شارل نصار ينحت الجمال في شظايا الحرب

شارل نصار ينحت الجمال في شظايا الحرب

يحوّل من خلالها الذكريات المرّة إلى حلوة
الثلاثاء - 13 رجب 1440 هـ - 19 مارس 2019 مـ رقم العدد [ 14721]
بيروت: فيفيان حداد
من قذائف «الإينرغا» و«آر بي جي» و«هاون 240» والراجمات وغيرها من أنواع الأسلحة التي استعملت على أرض لبنان، في معارك مختلفة، اختار الفنان شارل نصّار مواد منحوتاته. ومن شظايا هذه القذائف التي لملمها على مدى سنين طويلة، كان أحدثها في «حرب تموز» و«نهر البارد»، ابتكر أسلوبه في النّحت، هو الذي يعمل في الحدادة مهنةً أساسية له. «كنت لا أزال شاباً في مقتبل العمر عندما رحت أجمع شظايا قذائف الحرب التي كانت تنهال علينا في منطقة الأشرفية حيث أسكن»، يقول شارل نصار في حديث لـ«الشرق الأوسط». ويضيف: «يومها كنت أجمعها من دون هدف معيّن، بل كانت نوعاً من الحشرية، وبلغ وزنها بالأطنان. ولأنّني أعمل في مهنة الحدادة، رحت أقولب هذه الشظايا بطريقة فنية. فكنت أرغب في تحويل الذكريات السوداء التي عشناها في فترات متقطّعة إلى بيضاء تحمل الأمل والجمال».

شارل الذي يفضّل أن يدعونه باسم مهنته الأساسية (الحداد) كونه يفتخر بها، استطاع بين ليلة وضحاها أن يؤسس لفن تشكيلي جديد من نوعه، فذاع صيته ليصل إلى فرنسا وألمانيا وكندا وغيرها. «حاليا أنفّذ منحوتة (الأرزة) التي طلبها مني لبناني يعيش في كندا. وعندما شاركت في معرض (أسبوع التراث اللبناني) في باريس منذ نحو السنة، استقطبت منحوتاتي اللبنانيين الذين يعيشون هناك منذ اندلاع الحرب. لم يحبذوا الفكرة بداية، ولكن عندما شرحت لهم هدفها، وهو أن أحولها من ذكرى سلبية إلى إيجابية أمحو غبار الحرب عنها بمنحوتة فنية، أعجبوا بالأمر، وراحوا يتهافتون على شرائها».

نحو 150 قطعة فنية يعرض شارل نصار قسماً منها في الباحة الخارجية لمنزله في رمحالا (قرية في قضاء عاليه)، فيما آثر أن يعرض القسم الآخر في قبو حجري يعود إلى جدّه ويقع تحت الأرض.

وفي منحوتات تجريدية تمثل الخيل وطير البوم، وأخرى استلهمها من ذاكرته الطفولية، وتصور جدّه وهو يعمل في المزرعة، أو صديق والده يمارس هواية صيد السمك، تتألف مجموعته الفنية اليوم. «لقد نفّذت نحو 250 قطعة، بعت قسماً منها، فيما القسم الباقي أعرضه في باحة منزلي الخارجية في رمحالا. وهي تشكّل مصدر رزق إضافي إلى مهنتي الأساسية منذ بداياتي حتى اليوم. فأول منحوتة صنعتها كانت (مغارة الميلاد) في منزلنا في الأشرفية، يومها لم نكن نملك ثمن مغارة جاهزة، فطبقت المثل المعروف (الحاجة أم الاختراع)، وبعدها كرّت السبحة لتصبح مطلوبة من معارض مختلفة».

اليوم وفي ثكنة فوج الأشغال في منطقة الفياضية، يرتفع نصب تذكاري بطول ثلاثة أمتار قدّمه شارل تحية تكريمية للجيش اللبناني. ولكن ألا يحلم بصنع معلم سياحي يخلّد فنه؟ يرد: «لا أحب أن أستعطي المساعدة من أحد، وفي المقابل لم ترسل ورائي أي جهة رسمية للقيام بذلك. فبرج إيفل الذي يعد أشهر وجهات السياحة في العالم صنعه أحد الحدادين. وكوني أقوم بالمهنة نفسها، فإنّني أطمح إلى تنفيذ معلم مماثل في لبنان قد يأخذ شكل الأرزة أو جبران خليل جبران وغيرهما من رموز لبنان المعروفة».

وفي باحة منزله في قريته الأم رمحالا، ستتنقل في معرض يقام في الهواء الطلق بين منحوتة لبائع كعك ولعازف كمان وراقصة فلامينكو ولسيدة تخبز على الصاج وغيرها من رموز التراث اللبناني. «لا أفكر مسبقاً بالقطعة التي أريد تنفيذها، إذ أستلهم موضوعها من شكل الشّظية التي هي بين يدي. وعندما تكتمل في رأسي أبدأ في تركيبها وتلحيمها. وأنسى تماماً أنّها شظايا أسلحة حربية فأذوب في عملي إلى آخر نفس، لأنّ ذكرى الحرب في تلك اللحظات تذهب إلى غير رجعة، ليحلّ مكانها جمالية فن النّحت ومهنة الحدادة»، يختم شارل نصار حديثه لـ«الشرق الأوسط».
لبنان Arts

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة