العبودية في ثلاث روايات عربية

إقبال على العتمات التاريخية التي لم يلتفت إليها من قبل

العبودية في ثلاث روايات عربية
TT

العبودية في ثلاث روايات عربية

العبودية في ثلاث روايات عربية

من اللافت في جديد الحفريات الروائية العربية ما قدمت من تسريد للعبودية سواء في تاريخ قريب أم في تاريخ أبعد. ومن هذه الحفريات الروائية الحديثة ثلاث روايات سنتناولها هنا، وهي رواية «كتيبة سوداء» للمصري محمد المنسي قنديل، و«شوق الدراويش» للسوداني لحمّور زيادة (السودان): و«ثمن الملح» للبحريني خالد البسام.
تفتح «كتيبة سوداء» صفحة (السخرة) منذ عهد إبراهيم باشا. لكن الأهم هو ما تفتح من صفحة العبودية. فتاجر العبيد النوبي ود الزبير يبيع لرئيس القبيلة أربعين عبداً مقابل خمس بنادق، ويغريه بأن البنادق ستكون أداته في توطيد وتوسيع سلطانه. ويتحول العبيد إلى جنود في جيش الجهادية - جيش الخديوي. وسيكونون في عديد الأورطة السوداء الذي بلغ خمسمائة.
هكذا يترامى عالم الرواية من أعماق الغابات الأفريقية إلى المكسيك، ومن مصر إلى فرنسا وبلجيكا. ويصخب هذا العالم بالحروب وبالمؤامرات والأطماع والوحشية والصراعات في البلاطات وعلى الجبهات. وترمح بخاصة شخصية العبد الأسود الذي يفر من اصطياده فتوقعه رصاصة. وفي الكتيبة سيكون هذا الذي يُسمّي بالعاصي قائداً لمجموعة، وستختاره الإمبراطورة مرافقاً وحارساً ثم عاشقاً. وبينما يمضي الجنون بالإمبراطورة يصير العاصي واحداً من ثوار كومونة 1867. وفي دلالة مؤثرة، وفي وشفافية يختم الكاتب الرواية بطفلٍ ينجبه جوفان الذي يتعلق بمكسيكية، في إشارة أخرى وأخيرة إلى ما بين الذات والآخر.

- «شوق الدراويش» للسوداني زيادة
أما حمّور زيادة فيعود في روايته «شوق الدرويش» إلى القرن التاسع عشر، حيث يحفر فيما يمكن أن تدعى بسنوات الجمر في التاريخ السوداني. وتتمحور الرواية حول شخصية بخيت منديل الذي اختطفه تجار العبيد عندما هاجموا قريته، وباعوه في الخرطوم إلى سيد أوروبي سينتهك إنسانية العبد، ويغتصبه على امتداد أربع سنوات، حتى إذا فتحت المهدية الخرطوم وطردت منها الإنجليز والمصريين، اختفى السيد وتحرر العبد. ومن ممارسة بخيت لحريته كان تردده على الحانة ليشرب المريسة (الخمر)، حيث يقبض عليه، ويودع السجن عقاباً على جريمة الشرب. وينسى بخيت في سجن الساير سبع سنين حتى دخل الجيش المصري عقب سقوط الدولة المهدية، فتحرر بخيت، ومضى إلى مريسيلة حيث خطط للانتقام ممن تسببوا في مصرع محبوبته حواء - ثيودورا.
في الرواية نقرأ: «الوقائع أمواج تغطي ما سبقها بنشوة شريرة، فيعجز بخيت عن إدراك ما يحدث». ولعل هذا المقبوس على صغره أن يرسم اللعبة الفنية التي لعبتها الرواية وهي تحفر في التاريخ. وفي هذا الحفر تتلاطم مشهديات الجور التركي والعبودية والفقر والمجاعة والزحف المصري الإنجليزي إلى السودان، ومنه التنصير، وهنا تبرز شخصية ثيودورا الإسكندرانية المولد اليونانية الأبوين، والراهبة التي تحضر إلى السودان مبشّرة. وتلتقي ثيودورا ببخيت الذي يتعلق بها، بينما كانت في البداية تؤثره ولكن كعبد، كما كانت تنظر إلى السود عبيداً، وهي البيضاء المسيحية، وهم المسلمون الكفار. لكن ثيودورا ستخص ببخيت بدفترها التي تسجل عليه يومياتها، وهذه تعلّة روائية أخرى للحفرية التاريخية.
بسقوط أم درمان تقع ثيودورا في الأسر، ويقسرها سيدها على أن تسلم، ويسميها حواء ولأنها ترفضه يأمر بختنها، وينتهي الأمر بقتلها. وسوف يكتشف بخيت من أوقعوا بها، فيبدأ بالانتقام منهم بعد خروجه من السجن. وهكذا جاءت (شوق الدرويش) موّراة بالحب والوجد الصوفي، وصبوة الحرية ووحشية المستعبدين للعبيد.

