الأدباء... وأمهاتهم

لهن عبر الثقافات والأزمنة تأثير فاصل على حياتهم سلباً أو إيجاباً

شكسبير  -  جبران خليل جبران  -  فيليب لاركن  -  بودلير  -  صموئيل بيكيت
شكسبير - جبران خليل جبران - فيليب لاركن - بودلير - صموئيل بيكيت
TT

الأدباء... وأمهاتهم

شكسبير  -  جبران خليل جبران  -  فيليب لاركن  -  بودلير  -  صموئيل بيكيت
شكسبير - جبران خليل جبران - فيليب لاركن - بودلير - صموئيل بيكيت

سواء أكان حضورهن طاغياً، إيجاباً أم سلباً، أم غياباً أكثر طغياناً من الحضور، فلا شك أن لأمهات الأدباء دورا شاهقا في صياغة ذلك المسّ الجنّي، الذي يذهب بالبعض إلى أقاصي حدود الخلق الفاتن والإبداع، بينما يبقى آخرون مرتاحين لحياتهم الباردة قانعين بترك أنفسهم إلى تيار الحياة يأخذهم حيث أراد. وقد أصبح التشوق لفكّ شيفرة هذا التحليق موضع تنقيب كثير، وللحق فالمسألة ما زالت غامضة، إذ كما يبدو لا توجد وصفة مشتركة تفسّر جلّ الحالات «السحريّة» تلك.
عاش جون راسكين، الأديب المعروف، معظم حياته في علاقة خانقة مع أمّه مارغريت راسكين، التي كانت سيّدة شديدة التديّن قويّة الشكيمة وحاولت غاية جهدها فرض عقيدتها على ابنها مذ كان صبيّاً متأملة أن يسلك يوماً طريق الكهنوت ويكرّس حياته من أجل الكنيسة. نعرف الآن مقاومته لذلك، وأن أمّه أفسدت حياته كلها حتى كتب عمّا يتذكره من طفولته أنّه «لم يكن لديه شيء يحبّه»، وعندما قبل الدراسة بجامعة أكسفورد عام 1837 انتقلت للسّكن معه هناك متسببة في فشل كل علاقاته بنساء أخريات لينتهي مثلياً، إلا أن الدراسة المكثّفة للكتاب المقدّس التي أخضعته لها صغيراً تركت أثراً لا يمحى في ذهنه، فطبعت ما أبدعه لاحقاً طوال حياته بميسم توراتي خاص، وجعلت نصوصه وكأنها إملاءات نبي من أنبياء العهد القديم.
هذه العلاقة الملتبسة بين أم وولدها، وبغضّ النظر عن تفاصيلها التاريخيّة وأبعادها السيكولوجيّة، ربما تكون ممراً ينبغي لنا عبوره في كلّ مرّة قصدنا فيها أن نفهم سرّ العمليّة الإبداعيّة عند راسكين، الذي يبدو كأن حياته كلّها لم تكن سوى استجابة جدليّة الطابع لتلك العلاقة.
راسكين وأمه ليسا حالة فريدة بالطبع، فكثير من الأدباء والشعراء المعروفين الذين تحدّثوا عن تاريخ علاقاتهم بأمهاتهم المحوا إلى تأثيرات طاغية لتلك السيّدات – سلباً أو إيجاباً، تعلقاً أو كراهيّة – في تشكيل وعيهم وذائقتهم الأدبيّة، وربما كنّ - بشكل أو بآخر - سر قدرتهم على اجتراح معجزة نظم الكلم شعراً أو نثراً.
يقول المؤرخون الأدبيّون مثلاً بأن وجود السيّدة ماري أردين شكسبير بقلبِ حياة ابنها وليم ملموس وظاهر بما ترك من أعمال لم ولن تموت في المسرح العالميّ، وأنّ العمق المذهل الذي وصف به العلاقات الإنسانيّة وتقلبات القلوب كان مديناً به لعلاقته بأمه تحديداً قبل أي شخص آخر. كما أنّ سيرة حياة الروائي المعروف إيان مكواين وما تغلب عليها ثورته الدّائمة على اللهجة الشعبيّة والتي أخذها عن أمّه الفقيرة والمتواضعة اجتماعياً لدرجة أنّه كان يطلب من أصدقائه إيقافه كلما انزلق لسانه تجاه تلك اللهجة، ومع ذلك استعار كثيراً من طريقة أمّه لمنح بعض شخصيات رواياته الأشهر ألسنة بوصفهم من عامة الناس، ناهيك عن إظهار غالبيّة شخصياته النسائيّة في وجه الخير المطلق مقابل الشخصيات الذكوريّة التي تقصر دائماً عن ذلك. كذلك كانت علاقة الروائي إي.إم فورستر مع أمه (ليلي فورستر) عاصفة صداميّة وكتب «أنها خنقت موهبته ودمرت مهنته ومنعته من بناء علاقات صحيّة مع الآخرين»، وهو حرق كل رسائلها له ومذكراتها كي يخرجها من تاريخه بالكامل، ومع ذلك لم ينكر بعد موتها أنها وفرت له كل متطلبات الرّاحة للتركيز على إنتاجاته. وفي الحد الأقصى من التناقض تبدو سيرة الكاتب مارتن إيمس الذي دخل في علاقة ملتبسة مع زوجة أبيه الثانية الروائيّة إليزابيث جين - هاورد التي شغفت به حبّاً، وكان لها الفضل وحيدة بانتشاله من حياة التبطّل والتيه والتسكع في نوادي المراهنات مع زمر الفاشلين، وأعادته إلى دراسته، وكانت مصدر إلهامه وإبداعه وأستاذته الأدبيّة الأولى، ومن دونها لكان حتماً انتهى سكيراً أو مجرماً صغيراً كما غالبية رفاقه. وهناك عشرات الرسائل المنشورة لأدباء مشهورين كشارل بودلير، وغوستاف فلوبير وأندريه جيد، ومارسيل بروست، وويليام فولكنر، وإرنست همنغواي وجان كوكتو وكلّها تشير إلى ثقل تلك العلاقة بين الأم والابن المتراوحة بين الحبّ والتنازع وظلالها الطويلة على حياة ونتاج الابن الأدبيّ.
