العراق... على درب التوازن الصعب

بين المعادلات الداخلية والعلاقات الخارجية

العراق... على درب التوازن الصعب
TT

العراق... على درب التوازن الصعب

العراق... على درب التوازن الصعب

على الرغم من المشاكل الداخلية ذات الطابع السياسي بالدرجة الأولى، والمحكومة بتوازنات الكتل والمكوّنات في البرلمان والحكومة، فإن العراق نفض إلى حد كبير غبار الحرب ضد «داعش» ما خلا الجيوب والخلايا النائمة. وبات ينحو باتجاه سياسة من شأنها أن تجنبه المطبات التي كان خسر بسببها الكثير نتيجة عدم التوازن في علاقاته الخارجية العربية والإقليمية والدولية.

في غضون الأشهر القليلة الماضية، شهدت العاصمة العراقية بغداد زيارات لمسؤولين كبار من دول عربية شقيقة، منها زيارة الملك عبد الله الثاني ملك الأردن، ودول جارة أبرزها زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني، وقوى عالمية لعل أهمها زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى عين الأسد في محافظة الأنبار (غربي العراق) وبعده وزير خارجيته مايك بومبيو. كذلك، زار بغداد وفد سعودي برئاسة وزير التجارة ماجد القصبي ومعه وزير الدولة لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان، وقبلها زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان.
هذه الزيارات كلها تمحورت بين ما هو سياسي وأمني واقتصادي وتجاري؛ وهو ما يعكس محاولات من هذه الدول للانفتاح على العراق، كلاً على حدة، وكذلك محاولة العراق أن يحقق - قدر الإمكان - التوازن في سياق علاقاته مع كل هذه الأطراف مع ما في بعضها من تناقضات (أميركا ـ إيران والسعودية ـ إيران).
القادة العراقيون، بعد تشكيل الحكومة الحالية برئاسة عادل عبد المهدي، أجروا ـ باستثناء عبد المهدي نفسه ـ عدداً من الزيارات الخارجية، خصوصاً رئيس الجمهورية برهم صالح الذي زار الأردن، والمملكة العربية السعودية، وإيران، ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي الذي قام هو الآخر بزيارة إلى هذه الدول. مع الإشارة إلى أن رئيس الوزراء عبد المهدي، كان قد ألزم نفسه عند بدء إعلان تشكيل حكومته 24 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي بألا يقوم بأي زيارة خارج العراق قبل انتهاء الأشهر الستة الأولى. لكنه، مع ذلك، أعلن الأسبوع الماضي، إبّان زيارة الوفد السعودي أنه سيبدأ قريباً الزيارات الخارجية، وستكون السعودية ومصر في مقدمة البلدان التي سيزورها.
الرئيس العراقي برهم صالح، من جهته، حرص أثناء استقباله الأسبوع الماضي مبعوث الإدارة الأميركية لمكافحة الإرهاب جيمس جيفري، على التأكيد على أهمية تحقيق التوازن في العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية من جهة و«الأشقاء والأصدقاء» من جهة أخرى. وكان البيان الرئاسي العراقي واضحاً في تأكيد هذه المعلومة للضيف الأميركي. ففي الوقت الذي تحرص بغداد على توسيع آفاق التعاون المشترك بين العراق والولايات المتحدة‌ في المجالات كافة، فإن «العراق ينطلق في بناء علاقات مع الأشقاء والأصدقاء على تحقيق المصالح الوطنية العليا»، وفق البيان.
وفي المقابل، بالتزامن مع زيارة جيفري إلى بغداد، التي جدد فيها دعم بلاده للعراق في مجال محاربة الإرهاب، كان العراق يشارك بوفد عسكري رفيع المستوى في دمشق بشأن التحالف الرباعي بين العراق، وسوريا، وإيران، وروسيا، أما الهدف، فكان أيضاً، التنسيق الأمني ومحاربة الإرهاب.

- أميركا... جدل البقاء والرحيل
في هذه الأثناء، فإن الولايات المتحدة الأميركية، التي تدرك أن وجودها العسكري في العراق بات اليوم موضع جدل داخل الأوساط السياسية والبرلمانية العراقية، ما عادت تربط بين هذا الجدل... والإجراءات التي تخصّ العراق والعقوبات الأميركية المفروضة على إيران. فللمرة الثانية منذ إقدامها على فرض عقوبات اقتصادية صارمة على إيران، تضطر واشنطن إلى منح العراق إعفاءً جديداً لاستيراد إمدادات الكهرباء والطاقة من إيران؛ وذلك نظراً لعدم توافر البدائل الوشيكة التي من شأنها أن تجعل العراق يستغني عن الكهرباء الإيرانية. ومعلومٌ أن الصيف على الأبواب، وقد تواجه حكومة عبد المهدي - التي تحظى بالدعم الأميركي - إلى موجة من الاحتجاجات على غرار ما حدث العام الماضي أثناء فترة حكم حكومة حيدر العبادي الانتقالية آنذاك.
في ضوء هذا الوضع، بدأت واشنطن تفكر أيضاً بكيفية تحقيق سلطات بغداد نوعاً من التوازن على صعيد علاقاته الخارجية على الرغم من احتدام الجدل حول بقاء القوات الأميركية في العراق أو مغادرتها. وفي هذا السياق، يرى الدكتور حسين علاوي، أستاذ الأمن الوطني بجامعة النهرين، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «ليس هناك قواعد عسكرية أميركية موجودة في العراق بقدر ما توجد هناك مراكز ارتباط أمني بين القوات العراقية المشتركة، من صنوفها كافة، وكذلك القوات الأميركية الاستشارية عبر جهود التحالف الدولي وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وكذلك القوات الأميركية التي تتولى التدريب والاستشارة والتأهيل وتبادل المعلومات الاستخباري بين الطرفين». وأردف علاوي: «ذلك كان قد أنتج أهدافاً كبيرة للقوة الجوية العراقية والتحالف الدولي في ضرب أهداف عالية الدقة وعالية الثمن تمثل حركة تنظيم (داعش)». وأوضح، أن «ما يشاع عن وجود قواعد عسكرية ناتج إما من قصدية أو تمثل بروباغندا... كما أنها محاولة نقل الصراع الإقليمي والدولي بين الولايات المتحدة وإيران إلى داخل العراق».
مع ذلك، فإن البرلمان العراقي يمكن أن يشرع في بحث الوجود الأميركي على أرض العراق خلال جلساته المقبلة وسط انقسام حادٍ بين مؤيدي إخراج القوات الأميركية والداعين لبقائها، أو يرمي الكرة في ملعب الحكومة لتحديد صيغة التعامل مع هذا الوجود.
الحكومة أعلنت غير مرة على لسان رئيسها عادل عبد المهدي أن «ليس هناك قواعد أميركية أو قوات قتالية برية»، مؤكدة أن الوجود الأميركي «يقتصر على مستشارين لا يزيد عددهم على 5200 عسكري يتولون تدريب القوات الأمنية العراقية، فضلاً عن تقديم كل أنواع الدعم اللوجيستي والاستخباري».

