سكان دمشق يعانون من تقنين مياه وكهرباء غير مسبوق

المناطق الموالية للنظام تحظى بمعاملة أفضل

صورة أرشيفية لطفل سوري يساعد في ملء الماء من بئر في منطقة دوما قرب دمشق (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لطفل سوري يساعد في ملء الماء من بئر في منطقة دوما قرب دمشق (أ.ف.ب)
TT

سكان دمشق يعانون من تقنين مياه وكهرباء غير مسبوق

صورة أرشيفية لطفل سوري يساعد في ملء الماء من بئر في منطقة دوما قرب دمشق (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لطفل سوري يساعد في ملء الماء من بئر في منطقة دوما قرب دمشق (أ.ف.ب)

صوتان يهدران بالتناوب في شوارع العاصمة دمشق؛ صوت محرك شفط المياه من الشبكة العامة، والذي يسميه السوريون «الحرامي»، وصوت مولدات الكهرباء المصحوب برائحة الديزل. وبات من الذكريات البائدة لسكان دمشق الاستيقاظ صباحا على صوت فيروز ورائحة القهوة والياسمين في مدينة تسري في جنباتها أفرع نهر بردى السبعة. لتبدأ طقوس الصباح الدمشقي بأزيز مواتير المياه، وصياح الجيران «جت.. ما جت.. شغل الموتور.. طفّي الموتور.. انصرعنا».
وتعيد مؤسسة مياه الشرب والصرف الصحي في دمشق أسباب أزمة المياه في دمشق إلى موسم الجفاف وتقنين الكهرباء، وإلى أعمال «تخريبية إرهابية» تسببت بضياع مليون متر مكعب من المياه في نهر بردى دون فائدة، بالإضافة إلى الهدر غير المبرر للمياه لدى بعض الجهات الرسمية. وبحسب مؤسسة المياه تستهلك الدوائر الحكومية كميات ضخمة من مياه الشرب تقدر بنحو مليوني متر مكعب.
بعد 4 سنوات من الاضطراب الأمني وتفاقم أزمة الخدمات المزمنة، ارتبط إيقاع الحياة اليومية بمواعيد انقطاع الكهرباء والماء، وتناوب سكان البيت على السهر بانتظار وصول خيط الماء لتشغيل «الحرامي» والمسارعة إلى شفط المياه لملء الخزان قبل أن يشغل الجيران حراميتهم أيضا. أبو تيسير من سكان شارع بغداد يشبه طريقة نومه بطريقة نوم الذئب عين مغمضة وعين مفتوحة، وكل ساعة يستيقظ يتفقد الكهرباء وأكثر ما يخشاه الاستغراق بالنوم فيفوته تشغيل حرامي المياه فتحرم عائلته من المياه، لقد اعتاد هذا النمط بالنوم منذ بداية فصل الصيف. ويشير إلى أنه بالأساس «لا يمكن الاستغراق بالنوم إذا كانت الكهرباء مقطوعة، فالحر شديد جدا ويشعر النائم وكأنه في فرن تحمير الدجاج».
ويعمل محرك شفط المياه «الحرامي» وفق مبدأ ضخ الهواء في أنابيب شبكة المياه فيقطعها عن التوصيلات ويشفطها نحو توصيلة واحدة. ورغم منع الحكومة تركيب هذه الأجهزة فإنها منتشرة على نطاق واسع في سوريا منذ 3 عقود، لكنها في دمشق وريفها كانت تقتصر على الريف، لا سيما الجنوبي - الغربي، ومع تفاقم أزمة المياه اتسع انتشار هذه الأجهزة ووصلت إلى قلب دمشق الذي لم يعرف العطش يوما. وتقول الحكومة إن هذه الأجهزة تزيد في كميات هدر المياه وتتسبب في إتلاف شبكة المياه. وصرح المدير العام للمؤسسة العامة لمياه الشرب في دمشق وريفها حسام الحريدين، بأن كميات الهدر التي تسببت بها محركات شفط المياه تقدر بما يقارب 70 ألف متر مكعب يوميا.
وأشار إلى أن استهلاك دمشق من المياه ارتفع قياسا إلى السنة الماضية، فقد كان استهلاك دمشق من مياه الشرب في العاشر من يوليو (تموز) 2013 بمقدار 3.1 أمتار مكعب في الثانية في حين أنها في اليوم نفسه من عام 2014 (4.2)، أي بزيادة مقدارها 1.1 متر مكعب في الثانية من مياه الشرب. وفسّر الحريدين سبب ارتفاع استهلاك المياه في تصريح لصحيفة «الوطن» السورية الشهر الماضي بهواجس المواطن «من قلة المياه نتيجة قلة الهطلات المطرية الموسم الحالي بالتوازي مع حملات ترشيد الاستهلاك والتي يمكن أن يكون البعض قد فهمها أنها بسبب عدم توافر المياه، فكانت النتيجة زيادة الكميات التي يخزنها المواطن من المياه، مما أدى إلى زيادة الكميات المستهلكة من المياه يوميا»، علما بأن المؤسسة رفعت سعر المياه بداية الصيف الحالي بمقدار 35 في المائة. والمفارقة أن هذه الأسباب ذاتها التي سبق للحكومة أن ساقتها عندما تعرضت البلاد لأزمة خبز منذ نحو عامين بأن الخوف من فقدان الخبز زاد الاستهلاك وتسبب بالأزمة!!
أم محمد، وهي من سكان حي عين الكرش وسط دمشق التجاري، قالت إنها طيلة عمرها البالغ 60 عاما لم تشهد صيفا في دمشق أصعب وأسوأ من الصيف الحالي. وتقول: «الحرّ لا يطاق، ولا توجد كهرباء لتشغيل المراوح والمكيفات، ولا توجد مياه للاستحمام»، مشيرة إلى أن عائلتها المؤلفة من 5 أشخاص وضعت برنامجا للاستحمام بالدور كل يوم يستحم شخص واحد.. «عندما اضطر ابني لزيارة الطبيب كان لا بد له من الاستحمام والمياه مقطوعة، ملأ زجاجتي مياه من الجامع واستحم بهما».
هذا أحد الحلول التي يجهد السوريون في ابتكارها على مدار الساعة للتغلب على الأزمات المحيطة به، فهناك من يلجأ إلى الحمام على «الناشف»، كما تقول داليا من سكان حي العباسيين، وذلك بمسح الجسم بكحول أو معقم ممدد بالمياه. وتقول ضاحكة: «كما يوجد غسيل جاف للملابس الحريرية، هناك أيضا حمام جاف للسوريين. وإلا ستقتلنا روائح العرق قبل أن تقتلنا قذائف الهاون».
إلا أن الحل الأكثر رواجا هو الحصول على المياه من باعة الصهاريج، والتي كانت سائدة في ريف دمشق منذ سنوات، وخصوصا جرمانة وصحنايا، واتسع انتشارها هذا العام في كل المناطق، ليرتفع سعر برميل المياه من 100 ليرة إلى 1200 ليرة (8 دولارات)، وهو ما يعد رقما باهظا قياسا إلى السعر الرسمي المحدد بـ50 ليرة فقط، ولأول مرة في تاريخها تدرس مؤسسة مياه الشرب والصرف الصحي في دمشق إمكانية تنظيم بيع المياه بالصهاريج (السوق السوداء) وترخيصها، وبحسب صحيفة «الوطن» المحلية، فإن المؤسسة وضعت «دراسة لنظام الاستثمار بيع المياه وترخيص صهاريج مختومة بالشمع الأحمر من مؤسسة المياه ومعبأة من مصادر سليمة، يطلب المستخدم حاجته منها عن طريق المؤسسة وبسعر 50 ليرة».
وتقوم مؤسسة مياه الشرب بتقنين المياه لأكثر من 15 ساعة في اليوم بهدف ملء خزانات المياه الرئيسة، كما تقوم الحكومة بحملات إعلامية لترشيد استخدام المياه «والحرص على كل قطرة ماء». إلا أن سكان دمشق لا يشكون من ساعات تقنين المياه الطويلة، بل من التمييز في تحديد ساعات التقنين بحسب الأحياء والمناطق، فالمناطق الموالية تنعم بالمياه غالبية ساعات اليوم كأحياء أبو رمانة والمالكي والحرس الجمهوري وضاحية قدسيا، وغيرها، بينما تحرم منها نهائيا المناطق الساخنة والمحاصرة، كمناطق الغوطة الشرقية وأحياء جنوب دمشق، لتتفاوت ساعات التقنين في أحياء الأطراف والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية والتي يتركز فيها غالبية النازحين من المناطق الساخنة كجرمانة وصحنايا والزاهرة والميدان وركن الدين ودمشق القديمة، حيث تنقطع المياه أحيانا لثلاثة أيام متتالية.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.