- «ثمن الملح» للبحريني البسام
شكّل سؤال الأديب البحريني ناصر مبارك الخيري لجريدة المقتطف المصرية عام 1910. العتبة الأولى لرواية خالد البسام (ثمن الملح – 2016) كما يلي: «ما قولكم في بيع الرقيق: أفضيلة هو أم رذيلة، فإن كان الأول فلماذا يصادره الغربيون، وإن كان الثاني، فلماذا لا يقول بتحريمه رجال الدين في الشرق؟ ويقول الغربيون إن على هذا الداء الإسلام والمسلمين، فهل هذا صحيح؟ وإن لم يكن كذلك فما سبب تأصله حتى صار يصعب قطع جرثومته من الشرق؟»
من هذه العتبة الوثائقية تمضي رواية (ثمن الملح) إلى وثيقة أخرى، فتنفتح بها على احتفال رأس السنة الأولى من القرن العشرين في مقر الحاكمية البريطانية في مدينة المنامة البحرينية. ثم تلي البرقية - الوثيقة التي تنقل تحرير البحرية البريطانية لثمانية عشر عبداً قرب مسقط على متن سفينة عمانية متجهة إلى دبي لبيعهم فيها. وقد فرّ العبيد، لكن أحد دلاّلي بيعهم عثر عليهم، ونقل إلى الكولونيل روبنستون أن من العبيد من يريد العودة إلى أسيادهم أو بيعهم مرة أخرى، فهم يرفضون الحرية. وستبين برقية - وثيقة أخرى أن معظم الرقيق المستوردين في مدينة صور العمانية، لهم رواج، وقد بيع الطفل منهم بمائة وعشرين دولاراً، وبيع العبد الذكر بمائة وخمسين، والفتاة بسعر يتراوح بين مائتين وثلاثمائة.
بعد هذه البرقيات تبدأ السردَ العبدة حنا من أسرة سيامي الحبشية، منذ بيع أبيها لها وهي ابنة الرابعة عشرة، وتروي حنّا من عبودية أبيها وخصاء الأمير له، وتعليق الخصيتين على باب المخصي بعد ولادة حنا التي تروي أيضاً من عبودية أمها الزنجية. وتأتي المشاهد المروعة من ميناء مصّوع العماني، حيث تحتشد السفن بالعبيد تحت حراسة مشددة من عبيد أشداء بانتظار الإبحار إلى جدة، ومنها إلى مكة والمدينة. ومن سوق العبيد تعصف مشاهد التجار والدلالين وشيوخ العشائر والجمهور، وخيام الكشف عن العبدات بعد بيعهن، وبيع العبد عارياً. والعبدة عارية.
كانت حنا من نصيب التاجر البحريني الفارسي الأصل محمد بن نصري الذي سمّاها (عبدة). وفي مقامها الجديد بين يدي عائشة زوجة التاجر، أحست عبدة أنها تولد من جديد وهي تحاول أن تتعلم اللغة والتقاليد العربية. وتظهر شخصيات العبدات الأخريات كالزنجبارية ميمونة والحبشية أم الخير. وتصف عبدة (حنا) المعاملة الوحشية العنصرية العبودية «لأننا ولدنا ببشرة سوداء (...) هذا هو ذنبنا وهذا هو عارنا».
تحدد الرواية هنا زمنها بسنة 1903. ويترهل السرد بالملخص الخاص بحياة التاجر محمد بن نصري. بيد أن السرد والشخصية المحورية سيتألقان كلما اتصل الأمر برقص عبدة وأول ذلك هو حفلة التاجر، حين شعرت كأن من حولهم هم العبيد لجسدها ورقصها وإثارتها، وليست هي العبدة.
تلك كانت «ليلة من الحرية» فرح بها العبيد والتجار والأمراء والإنجليز. وقد دفعت الليلة بعبدة إلى الجرأة فعوقبت بالسجن في القبو، حيث عالجت الوحشة والوحدة بالرقص في الظلام. ومن بعد، وفي التماعة كبرى أخرى في الرواية، تمضي عبدة إلى الكنيسة الأميركية في المنامة، وتشاهد الفرقة الموسيقية فينطلق السؤال: «لماذا هؤلاء العبيد سعداء بالمسيحية، ويعبرون عن تلك السعادة بالموسيقى؟ ولماذا نحن نشقى بعبوديتنا طوال الوقت؟». ويلوح السؤال: «هل الدين هو الذي يسعد أم لون البشر؟» وسيقول العبد العازف صموئيل لعبدة: «المسيحية الآن أعطتني الحرية ولا أريد أكثر من ذلك».
أخذ سؤال التخلص من العبودية يلهب عبدة: «أريد أن أصبح حرة». وفي سنة 1908 يساعدها بركات في تقديم طلب العتق إلى الحاكمية. وبعد حصولها على الورقة التي تمنحها العتق تلطمها موزة بما منح الرواية عنوانها: أنت يا ثمن الملح «هل تعرفين أنك لا تساوين حتى ذرة الملح؟ يا ثمن الملح الرخيص». ورغم أن عبدة التي ترفض تبديل اسمها، تحصل على حريتها، فإن العنصرية تلاحقها، فيتخلى بركات عنها لأن أهله يرفضون زواجه من سوداء: «يريدون من السود أن يكونوا خدماً لهم فقط وعبيداً تحت أقدامهم». وتختم عبدة الرواية بقولها: «لا زلت عبدة... لم تنفع الورقة ولا الحاكمية البريطانية في تغييري إلى حرة».
لا تخفي الوثائقية نفسها في هذه المدونة، لكنها تتفاوت في التسريد، كأن لا تخلو من الفجاجة في رواية «ثمن الملح» أو تبدع في التخفي كما في روايتي قنديل وزيادة. أما السؤال عن تركّز هذه الحفريات الروائية في العبودية - ومن ذلك أيضاً اشتباك العبودية بالعنصرية - فلعله في إقبال الرواية على العتمات التاريخية التي لم تكد تلتفت إليها بعد، ومنها تاريخ العبودية والعنصرية. وقد رأينا كيف كان القرن التاسع عشر. بخاصة موئل الروايات المعنية.



نوبل الطب 2026... كيف أصبح «علم البصريات الوراثي» مفتاحاً لفك أسرار الدماغ؟

«علم البصريات الوراثي» فتح نافذة جديدة على الآليات التي تقف وراء الذاكرة والمشاعر والسلوك (الهيئة المانحة لجائزة نوبل في السويد)
«علم البصريات الوراثي» فتح نافذة جديدة على الآليات التي تقف وراء الذاكرة والمشاعر والسلوك (الهيئة المانحة لجائزة نوبل في السويد)
TT

نوبل الطب 2026... كيف أصبح «علم البصريات الوراثي» مفتاحاً لفك أسرار الدماغ؟

«علم البصريات الوراثي» فتح نافذة جديدة على الآليات التي تقف وراء الذاكرة والمشاعر والسلوك (الهيئة المانحة لجائزة نوبل في السويد)
«علم البصريات الوراثي» فتح نافذة جديدة على الآليات التي تقف وراء الذاكرة والمشاعر والسلوك (الهيئة المانحة لجائزة نوبل في السويد)

لطالما حلم العلماء بفهم الطريقة التي يصنع بها الدماغ الذكريات والمشاعر والسلوكيات، وكيف يمكن لعضو لا يتجاوز وزنه نحو 1.3 كيلوغرام أن يخزن تجارب الطفولة، ويولد مشاعر مثل الفرح والحب والغيرة، ويتحكم في وظائف حيوية لا تتوقف، من نبضات القلب إلى التنفس ودورة النوم.

