العبودية في ثلاث روايات عربية

إقبال على العتمات التاريخية التي لم يلتفت إليها من قبل

العبودية في ثلاث روايات عربية
TT

العبودية في ثلاث روايات عربية

العبودية في ثلاث روايات عربية

من اللافت في جديد الحفريات الروائية العربية ما قدمت من تسريد للعبودية سواء في تاريخ قريب أم في تاريخ أبعد. ومن هذه الحفريات الروائية الحديثة ثلاث روايات سنتناولها هنا، وهي رواية «كتيبة سوداء» للمصري محمد المنسي قنديل، و«شوق الدراويش» للسوداني لحمّور زيادة (السودان): و«ثمن الملح» للبحريني خالد البسام.
تفتح «كتيبة سوداء» صفحة (السخرة) منذ عهد إبراهيم باشا. لكن الأهم هو ما تفتح من صفحة العبودية. فتاجر العبيد النوبي ود الزبير يبيع لرئيس القبيلة أربعين عبداً مقابل خمس بنادق، ويغريه بأن البنادق ستكون أداته في توطيد وتوسيع سلطانه. ويتحول العبيد إلى جنود في جيش الجهادية - جيش الخديوي. وسيكونون في عديد الأورطة السوداء الذي بلغ خمسمائة.
هكذا يترامى عالم الرواية من أعماق الغابات الأفريقية إلى المكسيك، ومن مصر إلى فرنسا وبلجيكا. ويصخب هذا العالم بالحروب وبالمؤامرات والأطماع والوحشية والصراعات في البلاطات وعلى الجبهات. وترمح بخاصة شخصية العبد الأسود الذي يفر من اصطياده فتوقعه رصاصة. وفي الكتيبة سيكون هذا الذي يُسمّي بالعاصي قائداً لمجموعة، وستختاره الإمبراطورة مرافقاً وحارساً ثم عاشقاً. وبينما يمضي الجنون بالإمبراطورة يصير العاصي واحداً من ثوار كومونة 1867. وفي دلالة مؤثرة، وفي وشفافية يختم الكاتب الرواية بطفلٍ ينجبه جوفان الذي يتعلق بمكسيكية، في إشارة أخرى وأخيرة إلى ما بين الذات والآخر.

- «شوق الدراويش» للسوداني زيادة
أما حمّور زيادة فيعود في روايته «شوق الدرويش» إلى القرن التاسع عشر، حيث يحفر فيما يمكن أن تدعى بسنوات الجمر في التاريخ السوداني. وتتمحور الرواية حول شخصية بخيت منديل الذي اختطفه تجار العبيد عندما هاجموا قريته، وباعوه في الخرطوم إلى سيد أوروبي سينتهك إنسانية العبد، ويغتصبه على امتداد أربع سنوات، حتى إذا فتحت المهدية الخرطوم وطردت منها الإنجليز والمصريين، اختفى السيد وتحرر العبد. ومن ممارسة بخيت لحريته كان تردده على الحانة ليشرب المريسة (الخمر)، حيث يقبض عليه، ويودع السجن عقاباً على جريمة الشرب. وينسى بخيت في سجن الساير سبع سنين حتى دخل الجيش المصري عقب سقوط الدولة المهدية، فتحرر بخيت، ومضى إلى مريسيلة حيث خطط للانتقام ممن تسببوا في مصرع محبوبته حواء - ثيودورا.
في الرواية نقرأ: «الوقائع أمواج تغطي ما سبقها بنشوة شريرة، فيعجز بخيت عن إدراك ما يحدث». ولعل هذا المقبوس على صغره أن يرسم اللعبة الفنية التي لعبتها الرواية وهي تحفر في التاريخ. وفي هذا الحفر تتلاطم مشهديات الجور التركي والعبودية والفقر والمجاعة والزحف المصري الإنجليزي إلى السودان، ومنه التنصير، وهنا تبرز شخصية ثيودورا الإسكندرانية المولد اليونانية الأبوين، والراهبة التي تحضر إلى السودان مبشّرة. وتلتقي ثيودورا ببخيت الذي يتعلق بها، بينما كانت في البداية تؤثره ولكن كعبد، كما كانت تنظر إلى السود عبيداً، وهي البيضاء المسيحية، وهم المسلمون الكفار. لكن ثيودورا ستخص ببخيت بدفترها التي تسجل عليه يومياتها، وهذه تعلّة روائية أخرى للحفرية التاريخية.
بسقوط أم درمان تقع ثيودورا في الأسر، ويقسرها سيدها على أن تسلم، ويسميها حواء ولأنها ترفضه يأمر بختنها، وينتهي الأمر بقتلها. وسوف يكتشف بخيت من أوقعوا بها، فيبدأ بالانتقام منهم بعد خروجه من السجن. وهكذا جاءت (شوق الدرويش) موّراة بالحب والوجد الصوفي، وصبوة الحرية ووحشية المستعبدين للعبيد.

