العراق... على درب التوازن الصعب

بين المعادلات الداخلية والعلاقات الخارجية

العراق... على درب التوازن الصعب
TT

العراق... على درب التوازن الصعب

العراق... على درب التوازن الصعب

على الرغم من المشاكل الداخلية ذات الطابع السياسي بالدرجة الأولى، والمحكومة بتوازنات الكتل والمكوّنات في البرلمان والحكومة، فإن العراق نفض إلى حد كبير غبار الحرب ضد «داعش» ما خلا الجيوب والخلايا النائمة. وبات ينحو باتجاه سياسة من شأنها أن تجنبه المطبات التي كان خسر بسببها الكثير نتيجة عدم التوازن في علاقاته الخارجية العربية والإقليمية والدولية.

في غضون الأشهر القليلة الماضية، شهدت العاصمة العراقية بغداد زيارات لمسؤولين كبار من دول عربية شقيقة، منها زيارة الملك عبد الله الثاني ملك الأردن، ودول جارة أبرزها زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني، وقوى عالمية لعل أهمها زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى عين الأسد في محافظة الأنبار (غربي العراق) وبعده وزير خارجيته مايك بومبيو. كذلك، زار بغداد وفد سعودي برئاسة وزير التجارة ماجد القصبي ومعه وزير الدولة لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان، وقبلها زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان.
هذه الزيارات كلها تمحورت بين ما هو سياسي وأمني واقتصادي وتجاري؛ وهو ما يعكس محاولات من هذه الدول للانفتاح على العراق، كلاً على حدة، وكذلك محاولة العراق أن يحقق - قدر الإمكان - التوازن في سياق علاقاته مع كل هذه الأطراف مع ما في بعضها من تناقضات (أميركا ـ إيران والسعودية ـ إيران).
القادة العراقيون، بعد تشكيل الحكومة الحالية برئاسة عادل عبد المهدي، أجروا ـ باستثناء عبد المهدي نفسه ـ عدداً من الزيارات الخارجية، خصوصاً رئيس الجمهورية برهم صالح الذي زار الأردن، والمملكة العربية السعودية، وإيران، ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي الذي قام هو الآخر بزيارة إلى هذه الدول. مع الإشارة إلى أن رئيس الوزراء عبد المهدي، كان قد ألزم نفسه عند بدء إعلان تشكيل حكومته 24 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي بألا يقوم بأي زيارة خارج العراق قبل انتهاء الأشهر الستة الأولى. لكنه، مع ذلك، أعلن الأسبوع الماضي، إبّان زيارة الوفد السعودي أنه سيبدأ قريباً الزيارات الخارجية، وستكون السعودية ومصر في مقدمة البلدان التي سيزورها.
الرئيس العراقي برهم صالح، من جهته، حرص أثناء استقباله الأسبوع الماضي مبعوث الإدارة الأميركية لمكافحة الإرهاب جيمس جيفري، على التأكيد على أهمية تحقيق التوازن في العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية من جهة و«الأشقاء والأصدقاء» من جهة أخرى. وكان البيان الرئاسي العراقي واضحاً في تأكيد هذه المعلومة للضيف الأميركي. ففي الوقت الذي تحرص بغداد على توسيع آفاق التعاون المشترك بين العراق والولايات المتحدة‌ في المجالات كافة، فإن «العراق ينطلق في بناء علاقات مع الأشقاء والأصدقاء على تحقيق المصالح الوطنية العليا»، وفق البيان.
وفي المقابل، بالتزامن مع زيارة جيفري إلى بغداد، التي جدد فيها دعم بلاده للعراق في مجال محاربة الإرهاب، كان العراق يشارك بوفد عسكري رفيع المستوى في دمشق بشأن التحالف الرباعي بين العراق، وسوريا، وإيران، وروسيا، أما الهدف، فكان أيضاً، التنسيق الأمني ومحاربة الإرهاب.