وعلى مدى قرون، حاول الباحثون فك هذا اللغز البيولوجي. وخلال القرن العشرين، تمكنوا من تحديد مناطق في الدماغ ترتبط بوظائف مختلفة، ما وفر أساساً مهماً لفهم طريقة عمله، لكن الأدوات المتاحة آنذاك ظلت محدودة؛ إذ لم يكن بالإمكان تحديد دور خلية عصبية بعينها في توليد شعور أو سلوك محدد، أو إثبات العلاقة السببية بين نشاطها وما يحدث في الدماغ.

وهنا جاءت أبحاث الأميركي كارل ديسيروث والألمانيين بيتر هيغيمان وجيورج ناغل، الذين حصلوا على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب لعام 2026، لتحدث تحولاً جوهرياً في هذا المجال. فقد قادت اكتشافاتهم إلى تطوير «علم البصريات الوراثي»، وهي تقنية تتيح للعلماء استخدام الضوء لتشغيل الخلايا العصبية أو إيقاف نشاطها داخل الدماغ الحي، ما فتح نافذة جديدة على الآليات التي تقف وراء الذاكرة والمشاعر والسلوك.

وقالت مؤسسة نوبل السويدية المانحة للجائزة إن هذا العمل «أرسى الأساس لعصر جديد في علم الأعصاب»؛ إذ أتاح للباحثين تحديد الدوائر العصبية التي تتحكم في «ذكريات ومشاعر وسلوكيات محددة»، بل والتحكم فيها، بما يساعد على دراسة الاضطرابات العصبية والنفسية.

*مفتاح التحكم في الخلايا العصبية:

بدأت القصة بفضول علمي لدى بيتر هيغيمان لفهم كيفية استجابة طحالب وحيدة الخلية تُعرف باسم «كلاميدوموناس» للضوء وسباحتها باتجاه مصدره. وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اكتشف هيغيمان وجيورج ناغل بروتين «تشانيل رودوبسين»، القادر على الاستجابة للضوء وتحويله إلى إشارة كهربائية. وأظهر الباحثان أن إدخال هذا البروتين إلى خلية يجعلها حساسة للضوء، ما فتح الباب أمام استخدام الضوء للتحكم في النشاط الخلوي.

لكن تحويل هذه الفكرة إلى أداة لدراسة الدماغ تطلب خطوة إضافية، جاءت على يد كارل ديسيروث، الذي أدخل الجين المسؤول عن إنتاج البروتين الحساس للضوء إلى الخلايا العصبية لدى الفئران، ثم استخدم الضوء للتحكم في نشاطها. وبحلول نحو عام 2007، تمكن ديسيروث وزملاؤه من استخدام الضوء للتحكم في حركة شوارب الفئران، في واحدة من اللحظات التأسيسية لعلم البصريات الوراثي.

وتكمن أهمية هذه التقنية في أنها لا تكتفي بإظهار ارتباط منطقة معينة من الدماغ بوظيفة ما، بل تتيح للباحثين التدخل في نشاط خلايا محددة وتشغيلها أو إيقافها، ثم مراقبة النتائج. وبذلك أصبح بالإمكان دراسة الدوائر العصبية المسؤولة عن وظائف وسلوكيات محددة، واختبار علاقات السبب والنتيجة بدقة لم تكن ممكنة من قبل.

وقال أندريا بينوتشي، أستاذ علم الأحياء وعلم النفس التجريبي في جامعة كوين ماري في لندن، إن العثور على طريقة لدراسة دور مناطق محددة من الدماغ في الوظائف العقلية «غيّر الطريقة التي ندرس بها الدوائر العصبية المختلة في الاضطرابات النفسية».

وأضاف بينوتشي أن «القدرة على تنشيط الخلايا العصبية في الدماغ أو إسكاتها باستخدام ضوء الليزر فتحت الباب أمام مستوى غير مسبوق من الدقة»، حسب شبكة «سي إن إن».