- إيران... مصلحة أم تبعية
من جانب آخر، لم تكن خاتمة زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى العراق، التي استغرقت ثلاثة أيام، كما كانت تتمنى طهران إلى حد كبير. ففي اليوم الأخير من الزيارة التقى روحاني المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني. ولقد التقى روحاني أيضاً مراجع النجف الكبار الثلاثة الآخرين آيات الله: محمد سعيد الحكيم، وإسحاق الفياض، وبشير النجفي.
لكن ما صدر عن المرجع الأعلى السيستاني كان لافتاً للنظر إلى حد بعيد. بل إنه منح الزيارة طابعاً آخر جعل من رجل الدين، لا السياسي، مَن يحدد بوصلة مصلحة البلاد. فخلال كل اللقاءات التي أجراها روحاني مع الرئاسات العراقية الثلاث، أو الذين استقبلهم في مقر إقامته من كبار القادة العراقيين - ومن بينهم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي والسابق حيدر العبادي وزعيم تيار «الحكمة» عمار الحكيم - لم يتلق الرئيس الإيراني تعليمات بشأن كيفية التعامل مع «سيادة الدول طبقاً لقاعدة المصالح المشتركة». لكن البيان الذي صدر عن مكتب السيستاني حدّد الملامح الرئيسية للعلاقة التي ينبغي أن تكون بين العراق وإيران.
السيستاني أبدى ترحيبه «بأي خطوة في سبيل تعزيز علاقات العراق بجيرانه، وفقاً لمصالح الطرفين، وعلى أساس احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية». وفي المقابل، أشار البيان إلى «الحرب المصيرية التي خاضها الشعب العراقي لدحر العدوان الداعشي»، مذكّراً بـ«التضحيات الكبيرة التي قدّمها العراقيون الأبطال في الانتصار على هذا التنظيم الإرهابي وإبعاد خطره عن المنطقة كلها»، منوهاً بـ«دور الأصدقاء في تحقيق ذلك».
ولقد لفت السيستاني أيضاً إلى أن «أهم التحديات التي يواجهها العراق في هذه المرحلة هي مكافحة الفساد، وتحسين الخدمات العامة، وحصر السلاح بيد الدولة وأجهزتها الأمنية»، مبدياً أمله في «أن تحقق الحكومة العراقية تقدماً مقبولاً في هذه المجالات». إلا أن الجانب المهم حقاً كان تشديد المرجع الأعلى على «ضرورة أن تتسم السياسات الإقليمية والدولية في هذه المنطقة الحساسة بالتوازن والاعتدال؛ لتجنب شعوبها مزيداً من الماسي والأضرار».
وهنا، علّق حيدر الغرابي، رجل الدين الشيعي والأستاذ في الحوزة العلمية، في لقاء مع «الشرق الأوسط» بالقول: إن «اللقاء الذي جرى بين الرئيس الإيراني حسن روحاني والسيد السيستاني له دلالاته في هذه المرحلة التي يمر بها العراق، والتي تتمثل في كثرة الأجندات؛ ولا سيما الخارجية منها». وأضاف: «إيران لاعب دولي مهم على صعيدَي المنطقة والعراق. وبالتالي، فإن التفاهم مع المرجعية الدينية العليا في النجف يدخل في هذا السياق، خصوصاً أننا نرى أن لإيران مواقف إيجابية حيال العراق».
واستطرد الغرابي: إن «المرجعية ممثلة بالسيد السيستاني لا يمكنها تجاهل هذا الدور وهذا التأثير، وعليه، لا بد لها من تبادل وجهات النظر مع الرئيس الإيراني في كثير من القضايا، خصوصاً أن روحاني جاء إلى العراق والنجف وهو يحمل كثيراً من الأفكار... سواء على صعيدَي المنطقة والعالم».
من جهة ثانية، استناداً إلى قاعدة ترسيخ قاعدة «المصالح المشتركة»، يرى القيادي في كتلة الإصلاح والإعمار، حيدر الملا، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «مسألة تعزيز علاقات العراق مع دول الجوار قضية إيجابية من خلال بناء علاقات متوازنة، مبنية على أساس احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية». وأشار إلى أن «(كتلة الإصلاح والإعمار) داعمة لمثل هذا التوجه في بناء العلاقات بين العراق ودول الجوار، غير أنه من المعروف أن إيران تعاني اليوم عزلة من قِبل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بسبب العقوبات المفروضة عليها. وهذا يعني أن النظام في إيران يعدّ الساحة العراقية إحدى الساحات التي يمكن أن يلعب بها لتخفيف وطأة الحصار، وهو ما لاحظناه عبر التصريحات التي سبقت زيارة روحاني إلى العراق، ومن بينها تنشيط التعاون الاقتصادي ورفع التبادل التجاري من 12 مليار دولار أميركي إلى 20 مليار دولار سنوياً».
وأوضح الملا، أن «هذه المسألة فيها بعدان: الأول البعد الاقتصادي؛ حين تعاني دولة من حصار اقتصادي فإنها تبحث عن منافع لتجنب أضرار هذا الحصار، مع حلفائها. أما البعد الآخر فسياسي، وهو أن العراق سيبقى ساحة لا تستطيع الولايات المتحدة أن توظفها في مزيد من الحصار على النظام الإيراني؛ ولذلك فإن هذا البعد لا يمكن تجاهله».