لا يمكن بالطبع وضع كل علاقات الأدباء بأمهاتهم في نسق أُحادي دوماً. فهناك من مصادر السّير الأدبيّة ما يشير إلى علاقات دعم إيجابي متبادل لا شكّ ساهمت في منح الأبناء منصات للانطلاق والتحليق. فالشاعر البريطاني فيليب لاركن، أحد أهم الشعراء البريطانيين في القرن العشرين، سُئل يوماً عمّا إذا كانت علاقته الوثيقة المديدة بأمه (إيفا لاركن) سبباً في إطلاق ذائقته الشعريّة، أجاب بقوله: «ربّما كنت لا أمانع فيما لو كان في تلك العلاقة شيء من الصّخب»، وذلك يشير بوضوح إلى نجاح أمه ببناء علاقة متوازنة وديّة مع ابنها طوال عقود كثيرة، ويؤكّد على تأثيرها المعروف عليه ببناء أسلوبه الشعري المميز. وقد نشرت مؤخراً مراسلاتهما الكثيفة في مجلّد ضخم، إذ كان لاركن الابن يكتب لأمه يومياً تقريباً ويقضي معها عدة ساعات بعد ظهيرة كل جمعة، وهو استمر في ذلك حتى بعدما لم يعد بمقدورها كتابة الرّدود إليه، ثم عندما عجزت عن القراءة بالكليّة بقي يرسل إليها صوراً من الطبيعة أو حتى للملكة إليزابيث والأميرات إلى أن وافاها الأجل. ومثل لاركن أيضاً، كانت علاقة الأديب أندرو موشن بأمّه المعطاءة والمتقدة التي اعتنت به عندما أقعده المرض صغيراً في البيت فصارا كما صديقين، وتحوّلت حادثة سقوطها عن الفرس وإصابتها بتلف دماغي وغيبوبة لعدة سنوات إلى ما يشبه مصهراً طبع أعماله اللّاحقة بغضب ظاهر على الحظّ السيئ وعشوائيّة الأقدار.
في مكان ما بين حدّي الملائكيّة والشيطنة، تأتي علاقة الكاتب الآيرلندي صمويل بيكيت بأمه (ماي بيكيت) الأشبه بصراع تحكم دائم بين شخصيتين قويتين لا سيّما بعد وفاة والده وتوليها هي المقتّرة والمتقشفة إدارة شؤون العائلة ماديا متسببة في محاولته الهروب إلى لندن بحجة رغبته بدراسة التحليل النفسي الذي كان غير معترف به في مسقط رأسه. لكن كاتبي سيرة بيكيت الابن يقولون إن تلك العلاقة العاصفة بين الأم وابنها تخللها مقطع غريب استمر طوال ثلاثة أسابيع عام 1935 عندما ذهبا معاً في رحلة بسيارة صغيرة مستأجرة متجولين بكل إنجلترا ومعالمها الساحرة وعاشا خلالها وفق رسالة كتبها بيكيت الابن لأحد أصدقائه «حالة انسجام تام». لكن تأثير تلك الرحلة الاستثنائية ما لبث وتلاشى سريعاً، ليعودا مجدداً لأجواء الصراع الدائم مما دفعه لمغادرة آيرلندا نهائياً عام 1937. وقد كتب لاحقاً كيف أنه أحسّ وهو يجمع كتبه ومتعلقاته الشخصيّة هاربا لآخر مرة من البيت ومن تسلطها بأنه «لم يكن سوى نتاج حبّ أمه الوحشي». ومع ذلك فهو وجد كثيرا من السلوى عندما اعتنت به بعد ثلاثة أشهر فقط من هجرته بينما كان وحيداً بمستشفى باريسي مصاباً بطعنة سكين.
عربياً يحجم الأدباء عامة عن ذكر تفاصيل علاقتهم بأمهاتهم ربما لأسباب الثقافة المجتمعيّة الشرقيّة المحافظة، كما أن الرسائل الشخصيّة المنشورة في ذلك السياق تكاد تكون معدومة، لكن شذرات من نصوص الشعراء العرب القدامى وحتى أسمائهم (ابن الزاهدة، ابن الزبيبة، ابن الزبعرى،...) تشي بحضور شاهق لبعض أمهات أولئك المبدعين على حياتهم وإبداعهم. وحديثاً نعلم مثلاً أن والدة جبران خليل جبران التي تولت إدارة شؤون العائلة بعد وفاة زوجها بينما كان جبران صغيراً، واتخذت قراراً بالهجرة بأولادها من الفقر والتعسف العثماني بلبنان إلى الولايات المتحدة، صنعت على مستوى ما كلّ تجربة جبران الإنسانيّة والإبداعيّة، كما أن كاتبة مهاجرة عربيّة (آسيا جبار) وضعت رواية تحكي معاناتها من الضغوط الشديدة التي فرضتها عليها أمها الشرقيّة الهوى للخضوع إلى الثقافة البطريركيّة التقليديّة.
ملائكة كنّ أو شيطانات، فإنه من الجلي أن للأمهات عبر الثقافات والأزمنة تأثيراً فاصلاً في تحويل بعض الأبناء إلى أدباء ومبدعين دون غيرهم، سواء أكان ذلك بفضل تشجيعهنّ ودعمهن أو حتى ربّما بسبب تسلطهن وتملكهن. ولعلنا إن علمنا بذلك، استدعينا الأم مع ابنها كلّما قرأنا واحداً من أسفار الأدب أو الشعر.