- أميركا... جدل البقاء والرحيل
في هذه الأثناء، فإن الولايات المتحدة الأميركية، التي تدرك أن وجودها العسكري في العراق بات اليوم موضع جدل داخل الأوساط السياسية والبرلمانية العراقية، ما عادت تربط بين هذا الجدل... والإجراءات التي تخصّ العراق والعقوبات الأميركية المفروضة على إيران. فللمرة الثانية منذ إقدامها على فرض عقوبات اقتصادية صارمة على إيران، تضطر واشنطن إلى منح العراق إعفاءً جديداً لاستيراد إمدادات الكهرباء والطاقة من إيران؛ وذلك نظراً لعدم توافر البدائل الوشيكة التي من شأنها أن تجعل العراق يستغني عن الكهرباء الإيرانية. ومعلومٌ أن الصيف على الأبواب، وقد تواجه حكومة عبد المهدي - التي تحظى بالدعم الأميركي - إلى موجة من الاحتجاجات على غرار ما حدث العام الماضي أثناء فترة حكم حكومة حيدر العبادي الانتقالية آنذاك.
في ضوء هذا الوضع، بدأت واشنطن تفكر أيضاً بكيفية تحقيق سلطات بغداد نوعاً من التوازن على صعيد علاقاته الخارجية على الرغم من احتدام الجدل حول بقاء القوات الأميركية في العراق أو مغادرتها. وفي هذا السياق، يرى الدكتور حسين علاوي، أستاذ الأمن الوطني بجامعة النهرين، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «ليس هناك قواعد عسكرية أميركية موجودة في العراق بقدر ما توجد هناك مراكز ارتباط أمني بين القوات العراقية المشتركة، من صنوفها كافة، وكذلك القوات الأميركية الاستشارية عبر جهود التحالف الدولي وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وكذلك القوات الأميركية التي تتولى التدريب والاستشارة والتأهيل وتبادل المعلومات الاستخباري بين الطرفين». وأردف علاوي: «ذلك كان قد أنتج أهدافاً كبيرة للقوة الجوية العراقية والتحالف الدولي في ضرب أهداف عالية الدقة وعالية الثمن تمثل حركة تنظيم (داعش)». وأوضح، أن «ما يشاع عن وجود قواعد عسكرية ناتج إما من قصدية أو تمثل بروباغندا... كما أنها محاولة نقل الصراع الإقليمي والدولي بين الولايات المتحدة وإيران إلى داخل العراق».
مع ذلك، فإن البرلمان العراقي يمكن أن يشرع في بحث الوجود الأميركي على أرض العراق خلال جلساته المقبلة وسط انقسام حادٍ بين مؤيدي إخراج القوات الأميركية والداعين لبقائها، أو يرمي الكرة في ملعب الحكومة لتحديد صيغة التعامل مع هذا الوجود.
الحكومة أعلنت غير مرة على لسان رئيسها عادل عبد المهدي أن «ليس هناك قواعد أميركية أو قوات قتالية برية»، مؤكدة أن الوجود الأميركي «يقتصر على مستشارين لا يزيد عددهم على 5200 عسكري يتولون تدريب القوات الأمنية العراقية، فضلاً عن تقديم كل أنواع الدعم اللوجيستي والاستخباري».

