موضة الخمسينات.. فخامة ورومانسية تتحدى زمنها

أطلقها كريستيان ديور في عام 1947 .. مضادة للتقشف وتبناها معظم المصممين هذا الموسم

جورج حبيقة   -  «رالف آند روسو»  -  «جيامباتيستا فالي»  -  «ديور»
جورج حبيقة - «رالف آند روسو» - «جيامباتيستا فالي» - «ديور»
TT

موضة الخمسينات.. فخامة ورومانسية تتحدى زمنها

جورج حبيقة   -  «رالف آند روسو»  -  «جيامباتيستا فالي»  -  «ديور»
جورج حبيقة - «رالف آند روسو» - «جيامباتيستا فالي» - «ديور»

في الشهر الماضي، أسدل الستار على معرض «سحر الموضة الإيطالية: 1945 - 2014» في متحف «فيكتوريا آند ألبرت» بلندن. سلط المعرض الضوء على الموضة الإيطالية من الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، وكان لحقبة الخمسينات فيه حصة الأسد؛ فهذه الحقبة كانت مفعمة بالرومانسية، كما أنها شكلت شخصية الموضة كما نعرفها اليوم. حتى قبل أن ينتهي هذا المعرض بأشهر، سارعت باريس بافتتاح معرض لا يقل أهمية، في «باليه غاليريا» بعنوان «الخمسينات من 1947 إلى 1957» سيمتد إلى بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. والعارف لتاريخ الموضة لا بد أن يربط هذا التاريخ بالسيد كريستيان ديور، الذي قدم أول تشكيلة له في عام 1947 بمجموعة أطلقت عليها رئيسة تحرير مجلة «هاربرز بازار» آنذاك «ذي نيو لوك» ووفاته المفاجئة في عام 1957. لم يفت هذا الربط مصممي الأزياء، وإن كان الأمر لا يتعدى كونه مجرد توارد أفكار بحكم أنهم يفكرون في تشكيلاتهم ويرسمون خطوطها قبل طرحها بعدة أشهر؛ فقد حفلت عروض الأزياء الأخيرة بالأسلوب الذي أرساه كريستيان ديور، محددا به موضة القرنين العشرين والحادي والعشرين. ما لا ينكره أحد أن هذا الرجل الذي كان يحلم بأن يكون مهندسا ثم رساما، يعود له الفضل في تشكيل موضة الخمسينات وكتابة فصل جديد من الأناقة التي تفوح طياتها بالرومانسية، فضلا عن أنوثة مفعمة لا تبخل على المرأة بشيء، بدءا من أمتار طويلة من الأقمشة أو بالألوان أو الورود. على منصات العروض رأينا الكثير من التنورات المستديرة وأخرى أقل درامية ومستقيمة، لكن كلها بخصور مشدودة تبرز نحول هذا الجزء من الجسم، بالإضافة إلى طبعات الورود المتنوعة، مع أحذية من دون كعوب أو بكعوب منخفضة، مما لا يترك أدنى شك بأن «ذي نيو لوك» الذي أطلقه ديور في عام 1947 عاد مرة أخرى، وأعاد معه أنوثة بطعم عصري لـ«لادولتشي فيتا».
قد يكون مجرد صدفة تزامن هذا التوجه مع افتتاح معرض «الخمسينات من 1947 إلى 1957» في «باليه غاليريا» الباريسي، لكنه حتما يحكي ألف قصة وقصة من خلال فساتين بتصاميم متنوعة تؤرخ لهذه الحقبة وتأثيراتها على حياة المرأة في كل أنحاء العالم، مع أن المعرض الذي سيمتد إلى بداية شهر نوفمبر المقبل يسلط الضوء على هذه الموضة في فرنسا تحديدا، من خلال مجموعة متنوعة من الأزياء والرسومات والتغطيات في مجلات، مثل «إيل» و«باريس ماتش» وغيرهما.
استطاع أمين المعرض أوليفييه سايارد أن يجمع الكثير من الفساتين الفخمة للسهرة وأخرى للنهار، مطبوعة بأسلوب السيد كريستيان ديور، بعضها من تصميمه وبعضها الآخر لمصممين تأثروا به، أو كانوا أبناء عصرهم، من أمثال جاك فاث، كريستوبال بالانسياجا، مدام غري، وغيرهم. ما سيكتشفه الزائر إلى المعرض أن كريستوبال بالنسياجا كان يتمتع بعدة وجوه؛ فهو لا يتميز بأسلوب مهندس أو نحات فحسب، بل قدم تصاميم تتراقص فيها التنورات وتدور وكأنها مراوح هوائية مع كل حركة بفضل استعماله السخي للأقمشة بتقنيات مبتكرة، فضلا عن تنورات مستقيمة لكن منفوخة حول الخصر مع جاكيتات بأشكال مستديرة. في الفترة نفسها، بدأت بذور التغيير تظهر، مع الشاب إيف سان لوران الذي خلف كريستيان ديور إثر موته المفاجئ في عام 1957 ليبدأ تشكيل موضة الستينات من خلال فساتين قصيرة تبتعد عن الخصر ولا تلمسه، استنكرها عشاق الأسلوب الخمسيني لكن عانقتها المرأة الشابة التواقة للانعتاق والتحرر من كل القيود الاجتماعية والاقتصادية وإملاءات الموضة كما تراها الأمهات والجدات.