حمادة هلال: «المدّاح» جعلني أكثر نضجاً في التمثيل

حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)
حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)
TT

حمادة هلال: «المدّاح» جعلني أكثر نضجاً في التمثيل

حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)
حماده هلال خلال تصوير المسلسل في المغرب (حسابه في «فيسبوك»)

قال الفنان المصري حمادة هلال إنّ الجزء السادس من مسلسل «المدّاح» يُعد الأصعب لجهتَي التنفيذ والتصوير، مؤكداً أنّ معظم مَشاهده تحمل مجهوداً بدنياً ونفسياً كبيراً، خصوصاً المَشاهد الخارجية التي صُوِّرت في المغرب، وتحديداً في مدينة شفشاون وسط الجبال والشلالات.

وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»: «الوصول إلى بعض مواقع التصوير تطلَّب السير لأكثر من ساعة وربع الساعة داخل مناطق جبلية شديدة الوعورة، بالإضافة إلى الطقس البارد، وهي أمور استطاع فريق العمل التغلُّب عليها لحماستهم للتجربة».

حماده هلال شدَّد على أنّ «المدّاح» قائم على بطولة جماعية حقيقية (حسابه في «فيسبوك»)

وعن عنوان الجزء الجديد «أسطورة النهاية»، أوضح هلال أنّ «كلّ جزء من أجزاء العمل حمل اسم أسطورة مختلفة، مثل (أسطورة العهد)، و(أسطورة العشق)، و(أسطورة العودة)، بينما تأتي (أسطورة النهاية) ذروة المسار الدرامي للحكاية، إذ تتجمَّع الخيوط الكبرى للصراع وتُطرح الأسئلة المصيرية عن التحولات الكبرى للشخصيات، وهو ما سيتكشَّف تباعاً في الحلقات».

