مظاهرات حاشدة في مئات المدن احتجاجاً على فشل التصدي للأزمة المناخية

الحركات الطلابية في شتى أنحاء العالم تمسك بزمام المبادرة وتعلن بداية مرحلة من التحركات المفتوحة للضغط من أجل اتخاذ إجراءات سريعة وفاعلة لوقف التدهور البيئي... هذه المظاهرة أمام البرلمان في لندن أمس (أ.ف.ب)
الحركات الطلابية في شتى أنحاء العالم تمسك بزمام المبادرة وتعلن بداية مرحلة من التحركات المفتوحة للضغط من أجل اتخاذ إجراءات سريعة وفاعلة لوقف التدهور البيئي... هذه المظاهرة أمام البرلمان في لندن أمس (أ.ف.ب)
TT

مظاهرات حاشدة في مئات المدن احتجاجاً على فشل التصدي للأزمة المناخية

الحركات الطلابية في شتى أنحاء العالم تمسك بزمام المبادرة وتعلن بداية مرحلة من التحركات المفتوحة للضغط من أجل اتخاذ إجراءات سريعة وفاعلة لوقف التدهور البيئي... هذه المظاهرة أمام البرلمان في لندن أمس (أ.ف.ب)
الحركات الطلابية في شتى أنحاء العالم تمسك بزمام المبادرة وتعلن بداية مرحلة من التحركات المفتوحة للضغط من أجل اتخاذ إجراءات سريعة وفاعلة لوقف التدهور البيئي... هذه المظاهرة أمام البرلمان في لندن أمس (أ.ف.ب)

