غور الأردن يبقى حجر عثرة في طريق مباحثات السلام

الفلسطينيون يخوضون صراع بقاء مع المستوطنين

عائلة فلسطينية تجتمع حول موقد في منزلها في قرية برادلة شمال منطقة غور الأردن («نيويورك تايمز»)
عائلة فلسطينية تجتمع حول موقد في منزلها في قرية برادلة شمال منطقة غور الأردن («نيويورك تايمز»)
TT

غور الأردن يبقى حجر عثرة في طريق مباحثات السلام

عائلة فلسطينية تجتمع حول موقد في منزلها في قرية برادلة شمال منطقة غور الأردن («نيويورك تايمز»)
عائلة فلسطينية تجتمع حول موقد في منزلها في قرية برادلة شمال منطقة غور الأردن («نيويورك تايمز»)

يقول سكان قرية بردلة الزراعية الفلسطينية، التي تقع في شمال منطقة غور الأردن من الضفة الغربية، إن المياه تزورهم في منازلهم كل ثلاثة أيام، وعندما تأتي يسارعون لملأ الزجاجات والصهاريج لاستخدامها طوال الفترة التي تنقطع فيها المياه عنهم. في المقابل، تبدو مستوطنة شادموت ميهولا اليهودية المجاورة قطعة من الجنة إذا ما قورنت بتلك القرية، حيث تمتلئ بمساحات واسعة من العشب الأخضر وحمامات السباحة.
المتناقضات التي تظهر في تلك الخلفية الوعرة من التلال، التي تشق قممها الحادة سماء الضفة الغربية، تعكس التعقيدات التي تبدو في الصراع الشرس للسيطرة على وادي الأردن، وكذلك التحديات التي تواجه الفلسطينيين في إدارتهم لشؤون تلك المنطقة. وبينما يسعى المفاوضون الإسرائيليون والفلسطينيون إلى تحقيق تقدم في مباحثات السلام التي أعاد إحياءها وزير الخارجية الأميركي جون كيري، فقد بقي الطرفان على خلاف فيما يتعلق بالممر الاستراتيجي الذي يمر بين المنطقة الحيوية المزدحمة بالسكان في الضفة الغربية والمنطقة الحدودية مع الأردن. ويصر بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، على الإبقاء على وجود إسرائيلي عسكري طويل الأجل على طول المنطقة الحدودية بهدف منح تسلل الأفراد وتهريب الأسلحة من الشرق. ويقول بعض أعضاء حزب نتنياهو (الليكود) إنه لا يمكن تحقيق أي عمق أمني أو استراتيجي من دون بناء المستوطنات، مشيرين إلى أن إسرائيل ينبغي أن تضم تلك المنطقة بشكل دائم.
على الجانب الآخر، يصر الفلسطينيون على أنه ينبغي على إسرائيل سحب قواتها والتوقف عن بناء المستوطنات حتى يتمكنوا من السيطرة على حدودهم، في إطار إنشاء دولتهم المستقلة ذات السيادة.
غير أن سكان وادي الأردن، الذي دائما ما يكون فصل الصيف فيه شديد الحرارة، يرون أن المناورات الدبلوماسية تبدو مسألة ثانوية بالنسبة لواقع الحياة الصعب الذي يواجهه مجتمعان متداخلان ومتعاديان. فبينما يسيطر القلق على المستوطنين من خسارة منازلهم، يشعر الفلسطينيون بالقلق من أن تواصل إسرائيل السيطرة على غالبية المياه والأراضي في الوادي الخصيب الذي يعتبرونه سلة غذاء الدولة المستقبلية. ويقول ضرار صوافطة، أحد موظفي مجلس بلدية قرية دربلة: «إننا نعيش تحت رحمتهم».
ويعيش نحو 60 ألف فلسطيني في منطقة وادي نهر الأردن في قرى متفرقة وواحة مدينة أريحا القديمة. ويعملون بالزراعة في نحو 8600 فدان، يجري استئجار غالبية تلك المساحة من ملاك الأراضي الفلسطينيين الأثرياء، الذين يعيشون في القدس ونابلس. ويشتكي الكثيرون من سوء الإدارة والاختلال الوظيفي من جانب السلطة الفلسطينية، التي تدير القرى وأريحا، فضلا عن القيود التي يفرضها الحكم الإسرائيلي العسكري.
على الجانب الآخر، يعيش 6500 مستوطن إسرائيلي في 21 تجمعا سكانيا صغيرا يتخللها كثير من الثكنات العسكرية الإسرائيلية. ويزرع المستوطنون الإسرائيليون 13000 فدان، ويستخدمون مياه الصرف الصحي المعالجة في ري بساتين التمر الوفيرة، كما يستأجرون 6000 فلسطيني للعمل في مشاريع زراعية مزدهرة جرى تكييفها لتلائم الطقس شبه الاستوائي.
ويزعم القادة الفلسطينيون أن إسرائيل تريد البقاء في تلك المنطقة إلى أجل غير مسمى بسبب مصالحها الاقتصادية. وقد وضع صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين وممثل منطقة وادي الأردن في المجلس التشريعي الفلسطيني، قائمة بمصالح المستوطنين في تلك المنطقة، التي تشمل: «مزارع النخيل الكبيرة ومزارع الكرم الكبيرة ومزارع الديك الرومي، بالإضافة إلى بحيرات اصطناعية لتربية التماسيح، من أجل استخدام جلودها في الأحذية والحقائب».