وعلَّق على عودته لتقديم جزء سادس بعد الإعلان سابقاً أنّ الجزء الخامس سيكون الأخير، فقال إنّ «القرار كان حقيقياً في وقته»، موضحاً أنّ «الفريق أراد التوقف قليلاً لالتقاط الأنفاس وتجديد الطاقة والبحث عن أفكار جديدة»، لكنه أشار إلى أن «الضغط الجماهيري الكبير، إلى جانب حماسة قناة (إم بي سي مصر)، والمنتجَيْن صادق الصباح وأنور الصباح، لعبا دوراً أساسياً في إعادة إحياء المشروع وتقديم الجزء الجديد هذا العام».

هلال في لقطة من كواليس «المدّاح» (حسابه في «فيسبوك»)

وأضاف أنّ «صناعة جزء سادس بعد 5 أجزاء ناجحة تُعد تحدّياً شديد الصعوبة كتابةً وتنفيذاً، نظراً إلى طبيعة العمل والصراعات والأحداث فيه بشكل رئيسي»، مشيراً إلى أنّ «طبيعة العمل يفترض أن تجعل تصويره يستمر لأكثر من عام، وتحضيرات أطول، لكن إتقان الفريق، بالإضافة إلى الجهد المُكثَّف للمخرج أحمد سمير فرج، جعلا المسلسل يُنجَز في وقت قياسي رغم كل العقبات».

وتحدَّث هلال عن تأثير شخصية «صابر المدّاح» فيه فنياً، مشيراً إلى أنها نقلته إلى منطقة أكثر نضجاً في الأداء والوعي بالتمثيل، لكنها لم تؤثّر في حياته، لكونه يتعامل مع الشخصية على أنها عمل فنّي له بداية ونهاية، مع قدرته على الفصل الكامل بينها وبين حياته الخاصة، وقدرته على تقديم أدوار أخرى مختلفة.

وعن تحضيراته للجزء الجديد، أشار إلى أنه «كان دائم النقاش مع المؤلفين حول ضرورة تكثيف الأحداث والاعتماد أكثر على الصورة والإيقاع السريع»، مشيراً إلى أنّ «جمهور (المدّاح) يميل إلى التشويق البصري والحركة والتصاعد الدرامي المستمر، من دون الإغراق في الحوارات الطويلة، رغم أهميتها الدرامية».

وتوقّف عند عودة عدد من النجوم الذين غابوا عن أجزاء سابقة، فقال هلال إنها عودة أسعدته كثيراً، فالمسار الدرامي فرض عودة بعض الشخصيات المحورية لاستكمال الصراع بشكل منطقي ومتوازن، والشخصيات العائدة هذه المرّة تحمل تحوّلات مختلفة وصراعات أكثر حدّة، الأمر الذي ارتبط بالسيناريو المُحكم المكتوب للأحداث.

حماده هلال وفتحي عبد الوهاب في ملصق ترويجي للمسلسل (الشركة المنتجة)

وأكد هلال أنه لا يؤمن بفكرة «البطل الأوحد»، مشدّداً على أنّ «المدّاح» قائم على بطولة جماعية حقيقية، وأنّ نجاح العمل يعود إلى تكامل أداء جميع العناصر، من ممثلين وصنّاع، وليس إلى فرد واحد فقط، لافتاً إلى أن فريق العمل في «المدّاح» أسرة واحدة.

ووعد حمادة هلال الجمهور بأن يشاهدوا في الجزء الجديد صورة مختلفة على مستوى التنفيذ البصري، وأفكاراً جديدة في بناء الشر والصراع الدرامي، إلى جانب مستوى إنتاجي أكثر طموحاً بشكل متصاعد بالحلقات المقبلة، مشيراً إلى «دور المخرج أحمد سمير فرج الذي ينجز العمل في زمن قياسي، بينما التنفيذ يفترض أن يستغرق وقتاً مضاعفاً».

