العراق... على درب التوازن الصعب

بين المعادلات الداخلية والعلاقات الخارجية

العراق... على درب التوازن الصعب
TT

العراق... على درب التوازن الصعب

العراق... على درب التوازن الصعب

على الرغم من المشاكل الداخلية ذات الطابع السياسي بالدرجة الأولى، والمحكومة بتوازنات الكتل والمكوّنات في البرلمان والحكومة، فإن العراق نفض إلى حد كبير غبار الحرب ضد «داعش» ما خلا الجيوب والخلايا النائمة. وبات ينحو باتجاه سياسة من شأنها أن تجنبه المطبات التي كان خسر بسببها الكثير نتيجة عدم التوازن في علاقاته الخارجية العربية والإقليمية والدولية.

في غضون الأشهر القليلة الماضية، شهدت العاصمة العراقية بغداد زيارات لمسؤولين كبار من دول عربية شقيقة، منها زيارة الملك عبد الله الثاني ملك الأردن، ودول جارة أبرزها زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني، وقوى عالمية لعل أهمها زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى عين الأسد في محافظة الأنبار (غربي العراق) وبعده وزير خارجيته مايك بومبيو. كذلك، زار بغداد وفد سعودي برئاسة وزير التجارة ماجد القصبي ومعه وزير الدولة لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان، وقبلها زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان.
هذه الزيارات كلها تمحورت بين ما هو سياسي وأمني واقتصادي وتجاري؛ وهو ما يعكس محاولات من هذه الدول للانفتاح على العراق، كلاً على حدة، وكذلك محاولة العراق أن يحقق - قدر الإمكان - التوازن في سياق علاقاته مع كل هذه الأطراف مع ما في بعضها من تناقضات (أميركا ـ إيران والسعودية ـ إيران).
القادة العراقيون، بعد تشكيل الحكومة الحالية برئاسة عادل عبد المهدي، أجروا ـ باستثناء عبد المهدي نفسه ـ عدداً من الزيارات الخارجية، خصوصاً رئيس الجمهورية برهم صالح الذي زار الأردن، والمملكة العربية السعودية، وإيران، ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي الذي قام هو الآخر بزيارة إلى هذه الدول. مع الإشارة إلى أن رئيس الوزراء عبد المهدي، كان قد ألزم نفسه عند بدء إعلان تشكيل حكومته 24 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي بألا يقوم بأي زيارة خارج العراق قبل انتهاء الأشهر الستة الأولى. لكنه، مع ذلك، أعلن الأسبوع الماضي، إبّان زيارة الوفد السعودي أنه سيبدأ قريباً الزيارات الخارجية، وستكون السعودية ومصر في مقدمة البلدان التي سيزورها.
الرئيس العراقي برهم صالح، من جهته، حرص أثناء استقباله الأسبوع الماضي مبعوث الإدارة الأميركية لمكافحة الإرهاب جيمس جيفري، على التأكيد على أهمية تحقيق التوازن في العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية من جهة و«الأشقاء والأصدقاء» من جهة أخرى. وكان البيان الرئاسي العراقي واضحاً في تأكيد هذه المعلومة للضيف الأميركي. ففي الوقت الذي تحرص بغداد على توسيع آفاق التعاون المشترك بين العراق والولايات المتحدة‌ في المجالات كافة، فإن «العراق ينطلق في بناء علاقات مع الأشقاء والأصدقاء على تحقيق المصالح الوطنية العليا»، وفق البيان.
وفي المقابل، بالتزامن مع زيارة جيفري إلى بغداد، التي جدد فيها دعم بلاده للعراق في مجال محاربة الإرهاب، كان العراق يشارك بوفد عسكري رفيع المستوى في دمشق بشأن التحالف الرباعي بين العراق، وسوريا، وإيران، وروسيا، أما الهدف، فكان أيضاً، التنسيق الأمني ومحاربة الإرهاب.