لكن رغم مرور العقود، وظهور عدة موجات في الستينات والسبعينات، ظل أسلوب الخمسينات حيا، يتأرجح بين القوة والضعف، لكنه لا يتراجع أو يسمح للنسيان بأن يطويه. ودائما، ما إن يشار إليه، حتى يحضر اسم كريستيان ديور، إلى حد أنه يمكن تسميته بالرجل الذي حقق ثورة التنورة المستديرة والخصر النحيل، وفي وقت كانت فيه جراح العالم لم تندمل بعد من آثار الحرب العالمية الثانية وحالة التقشف التي كانت لا تزال مفروضة على الناس. ثم جاء ديور ومحا آثارها من خزانة المرأة، على الأقل، بتمرده على الأشكال القديمة وعلى حالة التقشف باستعماله أمتارا وأمتارا من الأقمشة.
باركته المرأة لأنه أعاد إليها أنوثتها، كما أعاد لها خصرها الذي اختفى طوال سنوات الحرب تحت أزياء أقرب إلى الرجالية بخشونتها، إضافة إلى تلك الرومانسية التي افتقدتها من خلال باقات من الورود طبعها على هذه التصاميم. فجأة تغيرت صورة الموضة ومعها صورة المرأة التي تحولت إلى ما يشبه الوردة المتفتحة.
في هذه الفترة، بدأت باريس تستعيد قوتها كعاصمة أزياء راقية «هوت كوتير» بعد سنوات عجاف، فيما يمكن تسميته بعصر النهضة، لأن كريستيان ديور كان واحدا فقط من بين عدة أسماء ساهموا في هذه النهضة، نذكر منهم شانيل، جاك فاث، بالنسياجا، بيير بالمان، جيفنشي وغيرهم ممن شكلوا ملامح هذه الفترة. ولأن الأزياء كانت في الخمسينات، خصوصا الـ«هوت كوتير»، إحدى ركائز الاقتصاد الفرنسي، لم يكن غريبا أن تساهم هذه النهضة في انتعاش الاقتصاد، لا سيما بعد معانقة السوق الأميركية لـ«ذي نيو لوك» الذي أطلقه ديور.
لم تعانقه كل نساء أميركا عن طواعية، بل روجت له النجمات أيضا بصدر رحب، حيث ارتبط اسم أودري هيبورن بهيبار جيفنشي، وغرايس كيلي بكريستيان ديور، وربما هذا ما يجعل هاتين النجمتين، على اختلاف أسلوبهما، تجسيدا لأناقة الخمسينات. مثلا، لا يمكن ذكر اسم غريس كيلي من دون ذكر كريستيان ديور، حيث ظهرت في الكثير من تصاميمه في حياتها الخاصة وفي أفلامها، مثل «النافذة الخلفية» و«كيف تلقي القبض على لص؟» و«هاي سوسايتي» وغيرها من الأفلام الكلاسيكية. كان كل ما فيها يضج بأناقة راقية تتميز دائما بتنورة مستديرة وخصر مشدود يبرز نحوله، وكنزة بسيطة بياقة مستديرة تظهر جزءا من صدرها. كان أسلوبها مختلفا عن ذلك الذي تبنته أودري هيبورن في هذه الفترة. فهذه الأخيرة تبنت بنطلونات «كابري» التي تجلس فوق الكاحل وتظهر جزءا مهما منه، أو تنورات مستديرة لكنها أقصر بعض الشيء، مع كنزات ضيقة وأحذية باليرينا، وهو ما يراه البعض أسلوبا آخرا يميز الخمسينات، ويمهد نوعا ما لموضة الستينات، كما فرضتها التغيرات الاجتماعية؛ فهذه الفترة شهدت تحرر المرأة وبوادر خروجها للعمل بشكل رسمي، وهو ما تطلب أسلوبا أقل درامية وأكثر عملية مع لمسة تحرر تمثلت في الطول القصير جدا بالنسبة للفتيات خصوصا.
كأي شيء يبدأ في باريس، سرعان ما انتشر «ذي نيو لوك» في باقي العواصم العالمية. في إيطاليا التي كانت تعيش نهضتها السينمائية في روما، أخذت هذه الموضة بعدا أوروبيا راق الأميركيات، خصوصا أن من روجن له هن صوفيا لورين، جينا لولو بريجيدا وكلوديا كاردينالي، فضلا عن نجمات هوليوود، مثل أودري هيبورن، إيفا غاردنر، إليزابيث تايلور وغيرهن. كان هؤلاء يحضرن إلى روما لتصوير أفلام مثل «كليوباترا» و«رومان هوليداي»، (إجازة رومانية) يستغللن الفرصة لخياطة أزيائهن في معاملها. فبينما كانت باريس توفر لهن فساتين سهرة فخمة، كانت روما توفر لهن أزياء للنهار بلمسة إيطالية تستحضر شمس كابري وأجواء بورتوفينو. ورغم المنافسة والصراع بين باريس وروما، كان هناك دائما خيط يجمعهما هو فخامة الخمسينات.
هذا الخيط ميز الكثير من العروض التي شهدتها العواصم العالمية سواء لصيف 2014 أو خريفه وشتائه المقبلين. تامارا رالفن المصممة الفنية في دار «رالف آند روسو» تقول بأن هذه الفترة «هي المفضلة لدي، لأنها تخاطب امرأة تتمتع بإحساس قوي بالأناقة والأنوثة، وتقدر أزياء راقية وفخمة في الوقت ذاته. هذا الأسلوب الذي يتباين بين المسرحي الدرامي والرومانسي الذي يستحضر قصص الأساطير والأميرات، كان دائما مصدر إلهام بالنسبة لي. كل شيء فيه، من الخطوط إلى التطريزات الدقيقة والغنية، لكن دائما بأسلوب عصري يناسب إيقاع الحياة التي نعيشها الآن». ويبدو أن تامارا ليست وحدها في هذا الرأي بالنظر إلى ما طرحه كل من جيامباتيستا فالي، وإيلي صعب، وطبعا ديور، لكن بأسلوب مصممها الفني الحالي، راف سيمونز، البعيد عن الدرامية.