وعن ارتباط الجمهور بشخصية «المدّاح» وتأثير ذلك على خياراته الفنية، قال هلال إنّ «هذا الارتباط يمثّل مسؤولية كبيرة وضغطاً مضاعفاً، لكنه في الوقت عينه يشعر بالامتنان لكون العمل أصبح علامة مميزة في مسيرته الفنّية»، مؤكداً أنه يسعى دائماً إلى التنوّع في أدواره من دون التفريط في هذا النجاح.


«كرامة بلا مساومة»: إعادة صياغة خطاب الحماية في لبنان

لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)
لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)
TT

«كرامة بلا مساومة»: إعادة صياغة خطاب الحماية في لبنان

لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)
لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)

أطلقت منظّمة «كير» الدولية في لبنان حملة «كرامة بلا مساومة» في محاولة لإعادة طرح قضايا حسّاسة مثل الوقاية من الاستغلال والانتهاك، والأمان في السكن، والوصول إلى المساعدة، بلغة أكثر اتصالاً بتجارب الناس اليومية، وبما يُعيد وضعهم في مركز الخطاب الإنساني.

في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، يضع ممثل «كير» الدولية في لبنان، سيريل باسيل، الحملة في سياق أوسع من فيديوهات وأرقام. يقول إنّ دور المنظّمة «أن تُغني الخطاب الإنساني باستمرار عبر مبادرات مُبتكرة تخلق مساحات جديدة للنقاش حول القضايا الاجتماعية المُلحّة»، ويضيف أنّ الهدف الدائم هو «إبراز حاجات المجتمعات التي نعمل معها، والدفع نحو إجراءات جماعية تُسهم في بناء مجتمع أكثر عدلاً وشمولاً». خلف هذه العبارات يبرز التحدّي الأساسي الذي واجهته الحملة، المتمثّل في إيجاد لغة قادرة على تناول قضايا حسّاسة، مثل الوقاية من الاستغلال والانتهاك، وحماية النساء والفتيات، وآليات الإبلاغ، بطريقة تحافظ على وضوحها وقوتها، من دون أن تنزلق إلى خطاب تعليمي جاف أو تفقد معناها وسط كثافة المنشورات اليومية.

خلف كلّ حركة يد معنى يبحث عن طريقه إلى مَن حُرموا طويلاً من الوصول (منظّمة «كير»)

يشرح باسيل أنّ اللغة المعتادة وطرق التواصل المألوفة «تصل إلى حدودها»، خصوصاً في زمن تحكمه المنصّات الرقمية. ومن هذا المنطلق، اتجهت «كير» إلى مقاربة تقوم على سرد إنساني قريب من الناس لكسر إرهاق الجمهور الذي يمرّ سريعاً فوق المحتوى المُتشابه. كانت الحملة، وفق ما يوضح، بحثاً عن «أساليب ديناميكية» قادرة على الوصول إلى فئات جديدة، مع وضع الشمولية في صميم الرسالة لضمان وصول المعلومات إلى المجتمعات المهمَّشة التي لا تصلها الرسائل عادة عبر القنوات التقليدية.

هذا المنطق انعكس في اختيار الإعلامية اللبنانية نسرين الظواهرة لتكون وجهاً أساسياً في المواد المرئية. باسيل يرى أنّ حضورها في الحملة لم يكن تفصيلاً. يقول إنها مِمّن يملكن قدرة على مخاطبة جمهور «من مختلف الفئات العمرية والخلفيات»، مع مساحة ثقة لافتة يتشاركها «نساء ورجال»، وهو ما يمنح الرسائل الحسّاسة فرصة لعبور الحواجز النفسية قبل الحواجز المعرفية. ويضيف أنّ قدرتها على الإيصال «بوضوح وثقة وتأثير» ضرورية عندما تُناقش قضايا اجتماعية معقّدة، خصوصاً أنها تستخدم منصاتها للحديث عن حقوق النساء والفئات المهمَّشة وحاجاتها، بما ينسجم مع جوهر الحملة.

أما الظواهرة فتقرأ مشاركتها من زاوية شخصية ومهنية تتقاطع مع مرحلة جديدة في مسارها. في حديثها إلى «الشرق الأوسط»، تقول إنها تعلَّمت منذ بداياتها أنّ الإعلام «رسالة مرتبطة بالضمير»، ولا ترى المهنة مساحة للتسلية أو للاستثمار في العلاقات العامة. تصف موقع الإعلامي بما يشبه «المسؤولية الأخلاقية» التي تتجاوز نقل الخبر، وتضيف: «أحبُّ أن يكون لي أثر وأترك بصمة. هذه رسالتي، ولا أريد أن أمرَّ مثل مَن لا يقولون شيئاً». في هذا المنعطف من نضجها الإعلامي، بدا لها أنّ الانخراط في حملة حقوقية امتداد طبيعي لالتزامها.

