«قصص من أرابيا»... أحلام مصممين عرب تتحقق في لندن

من عرض نجوى الفاضلي  -  من عرض شيرين الأذينة  -  من عرض «أتولييه زهرة»
من عرض نجوى الفاضلي - من عرض شيرين الأذينة - من عرض «أتولييه زهرة»
TT

«قصص من أرابيا»... أحلام مصممين عرب تتحقق في لندن

من عرض نجوى الفاضلي  -  من عرض شيرين الأذينة  -  من عرض «أتولييه زهرة»
من عرض نجوى الفاضلي - من عرض شيرين الأذينة - من عرض «أتولييه زهرة»

انتهى أسبوع لندن لموضة خريف وشتاء 2019 منذ عدة أسابيع، ولم تنته أصداؤه. فحتى بعد كل دراما أسبوعي ميلانو وباريس، لا سيما عرضي كل من «فندي» و«شانيل» اللذين كانا آخر ما أشرف عليه الراحل كارل لاغرفيلد قبل أن يُغيبه الموت، لا تزال صور أخرى تداعب الخيال، وليس أقلها ما قدمه مشاركون عرب في فعالية «قصص من أرابيا». فعالية أصبحت رسمية في البرنامج البريطاني منذ أن أطلقتها الشابة جليلة المستوكي. هي الآن أمل العديد من المصممين العرب في دخول عالم الموضة من أبوابها عوض الاقتصار على فعاليات جانبية على الهامش كما كان الحال في السابق. لا يختلف اثنان أنها بدأت خجولة منذ بضع سنوات، وانطلقت حينها تحت عنوان «قصص من المغرب» سلطت فيها المستوكي الضوء على القفطان المغربي وما يتمتع به من جماليات، بحكم أنها مغربية وتعشق القفطان، لكنها انتبهت سريعاً أن هذه القطعة الأيقونية ربما لا تحتاج إلى من يُبرز جمالياتها، كما أنها إن أرادت، كما تنوي وتخطط، ربط جسر بين المصممين العرب وصناعة الموضة في الغرب فعليها ألا تقتصر على هذه القطعة وحدها أو على منطقة معينة. منذ أن خامرتها الفكرة وهي تحلم بأن يكون مشروعها عالمياً، وهو ما نجحت فيه بدليل أنها تخطط حالياً لتشمل الفعالية أيضاً لوس أنجليس هذا الشهر، وباريس ونيويورك وميلانو مستقبلاً.
لكن أكثر ما شجعها على توسيع نظرتها هاته، أن العديد من المصممين العرب أعربوا عن طموحاتهم وحاجتهم إلى منبر عالمي يُبرهنون من خلاله للغرب أنهم قادرون على دخول المنافسة باحترافية. وهكذا اكتسبت هذه القصص خلال فترة وجيزة، قوة وبريقاً. كان لافتاً هذا الموسم أن معظم المصممين المشاركين فيه اعتمدوا على تقنيات حديثة أكدوا فيها أنهم مواكبون لتطورات العصر وبأنهم لا يريدون البقاء سجناء تلك الصورة النمطية، التي ترسخت في أذهان البعض، ومردها الاستعمال السخي للخرز والترتر وأحجار سواروفسكي كغطاء على ضعف التصاميم. في المقابل ركزوا على التصاميم والخطوط كما على التقنيات الحديثة مع رشات خفيفة في التطريز.
في فندق «دي فير غراند كونوت» وسط لندن، كان موعد عشاق الموضة والعديد من الفضوليين الذين تثير خيالهم قصص ألف ليلة وليلة مع عروض حافلة نسجت خيوطها باقة من المصممين العرب مثل الكويتيتين نجوى الفاضلي وشيرين الأذينة، والعُمانية ريان السليماني مؤسسة ماركة «أتولييه زُهرة» فضلاً عن مشاركة للمصمم عمر سعيد صاحب ماركة «أو EAU وباقة من المصممين الذين قدموا تصاميم «سبور». كان الطبق دسماً ومتنوعاً، سواء من حيث الألوان أو التفاصيل. والمقصود هنا حتى التفاصيل التي تتعلق بتسريحات الشعر التي أشرف عليها صالون «مايكل جاين» اللندني، وحرص فيها أن تكون بسيطة تعكس رقي المرأة العربية وجمالها، إضافة إلى الماكياج الذي ابتعد بدوره عن مبالغات أيام زمان.
افتتحت المصممة نجوى الفاضلي الفعالية بتشكيلة أطلقت عليها عنوان «أحلام غير متوقعة»، وجاءت تعكس الكثير من الأنوثة الحالمة من خلال أقمشة التول والموسلين والحرير. اللافت أنها ركزت فيها على لون واحد هو العاجي. ورغم أن اللون الواحد في التشكيلة الواحدة من الأمور التي يصعب النجاح فيها حتى على أعتى المصممين، لأنها قد تعطي الانطباع بأن القطع متشابهة، وبالتالي قد تثير مللاً في النفس، إلا أن المصممة تجاوزت هذه المشكلة بسهولة. الفضل يعود إلى تنوع الخطوط والتصاميم ما بين الطويل والقصير، والمحدد على الجسم والمنسدل لتأتي الصورة مفعمة بأنوثة ناعمة شدت اهتمام الحضور طوال العرض.
لم تحتج فيها إلى التطريز لكي تلمع، وإن كانت بعض القطع كذلك، واكتفت في النسبة العالية منها بالخطوط البسيطة.
وفي النهاية أثبتت أن هذه الخطوط كافية لتُضفي الرومانسية التي كانت تتوخاها على كل إطلالة.
