المغربي طارق بكاري: اخترت كتابة الرواية لأنها تتسع لكل الأنواع الأدبية

يرى أن حاضر الرواية المغربية بخير... ومتداولة عربياً

طارق البكاري
طارق البكاري
TT

المغربي طارق بكاري: اخترت كتابة الرواية لأنها تتسع لكل الأنواع الأدبية

طارق البكاري
طارق البكاري

في هذا الحوار، يرى الكاتب المغربي طارق بكاري (31 سنة) أن «حاضر الرواية المغربية بخير»، فـ«الروائيون المغاربة يعتلون سنوياً منصات التتويج»، وأن «هناك كثيراً من التجارب الروائية التي أخذت على عاتقها مهمة تجديد الرواية المغربية مبنى ومعنى».
لكن بكاري، الذي توج في 2016 بــجائزة المغرب للكتاب عن روايته «نوميديا»، التي اختيرت في السنة نفسها ضمن القائمة القصيرة لجائزة «بوكر»، يأخذ على الرواية المغربية أنها أهملت خلال مرحلة طويلة من تاريخها الحكاية لصالح التجريب. الأمر الذي تداركته الكتابات الجديدة، بشكل أعادَ للكتابة المغربية وهجها وصالحَ القراء معها.
هنا حوار معه...
> أنت دخلت القائمة القصيرة لجائزة «بوكر»، وتُوجت بـ«جائزة المغرب للكتاب» قبل عقدك الثالث، وهو شيء نادر. كيف حققت هذا النجاح الأدبي؟
- هناك وصفة، لكنها معقدة، وفوق ذلك غير مضمونة النتائج. على العموم، فإن الإخلاص للكتابة، وقبل ذلك للقراءة، كفيلٌ بأن يضع بين أيدينا النجاح. كتبتُ 3 أرباع روايتي الأولى، ولم أكن أحفل بنشر العمل، ولم أكن أنتظر أن يقرأهُ أحدٌ سواي. انفتحتُ على القراءة مبكراً، التهمتُ كثيراً من الكتب، كنتُ محظوظاً بخزانة بلدية ثرية بالروائع الأدبية. لكنني ثري كذلك بالحياة التي عشتها، والتي كانت متطرفة في كل شيء. أفراحٌ مجنونة، وخيبات كبيرة. أعتقد أنني كنتُ مدفوعاً إلى الكتابة. كلّ التجارب، كل القراءات كانت تُنضجُ رؤيتي الغريبة للعالم والأشياء. المعادلة الصعبة أن تقرأ جيداً، وأن تعيشَ حياة حافلة بالمآسي والمسرات، وأن تتخذ من الكتابة أسلوب حياة، دون أن تنتظر من ذلك شيئاً. هذه إحدى مفاتيح النجاح الأدبي.
> لماذا اخترت الرواية، دون باقي الأجناس الإبداعية؟ هل لأنها «موضة»، أم لأنها فرضت شكلها عليك؟
- اخترتُ الرواية بعد أن تأكدتُ أنها تتسع لباقي الأشكال الأدبية، أدمنتُ القصيدة زمناً، لكنني كنتُ أرى على الدوام أن شكل الرواية وحده يتسعُ لرؤاي مثلما يتسع لباقي الأجناس الأدبية. في الرواية يمكن أن تكونَ شاعراً، وقاصاً، ومسرحياً، بل مفكراً وفيلسوفاً. شكل الرواية يمنحُ كاتبها حرية كبيرة في الاختيار والإبداع.
> ألا يتخوف طارق بكاري من أن تكون «نوميديا» شبيهة بروايات صنعت مجد أصحابها، فغطت على ما تلاها من أعمال... أتحدث هنا عن «الخبز الحافي» لمحمد شكري، أو «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، مثلاً؟
- لا أتخوفُ من هذا الأمر إطلاقاً. من الجميل أن يتذكرك الناسُ بجملة، فما بالك برواية. «نوميديا» رواية جميلة، أودعتُ فيها الكثير منّي، وتستحق المجد الذي وصلت إليه، لكن من يتابع مشروعي الروائي بعيداً عن صخب الجائزة يلمس التطور والاختلاف والتجديد في مبنى أعمالي ومعناها. الطيب صالح وضع لنفسه في «موسم الهجرة إلى الشمال» سقفاً لم يستطع تجاوزه، ربما لأنه كاتب مقل، أما شكري فأعتقد أنه لم يكتب في الحقيقة سوى «الخبر الحافي». جميع رواياته امتداد لها. حياته المجنونة شغلته عن خوض مغامرة الكتابة بعيداً عن سيرته الذاتية. أمامي الكثير من الوقت، الكثير من الآفاق لأرتادها، وفوقَ ذلك هناك تطور في المشروع الأدبي بشهادة النقاد والقراء. وعلى العموم، فهذه الأعمال عندي كأبنائي، ولا أجد أحدها أفضل من الآخر، بل إنها بمعنى من المعاني يكمّلُ بعضها البعض، وترسم ملامح المشروع الروائي الذي أشتغل عليه.