تتوقّف الظواهرة عند تفاصيل تُضيء ما تحاول الحملة الاقتراب منه، مشيرةً إلى أنّ العنف قد يتسلَّل عبر عبارة أو نظرة أو سلوك داخل بيت يُفترض أنه مساحة أمان. تتحدَّث عن منازل لا خصوصية فيها، عن غياب الأقفال، وازدحام يُنتج واقعاً يومياً مُثقلاً بالانكشاف، وعن نساء وفتيات يحتجن إلى معرفة حقّهن في الرفض. تقول: «اشتغلنا على معنى كلمة (لا). كلمة كاملة، لا تحتاج صاحبتها إلى أن تُبرِّر ما بعدها». وتضيف أنّ العمل جرى «بمباشرة وجرأة من دون ابتذال»، مع الحرص على تقديم الرسالة بطريقة جاذبة تبتعد عن الصياغات النمطية.

في امتداد هذا التوجُّه، جاءت مشاركة نادرة سماحة، خبيرة لغة الإشارة وامرأة من ذوي الإعاقة السمعية، لتضيف طبقة أخرى إلى معنى الوصول. سماحة تقول لـ«الشرق الأوسط» إنها وافقت فوراً عندما طُلبت منها المشاركة، مع اعتقاد أولي بأنّ دورها سيقتصر على ترجمة الكلام داخل «مربّع صغير» في زاوية الشاشة كما يحدث غالباً. لكنها فوجئت بأنّ الحملة تمنحها حضوراً أوسع: «هنا شعرتُ بالمساواة. جميل أن يتساوى الصمّ مع مَن يسمعون كلّ شيء». وتشرح أنّ المساحة ليست تفصيلاً بصرياً، فـ«المربّع الصغير قد يُتعب المتابعين الصمّ»، بينما حضورٌ أوسع يمنحهم إحساساً حقيقياً بالمشاركة ويجعلهم جزءاً من الرسالة منذ البداية.

مساحة أوسع للتفاعل مع قضايا غالباً ما تبقى خارج الضوء (منظّمة «كير»)

تربط سماحة هذا الخيار بصورة أشمل عن الدمج. تؤكد أنّ إشراك الأشخاص الصمّ في العمل والحياة العامة ضروري، لأنّ كثيرين ما زالوا ينظرون إليهم بعين الشفقة أو يفترضون عجزهم. تقول إنّ التكنولوجيا ساعدت في تغيير الواقع، وهذه المُشاركات «زادت الوعي وعمَّقت فكرة الدمج»، فلم يعد مجتمع الصمّ هامشياً أو منفصلاً. وتلفت إلى حقّ الوصول إلى المعلومات: «نحن أفراد صمّ لدينا حقوق مثل أيّ إنسان»، وتضيف أنّ الترجمة بلغة الإشارة شرط للفَهْم والمشاركة، مع التوقّف عند نقص عدد مترجمي لغة الإشارة في لبنان وأملها في سدّه مستقبلاً.

على هذا الخطّ، يعود باسيل ليؤكد أنّ الشمولية في عمل «كير» مشاركة فعلية ذات معنى، موضحاً أنّ إشراك سماحة وجهاً أساسياً كان خياراً مقصوداً لضمان «التمثيل الحقيقي والملكية المشتركة للرسالة». وربما يفسّر ذلك كيف خرجت الحملة من إطارها التنظيمي إلى مساحة تداول أوسع عبر 5 مواد مرئية تناولت الرضا والموافقة، والسكن الآمن ودور المساعدات النقدية، وأثر انعدام الأمن الغذائي، وآليات المساءلة وسبل الإبلاغ الآمن، مع الترويج لخطّ الطوارئ 1745 على هيئة قناة موثوقة لتقديم الشكاوى وطلب الدعم. بعض الفيديوهات تجاوز 200 ألف مشاهدة عضوية، وانتشر تلقائياً عبر مُشاركات من أطباء وخبراء لغة إشارة ومؤسّسات إعلامية وفنانين وشخصيات عامة، في مؤشّر على أنّ الرسالة وجدت طريقها إلى الناس، وفتحت مساحة أوسع للتفاعل مع قضايا غالباً ما تبقى خارج الضوء.