- العراق الآخر... توازن المصالح
لقد كان ضمن محصلة زيارة روحاني التوقيع على عشرات الاتفاقيات التجارية والاقتصادية مع العراق، بدا أن هدفها المعلن رفع التبادل التجاري بين البلدين من 13 مليار دولار حالياً إلى 20 مليار دولار. وفي حال تحقق هذا الرقم، فإن إيران، وليس تركيا، ستصبح الدولة الأولى على صعيد التبادل التجاري مع العراق. ومع أن الأهداف السياسية هي الأهم والأبعد على صعيد العلاقات بين الطرفين، فإن إيران وافقت لأول مرة خلال هذه الزيارة على إعادة مناقشة «اتفاقية الجزائر»... التي وقّعها صدام حسين مع شاه إيران في الجزائر عام 1975، والتي جاءت لمصلحة إيران على حساب العراق. ومع أن إيران لا تزال تعلن تمسكها بالاتفاقية، فإنها وافقت على إعادة النظر بخط «التالوك» الذي لم يعد يعمل لصالح العراق بسبب انحراف المياه لصالح إيران؛ ما يمنحها سنوياً أراضي إضافية من العراق في حال لم تتم إعادة كري وتنظيف النهر. وفي اتجاه موازٍ، المعادلة التجارية والاقتصادية ما زالت لا تعمل لصالح العراق بالقياس إلى دول الجوار، ولا سيما، إيران وتركيا... فهما تفضلان ما هو تجاري على ما هو صناعي أو استثماري بعكس دول أخرى مجاورة للعراق مثل الأردن والسعودية والكويت.
مع الأردن وقّع العراق الكثير من الاتفاقيات قبل أكثر من شهرين حملت ملك الأردن عبد الله الثاني إلى زيارة العراق، ومن ثم رئيس وزرائه وعدد من الوزراء الذين استمروا في التواصل مع نظرائهم العراقيين من أجل إقامة «مناطق حرة» ومد أنبوب نفطي إلى ميناء العقبة بجنوب الأردن. وهذه خطوة رأى فيها الخبراء المعنيون بالشأن العراقي رغبة عراقية وبتنسيق أميركي لإحداث توازن في علاقات العراق الخارجية، بالذات، مع دول الجوار، بما يجعله يخرج تدريجياً من نطاق الهيمنة الإيرانية. وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي العراقي، باسم جميل أنطون، لـ«الشرق الأوسط»: إن «العراق وإيران وقعا خلال زيارة روحاني نحو 20 اتفاقية في مختلف الميادين الاقتصادية والتجارية والسياسية؛ إذ إن العراق في النهاية لا يستطيع التنصل من هذه العلاقة مع إيران». وكشف أنطون عن أن «العراق يعد ثاني مستورد للسلع الإيرانية بعد تركيا التي لا تزال تحتل المرتبة الأولى». وتابع: إن «العراق يحتاج بالدرجة الأساس إلى علاقات استثمارية حتى نحقق الفائدة المرجوة، وليس مجرد اتفاقيات لتبادل السلع والبضائع». ثم أشار إلى أن «العراق يستورد حالياً نحو 3000 ميغاواط في مجال الغاز والطاقة إلى أن يكون إنتاج الغاز العراقي جاهزاً». وحول موضوع إلغاء التأشيرة أو بقائها مع مجانيتها، يقول أنطون: إن «الزوار الإيرانيين هم أضعاف الزوار العراقيين؛ ولذا فإن الإعفاء من التأشيرة أو عدم استيفائها يؤثر سلباً على الاقتصاد العراقي. وهنا حث المسؤولين العراقيين إلى «رفع شعار العراق أولاً، كي لا تتحول البلاد إلى مجرد سوق لتصريف بضائع وسلع الجيران».

- شعار «العراق أولاً»...
جدير بالذكر، أن رفع شعار «العراق أولاً» لا يزال يحتاج إلى القدرة على خلق توازن في العلاقات مع باقي دول الجوار، وبخاصة العربي. وكان الرئيس برهم صالح قد دعا خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده مع نظيره الإيراني حسن روحاني إلى تأكيد ذلك عبر «حيادية موقف العراق من الصراعات الإقليمية والدولية». وشدّد صالح على أن «تحقيق الأمن يتطلب التعاون مع إيران ودول المنطقة... بغداد تمثل ملتقى لدول المنطقة، ونحن عازمون على التعاون مع الجميع». كذلك، بيّن صالح «آن الأوان للمنطقة أن تزدهر اقتصادياً من خلال التعاون المشترك». وشدد قائلاً: «لا نريد للعراق أن يكون ساحة للصراع الإقليمي أو الدولي».
بعد يوم من مغادرة روحاني العراق، وصل إلى بغداد وفد سعودي كبير برئاسة وزير التجارة ماجد القصبي. الوفد السعودي استُقبل بحفاوة بالغة من قِبل الرئاسات العراقية الثلاث، وهو ما يؤكد بدء حاجة العراق إلى التعامل مع الانفتاح العربي، ولا سيما السعودي، في إطار الحسابات السليمة في سياق التعامل مع المحيطين العربي والإقليمي.
وطبقاً لما أعلنه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أمام الوفد السعودي، فإن العراق ينظر إلى علاقته مع السعودية بوصفها علاقة استراتيجية. كما أعلن أن السعودية ومصر أي (المحيط العربي) ستكونان هما أولى محطاته الخارجية بعد نهاية مهلة الأشهر الستة التي ألزم نفسه خلالها بألا يجري أي زيارة خارجية عند تشكيل حكومته. وفي هذا السياق، يقول عبد الله الخربيط، عضو البرلمان العراقي عن كتلة المحور الوطني، لـ«الشرق الأوسط»: إن «الرؤية التي يستند إليها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي حيال مثل هذه الأمور تؤكد على تجنّب الانجرار إلى ما يمكن أن يتعارض مع المصلحة العراقية». وأوضح أن «عبد المهدي سياسي واقعي وليس عاطفياً، علماً بأن العراق يحتاج حالياً إلى الغاز الإيراني والكهرباء الإيرانية، وليس لمثل هذه الحاجات بديل على المدى المنظور». ويضيف الخربيط: إنه «بصرف النظر عن طبيعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن هناك حقيقة لا بد أن تدركها كل الأطراف في المنطقة، هي أن العراق بدأ يتعافى وبات مرشحاً لأن يصبح محوراً لا تابعاً».


مقالات ذات صلة

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة

حصاد الأسبوع ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام

إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

منتصف الشهر الماضي كان عدد الطامحين لمنصب الأمين العام العاشر للأمم المتحدة قد بلغ سبعة مرشحين لخلافة البرتغالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته آخر السنة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)

ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

آخر التسريبات من الأوساط الدبلوماسية في منظمة المنظمة الدولية تفيد بأن ريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، هي التي تتصدّر حالياً قائمة المتنافسين على

«الشرق الأوسط» (مدريد)
حصاد الأسبوع قبل النتيجة الرسمية، مؤيدو حزب "البديل من أجل ألمانيا" فرحون لدى إعلان نتائج المصوتين الخارجين من مراكز الاقتراع (آ ب)

فوز «البديل من أجل ألمانيا» في ساكسونيا ـــ أنهالت يصدم مؤسسة الحكم

على الرغم من الحجم الصغير وعدد السكان المتواضع، فإن ولاية ساكسونيا - أنهالت الألمانية تركت، مساء الأحد الماضي، أثراً عميقاً على السياسة في ألمانيا ومؤلماً

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع 
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)

هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟

للمرة الأولى، منذ تشكيل أول حكومة عراقية بعد عام 2003، فتحت الحكومة الحالية برئاسة رجل المال والأعمال علي الزيدي ملفات كانت بين المسكوت عنه أو المتخوف

حمزة مصطفى (بغداد)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
TT

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة: «عليّ وعلى أعدائي يا ربّ» (وفي النصّ التوراتي: «لتَمُتْ نَفْسِي مَعَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ»)، ودمّر معبد الإله «داجون» التابع للفلسطينيين القدماء، في مدينة غزة. دمّره بهدم المعبد فوق رأسه ورؤوس أعدائه الفلسطينيين. ومنذ قامت إسرائيل بالردّ على هجوم حماس يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يشير كثيرون من الإسرائيليين إلى أن الحكومة تدير سياسة دمار ليس فقط ضد الفلسطينيين، بل أيضاً تدمر أموراً كثيرة في إسرائيل نفسها، ويصفون نتنياهو بأنه «جرّافة دي 9» (بلدوزر مصفح يستخدمه الجيش الإسرائيلي) يدوس بلا رحمة كل ما يعترض طريقه. وكذلك ينظر خصوم نتنياهو إلى المعركة الانتخابية القريبة في 27 أكتوبر، كمعركة لإنقاذ إسرائيل من سياسته «الشمشونية».

مع أن بنيامين نتنياهو لا يستسلم لقدره، ويرفض أن يخسر الحكم ويتشبث به، حتى لو أدى به الأمر إلى إلغاء الانتخابات وشن حرب، فإن رفاقه في السلطة يعملون بكل قوتهم على إحداث خراب يسبب لمَن يفوز بالحكم من بعدهم معاناة شديدة، ويجبره على إعمار إسرائيل من جديد. ولذا يراكمون العقبات أمامه ويشوهون كل بقعة بقيت خضراء.

لقد بقي شهران تقريباً على يوم الانتخابات. واستطلاعات الرأي بغالبيتها الساحقة تشير، حتى الأسبوع الماضي، إلى أن الحكومة الحالية ستسقط، في حال إجراء الانتخابات في موعدها. لكن استطلاعات هذا الأسبوع تشير إلى تساوي المعسكرين المتنافسين. والأمر يبعث الأمل في محيط نتنياهو.

تحييد ترمب؟

المعارضة من جهتها، تدير اتصالات حثيثة مع الولايات المتحدة حتى تمنع نتنياهو من شن حرب لخدمة مصالحه الحزبية والشخصية، وتطلب من البيت الأبيض الامتناع عن دعم نتنياهو في الانتخابات، للحفاظ على علاقات سوية بين الدولتين. والرئيس دونالد ترمب لم يعد يتكلم عن نتنياهو كـ«بطل قومي أدار الحرب بقوة وحكمة». بل لقد حاول التهرب من لقائه في البيت الأبيض طيلة تسعة شهور، وعندما رضخ في الزيارة الأخيرة، حاول جعله استقبالاً متواضعاً، من الباب الخلفي للبيت الأبيض، ومن دون صحافيين ومؤتمر صحافي، ومن دون بيان مشترك.

في المقابل، يسعى نتنياهو لالتقاء ترمب مجدّداً عندما يصل إلى نيويورك لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 من الشهر الحالي، وحتى الآن يتضح أن ترمب لن يلتقيه. وستكون زيارة نتنياهو قصيرة للغاية لمدة 30 ساعة.

وفي هذه الحالة، سيضطر نتنياهو إلى الاستمرار في الانتخابات، إلا إذا ساعدته إيران وشنت هجوماً على إسرائيل. والاستمرار في المعركة الانتخابية بلا حرب عسكرية، هو أيضاً حرب لدى نتنياهو بكل ما تعنيه الكلمة، بل هي حرب وجودية... مسألة حياة أو موت سياسي؛ فهو يعتقد أن الهزيمة في الانتخابات لن تكون خسارة سياسية له ولليمين فحسب، بل كارثة شخصية. ويعتقد أن وجوده في المعارضة سيوصل محاكمته إلى حكم بالسجن؛ لذلك يستخدم كل ما لديه من أسلحة للبقاء رئيس حكومة.

ضحية الدولة العميقة

وفي مثل هذه الحروب الداخلية، يعتبر نتنياهو أقدر من كل خصومه. وهدفه الأول هو توحيد صفوف اليمين وتمتين تحالفه ككتلة واحدة... وقد ينجح في ذلك.

الخطوة التالية ستكون تشويه خصومه، وإظهارهم يساريين (مع أنهم بغالبيتهم، خصوصاً نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان هم من اليمين الصلب)، واتهامهم بالتخطيط للتحالف مع العرب. والمقصود بالعرب هنا، الأحزاب العربية في إسرائيل وإقامة حكومة تستند إلى النواب العرب.

ومع أن نتنياهو نفسه كان قد اقترح على منصور عباس، ابن الحركة الإسلامية، أن ينضم إلى حكومته عدة مرات في الماضي، فإنه يُظهر تحالفاً كهذا اليوم «جريمة قومية»، و«دعماً للإرهاب الفلسطيني». وقد كشفت مصادر مقربة منه عن أن حزبه «الليكود» سيطرح مشروع اقتراح لشطب جميع القوائم العربية والإعلان عنها «مشجعةً للإرهاب». وكل من يفكر في ضمّها إلى الائتلاف القادم، يوضع في قفص الاتهام، كما لو أنه يتعامل مع حركة «حماس». وقد استخدم معسكره كلمة «خيانة».

الترويج لفكرة التآمر

لقد شهدنا، هذا الأسبوع، عينة لتكتيك نتنياهو؛ إذ أرسل زوجته، سارة، إلى القناة الـ14 الناطقة بلسانه، لتعزز فكرة التآمر مع «حماس» لإسقاطه عن الحكم. وفي حين تضع المعارضة قضية هجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023 عنواناً رئيساً لإخفاق الحكومة، ورئيسها، يضع نتنياهو هذا الهجوم بطريقة مقلوبة، بأن هجوم «حماس» كان معروفاً للجيش والمخابرات. وقد غضوا عنه الطرف حتى يظهروا نتنياهو ضعيفاً ويطيحوا به.

لتثبيت هذا الاتهام، ادعت سارة نتنياهو أن قادة الجيش والمخابرات لم يوقظوا نتنياهو ليخبروه بوجود معلومات عن هجوم «حماس»، وأنهم «لو أيقظوه في الوقت المناسب لكانت المعركة أديرت بشكل مختلف تماماً». ثم زعمت أن الجنرال يائير جولان، الذي يترأس اليوم حزب الديمقراطيين اليساري، والذي كان نائباً لرئيس أركان الجيش في العقد الماضي، كان على علم بهجوم «حماس» مسبقاً. وفي ساعة الهجوم، كان يرتدي زيه العسكري المكوي مستعداً للمعركة، لكي يقال إنه بطل قومي.