- إيران... مصلحة أم تبعية
من جانب آخر، لم تكن خاتمة زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى العراق، التي استغرقت ثلاثة أيام، كما كانت تتمنى طهران إلى حد كبير. ففي اليوم الأخير من الزيارة التقى روحاني المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني. ولقد التقى روحاني أيضاً مراجع النجف الكبار الثلاثة الآخرين آيات الله: محمد سعيد الحكيم، وإسحاق الفياض، وبشير النجفي.
لكن ما صدر عن المرجع الأعلى السيستاني كان لافتاً للنظر إلى حد بعيد. بل إنه منح الزيارة طابعاً آخر جعل من رجل الدين، لا السياسي، مَن يحدد بوصلة مصلحة البلاد. فخلال كل اللقاءات التي أجراها روحاني مع الرئاسات العراقية الثلاث، أو الذين استقبلهم في مقر إقامته من كبار القادة العراقيين - ومن بينهم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي والسابق حيدر العبادي وزعيم تيار «الحكمة» عمار الحكيم - لم يتلق الرئيس الإيراني تعليمات بشأن كيفية التعامل مع «سيادة الدول طبقاً لقاعدة المصالح المشتركة». لكن البيان الذي صدر عن مكتب السيستاني حدّد الملامح الرئيسية للعلاقة التي ينبغي أن تكون بين العراق وإيران.
السيستاني أبدى ترحيبه «بأي خطوة في سبيل تعزيز علاقات العراق بجيرانه، وفقاً لمصالح الطرفين، وعلى أساس احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية». وفي المقابل، أشار البيان إلى «الحرب المصيرية التي خاضها الشعب العراقي لدحر العدوان الداعشي»، مذكّراً بـ«التضحيات الكبيرة التي قدّمها العراقيون الأبطال في الانتصار على هذا التنظيم الإرهابي وإبعاد خطره عن المنطقة كلها»، منوهاً بـ«دور الأصدقاء في تحقيق ذلك».
ولقد لفت السيستاني أيضاً إلى أن «أهم التحديات التي يواجهها العراق في هذه المرحلة هي مكافحة الفساد، وتحسين الخدمات العامة، وحصر السلاح بيد الدولة وأجهزتها الأمنية»، مبدياً أمله في «أن تحقق الحكومة العراقية تقدماً مقبولاً في هذه المجالات». إلا أن الجانب المهم حقاً كان تشديد المرجع الأعلى على «ضرورة أن تتسم السياسات الإقليمية والدولية في هذه المنطقة الحساسة بالتوازن والاعتدال؛ لتجنب شعوبها مزيداً من الماسي والأضرار».
وهنا، علّق حيدر الغرابي، رجل الدين الشيعي والأستاذ في الحوزة العلمية، في لقاء مع «الشرق الأوسط» بالقول: إن «اللقاء الذي جرى بين الرئيس الإيراني حسن روحاني والسيد السيستاني له دلالاته في هذه المرحلة التي يمر بها العراق، والتي تتمثل في كثرة الأجندات؛ ولا سيما الخارجية منها». وأضاف: «إيران لاعب دولي مهم على صعيدَي المنطقة والعراق. وبالتالي، فإن التفاهم مع المرجعية الدينية العليا في النجف يدخل في هذا السياق، خصوصاً أننا نرى أن لإيران مواقف إيجابية حيال العراق».
واستطرد الغرابي: إن «المرجعية ممثلة بالسيد السيستاني لا يمكنها تجاهل هذا الدور وهذا التأثير، وعليه، لا بد لها من تبادل وجهات النظر مع الرئيس الإيراني في كثير من القضايا، خصوصاً أن روحاني جاء إلى العراق والنجف وهو يحمل كثيراً من الأفكار... سواء على صعيدَي المنطقة والعالم».
من جهة ثانية، استناداً إلى قاعدة ترسيخ قاعدة «المصالح المشتركة»، يرى القيادي في كتلة الإصلاح والإعمار، حيدر الملا، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «مسألة تعزيز علاقات العراق مع دول الجوار قضية إيجابية من خلال بناء علاقات متوازنة، مبنية على أساس احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية». وأشار إلى أن «(كتلة الإصلاح والإعمار) داعمة لمثل هذا التوجه في بناء العلاقات بين العراق ودول الجوار، غير أنه من المعروف أن إيران تعاني اليوم عزلة من قِبل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بسبب العقوبات المفروضة عليها. وهذا يعني أن النظام في إيران يعدّ الساحة العراقية إحدى الساحات التي يمكن أن يلعب بها لتخفيف وطأة الحصار، وهو ما لاحظناه عبر التصريحات التي سبقت زيارة روحاني إلى العراق، ومن بينها تنشيط التعاون الاقتصادي ورفع التبادل التجاري من 12 مليار دولار أميركي إلى 20 مليار دولار سنوياً».
وأوضح الملا، أن «هذه المسألة فيها بعدان: الأول البعد الاقتصادي؛ حين تعاني دولة من حصار اقتصادي فإنها تبحث عن منافع لتجنب أضرار هذا الحصار، مع حلفائها. أما البعد الآخر فسياسي، وهو أن العراق سيبقى ساحة لا تستطيع الولايات المتحدة أن توظفها في مزيد من الحصار على النظام الإيراني؛ ولذلك فإن هذا البعد لا يمكن تجاهله».

- العراق الآخر... توازن المصالح
لقد كان ضمن محصلة زيارة روحاني التوقيع على عشرات الاتفاقيات التجارية والاقتصادية مع العراق، بدا أن هدفها المعلن رفع التبادل التجاري بين البلدين من 13 مليار دولار حالياً إلى 20 مليار دولار. وفي حال تحقق هذا الرقم، فإن إيران، وليس تركيا، ستصبح الدولة الأولى على صعيد التبادل التجاري مع العراق. ومع أن الأهداف السياسية هي الأهم والأبعد على صعيد العلاقات بين الطرفين، فإن إيران وافقت لأول مرة خلال هذه الزيارة على إعادة مناقشة «اتفاقية الجزائر»... التي وقّعها صدام حسين مع شاه إيران في الجزائر عام 1975، والتي جاءت لمصلحة إيران على حساب العراق. ومع أن إيران لا تزال تعلن تمسكها بالاتفاقية، فإنها وافقت على إعادة النظر بخط «التالوك» الذي لم يعد يعمل لصالح العراق بسبب انحراف المياه لصالح إيران؛ ما يمنحها سنوياً أراضي إضافية من العراق في حال لم تتم إعادة كري وتنظيف النهر. وفي اتجاه موازٍ، المعادلة التجارية والاقتصادية ما زالت لا تعمل لصالح العراق بالقياس إلى دول الجوار، ولا سيما، إيران وتركيا... فهما تفضلان ما هو تجاري على ما هو صناعي أو استثماري بعكس دول أخرى مجاورة للعراق مثل الأردن والسعودية والكويت.
مع الأردن وقّع العراق الكثير من الاتفاقيات قبل أكثر من شهرين حملت ملك الأردن عبد الله الثاني إلى زيارة العراق، ومن ثم رئيس وزرائه وعدد من الوزراء الذين استمروا في التواصل مع نظرائهم العراقيين من أجل إقامة «مناطق حرة» ومد أنبوب نفطي إلى ميناء العقبة بجنوب الأردن. وهذه خطوة رأى فيها الخبراء المعنيون بالشأن العراقي رغبة عراقية وبتنسيق أميركي لإحداث توازن في علاقات العراق الخارجية، بالذات، مع دول الجوار، بما يجعله يخرج تدريجياً من نطاق الهيمنة الإيرانية. وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي العراقي، باسم جميل أنطون، لـ«الشرق الأوسط»: إن «العراق وإيران وقعا خلال زيارة روحاني نحو 20 اتفاقية في مختلف الميادين الاقتصادية والتجارية والسياسية؛ إذ إن العراق في النهاية لا يستطيع التنصل من هذه العلاقة مع إيران». وكشف أنطون عن أن «العراق يعد ثاني مستورد للسلع الإيرانية بعد تركيا التي لا تزال تحتل المرتبة الأولى». وتابع: إن «العراق يحتاج بالدرجة الأساس إلى علاقات استثمارية حتى نحقق الفائدة المرجوة، وليس مجرد اتفاقيات لتبادل السلع والبضائع». ثم أشار إلى أن «العراق يستورد حالياً نحو 3000 ميغاواط في مجال الغاز والطاقة إلى أن يكون إنتاج الغاز العراقي جاهزاً». وحول موضوع إلغاء التأشيرة أو بقائها مع مجانيتها، يقول أنطون: إن «الزوار الإيرانيين هم أضعاف الزوار العراقيين؛ ولذا فإن الإعفاء من التأشيرة أو عدم استيفائها يؤثر سلباً على الاقتصاد العراقي. وهنا حث المسؤولين العراقيين إلى «رفع شعار العراق أولاً، كي لا تتحول البلاد إلى مجرد سوق لتصريف بضائع وسلع الجيران».