> كيف تشكل مشروع طارق بكاري، على صعيد المرجعية والاختيارات الأدبية؟
- أعتقد أن أي كاتب يملكُ رؤية فريدة للوجود والحياة والأشياء من حوله، وهذه الرؤية هي التي تشكل ملامح مشروعه الأدبي وتؤثثُ فضاءاته، بعد أن تصقلها التجارب الحياتية والقراءات المتنوعة، والمتتبع لمنجزي الروائي سيجد أن قضايا الذاكرة والهوية والعاطفة تقع في صميم هذا المشروع، وأنّ عالمي الروائي يمتح من روافد معرفية متنوعة خارج مجال الرواية. الحديثُ هنا عن المجال السيكولوجي الذي أسعفني للتغلغل بعيداً في نفسيات شخصياتي الروائية. المجال السوسيولوجي يحضر بقوة إلى جانب الحقل الأنثروبولوجي، ولا سيما ما تعلّقَ بالمجتمع المغربي الأمازيغي. أعتقد أنّ الكاتب الذي يقرأ الروايات فقط يحكم على مشروعه الأدبي بالفشل، لأن القارئ لا ينتظر منك حكاية فقط، بل ينتظرُ معرفة كذلك، لذلك من واجب الكاتب أن يغذي مشروعه الأدبي بروافد معرفية متنوعة.
> إلى أي قارئ يتوجه طارق بكاري؛ مغربي... أم عربي... أم كوني؟
- أتوجهُ إلى القارئ المغربي، لكن عيني على القارئ الكوني. لا أعتقد أن الوصول إلى العالمية رهين بكتابة روايات تتوجه إلى قارئ كوني. الروايات العظيمة صالحة لكل القراء، بل إن الكاتب كلما تمسك بمحليتهِ كلما قرّبه ذلك من العالمية، والروايات التي تؤكد هذا الأمر كثيرة جداً. كما أنني أكتبُ لنفسي كذلك، أكتبُ استشفاءً. أكتبُ دونَ أن أفكرَ في الجمهور الذي سيقرأ أعمالي. أكتبُ وأنا على يقينٍ من أن العمل حين يطرقُ نوافذ قلبي لا بد أن يسكن قلبَ القارئ، مهما كانت لغته وهويته. إنني حين أكتبُ لنفسي أكتبُ للإنسان، بعيداً عن تعقيدات اللغة والجغرافيا.
> كيف هي علاقتك بأجيال الرواية المغربية... على مستوى المقروء والتأثير؟
- لم أقرأ كثيراً للروائيين المغاربة. ترعرعتُ ثقافياً في مكتبة بلدية «نظراً لضيق الحال»، وكانت تلك المكتبة مشرقية الهوى. حاولت الانفتاح على الأدب المغربي مبكراً، لكنني ارتطمتُ بنصوص سدّت شهيتي وحالت دون استزادتي من هذا الأدب. فيما بعد قرأتُ نصوصاً جميلة لروائيين مغاربة من مختلف الأجيال، لكن ما يؤخذ على الرواية المغربية في مرحلة طويلة من تاريخها أنها أهملت الحكاية لصالح التجريب. الأمر الذي تداركته الكتابات الجديدة، والأمر الذي أعادَ للكتابة المغربية مؤخراً وهجها وصالحَ القراء مع الأدب المغربي. أعتقد أننا نعيشُ حالياً ربيعاً للرواية في المغرب، وقد أزعمُ أن الرواية المغربية اليوم أكثر من أي وقت مضى بخير. هناك الكثير من التجارب الروائية التي أخذت على عاتقها مهمة تجديد الرواية المغربية مبنى ومعنى، وهناك في المقابل جمهور متحمس للرواية يكبرُ كل يومٍ أكثر.
> تتباين الآراء حول «تناسل» الجوائز العربية وتركيزها أكثر على جنس الرواية. هناك من يرى أنها يمكن أن تعطي تقييماً مغلوطاً لقيمة المنجز المتوج، بفعل مؤثرات خارج إبداعية، تتدخل في تكوين وتوجيه لجان القراءة.
- لا أعتقد أن هناك تناسلاً للجوائز. هناك عددٌ من الجوائز العربية، وهي على العموم دونَ المتوسط، مقارنة بالدول الغربية، طبعاً الجوائز تركز على فن الرواية، لأننا نعيشُ زمن الرواية، ولأن هناك اهتماماً متزايداً بهذا الفن كتابة وطباعة وقراءة، ولأن الرواية على العموم قادرة على احتواء باقي الأجناس الأدبية. أما بخصوص الجوائز الأدبية فأعتقد أن لجان قراءتها قد تتأثرُ أحياناً بمؤثرات خارج إبداعية. الأمر الذي يؤثر أحياناً على اختيار الروايات الفائزة، لذلك فإن اختيار هذه اللجان «من قبل مجالس الأمناء» مهمٌ جداً، ومؤثر في اختيار العمل المتوج، وأعتقد أن هذا هو السر وراء نجاح بعض الجوائز وفشل أخرى.