وهكذا، بدلاً من أن تفرض المعارضة على أجندة المعركة الانتخابية اتهام نتنياهو بالإخفاق، تنشغل في الدفاع عن النفس للبرهنة على أنها ليست شريكة في مؤامرة مع «حماس».

مع هذا، عملت المعارضة وأجهزة الإعلام حثيثاً حتى تظهر نتنياهو فاشلاً، وأنهم لو أيقظوه لما كان عمل شيئاً مختلفاً، وقدمت نماذج تدل على أنه عندما استيقظ في 7 أكتوبر بقي عدة أيام يتصرف كمن أصيب بصدمة نفسية بلا حول ولا قوة.

وحقاً، يُتوقع أن نشهد نماذج أخرى خلال الشهرين المقبلين، تجعل منافسي نتنياهو يدافعون عن أنفسهم، بينما يظهر هو ذلك «البطل القومي القوي الذي يخافه أعداء إسرائيل، ولكن الدولة العميقة في إسرائيل تريد التخلص منه غيرة وحسداً».

سارة نتنياهو قالت في المقابلة: «هناك مؤامرة لقتل نتنياهو. بدأت بعملية قتل شخصيته سياسياً بواسطة التحريض، ومن ثم بواسطة التحقيق معه ومحاكمته، ثم بمحاولة الانقلاب عليه، وحتى بواسطة قتله جسدياً. فقد تعرض بيتنا في قيسارية لهجوم بطائرة مسيرة من (حزب الله)، وتعرّض بيتنا في القدس لحصار من النيران، حيث أشعل المتظاهرون مواقد نار من جميع الجهات». وعندما سئلت عن سبب هذه الحملة ضده قالت: «الحسد. يحسدونه ويغارون منه».

وقد كشفت إحدى مستشارات نتنياهو، د. روت بار، التي عملت معه ثلاث سنوات وحللت شخصيته بعمق طيلة 33 سنة، عن أن السر وراء طريقة عمله للبقاء ينقسم إلى قسمين: الأول أنه يتعامل باستعلاء مع خصومه، ويعتقد جدياً أن الله أكرم به شعب إسرائيل ولم يخلق قائداً بقدراته، ولا حتى الرئيس الأميركي. والثاني إنه لأجل بقائه يسلك كل الوسائل شرعية. وأضافت في مقابلة إذاعية، الخميس، إنه اكتشف أن أقصر الطرق لمواجهة محاولات الإطاحة به هي في إحداث شرخ في المجتمع. ببساطة، التسبب في انقسام عميق بين الجمهور، معه وضده. ولم يتردد في تنفيذ المهمة.

ضمن حسابات حكومة أقصى اليمين أنها إذا خسرت الحكم فستترك وراءها أرضاً خراباً

نتنياهو... مستعد لفعل اي شيء للاحتفاظ بالحكم (آ ب)

المعركة الآيديولوجية

لكن حرب نتنياهو الشخصية تترافق مع حرب أخرى آيديولوجية. فقبل أربع سنوات، اختار نتنياهو حلفاء عقائديين أدركوا الفرصة التاريخية التي يوفرها لهم. هم يؤيدونه في معركة البقاء... وهو يصادق على مشاريعهم الآيديولوجية.

فمن جهة هناك الأحزاب الدينية «الحريدية»، التي طلبت إعفاء أبنائها من الخدمة العسكرية، ومنحهم كل الامتيازات التي يحصل عليها الجنود، والاعتراف بمؤسساتها التعليمية تدار بطريقة الحكم الذاتي من دون تدخل وزارة التعليم، وجعل تمويل أحزابها جزءاً لا يتجزأ من الموازنة العامة. وهناك من جهة أخرى، الأحزاب الصهيونية الدينية، التي تتبنى مبدأ «أرض إسرائيل الكاملة»، للقضاء على «اتفاقيات أوسلو» وتبعاتها، وإسقاط وتفكيك السلطة الفلسطينية وفرض السيادة الإسرائيلية ومنع إقامة دولة فلسطينية. ومع أن نتنياهو نفسه كان في الماضي قد أيد حل الدولتين (شرط أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح)، وهو بنفسه، عندما تولّى رئاسة الحكومة في الدورة الأولى (1996 - 1999) نفذ قسماً من «اتفاقيات أوسلو» (الانسحاب من الخليل ومن 13 في المائة من الضفة الغربية)، فإنه سار وراء حلفائه وصادق على خططهم الكثيرة والمدروسة.

«خطة الحسم»

لكن، أهم وأخطر هذه المشاريع هو «خطة الحسم»، التي وضعها فريق من خبراء اليمين العقائدي ووقع عليها بتسلئيل سموتريتش عام 2017، وراح منذ اليوم الأول لتشكيل الحكومة الحالية ينفذها بشكل منهجي مثابر.

لقد طلب سموتريتش وزارتي المالية والدفاع؛ لكي ينفذ خطته. لكن نتنياهو رفض منحه وزارة الدفاع، وأقنعه بأن يقبل منصب وزير المالية ووضعه وزيراً ثانياً في وزارة الدفاع مسؤولاً عن الاستيطان والمستوطنات. ومنحه حرية شبه مطلقة في توسيع وتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية ببناء 120 مستوطنة جديدة و140 بؤرة استيطان ومزرعة استيطانية، خصّص لها مليون دونم من الأراضي الفلسطينية. ولم يخفِ تأييده لخطط الترحيل للفلسطينيين من قطاع غزة ومن الضفة الغربية، التي وضعها سموتريتش وشريكه إيتمار بن غفير.

ومن يتابع الوقائع على الأرض يجد أن حكومة نتنياهو أحدثت انعطافاً تاريخياً في تمزيق الامتداد الجغرافي الفلسطيني للضفة الغربية، والتمهيد لمشروع مماثل ضد المواطنين العرب في إسرائيل، وتهويد الجليل والنقب. وإلى جانب خطة الانقلاب على منظومة الحكم التي يقودها حزب سموتريتش، من خلال رئيس لجنة الدستور البرلمانية، سمحا روتمان - بهدف إضعاف الجهاز القضائي وصبغه بطابع سياسي، وضرب حرية الإعلام والمؤسسات الأكاديمية - يحدث نتنياهو تغييراً جوهرياً يحطم فيه أركان الحياة السياسية اللبرالية التي قامت عليها إسرائيل وعاشتها طيلة 75 سنة.

