المعلومات الاستخباراتية الاستثنائية التي قام جهاز الأمن العام بجمعها».
وأضاف: «إن وضع هذا القرار موضع التنفيذ تسنى بفضل القدرات العملياتية الفريدة من نوعها للجيش».
وأردف: «إن جهاز الأمن العام وجيش الدفاع يعملان بتعاون تام خلال عملية (الجرف الصامد) مثل ما كان الأمر عليه طيلة أيام السنة حفاظا على أمن الدولة ومواطنيها».
وتابع: «عملية الجرف الصامد ستستمر إلى حين تحقيق هدفيها؛ وهما: إعادة الهدوء لمدة طويلة، والمساس بشكل ملحوظ بالبنى التحتية الإرهابية».
وعد الجيش الإسرائيلي اغتيال قادة «القسام» يمثل «إنجازا آخر في المعركة المستمرة ضد حماس».
وقال الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي: «جيش الدفاع بكل أسلحته، الجوية والبحرية والبرية، بالإضافة إلى أجهزة الاستخبارات، يعمل ليل نهار من أجل إلحاق الأذى بالبنية التحتية الحمساوية وإعادة الهدوء إلى الأراضي الإسرائيلية».
وطلب الجيش أمس، باستدعاء 10 آلاف جندي احتياط تحسبا لتوسيع العمليات.
وزفت «القسام»، في بيان، محمد أبو شمالة بصفته أحد مؤسسي «القسام» وقائدا للكتائب في جنوب قطاع غزة وعضو القيادة العسكرية، ورائد العطار بصفته مسؤول لواء رفح وعضو القيادة العسكرية، ومحد برهوم بصفته أحد القادة الذين رافقوا «القسام» منذ انطلاقتها.
وتعهدت حركة حماس بأن إسرائيل «ستدفع ثمن جريمة اغتيالها لقادة (كتائب القسام)» في مدينة رفح. وقال سامي أبو زهري، المتحدث باسم الحركة، في بيان، إن «اغتيال قادة (القسام) في رفح جريمة إسرائيلية كبيرة، لن تفلح في كسر إرادة الشعب الفلسطيني، ومقاومته». وأضاف: «هذه الجريمة لن تفلح في إضعاف المقاومة، وإسرائيل ستدفع الثمن».
وشيعت جماهير غفيرة فورا جثامين قادة «القسام» من مستشفى أبو يوسف النجار إلى مسجد العودة وسط مدينة رفح ثم إلى مثواهم الأخير، وسط هتافات تحض على الانتقام ووقف المفاوضات في القاهرة.
وارتفع عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي في اليوم الـ45 إلى 2071 بعد أن قتلت إسرائيل الخميس أكثر من 24 فلسطينيا.
ومنذ انهارت التهدئة يوم الثلاثاء، قتلت إسرائيل 54 على الأقل وجرحت المئات.
وانتشلت الطواقم الطبية أمس جثمان الطفلة سارة محمد الضيف، ابنة القائد العام لـ«كتائب القسام»، من تحت أنقاض منزل عائلة الدلو غرب مدينة غزة الذي قصف فجر الأمس وقضت فيه زوجته وابنه كذلك.
ويوجد لدى الضيف من زوجته الراحلة وداد، 4 أبناء، هم سارة وحلا وعمر وعلي، وتبقى منهم عمر وحلا. وقصفت «القسام» أمس تل أبيب ومطار بن غوريون، لكن من دون أن يؤثر ذلك على حركة المطار، كما قصفت مدنا إسرائيلية أخرى.
وفي تطور لاحق، أعلنت مصادر أمنية إعدام 3 عملاء، ولم يتأكد ما إذا كانوا على علاقة بمحاولة اغتيال الضيف أو لا.
وقال مصدر أمني كبير: «إن المقاومة الفلسطينية اعتقلت خلال وقت قريب سبعة عملاء أثناء نشاطهم وبحثهم عن أهداف للاحتلال الإسرائيلي، فيما أعدمت ثلاثة آخرين بعد إتمام الإجراءات الثورية معهم».
وأكد المصدر لموقع «المجد الأمني»، المحسوب على حماس، أن «أجهزة أمن المقاومة لن تتهاون مع العملاء ولديها أوامر ثورية بالتعامل مع العملاء الذين يضبطون متلبسين ميدانيا».
وأشار إلى أن المقاومة كشفت عن الكثير من العملاء في الميدان وآخرين بطرق استخباراتية خاصة دون الكشف عن تلك الطرق. وحذر المصدر المشبوهين الذين فرضت عليهم المقاومة إجراءات أمنية من أي خرق لهذه الإجراءات، مؤكدا أن التعامل الثوري سيكون من نصيبهم.
ودعا المصدر المواطنين لعدم الحديث عن المقاومة وقياداتها، لأن العملاء يبحثون عن أي معلومة للاحتلال، في ظل ضغوط وتهديدات يفرضها عليهم ضباط «الشاباك». وفي سياق متصل، أعلن مسؤول وحدة «التنسيق والارتباط»، التابعة للجيش الإسرائيلي في قطاع غزة فارس عطية، أن الجيش سيواصل فتح معبري كرم أبو سالم و«إيريز» بين إسرائيل وقطاع غزة، رغم تعرض هذين المعبرين لإطلاق الصواريخ، على حد قوله.
وأضاف المسؤول العسكري في بيان: «إن إطلاق الصواريخ يمس بالإجراءات اليومية لعمل هذين المعبرين، إلا أنه لا توجد نوايا لدى الجيش الإسرائيلي لإغلاقهما كونهما يعدان الرئة التي يتنفس منها قطاع غزة».
وتابع البيان: «إن إسرائيل عادت وألغت قرارها بالسماح لصيادي غزة بالصيد على مسافة 3 أميال بحرية من شواطئ القطاع بسبب عدم قدوم الصيادين للصيد خلال عدة أيام منذ صدور القرار».
ويقول الفلسطينيون إن فتح المعابر شكلي وإن إسرائيل تتحكم في وتيرة إدخال البضائع إلى غزة المحاصرة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.