> من «نوميديا» إلى «القاتل الأشقر»، مروراً بـ«مرايا الجنرال»... كيف تبني رواياتك وتقترح شخصياتها؟
- الحقيقة أن لكل رواية حكايتها الخاصة، وأحياناً قدرها الخاص. بالنسبة لـ«نوميديا» كانت مرثية لإغرم، الأرض الأحب إلى قلبي، كتبتُ عن أرض تسكنني، وأودعتُ فيها نصيباً من عقدي وهمومي والكثير من خيباتي. «مرايا الجنرال» كانت قراءة سياسية قادتني إليها تأملاتي في الاندحار المأساوي للربيع العربي، وقد اخترتُ العودة إلى ربيع آخر حقيقي أجهضتهُ الأنظمة العسكرية في أغلب الأوطان العربية. أما «الأشقر» فقد اخترت أن يكون ابن حاضره، وأن يكون رواية كل القضايا الحساسة التي شغلت الإنسان العربي في السنوات العشر الأخيرة. وعلى رأس هذه القضايا الإرهاب وتنامي الحركات المتطرفة داخل المجتمعات العربية.
إن الرواية أي رواية لا تنبني بين عشية وضحاها، يكذب من يزعمُ أنهُ خطّط لكل شيء قبل أن يشرعَ في الكتابة، بناءُ أحداث الرواية ورسم الشخصيات كلها أشياء تأتي بالتدريج، وغالباً ما تمليها طبيعة العالم الروائي الذي يشيده الكاتب.
> تحدثت عن علاقة رواياتك بـ«الأرض» و«الاندحار المأساوي للربيع العربي» وقضايا «الإرهاب وتنامي الحركات المتطرفة داخل المجتمعات العربية»... كيف يعيش طارق بكاري تحولات المجتمع وانشغالاته؟
- كروائي أهتم بتحولات المجتمع، لكن عكس الصحافي الذي يعنيهِ الحدث، والتعليق على الحدث ومناقشته، فإن الروائي ينشغل بسيرورة الأحداث وقراءتها في مجملها كظواهر. طبعاً أراقب تحولات المجتمع، وأهتمّ بها، لأنّ أي كاتب لا يصغي لنبض واقعه يحكم على مشروعه الأدبي بالفشل. أهتم بتحولات المجتمع وأراقب مختلف أحداثه وأحاول الإجابة عن أسئلة الواقع في أعمالي، وتلهمني مشكلاته وقضاياه. في عملي الأخير مثلاً، إشارة قوية إلى المشكلات التي يثيرها توغل التكنولوجيا في حياة الإنسان، وأثر ذلك على الأفراد والمجتمعات. يكفي أن نشير إلى أن الرواية تنطلقُ من شريط فضيحة جنسية سيشرّدُ البطل في المنافي، إلى أن ينتهي في أحضان تنظيم إرهابي متطرف، يصور مشاهد القتل والتعذيب ويبعثُ من خلالها رسائل إلى العالم.
- ماذا عن الأمكنة؟ كيف يمكن رصد علاقة الإنسان بالمكان؟ ثم كيف «نكذب بشكل مقصود، إذا قلنا إن ذاكرة الأمكنة لا تتدخل في تكويننا النفسي»، كما نقرأ لك في رواية «نوميديا»؟
> المقصود هنا الأمكنة التي تسكننا، الأمكنة التي نغادرها وتأبى هي أن تغادرنا. العلاقة بين الإنسان والمكان علاقة ملتبسة وغامضة، لكنها لا تخلو من حميمية. لذلك، أعتقد أن المكان يساهمُ بنصيبٍ في بناء شخصية الإنسان ويتدخل بشكل مهم في تكوينه النفسي، فالأمكنة، خاصة تلك التي ترتبط بطفولتنا وبذكرياتنا الطيبة، تظلّ موشومة في الذاكرة، ويظل حنيننا إليها أبدياً، ويظلُ ولاؤنا ووفاؤنا لها مستمراً، لأنها لا تصبحُ مجرد مكان، بل تصبحُ جزءاً من الوجدان، وأعتقد أن هذا الأمر مبطنٌ في بيت شهير جداً لأبي تمام، يقول فيه: «كم منزل في الأرض يعشقه الفتى ... وحنينهُ أبداً لأول منزل». والوعل مراد كانَ مسكوناً بإغرم، هذه القرية التي من فرط ما أحبها آلمتهُ، وظل مسكوناً بها إلى أن استعادتهُ أخيراً، وهنا سيصرحُ بأنها أسهمت في تكوين نفسيتهِ.



«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».


مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
TT

مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)

فشلت عزة حمدي، وهي موظفة في الأربعين من عمرها تعيش في محافظة بني سويف (120 كم جنوب القاهرة)، في شراء سبيكة ذهبية صغيرة، بعدما سحبت جزءاً من مدخراتها المالية لشراء سبيكتين يزن كل منهما غراماً واحداً، مستفيدة من التراجع الجزئي في سعر الذهب. واضطرت في النهاية إلى دفع أموالها والانتظار نحو أسبوعين لتتسلم السبائك الخاصة بها.

طافت عزة محلات الصاغة في مدينتها، لكنها بعد جولة شملت أكثر من 10 محلات لم تجد ما تريد، وعادت إلى منزلها بعدما أخبرها عاملون بعدم وجود سبائك أو جنيهات ذهبية، وأن المتاح يقتصر على أوزان كبيرة من السبائك الذهبية فقط، يتراوح وزنها بين 20 غراماً و100 غرام، وهو ما يفوق قدرتها المالية.

تقول عزة لـ«الشرق الأوسط» إن بعض زميلاتها اشترين الذهب الشهر الماضي بعد انتهاء شهادات بنكية ذات عائد مرتفع، وحققن أرباحاً عند إعادة البيع عقب الارتفاع الكبير في الأسعار. وتشير إلى أنها قررت شراء سبائك صغيرة بجزء من مدخراتها، لكنها لم تتمكن من العثور عليها، ما اضطرها إلى الموافقة على دفع المبلغ والانتظار مدة تصل إلى أسبوعين، وفق ما أبلغها الصائغ، لتتسلم ما طلبته، بغضّ النظر عن ارتفاع سعر الذهب أو انخفاضه.

اختفت السبائك الذهبية ذات الأوزان الصغيرة من الأسواق (شركة بي تي سي)

بلغت مشتريات المصريين من الذهب 45.1 طن في عام 2025، متراجعة بنحو 10 في المائة مقارنة بعام 2024، مع تسجيل زيادة في الربع الأخير من 2025 بنسبة 4 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق. وهي الفترة التي شهدت قفزة قوية في مشتريات السبائك والعملات الذهبية بنسبة 27 في المائة، وفق تقرير صادر عن مؤسسة «جولد بيليون» الشهر الماضي.

وعلى عكس المشغولات الذهبية التي انخفضت مشترياتها بنسبة 18 في المائة في 2025 مقارنة بعام 2024، سجلت مشتريات السبائك والعملات الذهبية خلال الفترة نفسها تراجعاً بنحو 2 في المائة فقط.

