المغربي طارق بكاري: اخترت كتابة الرواية لأنها تتسع لكل الأنواع الأدبية

يرى أن حاضر الرواية المغربية بخير... ومتداولة عربياً

طارق البكاري
طارق البكاري
TT

المغربي طارق بكاري: اخترت كتابة الرواية لأنها تتسع لكل الأنواع الأدبية

طارق البكاري
طارق البكاري

في هذا الحوار، يرى الكاتب المغربي طارق بكاري (31 سنة) أن «حاضر الرواية المغربية بخير»، فـ«الروائيون المغاربة يعتلون سنوياً منصات التتويج»، وأن «هناك كثيراً من التجارب الروائية التي أخذت على عاتقها مهمة تجديد الرواية المغربية مبنى ومعنى».
لكن بكاري، الذي توج في 2016 بــجائزة المغرب للكتاب عن روايته «نوميديا»، التي اختيرت في السنة نفسها ضمن القائمة القصيرة لجائزة «بوكر»، يأخذ على الرواية المغربية أنها أهملت خلال مرحلة طويلة من تاريخها الحكاية لصالح التجريب. الأمر الذي تداركته الكتابات الجديدة، بشكل أعادَ للكتابة المغربية وهجها وصالحَ القراء معها.
هنا حوار معه...
> أنت دخلت القائمة القصيرة لجائزة «بوكر»، وتُوجت بـ«جائزة المغرب للكتاب» قبل عقدك الثالث، وهو شيء نادر. كيف حققت هذا النجاح الأدبي؟
- هناك وصفة، لكنها معقدة، وفوق ذلك غير مضمونة النتائج. على العموم، فإن الإخلاص للكتابة، وقبل ذلك للقراءة، كفيلٌ بأن يضع بين أيدينا النجاح. كتبتُ 3 أرباع روايتي الأولى، ولم أكن أحفل بنشر العمل، ولم أكن أنتظر أن يقرأهُ أحدٌ سواي. انفتحتُ على القراءة مبكراً، التهمتُ كثيراً من الكتب، كنتُ محظوظاً بخزانة بلدية ثرية بالروائع الأدبية. لكنني ثري كذلك بالحياة التي عشتها، والتي كانت متطرفة في كل شيء. أفراحٌ مجنونة، وخيبات كبيرة. أعتقد أنني كنتُ مدفوعاً إلى الكتابة. كلّ التجارب، كل القراءات كانت تُنضجُ رؤيتي الغريبة للعالم والأشياء. المعادلة الصعبة أن تقرأ جيداً، وأن تعيشَ حياة حافلة بالمآسي والمسرات، وأن تتخذ من الكتابة أسلوب حياة، دون أن تنتظر من ذلك شيئاً. هذه إحدى مفاتيح النجاح الأدبي.
> لماذا اخترت الرواية، دون باقي الأجناس الإبداعية؟ هل لأنها «موضة»، أم لأنها فرضت شكلها عليك؟
- اخترتُ الرواية بعد أن تأكدتُ أنها تتسع لباقي الأشكال الأدبية، أدمنتُ القصيدة زمناً، لكنني كنتُ أرى على الدوام أن شكل الرواية وحده يتسعُ لرؤاي مثلما يتسع لباقي الأجناس الأدبية. في الرواية يمكن أن تكونَ شاعراً، وقاصاً، ومسرحياً، بل مفكراً وفيلسوفاً. شكل الرواية يمنحُ كاتبها حرية كبيرة في الاختيار والإبداع.
> ألا يتخوف طارق بكاري من أن تكون «نوميديا» شبيهة بروايات صنعت مجد أصحابها، فغطت على ما تلاها من أعمال... أتحدث هنا عن «الخبز الحافي» لمحمد شكري، أو «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، مثلاً؟
- لا أتخوفُ من هذا الأمر إطلاقاً. من الجميل أن يتذكرك الناسُ بجملة، فما بالك برواية. «نوميديا» رواية جميلة، أودعتُ فيها الكثير منّي، وتستحق المجد الذي وصلت إليه، لكن من يتابع مشروعي الروائي بعيداً عن صخب الجائزة يلمس التطور والاختلاف والتجديد في مبنى أعمالي ومعناها. الطيب صالح وضع لنفسه في «موسم الهجرة إلى الشمال» سقفاً لم يستطع تجاوزه، ربما لأنه كاتب مقل، أما شكري فأعتقد أنه لم يكتب في الحقيقة سوى «الخبر الحافي». جميع رواياته امتداد لها. حياته المجنونة شغلته عن خوض مغامرة الكتابة بعيداً عن سيرته الذاتية. أمامي الكثير من الوقت، الكثير من الآفاق لأرتادها، وفوقَ ذلك هناك تطور في المشروع الأدبي بشهادة النقاد والقراء. وعلى العموم، فهذه الأعمال عندي كأبنائي، ولا أجد أحدها أفضل من الآخر، بل إنها بمعنى من المعاني يكمّلُ بعضها البعض، وترسم ملامح المشروع الروائي الذي أشتغل عليه.