وأتاح ذلك للباحثين دراسة كيفية تحكم دوائر عصبية بعينها في وظائف وسلوكيات متعددة، من بينها تناول الطعام والتفاعل الاجتماعي والعدوانية، كما ساعد على فهم كيفية تشكل ذكريات محددة، بما في ذلك ذكريات الخوف.

«علم البصريات الوراثي» يتيح للعلماء التحكم في نشاط الخلايا العصبية بالضوء لفهم كيفية عمل الدماغ (الهيئة المانحة لجائزة نوبل في السويد)

وقالت آنا ويديل، أستاذة في معهد كارولينسكا وعضو لجنة نوبل لعلم وظائف الأعضاء أو الطب، إن أبحاث الفائزين أتاحت إمكانات جديدة لرسم خريطة تحدد الخلايا المسؤولة عن وظائف معينة، وكذلك الخلايا التي يتواصل بعضها مع بعض.

وأضافت ويديل أن العلماء كانوا يملكون في السابق «خرائط تشريحية وارتباطات بين مناطق الدماغ ووظائفها»، لكن علم البصريات الوراثي وفر أداة يمكنها تقديم «علاقات السبب والنتيجة»، وتحديد الخلايا المسؤولة بدقة عن وظائف وسلوكيات وحتى مشاعر وذكريات معينة. ويعكس هذا التحول أهمية التقنية في دراسة أمراض الدماغ أيضاً؛ فمعرفة الخلايا التي تعمل بصورة طبيعية تمثل الخطوة الأولى، ثم يمكن مقارنة نشاطها عندما يختل عمل الدماغ، وتحديد الخلايا والدوائر التي يتغير نشاطها في المرض.

وقالت ويديل إن دراسة الحيوانات لفهم كيفية عمل الدماغ الطبيعي تتيح للباحثين استكشاف ما يحدث عندما يختل عمله، في حالات مثل الخرف والصرع والإدمان، مشيرة إلى أن فهم الخلايا النشطة في هذه الأمراض لدى الفئران يمكن أن يساعد في تحديد الأماكن التي ينبغي البحث فيها لدى البشر.

*من علوم أساسية إلى تطبيقات علاجية

على الرغم من أن أبحاث العلماء الثلاثة انطلقت من علوم أساسية تهدف إلى فهم كيفية استجابة الخلايا للضوء، فإن آثارها تجاوزت المختبرات ومهدت الطريق أمام مجال طبي ناشئ يُعرف باسم «العلاج بعلم البصريات الوراثي».

ومن أبرز الأمثلة على ذلك محاولة استخدام التقنية لاستعادة جزء من البصر لدى أشخاص فقدوه بسبب التهاب الشبكية الصباغي، وهو مرض وراثي يؤدي تدريجياً إلى تلف الخلايا الحساسة للضوء في شبكية العين.

وفي إحدى التجارب، نُقلت التعليمات الجينية اللازمة لإنتاج بروتين «تشانيل رودوبسين» إلى الخلايا العقدية في شبكية عين رجل فقد بصره، باستخدام فيروس غير ضار لنقل المادة الوراثية.

ثم زُوّد الرجل بنظارات خاصة تلتقط صوراً للعالم المحيط به وتحولها إلى إشارات ضوئية، قبل إسقاطها على شبكية العين. وبهذه الطريقة، أمكن تنشيط الخلايا التي أصبحت حساسة للضوء وإرسال إشارات كهربائية إلى الدماغ، متجاوزة بذلك الخلايا التي دمرها المرض.

ورحب البروفسور بوتوند روسكا، مدير معهد طب العيون الجزيئي والسريري في بازل بسويسرا، والذي شارك في قيادة هذه الدراسة، بالإعلان عن الفائزين بجائزة نوبل. وقال: «هذه أخبار رائعة حقاً. آمل أن يساعد ذلك في تعزيز جميع الجهود المبذولة في مجال استعادة البصر باستخدام علم البصريات الوراثي، لإعادة البصر إلى المرضى المصابين بالعمى»، حسب صحيفة «الغارديان» البريطانية.

ولا تقتصر الآفاق العلاجية المحتملة لعلم البصريات الوراثي على استعادة البصر؛ فكلما تمكن الباحثون من تحديد الخلايا والدوائر العصبية التي يختل نشاطها في مرض معين، أصبح من الممكن تصور تدخلات أكثر استهدافاً. وقد أسهمت التقنية بالفعل في فهم آليات أمراض عصبية مثل باركنسون والصرع، إلى جانب اضطرابات ترتبط بخلل دوائر دماغية محددة، بينها الاكتئاب والإدمان والخرف.

وبينما لا يزال الطريق طويلاً قبل تحويل كثير من هذه التطبيقات إلى علاجات متاحة على نطاق واسع، تمثل القدرة على التحكم في نشاط خلايا عصبية محددة بالضوء خطوة مهمة نحو فهم أدق للدماغ، وربما تطوير طرائق جديدة لعلاج بعض الاضطرابات التي تصيب الجهاز العصبي.


سمر صالح... من ابتسامة «مونو» إلى خشبته في «درجة تانية»

سمر صالح في دور الديفا المجروحة من الماضي (مسرح مونو)
سمر صالح في دور الديفا المجروحة من الماضي (مسرح مونو)
TT

سمر صالح... من ابتسامة «مونو» إلى خشبته في «درجة تانية»

سمر صالح في دور الديفا المجروحة من الماضي (مسرح مونو)
سمر صالح في دور الديفا المجروحة من الماضي (مسرح مونو)

يعرف روَّاد مسرح «مونو» سمر صالح عن قرب. فهي التي تستقبلهم عند مدخله، وتؤكد حجوزاتهم وتسلّمهم بطاقاتهم بلطافة وخفَّة ظلّ. فسمر، المضيافة التي تتنقَّل في أرجاء المسرح بحيوية لمساعدة الآخرين، وصاحبة الابتسامة الدائمة والأذن التي تحفظ أصوات المتصلين، تحوَّلت اليوم إلى ممثلة.

ومن خلال مسرحية «درجة تانية»، تروي سمر قصتها الحقيقية ضمن رسالة إنسانية مؤثِّرة، وتضفي على أدائها شيئاً من روحها وشخصيتها الطريفة، فتجمع في مونولوغها بين الحلو والمر، والمعاناة والكوميديا.

تُعرض المسرحية على خشبة «مونو» في بيروت، من بطولة سمر صالح، ويرافقها غسان قوجة في أداء تعبيري إيمائي. وهي من إنتاج مسرح «شغل بيت» وإخراج شادي الهبر.

كتب ديمتري ملكي المسرحية انطلاقاً من قصة سمر الواقعية. فصاحبة البشرة الداكنة، المولودة لأم إريترية وأب من صعيد مصر، واجهت تحديات كثيرة في حياتها. ووضعها المخرج شادي الهبر تحت الضوء بعدما لاحظ موهبتها التمثيلية، ورأى ضرورة إخراج تجربتها إلى النور. فقصة سمر تشبه حكايات كثيرات ممن تعرّضن للتنمّر والتمييز العنصري بسبب لون بشرتهن.

نجحت سمر في تحقيق حلمها بالوقوف على الخشبة في عمل تكون فيه البطلة المطلقة. فكانت ديفا حقيقية، أدّت دورها بإتقان، وعبّرت عن معاناة دفنتها لسنوات في أعماقها. وتقول في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «تُشكِّل المسرحية محطة مضيئة في مشواري المهني. فقد درست التمثيل وتمنيت دائماً أن أحظى بفرصة حقيقية، بعدما اقتصرت تجاربي على أعمال تجريبية خلال دراستي. وعندما اكتشف شادي موهبتي وأصغى إلى قصتي، التي كنت أمرّر أيضاً مقاطع منها عبر (تيك توك)، عرض علي هذا العمل». وتضيف: «ترددت في البداية، قبل أن أقرر خوض التجربة من باب علاج جروح لازمتني منذ الصغر. فكانت مرحلة شُفيت خلالها من آلامي، بعدما فتحت باب الماضي على مصراعيه».

قدّمت سمر صالح أداءً مسرحياً يمزج بين الكوميديا والوجع (مسرح مونو)

وخلال المسرحية، تفاجئنا سمر بموهبة فنية متعددة الجوانب. فقد عرفت كيف تتحكم بلعبة المونولوغ، وهي من التجارب الصعبة لأي ممثل، مهما بلغت خبرته. كما أوصلت رسالتها حول التمييز العنصري والتنمّر بعفوية وبساطة، ونقلت المواجهات والتحديات القاسية التي عاشتها إلى الخشبة بأسلوب مباشر. وتحدثت بصراحة عن خيباتها العاطفية، وعن علاقتها المضطربة ببلد وُلدت وعاشت فيه، لكنه تنكّر لها.

أما التنمّر الذي تعرّضت له فكان يؤذيها، لكن والدتها ريتا كانت تضمد جراحها بحنانها وقوتها، فاستلهمت منها الصلابة. وكانت لها نبع حنان وحضناً تختبئ فيه، وبلسماً لجراحها.

وبدت علامات التأثر على وجوه عدد من الحاضرين، خصوصاً عندما دعت سمر والدتها إلى اعتلاء الخشبة لتهديها العمل، في لفتة تكريمية لها. وكانت المعانقة بين الأم وابنتها مؤثّرة، تركت بصمتها لدى الجمهور الذي تابع أداء سمر باهتمام، مكتشفاً موهبة تمثيلية لدى سيدة الضيافة والاستقبال في «مونو».

وتشير سمر إلى أنها، في بداية التحضيرات للمسرحية، كانت تتأثر كلما استمعت إلى رسالة صوتية لوالدتها طلب شادي إدراجها في العرض. وتقول: «بكيت عندما سمعتها للمرة الأولى».

وتضيف: «لكنني استعدت قوتي وقررت خوض التجربة، لأن أمي حفرت في القوة ولا يمكنني أن أخذلها. واليوم، عندما اعتلت الخشبة معي، لم تكن الدنيا تسعني من سعادتي العارمة تجاه امرأة عانت الكثير وربّت أولادها رغم محاربة المجتمع لها».

«درجة تانية» تُقدَّم على مسرح «مونو» في بيروت (مسرح مونو)

وخلال المسرحية، تروي سمر قصة لقاء والدتها بوالدها في لبنان. فقد كانت ريتا تعمل مساعدة للراحلة صباح، التي تعرّفت إليها في مصر وطلبت منها أن تعمل مرافقة لها في بيروت. أما والدها، الذي كان يعمل في السعودية، فغادر عمله متوجهاً إلى بيروت بحثاً عن فرصة جديدة، وهناك التقى بريتا، وتزوجا بعد قصة حب جميلة. وشاركت ريتا ممثلة في فيلم «حسناء وعمالقة» إلى جانب ابنة صباح، هويدا، فكانت هي أيضاً نجمة وديفا في نظر محبيها وكل من تعرّف إليها.

وتعترف سمر بأن المسرح المرتكز على المونولوغ ليس بالأمر السهل، ولذلك عدّته باباً لمواجهة نفسها. وتقول: «كان علي أن أتحدى نفسي وأخرج كل ما خبأته في باطني. وفلحت في ذلك، لأنني أشعر وكأنني أزحت ثقلاً كبيراً عن كاهلي».

وبرزت لمسات المخرج شادي الهبر في العناصر البصرية والصوتية، إذ مزج حكاية سمر بالفانتازيا، واستعان بموسيقى وأغانٍ عربية وأجنبية تواكب محطات حياتها وتحمل رسائل إنسانية. كما أفسح لها المجال للتعبير عن غضبها وألمها بالصراخ ورفع الصوت، في عرض يمتدّ لـ60 دقيقة.