يقول مجدي موريس، أحد العاملين في محلات الذهب، لـ«الشرق الأوسط» إن «السبائك اختفت بسبب زيادة الطلب عليها بشكل كبير في الأسابيع الماضية، مع دخول الشهر الثالث على التوالي من تركيز المواطنين على شرائها؛ نظراً لإمكانية إعادة بيعها دون خصم أي نسبة، على عكس المشغولات التي تتراوح نسبة الخصم عند إعادة بيعها بين 1 و3 في المائة، حسب المحل وحالة المشغولات نفسها».

وأضاف أن «السبائك الصغيرة هي الأكثر إقبالاً عليها، وأصبح من الصعب الحصول عليها مع تأخر الشركات في التوريد، مما دفع بعض التجار إلى الاتفاق على تنفيذ عمليات بيع بأسعار اليوم، على أن يجري التسليم في وقت لاحق»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر قد يؤدي إلى مشكلات عند تغيّر السعر في ظل حالة الاضطراب صعوداً وهبوطاً بشكل يومي، وقد حدثت بسببه خلافات بين بعض التجار والزبائن».

ولفت موريس إلى أنهم، على مدى 3 أيام تقريباً، لم يستقبلوا شخصاً واحداً يرغب في إعادة بيع سبيكة يملكها، مقابل مئات الاستفسارات اليومية عن الشراء، في حين لم تسلِّمهم الشركة التي يتعاملون معها أي سبائك جديدة منذ 5 أيام تقريباً. وأشار إلى وجود فارق سعري بين البيع والشراء للسبائك يصل إلى 300 جنيه (الدولار يعادل 46.9 جنيه في البنوك)، في إطار سعي التجار إلى تجنب الخسارة بسبب تذبذب الأسعار.

وسجلت أسعار الذهب تذبذباً عالمياً في الأسابيع الماضية، مع تسجيل أرقام قياسية لسعر «أونصة الذهب» التي اقتربت من حاجز 5600 دولار، قبل أن تتراجع بأكثر من ألف دولار. كما تشهد الأسواق العالمية تبايناً في السعر اليومي يصل أحياناً إلى 300 دولار، ما يجعل التسعير في محلات الذهب المصرية يتغير مرات عدّة خلال اليوم الواحد.

تعاني السوق المصرية من نقص في توافر السبائك (شركة بي تي سي)

أرجع رئيس «شعبة الذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية» هاني ميلاد، نقص المعروض من السبائك في الأسواق إلى الزيادة الكبيرة في الطلب على الشراء، بما يتجاوز القدرات الإنتاجية والطاقة التشغيلية للمصانع. وأوضح أن هذا النقص ظهر بوضوح خلال الأيام الأخيرة، لا سيما في السبائك صغيرة الحجم والجنيهات الذهبية؛ نظراً لكونها الأكثر جذباً للمشترين.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب يُعد في الأساس أداة استثمارية طويلة الأجل، لكن موجة الصعود الأخيرة في الأسعار دفعت بعض المتعاملين إلى الشراء بغرض المضاربة قصيرة الأجل، مع تركيز واضح على السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها الأقل من حيث تكلفة «المصنعية»، مع إمكانية استرداد جزء منها عند إعادة البيع.

ونفى ميلاد وجود توجّه لإيقاف أو تعليق التعاملات في محلات الذهب بسبب التذبذب في الأسعار العالمية، مؤكداً أن عمليات البيع والشراء تسير بصورة اعتيادية في معظم الأوقات، رغم التقلبات السعرية.


7 دول عربية تسعى لحصر التقاليد الحرفية التراثية

الملتقى ناقش الحفاظ على التقاليد الحرفية التراثية العربية (وزارة الثقافة المصرية)
الملتقى ناقش الحفاظ على التقاليد الحرفية التراثية العربية (وزارة الثقافة المصرية)
TT

7 دول عربية تسعى لحصر التقاليد الحرفية التراثية

الملتقى ناقش الحفاظ على التقاليد الحرفية التراثية العربية (وزارة الثقافة المصرية)
الملتقى ناقش الحفاظ على التقاليد الحرفية التراثية العربية (وزارة الثقافة المصرية)

تسعى 7 دول عربية لحصر التقاليد الحرفية في الوطن العربي، من خلال فعاليات الملتقى الإقليمي الذي تنظمه وزارتا الثقافة والتعليم العالي بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألسكو» واللجنة المصرية للتربية والعلوم والثقافة، بهدف تعزيز آليات حصر التراث غير المادي عربياً.