في هذه المعركة، تصرّف نتنياهو ورفاقه مثل جرافة «الدي 9»، يدوس كل ما يعترض طريقه. إنه يحارب الجيش وأجهزة الأمن المختلفة، ويعد الشعب بأن يعيش على الحراب إلى أبد الآبدين، ويدير حرباً تلو الأخرى تضمن بقاء إسرائيل في حالة طوارئ لخدمة مصالحه. ولذا تحول بقاؤه إلى كابوس لدى الكثير من الإسرائيليين، الذين جعلوا هدفهم التخلص منه في هذه الانتخابات. وبالفعل، دلت الاستطلاعات على أن غالبية المواطنين، وبينهم قطاعات واسعة في اليمين، تريد إبداله. وما بقي هو أن يعرف خصومه كيف تدار عملية كهذه.

سوء إدارة المعارضةولكن، ما يظهر في أداء المعارضة أنها لا تحسن الإدارة بالشكل المطلوب. فهي لا تتفق حتى الآن على قائد واحد تنضوي تحت كنفه. والاستطلاعات تشير إلى أن الغالبية من معارضي نتنياهو يريدون غادي آيزنكوت رئيساً للحكومة، لكن حلفاءه نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان ويائير لبيد لا يقبلون به. ولقد اقترح عليهم آيزنكوت حلاً منطقياً: مَن يفز بأعلى عدد من المقاعد في الانتخابات فسوف نكلفه باسمنا جميعاً بتشكيل الحكومة، لكنهم لا يوافقون ويفضلون تقاسم رئاسة الحكومة. وهذا في حين يتفق جميع قادة أحزاب اليمين على أن نتنياهو هو القائد.

السيطرة على الآثار... نموذج لفرض السيادة

من أبرز النشاطات التي تقوم بها حكومة اليمين الاستيطاني المتطرفة عشية الانتخابات الإسرائيلية، السيطرة على الآثار القديمة ومحو معالمها العربية وتزييفها لتكرس بها الرواية اليهودية حول «أرض إسرائيل التاريخية». وفي تقرير نشره الصحافيان المحققان في صحيفة «هآرتس»، نوعا شبيغل ونير حسون (الأربعاء 2 سبتمبر «أيلول» 2026)، فإن ما يسمى «وحدة في الإدارة المدنية» كثفت في الأشهر الاخيرة من الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية، بما في ذلك أراضٍ في «المنطقة ب»، وذلك بحجة «تثبيت الحقائق» على الأرض قبل الانتخابات. الصحافيان يؤكدان أن الحكومة تخشى من السقوط، لذا قررت فرض وقائع على الأرض أمام الحكومة القادمة، واختارت موضوع الآثار أداة من عدة أدوات أخرى لذلك. وبحسب التقرير، فإنه «حتى وقت قريب كانت وحدة الآثار (ضابط في هيئة الأركان) وحدة صغيرة في الإدارة المدنية تعنى بالإشراف على المواقع الأثرية واجراء ما تسميه عمليات تنقيب إنقاذية» – وهي عمليات تنقيب تهدف إلى التأكد من عدم وجود أي مكتشفات أثرية مهمة في المنطقة المخصصة للتطوير. عام 2019 بلغت ميزانية الوحدة 14 مليون شيقل تقريباً (الدولار يساوي 3 دولارات) وكان فيها عشرة موظفين. ولكن منذ ذلك الحين زاد اهتمام المستوطنين بالآثار. وفي الوقت نفسه أدركوا أنه من خلال المواقع الأثرية يمكنهم الاستيلاء على الأراضي وإظهار وجودهم وإبعاد السكان الفلسطينيين. هذه الرؤية أدت إلى تغييرات جذرية في الوحدة. فقد بدأت الميزانيات تتدفق بسخاء، وتحولت من جهة مجرد دائرة ترد على الاستفسارات مثل الشكاوى المتعلقة بتضرر المواقع الأثرية وطلبات المقاولين أو الإدارة المدنية بإجراء «حفريات إنقاذ»، إلى جهة مبادرة، وذراع تنفيذية لوزارة التراث في الضفة الغربية. تبلغ ميزانية دائرة الآثار اليوم تقريباً 124 مليون شيقل، زيادة 800 في المائة خلال سبع سنوات، وارتفع عدد موظفيها إلى نحو 60 موظفاً. وقبل شهر تقريباً أعلنت وزارة التراث في القناة «14» عن تحويل 113 مليون شيقل لأعمال التطوير وتحسين إمكانية الوصول إلى 70 موقعاً أثرياً في الضفة الغربية. ويشير مصدر مطلع إلى أن هذه الميزانية لم تنفق بعد، وهي مخصصة لخمس سنوات. مع ذلك، بحسب موقع إعداد الميزانية، تم في شهر يوليو (تموز) تحويل مبلغين إلى منسق عمليات الحكومة في المناطق لهذا الغرض، أحدهما 35.5 مليون شيقل والثاني 64 مليون شيقل. ويجري العمل حالياً في عشرة مواقع من مجموع سبعين موقعاً. بعض المشاريع التي تروج لها وزارة التراث لا تتعلق بالآثار، مثل بناء مدرج روماني، وبحسب المصدر نفسه، فإن وحدة وزارة التراث تعدّ ذراعاً تنفيذية للوزارة وللمجالس الإقليمية.


إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
TT

إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام

منتصف الشهر الماضي كان عدد الطامحين لمنصب الأمين العام العاشر للأمم المتحدة قد بلغ سبعة مرشحين لخلافة البرتغالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته آخر السنة الجارية. وكان مجلس الأمن قد باشر بعقد اجتماعات دورية بهدف «غربلة» الأسماء السبعة، قبل إحالة المُصطَفين منهم إلى الجمعية العامة التي يعود لها القرار النهائي في اختيار من سيتولى قيادة المنظمة الدولية في أصعب المراحل التي مرّت بها منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن، ما كاد أعضاء مجلس الأمن ينتهون من مداولات جلستهم التشاورية الأولى حول المرشحين لمنصب أعلى وظيفة دولية، حتى كانت الأمانة العامة تتسلّم طلب ترشيح ثامن تقدمت به مملكة تونغا لصالح الدبلوماسية والسياسية الإكوادورية - المتحدرة من أصول لبنانية - إيفون عبد الباقي.

جاء في إعلان إيفون عبد الباقي ترشحها للمنصب: «أشعر بالتواضع، وأتشرّف بتقديم ترشيحي رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، الذي ستبته الجمعية العامة للمنظمة بطلب من مملكة تونغا. وإنني أتقدم بالشكر لجلالة الملك توبو السادس، ولولي العهد، ولرئيس الوزراء، ولوزير الخارجية، على ثقتهم برؤيتي وبرنامجي لتجديد الأمم المتحدة». وتابعت عبد الباقي في تغريدتها على منصة «إكس»: «لقد شهدت دمار الحروب، وأنا المرشحة الوحيدة التي تحمل إرثَي أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، والوحيدة التي لعبت دوراً أساسياً في التوصّل إلى اتفاق سلام بين دولتين من أعضاء الأمم المتحدة، وأنا جاهزة لتجديد الوعد المؤسس لميثاق المنظمة، وإنقاذ الأجيال المستقبلية من ويلات الحروب في عالم تتوالى فيه الأزمات».