* همسات:
* في الوقت الذي تناسب فيه التنورة المستقيمة أغلب النساء، فإن التنورة المستديرة تتطلب تعاملا خاصا حتى يأتي المظهر موفقا. السبب أنها رغم سخاء الأقمشة تخاطب الرشيقات أكثر، لهذا ينصح الخبراء دائما باختيارها بلون كلاسيكي يميل إلى الداكن، وبقماش ناعم حتى تنسدل على الجسم بسهولة عوض أن تزيد من عرضه. وإذا كان جسمك ممتلئا، فتجنبيها إذا كانت مبطنة.
* يفضل أيضا تنسيقها مع قميص مفصل أو مع كنزة ضيقة، علما بأن الخمسينات لا تعني فقط تنورة مستديرة وطويلة، بل تعني أيضا تنورة مستقيمة تصل إلى الركبة، لهذا اختاريها بدرجات طبيعية ولا بأس أن تزينها فتحة من الجانب أو بثنيات «بليسيه» حتى يسهل عليك المشي فيها.
* تعرفين جيدا أن تصميم الحذاء يلعب دورا مهما في إضفاء الحداثة على هذا المظهر أو الكلاسيكية. عندما يكون بكعب عال ورفيع، فإن المظهر يستحضر غرايس كيلي وتلك الأناقة الكلاسيكية التي تخاطب امرأة ناضجة أو جريئة، بينما عندما يكون من دون كعب، أو بتصميم رياضي أو رجالي، فإنه يقول بأنك ابنة عصرك.
* معرض«الخمسينات من 1947 إلى 1957» سيمتد إلى شهر نوفمبر المقبل في
Palais Galliera
10 avenue Pierre 1er de Serbie،
Paris 16e، 75116 Paris



أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.