بعد أسبوع تقريباً على حادثة الطائرة الإثيوبية التي أودت بحياة 157 شخصاً، كان معظمهم متجهاً إلى المشاركة في المؤتمر العالمي حول البيئة وتغير المناخ في العاصمة الكينية، تواصل الأمم المتحدة، تحت وقع الصدمة، إطلاق صفّارات الإنذار وتوجيه التحذيرات من تفاقم الوضع المناخي، الذي يدفع الكرة الأرضية نحو كارثة بيئية، حسب كل التقارير التي تطالب الحكومات بالتحرّك الفوري قبل أن يفوت الأوان.
في غضون ذلك، شهدت مئات العواصم والمدن في شتّى أنحاء العالم، مظاهرات حاشدة، احتجاجاً على التقاعس في التصدّي للأزمة المناخية ومعالجة تداعياتها البيئية، بينما كانت الحركات الطلابية تمسك بزمام المبادرة، وتعلن بداية مرحلة من التحركات المفتوحة، للضغط من أجل اتخاذ إجراءات سريعة وفاعلة لوقف التدهور البيئي.
التقارير العلمية الدامغة التي عرضها خبراء برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ترسم صورة قاتمة، تبعث على الاكتئاب لما وصل إليه العالم بعد سنوات من الدراسات والقرائن، وعشرات القمم والتعهدات التي بقي معظمها مجرد حبر على ورق.
لم تعد هناك منطقة واحدة في العالم بمنأى عن تداعيات التغيّر المناخي... فقدان التنوّع الحيوي بلغ مستويات كارثيّة في النبات والحيوان على السواء... انخفاض كبير في مخزون المياه الصالحة للشرب... تلوّث خطير في الهواء يتسبب في ملايين حالات التسمم والوفيات... وتكدّس كميّات هائلة من البلاستيك في المحيطات ومجاري المياه، هي العناوين المخيفة لتقرير «آفاق البيئة العالمية» الذي يقع في أكثر من 700 صفحة، وينذر باقتراب سريع من كارثة شاملة في عالم يُقدَّر أن يرتفع عدد سكانه من 7.5 مليار حاليّاً إلى عشرة مليارات في عام 2050.
ويفيد التقرير بأن العالم لا يسير في الطريق السليم لتحقيق الأهداف التي توافقت عليها الدول في المؤتمرات الدولية حول تغيّر المناخ والتنمية المستدامة وحماية البيئة، ويطالب الدول باتخاذ إجراءات فورية لوقف التدهور الناجم عن «أنماط غير مستدامة من الإنتاج والاستهلاك» تقضي على النتائج الإيجابية القليلة التي حققتها بعض الدول. ويشدّد التقرير على ضرورة «اتخاذ تدابير سريعة على نطاق غير مسبوق لوقف التدهور وحماية صحة الإنسان والبيئة»، ويدعو الدول إلى احترام التزاماتها وتطبيق الإجراءات الوقائية المثبتة علميّاً، والملحوظة في الاتفاقات والمواثيق الدولية، مثل اتفاقية باريس حول تغيّر المناخ وأهداف التنمية المستدامة.
ويحذّر التقرير، وهو السادس في سلسلة التقارير التي صدر أوّلها عام 1997، من أن «التقدّم الضئيل الذي يحصل بطيء جداً، وفي معظم الحالات الوضع إلى تدهور»، ومن نتائج إخفاق الدول في اتخاذ الإجراءات السريعة اللازمة، وأثره على الموارد الطبيعية الأساسية والصحة البشرية.
لكن ما الآثار السلبية الفورية المرتقبة من الاستمرار في هذا المسرى الانحداري؟ يؤكد التقرير الذي وضعه 250 من أبرز العلماء والخبراء الدوليين «أن تغيّر المناخ يؤدي إلى تغيير أنماط الأحوال الجوّية، الذي بدوره له تداعيات واسعة وعميقة على البيئة والاقتصاد والمجتمع، ويهدّد سبل الرزق والصحة والموارد المائية والأمن الغذائي ومصادر الطاقة، ويزيد من حدّ الفقر والهجرة والنزوح والنزاعات».
ويفيد التقرير بأن الأدلّة العلمية المتوفّرة عن تغيّر المناخ أصبحت دامغة، إذ تبيّن أن معدّل حرارة سطح الكرة الأرضية قد ارتفع بمقدار 1.2 درجة مئوية منذ عام 1880، وأن العشريّة المنصرمة شهدت ثماني سنوات من بين السنوات العشر الأكثر حرارة في التاريخ المسجّل، وأنه إذا استمرّت انبعاثات غازات الدفيئة على الوتيرة الحالية، فإن المعدّل العام للحرارة سيواصل الارتفاع، ويتجاوز الحدود التي وضعتها اتفاقية باريس حول تغيّر المناخ.
ويؤكد الخبراء أن الامتثال للأهداف التي حددتها اتفاقية باريس، له مردود اقتصادي كبير، مقارنة بعدم الامتثال لها، وأن تلوّث الهواء هو العامل الأساسي في ارتفاع معدّل الوفيات؛ إذ يُقدَّر أن 7 ملايين شخص يموتون سنويّاً في سنّ مبكرة، بسبب تعرضهم لمستويات عالية من التلوّث، يعاني منها 95 في المائة من سكّان العالم.