1000 خطوة إضافية يومياً تقلل نوبات تفاقم الانسداد الرئوي

المشي بانتظام يخفض احتمال التعرض لنوبات الانسداد الرئوي (جامعة ولاية نيو ميسيكو)
المشي بانتظام يخفض احتمال التعرض لنوبات الانسداد الرئوي (جامعة ولاية نيو ميسيكو)
TT

1000 خطوة إضافية يومياً تقلل نوبات تفاقم الانسداد الرئوي

المشي بانتظام يخفض احتمال التعرض لنوبات الانسداد الرئوي (جامعة ولاية نيو ميسيكو)
المشي بانتظام يخفض احتمال التعرض لنوبات الانسداد الرئوي (جامعة ولاية نيو ميسيكو)

أظهرت دراسة دولية أن المشي بانتظام قد يساعد الأشخاص المصابين بمرض الانسداد الرئوي المزمن على تقليل نوبات تفاقم الأعراض، حتى إذا كانوا يعيشون في مناطق تعاني مستويات مرتفعة نسبياً من تلوث الهواء.

وأوضح الباحثون بقيادة معهد برشلونة للصحة العالمية (ISGlobal) في إسبانيا، أن النتائج تشير إلى أن النشاط البدني وتلوث الهواء عاملان يمكن التعامل معهما معاً؛ إذ لا يبدو أن التعرض لمستويات مرتفعة نسبياً من تلوث الهواء يلغي الفوائد المرتبطة بالمشي، ونُشرت الدراسة، الاثنين، بدورية «ERJ Open Research».

ويُعد مرض الانسداد الرئوي المزمن حالة رئوية شائعة وطويلة الأمد، ولا يوجد علاج شافٍ له حالياً، لكن ممارسة النشاط البدني بانتظام، مثل المشي، يمكن أن تساعد في إدارة أعراضه، بما في ذلك السعال والصفير وضيق التنفس.

وشملت الدراسة 262 شخصاً مصاباً بالمرض من 5 دول أوروبية هي بريطانيا وإسبانيا وبلجيكا وسويسرا واليونان. وارتدى المشاركون أجهزة استشعار للحركة لمدة 7 أيام، سجلت عدد الخطوات التي يقطعونها، والوقت الذي يقضونه في المشي، وسرعة المشي.

كما جمع الباحثون بيانات عن مستويات تلوث الهواء بالقرب من منازل المشاركين خلال العامين السابقين للدراسة، وشملت الجسيمات الدقيقة التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر (PM2.5)، والكربون الأسود، وثاني أكسيد النيتروجين، والأوزون. وطُلب من المشاركين تسجيل نوبات تفاقم الأعراض، بينما استخدم الباحثون السجلات الطبية على مدى عامين لرصد نوبات التفاقم المتوسطة أو الشديدة.

ووجد الباحثون أن المشي بانتظام ارتبط بانخفاض عدد نوبات تفاقم أعراض مرض الانسداد الرئوي المزمن، ولم يختلف هذا الارتباط بشكل واضح باختلاف مستويات تلوث الهواء في المناطق التي يعيش فيها المشاركون.

وأظهرت النتائج أن كل 1000 خطوة إضافية يومياً ارتبطت بانخفاض احتمال التعرض لنوبات التفاقم بنحو 5 في المائة. كما ارتبط المشي بوتيرة أسرع بفوائد أكبر؛ إذ حصل المشاركون الذين تجاوزت سرعة مشيهم متوسط سرعة المجموعة، البالغة نحو متر واحد في الثانية، على فوائد إضافية مقارنة بمن يمشون بوتيرة أبطأ. ولم يجد الباحثون اختلافاً واضحاً في هذه النتائج بحسب شدة مرض الانسداد الرئوي المزمن.

ويشير الباحثون إلى أن هذه النتائج تدعم استمرار ممارسة النشاط البدني حتى بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعيشون في مناطق ملوثة نسبياً، مع التأكيد على أن تقليل التعرض لتلوث الهواء يظل أمراً مهماً؛ ولذلك فإن اختيار أماكن منخفضة التلوث لممارسة المشي، متى كان ذلك ممكناً، قد يكون الخيار الأفضل.

ومع ذلك، حذّر الباحثون من أن النتائج قد لا تنطبق على المناطق التي تشهد مستويات شديدة الارتفاع من تلوث الهواء، مشددين على الحاجة إلى مزيد من الأبحاث. ويخطط الفريق لإجراء دراسة أكبر تشمل عدداً أكبر من المشاركين ومناطق تعاني مستويات أعلى كثيراً من التلوث.