ويأتي هذا الملتقي «تفعيلاً لمنهجية مصر إزاء صون التراث الثقافي غير المادي وحمايته بوصفه من ركائز الهوية الوطنية وذاكرة الشعوب»، وفق بيان لوزارة الثقافة المصرية، الخميس. وأكد وزير الثقافة المصري، الدكتور أحمد فؤاد هنو، أن التراث الثقافي غير المادي لا يُمثل ماضياً يحتفى به فقط، بل هو طاقة حية تُشكّل الوعي، وتعزز الهوية، وتمنح المجتمعات القدرة على الاستمرار والتجدد. مؤكداً في بيان صحافي أن «صوت التراث لا يتحقق إلا من خلال بناء القدرات، وتراكم الخبرات، وإتاحة الفرص أمام جيل واعٍ ومؤهل يدرك قيمة هذا التراث»، لافتاً إلى الثراء الاستثنائي الذي تمتلكه مصر والعالم العربي في مجال التراث غير المادي، ومن المنتظر أن تسفر أعمال الملتقى عن مبادرات ومشروعات وملفات جادة تعكس تنوع التراث العربي وعمقه.

فيما أشار الدكتور محمد ولد أعمر، المدير العام للمنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة (الألكسو)، إلى «انعقاد الملتقى في ظرف ثقافي دقيق تتعاظم فيه الحاجة إلى حماية التراث الثقافي غير المادي، وتثبيت حضوره في وجدان المجتمعات العربية، وصون مقوماته بوصفه ركيزة أصيلة من ركائز الهوية العربية».

الملتقى شارك فيها باحثون ومسؤولون من 7 دول عربية (وزارة الثقافة المصرية)

مؤكداً أن المنظمة تولي الحرف التقليدية والتقاليد الحرفية عناية خاصة، ليس فقط من زاوية الصون والحماية، بل أيضاً من منظور التثمين والإدماج في مسارات التنمية المستدامة، وخلق فرص العمل، وتمكين الشباب والنساء، وتعزيز الاقتصاد الثقافي في الدول العربية، معرباً عن تمنيه أن يخرج الملتقى بنتائج ترتقي إلى التطلعات المشتركة في صون التقاليد الحرفية في العالم العربي.

وأشار الدكتور رامي مجدي، مساعد الأمين العام للجنة الوطنية المصرية للتربية والعلوم والثقافة لشؤون منظمتي الألكسو والإيسيسكو، إلى أن مصر تزخر بإرث غني من التراث الثقافي غير المادي، يعكس الدور الريادي للمصري القديم في بناء الحضارات، لافتاً إلى إدراج عدد من عناصر هذا التراث على قوائم التراث الإنساني العالمي، في ظل اهتمام متزايد بحفظه وتوثيقه وتشجيع إنتاج المحتوى التراثي.

مؤكداً أن الحرف التقليدية تمثل تعبيراً حياً عن تاريخ الشعوب وخصوصيتها الثقافية، وأن التحولات المتسارعة تفرض ضرورة حصرها وتوثيقها لصيانتها ودعماً للتنمية المستدامة.

وسجلت مصر 11 عنصراً باسمها ضمن قوائم اليونسكو للتراث الحضاري غير المادي كان أحدثها «الكشري» في العام الماضي، كما سجلت «الحناء» و«السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة» و«التحطيب» و«فن الخط العربي» و«الأراجوز» و» النسيج اليدوي في صعيد مصر»، كما سجلت «السمسمية» كتراث مشترك مع المملكة العربية السعودية.

وأشار أبحاث الملتقى إلى أهمية تعزيز التعاون العربي وتبادل الخبرات في مجال حصر وصون التراث الثقافي غير المادي، بما يحافظ على التقاليد الحرفية العربية، وضمان استدامتها، ونقلها إلى الأجيال القادمة كمكون أصيل من مكونات الهوية الثقافية العربية.