دراسة حديثة: وزن الأطفال المبكر لا يعني بالضرورة سمنةً مستقبلاً

السمنة بين الأطفال (جامعة موناش)
السمنة بين الأطفال (جامعة موناش)
TT

دراسة حديثة: وزن الأطفال المبكر لا يعني بالضرورة سمنةً مستقبلاً

السمنة بين الأطفال (جامعة موناش)
السمنة بين الأطفال (جامعة موناش)

تشير أبحاث علمية حديثة إلى أن ارتفاع مؤشر كتلة الجسم (BMI) لدى الأطفال في سن مبكرة لا ينبغي أن يُفسَّر تلقائياً بوصفه مؤشراً دائماً على خطر الإصابة بالسمنة لاحقاً، في نتائج قد تخفف من قلق كثير من الأسر، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

فقد خلصت دراسة أجراها باحثون من جامعة كوينزلاند في أستراليا إلى أن العوامل الجينية التي تؤثر في حجم جسم الرضيع قد تختلف عن تلك التي تتحكم في حجم الجسم خلال مرحلة المراهقة؛ ما يعني أن مسار النمو أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد.

واعتمد الباحثون على تحليل بيانات 6291 طفلاً مشاركين في دراسة «أطفال التسعينات» التابعة لـجامعة بريستول، مستخدمين نماذج تحليلية متقدمة لاستكشاف دور العوامل الوراثية في اختلاف مسارات الوزن بين عمر عام واحد و18 عاماً. وأظهرت النتائج أن الإسهام الجيني في هذه التغيرات يظل محدوداً نسبياً، ولا يتجاوز نحو الربع.

وقال الدكتور غينغ وانغ: «إن كثيراً من الآباء يشعرون بقلقٍ مشروع عندما يلاحظون زيادة مبكرة في وزن أطفالهم أو نمواً مختلفاً عن أقرانهم»، مضيفاً أن النتائج تشير إلى أن التباين الجيني قد يكون أحد أسباب هذه الفروق الطبيعية. وأوضح أن العوامل الجينية المرتبطة بحجم جسم الرضيع ليست بالضرورة هي نفسها التي تحدد حجم الجسم في مرحلة المراهقة، مؤكداً أن اختلاف حجم الجسم في الطفولة المبكرة لا يعكس حتماً خطراً دائماً للإصابة بالسمنة.

رجل يعاني من السمنة (رويترز)

ومع ذلك، تلفت الدراسة الانتباه إلى أن مؤشر كتلة الجسم عند حدود سن العاشرة، إضافةً إلى معدل النمو الكلي بين عمر سنة و18 عاماً، قد يكونان أكثر دلالةً من الناحية الصحية، نظراً لارتباطهما الأقوى بمخاطر الإصابة بالسكري وارتفاع الكوليسترول وأمراض القلب في مراحل لاحقة من الحياة.

من جانبها، قالت الدكتورة نيكول وارينغتون، من جامعة كوينزلاند، إن النتائج المنشورة في مجلة «Nature Communications» تُظهر أن الاعتماد على المتوسطات السكانية وحدها في تقييم نمو الأطفال قد يؤدي إلى إغفال معلومات مهمة. وأضافت أن ثمة حاجةً إلى مزيد من الأبحاث لتحديد الأعمار الأكثر فاعليةً للتدخل الوقائي، بما يحقق فائدةً صحيةً طويلة الأمد.

بدوره، أوضح البروفسور نيكولاس تيمبسون، الباحث الرئيسي في دراسة «أطفال التسعينات»، أن النتائج تكشف عن علاقات جينية مهمة في كيفية تغير مؤشر كتلة الجسم بين عمر عام واحد و18 عاماً، وكذلك في المستويات المتوسطة عند أعمار مختلفة، مشيراً إلى أن هذه المعطيات تساعد على فهمٍ أعمق للأنماط المتغيرة والعواقب الصحية المرتبطة بحجم الجسم عبر مراحل الحياة.

وتفتح هذه النتائج باباً لقراءةٍ أكثر هدوءاً وإنسانيةً لنمو الأطفال، بعيداً عن القلق المبكر، مع التأكيد في الوقت ذاته على أهمية المتابعة الصحية المتوازنة في المراحل العمرية المفصلية.