ويشير التقرير إلى الدراسة التي وضعها البنك الدولي مؤخراً، ومفادها أن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الوفيات المبكرة وانخفاض معدّل الإنتاجية والأمراض بسبب تلوّث الهواء، تعادل إجمالي الناتج القومي لليابان.
ويفرد التقرير باباً خاصاً لفقدان التنوّع الحيوي، الذي يشكّل أحد أخطر تداعيات التغيّر المناخي، ويشير إلى مخاطر التحوّلات الجذرية في استخدام الأراضي، وتدهور الموائل الطبيعية للكائنات الحيّة والأجناس النباتية، والممارسات الزراعية غير المستدامة، وانتشار الأنواع الغازية والتلوّث، والإفراط في استغلال الموارد. كما يحذّر من الآثار المدمّرة للقطع الجائر لأشجار الغابات، والتجارة غير المشروعة بالأجناس البريّة التي تقدّر قيمتها بنحو 240 مليار دولار سنويّاً.
وتفيد آخر الدراسات بأن 42 في المائة من اللافقريّات البريّة، و34 في المائة من المائية تواجه خطر الانقراض، وأن الفقريّات البريّة فقدت 60 في المائة من تنوّعها الحيوي منذ عام 1970 إلى اليوم. ويحذّر التقرير من أن التنوّع الوراثي الذي يعتبر حيويّاً بالنسبة للحياة البريّة وتنوّع الحبوب والسلالات الحيوانية، يتراجع باطراد، ويشكّل تهديداً مباشراً على الأمن الغذائي، خصوصاً للفقراء الذين يعتمدون بنسبة 70 في المائة على الموارد الطبيعية.
وليست البحار والمحيطات في حال أحسن من المناطق البرّية، إذ تتعرّض هي أيضاً لمعدّلات خطيرة من التلوّث المناخي، الذي يؤدي إلى ارتفاع درجة الحموضة في المياه، تضاف إليه حركة النقل البحري، والإقبال المتزايد على استغلال الموارد المائية لإنتاج الأغذية، ناهيك عن النفايات البلاستيكية الهائلة المنتشرة في كل بحار العالم، والتي تشكّل 75 في المائة من مجموع النفايات البحرية.
ويفيد التقرير بأن «ثمانية ملايين طن من النفايات البلاستيكية تنتهي سنويّاً في البحار والمحيطات؛ حيث تتحلّل منها مواد سامّة تتراكم في الحيوانات البحرية، وتنتقل منها إلى الإنسان، فتؤثّر على خصوبته وعلى النمو العصبي عند الأطفال». ويحذّر الخبراء من أن عدم اتخاذ إجراءات فاعلة وسريعة، على نطاق واسع، لمعالجة تلوّث البحار، من شأنه أن يؤدي إلى تدمير النظم الإيكولوجية البحرية، والقضاء على الخدمات الحيوية التي توفّرها للإنسان. المياه العذبة انخفض مخزونها العالمي، وتراجعت جودتها منذ عام 1990، بسبب التلوّث العضوي والكيميائي الناجم عن استخدام الأسمدة والمبيدات وترسبّات المعادن الثقيلة والنفايات البلاستيكية، بينما يُقدّر أن ثلث سكان العالم يفتقرون إلى خدمات مناسبة للصرف الصحّي.
ويحضّ التقرير على تحسين استخدام المياه للأغراض الزراعية، التي تستهلك 70 في المائة من المياه العذبة في العالم. وتصل هذه النسبة إلى 90 في المائة في بعض البلدان الفقيرة. زحف الصحراء على الأراضي الخضراء، هو أيضاً من المخاطر التي يحذّر منها التقرير إذا لم تتخّذ الإجراءات اللازمة، إذ يقدّر أن 40 في المائة من سكان الأرض سيعيشون في مناطق صحراوية، خصوصاً في البلدان الآسيوية والأفريقية الفقيرة، بحلول عام 2050.
معظم التوصيات والاستنتاجات التي يخلص إليها التقرير، تركّز على تغيير أنماط الإنتاج والاستهلاك، كشرط أساسي لعكس هذا المنحى «الانتحاري» الذي إذا استمرّ، فسيؤدي إلى عجز العالم عن إطعام سكانه الذين سيبلغون عشرة مليارات في أقل من ثلاثين عاماً، مما قد يطلق «منافسة مستميتة على الماء والغذاء والموارد الطبيعية».


مقالات ذات صلة

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

يوميات الشرق الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

في مشهد أقرب إلى الاستكشافات النادرة، خرج الغواص دان جيكوبس مؤخراً من فتحة ضيقة شُقّت في جليد بحيرة فنلندية متجمِّدة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الضباب يُغطي المحيط الهادئ بالقرب من حي بارانكو في ليما (أ.ب)

«الأمم المتحدة»: الأرض احتبست حرارة قياسية في 2025

حذرت الأمم المتحدة اليوم (الاثنين) من أن كميّة الحرارة المحتبسة في الأرض بلغت مستويات قياسية عام 2025.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».