تساؤلات بديهية

لعل أول سؤال يتبادر إلى الذهن حول هذا الترشيح هو: لماذا تقدّمت به مملكة تونغا وليس الإكوادور؛ البلد الذي وُلدت فيه عبد الباقي وتحمل جنسيته وتولّت فيه عدة مناصب سياسية ودبلوماسية؟

الجواب هو أن الإكوادور، بسبب تخلّفها عن سداد مساهماتها المقرّرة في الأمم المتحدة لفترة طويلة، فقدت حق التصويت، وأيضاً حق الترشح لمنصب في أجهزة المنظمة، بل إن هناك مرشحة أخرى من الإكوادور لمنصب الأمين العام، هي ماريا فرناندا إسبينوسا، تقدّمت بطلب ترشيحها أنتيغوا وباربودا؛ الدولة الجزيرية في البحر الكاريبي.

من جهة ثانية، كانت عبد الباقي قد أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أن لبنان سيقدم ترشيحها رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، وأنها تحظى بدعم قويّ من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي نشرت صوراً لها معه في المكتب البيضوي. ولكن مرّت الأسابيع ولم تعلن الحكومة اللبنانية عن تبنّيها هذا الترشيح من دون أن تُعرف الأسباب.

من هي عبد الباقي؟

أبصرت إيفون (ليلى) خويص عبد الباقي النور عام 1951 في مدينة غواياكيل، العاصمة الاقتصادية للإكوادور وكبرى مدنها. وفي غواياكيل تعيش أكبر جالية لبنانية في البلاد؛ إذ يزيد تعدادها على نصف مليون هاجر معظمهم أواسط القرن الماضي. وأكثر من هذا يتعاقب على رئاسة بلديتها منذ عقود متحدّرون من أصول لبنانية.

أما والدا إيفون فيتحدّران من أسرتين من الموحّدين الدروز في جبل لبنان: والدها فؤاد من آل خويص من بلدة بتاتر (قضاء عاليه)، ووالدتها إنعام من آل أبو شقرا من بلدة الهلالية في قضاء المتن الجنوبي (بعبدا).

وعائلياً، أيضاً، اقترنت إيفون وهي في السابعة عشرة من عمرها بالمهندس ورجل الأعمال اللبناني سامي محمد عبد الباقي، وانتقلت للعيش في لبنان حيث أقامت خلال السنوات الأولى من الحرب الأهلية، إلا أنها انتقلت إلى فرنسا في عام 1982، حيث التحقت بجامعة باريس - السوربون لدراسة الفنون، ثم إلى الولايات المتحدة حيث تخرّجت في جامعة هارفارد مجازة في الإدارة والسياسات العامة.

مناصبها الرسمية

تولّت عبد الباقي أول مناصبها الرسمية في الإكوادور كقنصل عام للإكوادور لدى لبنان، ثم في مدينة بوسطن الأميركية. وفي عام 1995 استدعاها رئيس الإكوادور وطلب منها الانضمام إلى الفريق المكلّف التفاوض مع البيرو من أجل التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الصراع المديد بين البلدين حول الحدود. وبالفعل، جرى توقيع ذلك الاتفاق في العاصمة البرازيلية برازيليا عام 1998. في ذلك العام وصل إلى رئاسة الإكوادور جميل معوّض، المتحدّر بدوره من أصل لبناني، وهو الذي قرر تعيين عبد الباقي سفيرة لبلاده لدى الولايات المتحدة، وبذا غدت المرأة الأولى التي تتولى مثل هذا المنصب. وإبان وجودها في واشنطن لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في إبرام عدد من الاتفاقات بين البلدين، كان أبرزها اتفاق المعاملة التفضيلية لصادرات الإكوادور الزراعية إلى الولايات المتحدة.

وبالتوازي استطاعت عبد الباقي بناء علاقات شخصية متينة مع عدد من الوجوه البارزة في الإدارة الأميركية، مثل الرئيس السابق جو بايدن وأسرته، والرئيس الحالي دونالد ترمب، وعدد من الأعضاء النافذين في الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وأيضاً أقامت علاقات وطيدة مع كبار المسؤولين العسكريين الذين تفاوضت معهم لإنشاء قاعدة مشتركة في مقاطعة مانتا الإكوادورية تشرف على أعمال مكافحة تجارة المخدرات في كولومبيا والبيرو والإكوادور وبوليفيا. وبعدما أمضت ست سنوات كسفيرة لبلادها في واشنطن، اختارها الرئيس الحالي دانييل نوبوا لتكون سفيرة لدى فرنسا. ولقد سبق لها أن تولت سفارة بلادها لدى قطر من عام 2017 إلى عام 2020.واشنطن «محطة رئيسة»

تعتبر إيفون عبد الباقي أن مرورها بواشنطن كسفيرة لبلادها كان المحطة الرئيسة في مسيرتها السياسية والدبلوماسية، وتفاخر بأن العلاقات الوطيدة التي بنتها مع الإدارة الأولى لدونالد ترمب، ثم مع إدارة جو بايدن، أعادت تنشيط التعاون التجاري والعسكري بين الولايات المتحدة والإكوادور، ومكّنت الأخيرة من الحصول على مساعدات وموارد مالية من صندوق النقد الدولي والبنك الأميركي للتنمية والبنك الدولي.

الترشح لرئاسة الجمهورية... ثم دخول الوزارة

في عام 2002 قرّرت عبد الباقي خوض معركة رئاسة الجمهورية كأول امرأة تترشح لهذا المنصب، مع أنها قالت: «لقد كنت أعرف أن حظوظي في الفوز معدومة، لكن التجربة كانت غنيّة جداً، أتاحت لي أن أتعرّف على الإكوادور الحقيقية خلال جولاتي الانتخابية على جميع المناطق».

بعد ذلك، أُسندت إليها حقيبة وزارة التجارة الخارجية في عهد الرئيس لوسيو غوتيريز من عام 2003 إلى عام 2005، ثم ترأست برلمان الأنديز الذي يضم برلمانات البلدان التي تتقاسم هذه السلسلة الجبلية من عام 2007 إلى عام 2009.