العمانية ريان السليماني مؤسسة «أتولييه زُهرة» قدمت في المقابل تشكيلة تضج بالألوان وتصرخ بالبريق. قالت إنها استلهمتها من ألوان الأحجار الكريمة بكل صفائها وتوهجها. وهكذا تهادت العارضات، بعيونهن الكحيلة، بفساتين أوبرالية تتراقص على ألوان الأزرق السفيري والأحمر الياقوتي والأخضر الزمردي وأصفر السيترين والبنفسجي المستمد من الجمشت وهلم جرا. وأشارت المصممة إلى أن المجوهرات الثمينة لم تكن ملهمتها فيما يخص الألوان فحسب، بل أيضاً فيما يتعلق بالخطوط الهندسية، التي أرادتها أن تعكس كل معاني الترف والجمال.
ربما تكون المصممة الكويتية شيرين الأذينة أكثر من عادت إلى تقاليد الصنعة الشرقية لتستلهم منها فساتين استحضرت صوراً من الماضي، خصوصاً من ناحية تطريزها.
لكن بحكم أن المصممة أيضاً خبيرة تنسيق، فإنها نجحت في دمج هذه القطع مع بعض بأسلوب عصري جعلها مناسبة لأي زمان أو مكان. كانت شيرين تعرف أن المشاركة في أسبوع بأهمية أسبوع لندن، فرصة لا يجب تضييعها بتقديم تصاميم متشابهة مع غيرها، وهم مئات. ولأنه كان عليها أن تتميز، لم تجد أفضل من ثقافتها وإرثها الغني سلاحاً، لكن بعيداً عن الفولكلور والنمطية. للوصول إلى هذه النتيجة، اعتمدت على قماش الجاكار لجمعه الكلاسيكية والفخامة التاريخية. كانت تصاميمها تبدو بسيطة من بعيد وكأنها مجرد قطعة مستطيلة تنسدل من الكتف إلى الساق بتطريزات تقليدية، لكن ما إن تقترب حتى تأخذ بُعداً أنثوياً مع كل خطوة تقوم بها العارضة.
- «روجيه دوبوي» تهدي الأمهات «إكسكاليبور 36»
> تزامناً مع «يوم الأم» الذي تحتفل به منطقة الشرق الأوسط في 21 مارس (آذار) من كل عام، يحرص كثير من شركات الساعات السويسرية على تقديم هدايا خاصة بالمناسبة، تأتي غالباً بإصدارات محدودة تراعي ذوقها وعشقها لكل ما هو مُترف. هذا العام تُهديها دار «روجيه دوبوي» مثلاً إصدار «إكسكاليبور 36»، المحدود بـ88 قطعة فقط.
وتتميز هذه المجموعة بتصميم ديناميكي بميناء لامع؛ إما بالأبيض النقي أو بالأسود. الميناء الأبيض مصنوع من عرق اللؤلؤ مع أرقام رومانية بلون الذهب الوردي، وعقارب دوفين من الذهب الوردي عيار 18 قيراطاً. والميناء الأسود مزين بأرقام رومانية فضية وعقارب دوفين من الذهب الأبيض أيضاً عيار 18 قيراطاً. أما من ناحية المواصفات الفنية، فإنها تأتي بقطر 36 مللم، وطارة مسننة من الذهب الوردي عيار 18 قيراطاً مرصعة بالألماس، وتاج من الذهب الوردي أو الأبيض عيار 18 قيراطاً، إضافة إلى كريستال الزفير بزجاج معالج ضد الانعكاس، وحزام من جلد العجل الأصلي بمسامير فولاذية.
- هدية أخرى من «برميجياني فلورييه»
> «برميجياني فلورييه» أصدرت بدورها ساعة «توندا 1950» التي رصعتها بالأحجار الكريمة. حرصت فيها على أن تأتي بتصميم كلاسيكي يناسب كل مكان، واختارت لها طارة كبيرة، حتى تُقلل من مساحة الميناء و«نُوفر مساحة أكبر لترصيعها بما لا يقل عن 51 ماسة مستديرة، و21 بلورة زفير بألوان الوردي، والأزرق، والأصفر، والبرتقالي، إضافة إلى 3 ياقوتات، و6 أحجار كريمة من التسافوريت، يصل إجمالي وزنها إلى 3.73 قيراط. وقد تم اختيار هذه الأحجار وترتيبها حسب درجة اللون لتخلق ما يُشبه طيف قوس قزح». وتكتمل علبة الذهب الوردي في الطراز بواحد من 3 «ميناءات»: واحد بالأزرق الداكن، والثاني لؤلؤي مورد، والثالث بعرق اللؤلؤ الأبيض. أما العقارب فجاءت مفرغة على شكل دلتا بتصميم مذهب يحاكي العلامات المطلية بالذهب الوردي. ولم تنس الدار أن المرأة باتت تهتم بالحركات والوظائف وليس بالشكل فحسب، لهذا استعملت فيها تقنيات جد متطورة؛ على رأسها أنها بتعبئة حركة تعمل بشكل مستقل لمدة 42 أو 48 ساعة، وتقويم أو بيان مرحلة القمر؛ زادها جمالاً وقيمة.
- بروش «غرينوفيا»... تحفة تدمج التقاليد بالحديث
> خلال المعرض الأوروبي للفنون الراقية TEFAF Maastricht الممتد لغاية 24 مارس (آذار) في هولندا، كشفت المصممة سيندي تشاو الستار عن أحدث القطع من مجموعة «بلاك لايبل ماستربيس». مجموعة دمجت فيها بين تقنية الصبّ بالشمع اليدوية التي كانت سائدة في أوروبا القرن الثامن عشر، وبين الحرفية الحديثة في صياغة المجوهرات. من بين ما تضمه المجموعة، بروش «غرينوفيا» Greenovia، المصنوع من حجر كريسوبيريل الكريم على شكل عين القطّة. يبلغ وزنه 105.37 قيراط، ويتألّق بنحو 2500 حبّة من 6 أنواع من الأحجار الكريمة الخضراء أخذت شكل بتلات بـ16 تدرّجاً لونياً. أما غُصنها فمصمم من الفضة المؤكسد ومرصّع هو الآخر بالألماس الأصفر مع البتلات والأوراق الخضراء المرصّعة بعناية على التيتانيوم.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن سيندي ليست مصممة مجوهرات بالمعنى التقليدي. فهي تصوغ تحفاً فنية قد تستغرق سنوات في صنع واحدة فقط.