- أميركا... جدل البقاء والرحيل
في هذه الأثناء، فإن الولايات المتحدة الأميركية، التي تدرك أن وجودها العسكري في العراق بات اليوم موضع جدل داخل الأوساط السياسية والبرلمانية العراقية، ما عادت تربط بين هذا الجدل... والإجراءات التي تخصّ العراق والعقوبات الأميركية المفروضة على إيران. فللمرة الثانية منذ إقدامها على فرض عقوبات اقتصادية صارمة على إيران، تضطر واشنطن إلى منح العراق إعفاءً جديداً لاستيراد إمدادات الكهرباء والطاقة من إيران؛ وذلك نظراً لعدم توافر البدائل الوشيكة التي من شأنها أن تجعل العراق يستغني عن الكهرباء الإيرانية. ومعلومٌ أن الصيف على الأبواب، وقد تواجه حكومة عبد المهدي - التي تحظى بالدعم الأميركي - إلى موجة من الاحتجاجات على غرار ما حدث العام الماضي أثناء فترة حكم حكومة حيدر العبادي الانتقالية آنذاك.
في ضوء هذا الوضع، بدأت واشنطن تفكر أيضاً بكيفية تحقيق سلطات بغداد نوعاً من التوازن على صعيد علاقاته الخارجية على الرغم من احتدام الجدل حول بقاء القوات الأميركية في العراق أو مغادرتها. وفي هذا السياق، يرى الدكتور حسين علاوي، أستاذ الأمن الوطني بجامعة النهرين، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «ليس هناك قواعد عسكرية أميركية موجودة في العراق بقدر ما توجد هناك مراكز ارتباط أمني بين القوات العراقية المشتركة، من صنوفها كافة، وكذلك القوات الأميركية الاستشارية عبر جهود التحالف الدولي وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وكذلك القوات الأميركية التي تتولى التدريب والاستشارة والتأهيل وتبادل المعلومات الاستخباري بين الطرفين». وأردف علاوي: «ذلك كان قد أنتج أهدافاً كبيرة للقوة الجوية العراقية والتحالف الدولي في ضرب أهداف عالية الدقة وعالية الثمن تمثل حركة تنظيم (داعش)». وأوضح، أن «ما يشاع عن وجود قواعد عسكرية ناتج إما من قصدية أو تمثل بروباغندا... كما أنها محاولة نقل الصراع الإقليمي والدولي بين الولايات المتحدة وإيران إلى داخل العراق».
مع ذلك، فإن البرلمان العراقي يمكن أن يشرع في بحث الوجود الأميركي على أرض العراق خلال جلساته المقبلة وسط انقسام حادٍ بين مؤيدي إخراج القوات الأميركية والداعين لبقائها، أو يرمي الكرة في ملعب الحكومة لتحديد صيغة التعامل مع هذا الوجود.
الحكومة أعلنت غير مرة على لسان رئيسها عادل عبد المهدي أن «ليس هناك قواعد أميركية أو قوات قتالية برية»، مؤكدة أن الوجود الأميركي «يقتصر على مستشارين لا يزيد عددهم على 5200 عسكري يتولون تدريب القوات الأمنية العراقية، فضلاً عن تقديم كل أنواع الدعم اللوجيستي والاستخباري».