> كيف تشكل مشروع طارق بكاري، على صعيد المرجعية والاختيارات الأدبية؟
- أعتقد أن أي كاتب يملكُ رؤية فريدة للوجود والحياة والأشياء من حوله، وهذه الرؤية هي التي تشكل ملامح مشروعه الأدبي وتؤثثُ فضاءاته، بعد أن تصقلها التجارب الحياتية والقراءات المتنوعة، والمتتبع لمنجزي الروائي سيجد أن قضايا الذاكرة والهوية والعاطفة تقع في صميم هذا المشروع، وأنّ عالمي الروائي يمتح من روافد معرفية متنوعة خارج مجال الرواية. الحديثُ هنا عن المجال السيكولوجي الذي أسعفني للتغلغل بعيداً في نفسيات شخصياتي الروائية. المجال السوسيولوجي يحضر بقوة إلى جانب الحقل الأنثروبولوجي، ولا سيما ما تعلّقَ بالمجتمع المغربي الأمازيغي. أعتقد أنّ الكاتب الذي يقرأ الروايات فقط يحكم على مشروعه الأدبي بالفشل، لأن القارئ لا ينتظر منك حكاية فقط، بل ينتظرُ معرفة كذلك، لذلك من واجب الكاتب أن يغذي مشروعه الأدبي بروافد معرفية متنوعة.
> إلى أي قارئ يتوجه طارق بكاري؛ مغربي... أم عربي... أم كوني؟
- أتوجهُ إلى القارئ المغربي، لكن عيني على القارئ الكوني. لا أعتقد أن الوصول إلى العالمية رهين بكتابة روايات تتوجه إلى قارئ كوني. الروايات العظيمة صالحة لكل القراء، بل إن الكاتب كلما تمسك بمحليتهِ كلما قرّبه ذلك من العالمية، والروايات التي تؤكد هذا الأمر كثيرة جداً. كما أنني أكتبُ لنفسي كذلك، أكتبُ استشفاءً. أكتبُ دونَ أن أفكرَ في الجمهور الذي سيقرأ أعمالي. أكتبُ وأنا على يقينٍ من أن العمل حين يطرقُ نوافذ قلبي لا بد أن يسكن قلبَ القارئ، مهما كانت لغته وهويته. إنني حين أكتبُ لنفسي أكتبُ للإنسان، بعيداً عن تعقيدات اللغة والجغرافيا.
> كيف هي علاقتك بأجيال الرواية المغربية... على مستوى المقروء والتأثير؟
- لم أقرأ كثيراً للروائيين المغاربة. ترعرعتُ ثقافياً في مكتبة بلدية «نظراً لضيق الحال»، وكانت تلك المكتبة مشرقية الهوى. حاولت الانفتاح على الأدب المغربي مبكراً، لكنني ارتطمتُ بنصوص سدّت شهيتي وحالت دون استزادتي من هذا الأدب. فيما بعد قرأتُ نصوصاً جميلة لروائيين مغاربة من مختلف الأجيال، لكن ما يؤخذ على الرواية المغربية في مرحلة طويلة من تاريخها أنها أهملت الحكاية لصالح التجريب. الأمر الذي تداركته الكتابات الجديدة، والأمر الذي أعادَ للكتابة المغربية مؤخراً وهجها وصالحَ القراء مع الأدب المغربي. أعتقد أننا نعيشُ حالياً ربيعاً للرواية في المغرب، وقد أزعمُ أن الرواية المغربية اليوم أكثر من أي وقت مضى بخير. هناك الكثير من التجارب الروائية التي أخذت على عاتقها مهمة تجديد الرواية المغربية مبنى ومعنى، وهناك في المقابل جمهور متحمس للرواية يكبرُ كل يومٍ أكثر.
> تتباين الآراء حول «تناسل» الجوائز العربية وتركيزها أكثر على جنس الرواية. هناك من يرى أنها يمكن أن تعطي تقييماً مغلوطاً لقيمة المنجز المتوج، بفعل مؤثرات خارج إبداعية، تتدخل في تكوين وتوجيه لجان القراءة.
- لا أعتقد أن هناك تناسلاً للجوائز. هناك عددٌ من الجوائز العربية، وهي على العموم دونَ المتوسط، مقارنة بالدول الغربية، طبعاً الجوائز تركز على فن الرواية، لأننا نعيشُ زمن الرواية، ولأن هناك اهتماماً متزايداً بهذا الفن كتابة وطباعة وقراءة، ولأن الرواية على العموم قادرة على احتواء باقي الأجناس الأدبية. أما بخصوص الجوائز الأدبية فأعتقد أن لجان قراءتها قد تتأثرُ أحياناً بمؤثرات خارج إبداعية. الأمر الذي يؤثر أحياناً على اختيار الروايات الفائزة، لذلك فإن اختيار هذه اللجان «من قبل مجالس الأمناء» مهمٌ جداً، ومؤثر في اختيار العمل المتوج، وأعتقد أن هذا هو السر وراء نجاح بعض الجوائز وفشل أخرى.