مقالات ذات صلة

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

لمسات الموضة أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

استعمل «إيرديم» منذ انطلاقته في عام 2005 أساليب تقليدية في تصاميم مبتكرة تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

لعب العرض على فكرة السفر والترحال، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تفخر الدار الإيطالية التابعة حالياً لمجموعة «إل في إم إتش» الفرنسية بمهارتها في نسج أرق خيوط الصوف في العالم

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)

هل يفقد الشرق الأوسط مكانته مركزاً للموضة العالمية؟

قبل أسابيع قليلة فقط، كانت بيوت الأزياء العالمية تتسابق على ترسيخ أقدامها في الشرق الأوسط، وهو من أكثر أسواقها حيوية وربحية. أطلقت تشكيلات خاصة بهذه المناسبة…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة التويد بشكله الطبيعي المائل إلى الخشونة في عرض «رالف لورين» الأخير للموسم المقبل (رالف لورين)

أناقة شتاء 2026... أزياء دافئة وطبقات متعددة

عندما تنخفض درجات الحرارة وتتلون السماء بالرمادي، تتغير الأولويات. لكن رحلة البحث عن الدفء لا تعني التنازل عن الأناقة بأي شكل من الأشكال. بل على العكس، يُفضِل…

«الشرق الأوسط» (لندن) «الشرق الأوسط» (لندن)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.