- إيران... مصلحة أم تبعية
من جانب آخر، لم تكن خاتمة زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى العراق، التي استغرقت ثلاثة أيام، كما كانت تتمنى طهران إلى حد كبير. ففي اليوم الأخير من الزيارة التقى روحاني المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني. ولقد التقى روحاني أيضاً مراجع النجف الكبار الثلاثة الآخرين آيات الله: محمد سعيد الحكيم، وإسحاق الفياض، وبشير النجفي.
لكن ما صدر عن المرجع الأعلى السيستاني كان لافتاً للنظر إلى حد بعيد. بل إنه منح الزيارة طابعاً آخر جعل من رجل الدين، لا السياسي، مَن يحدد بوصلة مصلحة البلاد. فخلال كل اللقاءات التي أجراها روحاني مع الرئاسات العراقية الثلاث، أو الذين استقبلهم في مقر إقامته من كبار القادة العراقيين - ومن بينهم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي والسابق حيدر العبادي وزعيم تيار «الحكمة» عمار الحكيم - لم يتلق الرئيس الإيراني تعليمات بشأن كيفية التعامل مع «سيادة الدول طبقاً لقاعدة المصالح المشتركة». لكن البيان الذي صدر عن مكتب السيستاني حدّد الملامح الرئيسية للعلاقة التي ينبغي أن تكون بين العراق وإيران.
السيستاني أبدى ترحيبه «بأي خطوة في سبيل تعزيز علاقات العراق بجيرانه، وفقاً لمصالح الطرفين، وعلى أساس احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية». وفي المقابل، أشار البيان إلى «الحرب المصيرية التي خاضها الشعب العراقي لدحر العدوان الداعشي»، مذكّراً بـ«التضحيات الكبيرة التي قدّمها العراقيون الأبطال في الانتصار على هذا التنظيم الإرهابي وإبعاد خطره عن المنطقة كلها»، منوهاً بـ«دور الأصدقاء في تحقيق ذلك».
ولقد لفت السيستاني أيضاً إلى أن «أهم التحديات التي يواجهها العراق في هذه المرحلة هي مكافحة الفساد، وتحسين الخدمات العامة، وحصر السلاح بيد الدولة وأجهزتها الأمنية»، مبدياً أمله في «أن تحقق الحكومة العراقية تقدماً مقبولاً في هذه المجالات». إلا أن الجانب المهم حقاً كان تشديد المرجع الأعلى على «ضرورة أن تتسم السياسات الإقليمية والدولية في هذه المنطقة الحساسة بالتوازن والاعتدال؛ لتجنب شعوبها مزيداً من الماسي والأضرار».
وهنا، علّق حيدر الغرابي، رجل الدين الشيعي والأستاذ في الحوزة العلمية، في لقاء مع «الشرق الأوسط» بالقول: إن «اللقاء الذي جرى بين الرئيس الإيراني حسن روحاني والسيد السيستاني له دلالاته في هذه المرحلة التي يمر بها العراق، والتي تتمثل في كثرة الأجندات؛ ولا سيما الخارجية منها». وأضاف: «إيران لاعب دولي مهم على صعيدَي المنطقة والعراق. وبالتالي، فإن التفاهم مع المرجعية الدينية العليا في النجف يدخل في هذا السياق، خصوصاً أننا نرى أن لإيران مواقف إيجابية حيال العراق».
واستطرد الغرابي: إن «المرجعية ممثلة بالسيد السيستاني لا يمكنها تجاهل هذا الدور وهذا التأثير، وعليه، لا بد لها من تبادل وجهات النظر مع الرئيس الإيراني في كثير من القضايا، خصوصاً أن روحاني جاء إلى العراق والنجف وهو يحمل كثيراً من الأفكار... سواء على صعيدَي المنطقة والعالم».
من جهة ثانية، استناداً إلى قاعدة ترسيخ قاعدة «المصالح المشتركة»، يرى القيادي في كتلة الإصلاح والإعمار، حيدر الملا، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «مسألة تعزيز علاقات العراق مع دول الجوار قضية إيجابية من خلال بناء علاقات متوازنة، مبنية على أساس احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية». وأشار إلى أن «(كتلة الإصلاح والإعمار) داعمة لمثل هذا التوجه في بناء العلاقات بين العراق ودول الجوار، غير أنه من المعروف أن إيران تعاني اليوم عزلة من قِبل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بسبب العقوبات المفروضة عليها. وهذا يعني أن النظام في إيران يعدّ الساحة العراقية إحدى الساحات التي يمكن أن يلعب بها لتخفيف وطأة الحصار، وهو ما لاحظناه عبر التصريحات التي سبقت زيارة روحاني إلى العراق، ومن بينها تنشيط التعاون الاقتصادي ورفع التبادل التجاري من 12 مليار دولار أميركي إلى 20 مليار دولار سنوياً».
وأوضح الملا، أن «هذه المسألة فيها بعدان: الأول البعد الاقتصادي؛ حين تعاني دولة من حصار اقتصادي فإنها تبحث عن منافع لتجنب أضرار هذا الحصار، مع حلفائها. أما البعد الآخر فسياسي، وهو أن العراق سيبقى ساحة لا تستطيع الولايات المتحدة أن توظفها في مزيد من الحصار على النظام الإيراني؛ ولذلك فإن هذا البعد لا يمكن تجاهله».