> من «نوميديا» إلى «القاتل الأشقر»، مروراً بـ«مرايا الجنرال»... كيف تبني رواياتك وتقترح شخصياتها؟
- الحقيقة أن لكل رواية حكايتها الخاصة، وأحياناً قدرها الخاص. بالنسبة لـ«نوميديا» كانت مرثية لإغرم، الأرض الأحب إلى قلبي، كتبتُ عن أرض تسكنني، وأودعتُ فيها نصيباً من عقدي وهمومي والكثير من خيباتي. «مرايا الجنرال» كانت قراءة سياسية قادتني إليها تأملاتي في الاندحار المأساوي للربيع العربي، وقد اخترتُ العودة إلى ربيع آخر حقيقي أجهضتهُ الأنظمة العسكرية في أغلب الأوطان العربية. أما «الأشقر» فقد اخترت أن يكون ابن حاضره، وأن يكون رواية كل القضايا الحساسة التي شغلت الإنسان العربي في السنوات العشر الأخيرة. وعلى رأس هذه القضايا الإرهاب وتنامي الحركات المتطرفة داخل المجتمعات العربية.
إن الرواية أي رواية لا تنبني بين عشية وضحاها، يكذب من يزعمُ أنهُ خطّط لكل شيء قبل أن يشرعَ في الكتابة، بناءُ أحداث الرواية ورسم الشخصيات كلها أشياء تأتي بالتدريج، وغالباً ما تمليها طبيعة العالم الروائي الذي يشيده الكاتب.
> تحدثت عن علاقة رواياتك بـ«الأرض» و«الاندحار المأساوي للربيع العربي» وقضايا «الإرهاب وتنامي الحركات المتطرفة داخل المجتمعات العربية»... كيف يعيش طارق بكاري تحولات المجتمع وانشغالاته؟
- كروائي أهتم بتحولات المجتمع، لكن عكس الصحافي الذي يعنيهِ الحدث، والتعليق على الحدث ومناقشته، فإن الروائي ينشغل بسيرورة الأحداث وقراءتها في مجملها كظواهر. طبعاً أراقب تحولات المجتمع، وأهتمّ بها، لأنّ أي كاتب لا يصغي لنبض واقعه يحكم على مشروعه الأدبي بالفشل. أهتم بتحولات المجتمع وأراقب مختلف أحداثه وأحاول الإجابة عن أسئلة الواقع في أعمالي، وتلهمني مشكلاته وقضاياه. في عملي الأخير مثلاً، إشارة قوية إلى المشكلات التي يثيرها توغل التكنولوجيا في حياة الإنسان، وأثر ذلك على الأفراد والمجتمعات. يكفي أن نشير إلى أن الرواية تنطلقُ من شريط فضيحة جنسية سيشرّدُ البطل في المنافي، إلى أن ينتهي في أحضان تنظيم إرهابي متطرف، يصور مشاهد القتل والتعذيب ويبعثُ من خلالها رسائل إلى العالم.
- ماذا عن الأمكنة؟ كيف يمكن رصد علاقة الإنسان بالمكان؟ ثم كيف «نكذب بشكل مقصود، إذا قلنا إن ذاكرة الأمكنة لا تتدخل في تكويننا النفسي»، كما نقرأ لك في رواية «نوميديا»؟
> المقصود هنا الأمكنة التي تسكننا، الأمكنة التي نغادرها وتأبى هي أن تغادرنا. العلاقة بين الإنسان والمكان علاقة ملتبسة وغامضة، لكنها لا تخلو من حميمية. لذلك، أعتقد أن المكان يساهمُ بنصيبٍ في بناء شخصية الإنسان ويتدخل بشكل مهم في تكوينه النفسي، فالأمكنة، خاصة تلك التي ترتبط بطفولتنا وبذكرياتنا الطيبة، تظلّ موشومة في الذاكرة، ويظل حنيننا إليها أبدياً، ويظلُ ولاؤنا ووفاؤنا لها مستمراً، لأنها لا تصبحُ مجرد مكان، بل تصبحُ جزءاً من الوجدان، وأعتقد أن هذا الأمر مبطنٌ في بيت شهير جداً لأبي تمام، يقول فيه: «كم منزل في الأرض يعشقه الفتى ... وحنينهُ أبداً لأول منزل». والوعل مراد كانَ مسكوناً بإغرم، هذه القرية التي من فرط ما أحبها آلمتهُ، وظل مسكوناً بها إلى أن استعادتهُ أخيراً، وهنا سيصرحُ بأنها أسهمت في تكوين نفسيتهِ.



«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».