- «ثمن الملح» للبحريني البسام
شكّل سؤال الأديب البحريني ناصر مبارك الخيري لجريدة المقتطف المصرية عام 1910. العتبة الأولى لرواية خالد البسام (ثمن الملح – 2016) كما يلي: «ما قولكم في بيع الرقيق: أفضيلة هو أم رذيلة، فإن كان الأول فلماذا يصادره الغربيون، وإن كان الثاني، فلماذا لا يقول بتحريمه رجال الدين في الشرق؟ ويقول الغربيون إن على هذا الداء الإسلام والمسلمين، فهل هذا صحيح؟ وإن لم يكن كذلك فما سبب تأصله حتى صار يصعب قطع جرثومته من الشرق؟»
من هذه العتبة الوثائقية تمضي رواية (ثمن الملح) إلى وثيقة أخرى، فتنفتح بها على احتفال رأس السنة الأولى من القرن العشرين في مقر الحاكمية البريطانية في مدينة المنامة البحرينية. ثم تلي البرقية - الوثيقة التي تنقل تحرير البحرية البريطانية لثمانية عشر عبداً قرب مسقط على متن سفينة عمانية متجهة إلى دبي لبيعهم فيها. وقد فرّ العبيد، لكن أحد دلاّلي بيعهم عثر عليهم، ونقل إلى الكولونيل روبنستون أن من العبيد من يريد العودة إلى أسيادهم أو بيعهم مرة أخرى، فهم يرفضون الحرية. وستبين برقية - وثيقة أخرى أن معظم الرقيق المستوردين في مدينة صور العمانية، لهم رواج، وقد بيع الطفل منهم بمائة وعشرين دولاراً، وبيع العبد الذكر بمائة وخمسين، والفتاة بسعر يتراوح بين مائتين وثلاثمائة.
بعد هذه البرقيات تبدأ السردَ العبدة حنا من أسرة سيامي الحبشية، منذ بيع أبيها لها وهي ابنة الرابعة عشرة، وتروي حنّا من عبودية أبيها وخصاء الأمير له، وتعليق الخصيتين على باب المخصي بعد ولادة حنا التي تروي أيضاً من عبودية أمها الزنجية. وتأتي المشاهد المروعة من ميناء مصّوع العماني، حيث تحتشد السفن بالعبيد تحت حراسة مشددة من عبيد أشداء بانتظار الإبحار إلى جدة، ومنها إلى مكة والمدينة. ومن سوق العبيد تعصف مشاهد التجار والدلالين وشيوخ العشائر والجمهور، وخيام الكشف عن العبدات بعد بيعهن، وبيع العبد عارياً. والعبدة عارية.
كانت حنا من نصيب التاجر البحريني الفارسي الأصل محمد بن نصري الذي سمّاها (عبدة). وفي مقامها الجديد بين يدي عائشة زوجة التاجر، أحست عبدة أنها تولد من جديد وهي تحاول أن تتعلم اللغة والتقاليد العربية. وتظهر شخصيات العبدات الأخريات كالزنجبارية ميمونة والحبشية أم الخير. وتصف عبدة (حنا) المعاملة الوحشية العنصرية العبودية «لأننا ولدنا ببشرة سوداء (...) هذا هو ذنبنا وهذا هو عارنا».
تحدد الرواية هنا زمنها بسنة 1903. ويترهل السرد بالملخص الخاص بحياة التاجر محمد بن نصري. بيد أن السرد والشخصية المحورية سيتألقان كلما اتصل الأمر برقص عبدة وأول ذلك هو حفلة التاجر، حين شعرت كأن من حولهم هم العبيد لجسدها ورقصها وإثارتها، وليست هي العبدة.
تلك كانت «ليلة من الحرية» فرح بها العبيد والتجار والأمراء والإنجليز. وقد دفعت الليلة بعبدة إلى الجرأة فعوقبت بالسجن في القبو، حيث عالجت الوحشة والوحدة بالرقص في الظلام. ومن بعد، وفي التماعة كبرى أخرى في الرواية، تمضي عبدة إلى الكنيسة الأميركية في المنامة، وتشاهد الفرقة الموسيقية فينطلق السؤال: «لماذا هؤلاء العبيد سعداء بالمسيحية، ويعبرون عن تلك السعادة بالموسيقى؟ ولماذا نحن نشقى بعبوديتنا طوال الوقت؟». ويلوح السؤال: «هل الدين هو الذي يسعد أم لون البشر؟» وسيقول العبد العازف صموئيل لعبدة: «المسيحية الآن أعطتني الحرية ولا أريد أكثر من ذلك».
أخذ سؤال التخلص من العبودية يلهب عبدة: «أريد أن أصبح حرة». وفي سنة 1908 يساعدها بركات في تقديم طلب العتق إلى الحاكمية. وبعد حصولها على الورقة التي تمنحها العتق تلطمها موزة بما منح الرواية عنوانها: أنت يا ثمن الملح «هل تعرفين أنك لا تساوين حتى ذرة الملح؟ يا ثمن الملح الرخيص». ورغم أن عبدة التي ترفض تبديل اسمها، تحصل على حريتها، فإن العنصرية تلاحقها، فيتخلى بركات عنها لأن أهله يرفضون زواجه من سوداء: «يريدون من السود أن يكونوا خدماً لهم فقط وعبيداً تحت أقدامهم». وتختم عبدة الرواية بقولها: «لا زلت عبدة... لم تنفع الورقة ولا الحاكمية البريطانية في تغييري إلى حرة».
لا تخفي الوثائقية نفسها في هذه المدونة، لكنها تتفاوت في التسريد، كأن لا تخلو من الفجاجة في رواية «ثمن الملح» أو تبدع في التخفي كما في روايتي قنديل وزيادة. أما السؤال عن تركّز هذه الحفريات الروائية في العبودية - ومن ذلك أيضاً اشتباك العبودية بالعنصرية - فلعله في إقبال الرواية على العتمات التاريخية التي لم تكد تلتفت إليها بعد، ومنها تاريخ العبودية والعنصرية. وقد رأينا كيف كان القرن التاسع عشر. بخاصة موئل الروايات المعنية.



مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.