- العراق الآخر... توازن المصالح
لقد كان ضمن محصلة زيارة روحاني التوقيع على عشرات الاتفاقيات التجارية والاقتصادية مع العراق، بدا أن هدفها المعلن رفع التبادل التجاري بين البلدين من 13 مليار دولار حالياً إلى 20 مليار دولار. وفي حال تحقق هذا الرقم، فإن إيران، وليس تركيا، ستصبح الدولة الأولى على صعيد التبادل التجاري مع العراق. ومع أن الأهداف السياسية هي الأهم والأبعد على صعيد العلاقات بين الطرفين، فإن إيران وافقت لأول مرة خلال هذه الزيارة على إعادة مناقشة «اتفاقية الجزائر»... التي وقّعها صدام حسين مع شاه إيران في الجزائر عام 1975، والتي جاءت لمصلحة إيران على حساب العراق. ومع أن إيران لا تزال تعلن تمسكها بالاتفاقية، فإنها وافقت على إعادة النظر بخط «التالوك» الذي لم يعد يعمل لصالح العراق بسبب انحراف المياه لصالح إيران؛ ما يمنحها سنوياً أراضي إضافية من العراق في حال لم تتم إعادة كري وتنظيف النهر. وفي اتجاه موازٍ، المعادلة التجارية والاقتصادية ما زالت لا تعمل لصالح العراق بالقياس إلى دول الجوار، ولا سيما، إيران وتركيا... فهما تفضلان ما هو تجاري على ما هو صناعي أو استثماري بعكس دول أخرى مجاورة للعراق مثل الأردن والسعودية والكويت.
مع الأردن وقّع العراق الكثير من الاتفاقيات قبل أكثر من شهرين حملت ملك الأردن عبد الله الثاني إلى زيارة العراق، ومن ثم رئيس وزرائه وعدد من الوزراء الذين استمروا في التواصل مع نظرائهم العراقيين من أجل إقامة «مناطق حرة» ومد أنبوب نفطي إلى ميناء العقبة بجنوب الأردن. وهذه خطوة رأى فيها الخبراء المعنيون بالشأن العراقي رغبة عراقية وبتنسيق أميركي لإحداث توازن في علاقات العراق الخارجية، بالذات، مع دول الجوار، بما يجعله يخرج تدريجياً من نطاق الهيمنة الإيرانية. وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي العراقي، باسم جميل أنطون، لـ«الشرق الأوسط»: إن «العراق وإيران وقعا خلال زيارة روحاني نحو 20 اتفاقية في مختلف الميادين الاقتصادية والتجارية والسياسية؛ إذ إن العراق في النهاية لا يستطيع التنصل من هذه العلاقة مع إيران». وكشف أنطون عن أن «العراق يعد ثاني مستورد للسلع الإيرانية بعد تركيا التي لا تزال تحتل المرتبة الأولى». وتابع: إن «العراق يحتاج بالدرجة الأساس إلى علاقات استثمارية حتى نحقق الفائدة المرجوة، وليس مجرد اتفاقيات لتبادل السلع والبضائع». ثم أشار إلى أن «العراق يستورد حالياً نحو 3000 ميغاواط في مجال الغاز والطاقة إلى أن يكون إنتاج الغاز العراقي جاهزاً». وحول موضوع إلغاء التأشيرة أو بقائها مع مجانيتها، يقول أنطون: إن «الزوار الإيرانيين هم أضعاف الزوار العراقيين؛ ولذا فإن الإعفاء من التأشيرة أو عدم استيفائها يؤثر سلباً على الاقتصاد العراقي. وهنا حث المسؤولين العراقيين إلى «رفع شعار العراق أولاً، كي لا تتحول البلاد إلى مجرد سوق لتصريف بضائع وسلع الجيران».