- شعار «العراق أولاً»...
جدير بالذكر، أن رفع شعار «العراق أولاً» لا يزال يحتاج إلى القدرة على خلق توازن في العلاقات مع باقي دول الجوار، وبخاصة العربي. وكان الرئيس برهم صالح قد دعا خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده مع نظيره الإيراني حسن روحاني إلى تأكيد ذلك عبر «حيادية موقف العراق من الصراعات الإقليمية والدولية». وشدّد صالح على أن «تحقيق الأمن يتطلب التعاون مع إيران ودول المنطقة... بغداد تمثل ملتقى لدول المنطقة، ونحن عازمون على التعاون مع الجميع». كذلك، بيّن صالح «آن الأوان للمنطقة أن تزدهر اقتصادياً من خلال التعاون المشترك». وشدد قائلاً: «لا نريد للعراق أن يكون ساحة للصراع الإقليمي أو الدولي».
بعد يوم من مغادرة روحاني العراق، وصل إلى بغداد وفد سعودي كبير برئاسة وزير التجارة ماجد القصبي. الوفد السعودي استُقبل بحفاوة بالغة من قِبل الرئاسات العراقية الثلاث، وهو ما يؤكد بدء حاجة العراق إلى التعامل مع الانفتاح العربي، ولا سيما السعودي، في إطار الحسابات السليمة في سياق التعامل مع المحيطين العربي والإقليمي.
وطبقاً لما أعلنه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أمام الوفد السعودي، فإن العراق ينظر إلى علاقته مع السعودية بوصفها علاقة استراتيجية. كما أعلن أن السعودية ومصر أي (المحيط العربي) ستكونان هما أولى محطاته الخارجية بعد نهاية مهلة الأشهر الستة التي ألزم نفسه خلالها بألا يجري أي زيارة خارجية عند تشكيل حكومته. وفي هذا السياق، يقول عبد الله الخربيط، عضو البرلمان العراقي عن كتلة المحور الوطني، لـ«الشرق الأوسط»: إن «الرؤية التي يستند إليها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي حيال مثل هذه الأمور تؤكد على تجنّب الانجرار إلى ما يمكن أن يتعارض مع المصلحة العراقية». وأوضح أن «عبد المهدي سياسي واقعي وليس عاطفياً، علماً بأن العراق يحتاج حالياً إلى الغاز الإيراني والكهرباء الإيرانية، وليس لمثل هذه الحاجات بديل على المدى المنظور». ويضيف الخربيط: إنه «بصرف النظر عن طبيعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن هناك حقيقة لا بد أن تدركها كل الأطراف في المنطقة، هي أن العراق بدأ يتعافى وبات مرشحاً لأن يصبح محوراً لا تابعاً».


مقالات ذات صلة

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات

ميشال أبونجم (باريس)
حصاد الأسبوع ميلونشون (رويترز)

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
حصاد الأسبوع قناة السويس (رويترز)

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها،

وارف قميحة
حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة


«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.