وإبان شغلها وزارة التجارة الخارجية تعرّفت عبد الباقي على الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب عندما استضافت الإكوادور مسابقة انتخاب ملكة جمال العالم، وكان ترمب يملك الشركة التي تنظم تلك المسابقة.

ويومذاك ردّت على الانتقادات التي تعرّضت لها بسبب التكاليف الباهظة لتلك المسابقة، بالقول إنها كانت «استثماراً لترويج صورة بلادها في الخارج». أيضاً تعرّضت عبد الباقي خلال تلك الفترة إلى انتقادات شديدة من جانب مجموعات السكان الأصليين بسبب شروط «اتفاق التجارة الحرة» الذي تفاوضت عليه وأبرمته مع واشنطن. في المقابل، قبل تولّيها وزارة التجارة الخارجية لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في معالجة الأضرار التي لحقت بمحمية جزر غالاباغوس الشهيرة عقب التلوّث الذي أصابها بسبب تسرّب كميات كبيرة من النفط على سواحلها، وحصلت على مساعدة من صديقها دونالد ترمب لتأسيس مركز لصيانة المحمية والعناية بها.

التناوب الجغرافي على المنصب

اليوم ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام، ومنطقة أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي هي التي يعود إليها هذا المنصب بعد نهاية ولاية الأمين العام الحالي.

أيضاً، ثمة اتجاه قويّ في الأوساط الأممية لإسناد هذا المنصب إلى امرأة لأول مرة منذ تأسيس المنظمة، وهو ما يفسّر كون عدد المرشحات يزيد على عدد المرشحين.

مع هذا، تقول أوساط دبلوماسية مطّلعة في الأمم المتحدة إن حظوظ إيفون عبد الباقي في السباق على منصب الأمين العام ضئيلة جداً، وخاصة أن ثمة مرشحين آخرين يتمتعون بسيرة مهنية أثقل وزناً، ويحظون بدعم سياسي قوي من حكومات بلدانهم، وسبق لهم أن تولوا مناصب عالية.

المرشحون السبعة الذين تتنافس معهم عبد الباقي هم: وزيرة خارجية غيانا السابقة كارولاين رودريغيز بيركيت، والمدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (من الأرجنتين)، ورئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشيليت، ووزيرة خارجية الإكوادور السابقة ماريا فرناندا إسبينوسا، والأوغندي أولارا أوتونّو الذي تولى سابقاً منصب الأمين العام المساعد في الأمم المتحدة، ورئيس السنغال الأسبق ماكي سال، ونائبة رئيس كوستاريكا السابقة ريبيكا غرينسبان. كذلك، ليس مستبعداً أن تظهر ترشيحات أخرى خلال الأيام المقبلة؛ إذ لا يحدّد نظام المجلس مهلة لتقديم الترشيحات، بل يترك ذلك للتوافق بين الدول الأعضاء.

لا شروط معتمدة رسمياً

من جانب آخر، حتى الآن، ورغم مرور 70 سنة على تأسيس الأمم المتحدة، لا توجد مجموعة شروط معتمدة للترشح لمنصب الأمين العام. لكن استناداً إلى العُرف والتجارب السابقة، توافقت الدول الأعضاء على الشروط التالية:

- أن يتمتع المرشح بخبرة دبلوماسية دولية ومهارات قيادية.

- أن يحظى بموافقة مجلس الأمن المخوّل وحده إحالة ترشيحه إلى الجمعية العامة.

- أن ينال غالبية أصوات البلدان الأعضاء، الحاضرة والمصوّتة، في الجمعية العامة.

- أن يكون قادراً على التصرّف بحياد.- وألّا يكون مواطناً لأي من الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس.


ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
TT

ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)

آخر التسريبات من الأوساط الدبلوماسية في منظمة المنظمة الدولية تفيد بأن ريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، هي التي تتصدّر حالياً قائمة المتنافسين على المنصب بعد الجولات الاستشارية الأولى داخل مجلس الأمن، لكن السباق لا يزال مفتوحاً بين المرشحين الثمانية.

أيضاً، يتردّد الدبلوماسيون المخضرمون في المنظمة ساعة التوقعات، نظراً للانقسام العميق الذي يسود العلاقات بين الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس، أي الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والصين وبريطانيا وفرنسا، الذي يذكّر بأشد فترات الحرب الباردة توتراً.

رافايل غروسّي (آ ب)

وهنا نشير إلى أن أحكام النظام الداخلي لمجلس الأمن تنصّ على أن أسماء المرشحين المتنافسين على منصب الأمين العام يحيلها المجلس إلى الجمعية العامة لاختيار واحد منها، وأن اعتراض أي عضو دائم على مرشح يقضي نهائياً على حظوظه، حتى وإن نال تأييد غالبية الأعضاء.

وهنا، يتوقّف أحد الدبلوماسيين الأوروبيين، الذي واكب انتخاب ثلاثة أمناء عامين للمنظمة عند إصرار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسّي على الترشّح، في الوقت الذي يسود اعتقاد بأن المنصب سيكون من نصيب امرأة هذه المرة، رغم الاعتراض الشديد الذي تبديه الصين وروسيا على إدارته وكالة الطاقة الذرية في أكثر من ملف حساس، مثل الحرب في أوكرانيا والتعاون النووي بين بريطانيا وأستراليا، ومعالجة التلوث الذي نجم عن حادث مفاعل فوكوشيما في اليابان، والبرنامج النووي الإيراني.

ماكي سال (آ ف ب)

وبحسب هذا الدبلوماسي، فإن غروسّي هو المرشح الذي تفضله الإدارة الأميركية، إلا أنها تحرص على تحاشي كشف أوراقها وراء دعمه. ثم إنه مدعوم بقوة من الحكومة الأرجنتينية اليمينية الحالية التي تعدّها واشنطن الركيزة الأساسية لسياستها الإقليمية.

ثم إن مراقبين كثيرين يزعمون أن أداءه في الوكالة الدولية اتسم بانحياز كامل للمواقف الأميركية والغربية، ما استدعى مراراً انتقادات شديدة من روسيا، وأيضاً من الصين التي شنّت عليه غير مرة هجوماً قاسياً وغير معهود في القاموس الدبلوماسي الصيني. ويضاف إلى ذلك، وفقاً للدبلوماسي المذكور، أن إدارة ترمب لا تحبّذ وصول امرأة إلى منصب الأمين العام مع أنها لن تفصح عن ذلك علناً. ومن ثم، لا يستبعد الدبلوماسي المذكور أن تذهب واشنطن في رهانها غير المعلن على غروسّي إلى حد «مقايضة» رفع «الفيتو» الروسي والصيني على ترشيحه، بتنازلات سخية في مناصب أخرى رفيعة داخل المنظمة الدولية أو الوكالات المتخصصة التابعة لها.