- شعار «العراق أولاً»...
جدير بالذكر، أن رفع شعار «العراق أولاً» لا يزال يحتاج إلى القدرة على خلق توازن في العلاقات مع باقي دول الجوار، وبخاصة العربي. وكان الرئيس برهم صالح قد دعا خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده مع نظيره الإيراني حسن روحاني إلى تأكيد ذلك عبر «حيادية موقف العراق من الصراعات الإقليمية والدولية». وشدّد صالح على أن «تحقيق الأمن يتطلب التعاون مع إيران ودول المنطقة... بغداد تمثل ملتقى لدول المنطقة، ونحن عازمون على التعاون مع الجميع». كذلك، بيّن صالح «آن الأوان للمنطقة أن تزدهر اقتصادياً من خلال التعاون المشترك». وشدد قائلاً: «لا نريد للعراق أن يكون ساحة للصراع الإقليمي أو الدولي».
بعد يوم من مغادرة روحاني العراق، وصل إلى بغداد وفد سعودي كبير برئاسة وزير التجارة ماجد القصبي. الوفد السعودي استُقبل بحفاوة بالغة من قِبل الرئاسات العراقية الثلاث، وهو ما يؤكد بدء حاجة العراق إلى التعامل مع الانفتاح العربي، ولا سيما السعودي، في إطار الحسابات السليمة في سياق التعامل مع المحيطين العربي والإقليمي.
وطبقاً لما أعلنه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أمام الوفد السعودي، فإن العراق ينظر إلى علاقته مع السعودية بوصفها علاقة استراتيجية. كما أعلن أن السعودية ومصر أي (المحيط العربي) ستكونان هما أولى محطاته الخارجية بعد نهاية مهلة الأشهر الستة التي ألزم نفسه خلالها بألا يجري أي زيارة خارجية عند تشكيل حكومته. وفي هذا السياق، يقول عبد الله الخربيط، عضو البرلمان العراقي عن كتلة المحور الوطني، لـ«الشرق الأوسط»: إن «الرؤية التي يستند إليها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي حيال مثل هذه الأمور تؤكد على تجنّب الانجرار إلى ما يمكن أن يتعارض مع المصلحة العراقية». وأوضح أن «عبد المهدي سياسي واقعي وليس عاطفياً، علماً بأن العراق يحتاج حالياً إلى الغاز الإيراني والكهرباء الإيرانية، وليس لمثل هذه الحاجات بديل على المدى المنظور». ويضيف الخربيط: إنه «بصرف النظر عن طبيعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن هناك حقيقة لا بد أن تدركها كل الأطراف في المنطقة، هي أن العراق بدأ يتعافى وبات مرشحاً لأن يصبح محوراً لا تابعاً».


مقالات ذات صلة

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)
حصاد الأسبوع يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق

شوقي الريّس ( لشبونة)
حصاد الأسبوع الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»،

«الشرق الأوسط» (مدريد)
حصاد الأسبوع تاكاييتشي فرحة بوضع علامات على أسماء الفائزين من مرشحي حزبها (آ ب)

اليابان... أمام التحوّلين السياسي والاقتصادي

الانتخابات العامة المبكّرة الأخيرة في اليابان لم تكن «تصويتاً على برنامج» بقدر ما كانت استفتاءً على اتجاه يشبه «لحظة حسم» داخل السياسة اليابانية: هل تواصل طوكيو

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مواطنون يابانيون يقفون بأحد شوارع طوكيو امام لوحة تنقل أرقام مؤشر "نيكاي" المالي (رويترز)

مستقبل العلاقات الأميركية ــ اليابانية في ظل التنافس التجاري

> العلاقة الأميركية – اليابانية تدخل ما يمكن وصفه بـ«تحالف قوي واقتصاد متوتر». فوز حكومة سانايي تاكاييتشي بتفويض ساحق، أخيراً، يجعل واشنطن أكثر اطمئناناً


ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.