غير أن مستوطني وادي الأردن الذين جاء معظمهم بحثا عن الحياة الرعوية تحت رعاية حكومات يقودها حزب العمل الذي يسيطر عليه عقلية أمنية بعد حرب 1967، يعيشون وسط حالة متنامية من عدم اليقين من أن الحكومة ستدعم استمرار وجودهم هناك.
في عام 1997 خلال فترة رئاسته الأولى للوزراء، كتب نتنياهو خطابا للمستوطنين جاء فيه أن «وادي الأردن سيصبح جزءا لا يتجزأ من دولة إسرائيل بوب أي اتفاقية يجري التوصل إليها».
لكن كثيرين من المستوطنين يشيرون إلى حديث نتنياهو الآن عن الإبقاء فقط على وجود عسكري في تلك المنطقة.
في قرية بردلة، تبدو الأمور في غاية التعقيد، إذ أدى الاحتلال والمشكلات الفلسطينية الداخلية إلى جفاف آبار المياه. وقبل قيام إسرائيل بانتزاع المنطقة من الأردن خلال حرب 1967، كانت بردلة تعتمد على المياه الآتية من أحد الينابيع القريبة. لكن الإسرائيليين قاموا بحفر بئر ذات عمق أكبر، وهو ما علق عليه صوافطة بقوله: «جففوا بئرنا».
وفي سبعينات القرن الماضي، أبرمت اتفاقية بشأن المياه، ثم جرى توقيع اتفاقية أوسلو للسلام في تسعينات القرن الماضي، وهو ما أدى بعد ذلك إلى توقيع اتفاقيات مياه جديدة. غير أنه مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي اندلعت في عام 2000، توقف الفلسطينيون عن تسديد فواتير الكهرباء والمياه للسلطة الفلسطينية، بل حتى مجلس بلدية قرية بردلة يتحمل مسؤولية عدم تسديد نحو مليوني شيقل (أكثر من 560 ألف دولار) قيمة فواتير المرافق. وهذا ما دعا السلطة الفلسطينية، حسب كلام صوافطة، إلى تأجيل تمويل بعض المشاريع، مثل مد الطرق وبناء سد وشبكة مياه في القرية.
وتستقطع إسرائيل ديون استغلال المرافق من عوائد الضرائب التي تجمعها بالنيابة عن السلطة الفلسطينية. وبعد ذلك تستخدم الحكومة الفلسطينية، التي تعاني على الدوام نقصا في السيولة، باقي العوائد في دفع مرتبات موظفيها. وبعد دفع مرتبات الموظفين، يتبقى الشيء القليل الذي تستخدمه السلطة الفلسطينية في مساعدة المزارعين. ويقول رفعت حمد الله الدراغمة، صاحب مزرعة، إن السلطة الفلسطينية مدينة له بـ300 ألف شيقل (نحو 85 ألف دولار) عبارة عن مبالغ ضرائب مستردة خلال الأربعة أعوام الماضية. ويعمل لدى الدراغمة 15 عائلة في مزرعته الكائنة في منطقة «الجفتلك» في الوادي، ويبيع الدراغمة إنتاج المزرعة لإسرائيل.
ويقول عبد الغفار الدوابشة، نائب مدير زراعة أريحا، أن هناك نحو 60 حالة مشابهة لحالة الدراغمة في مكتبه.
«خربة مكحول»، وهي عبارة عن مخيم على الطريقة البدوية يقع شمال وادي الأردن، خلال الأشهر القليلة الماضية، رمزا للصراع المستمر على كل شبر من أرض وادي الأردن. ففي سبتمبر (أيلول)، وصلت جرافات الجيش الإسرائيلي فجرا إلى «خربة مكحول»، حيث محت جميع هياكل الأبنية المؤقتة، بما فيها تلك الأبنية التي تأوي الناس والحيوانات. وكلما قام الفلسطينيون بنصب خيام جديدة، عادت الجرافات لإزالتها، حتى تكرر ذلك السيناريو ثلاث مرات، مما دعا النساء والأطفال للانتقال إلى مساكن دائمة في قرية طمون الواقعة قرب نابلس.
ويعلق أشرف بشارات (30 سنة)، واحد مما يقرب من 12 عائلة تربي الماشية في «خربة مكحول»، على ما قامت به الجرافات الإسرائيلية بقوله «لقد اعتدنا العيش كملوك»، مشيرا إلى أنه قبل سبتمبر (أيلول) كانت سفوح التلال تعج بحظائر الحيوانات.
وتقع «خربة مكحول» بين ثلاث قواعد للجيش الإسرائيلي. وخلال تدريباتهم، دائما ما يصدر الجنود الإسرائيليون ضجيجا ناتجا عن الانفجارات وأصوات إطلاق النار. ويقول المسؤولون العسكريون الإسرائيليون إن حظائر الحيوانات جرى تدميرها، لأنها بُنيت من دون الحصول على تراخيص.
العائلات الفلسطينية ترفض مغادرة الأراضي التي يقولون إنهم امتلكوها أو استأجروها على مدى عقود. وتقوم السلطة الفلسطينية في الوقت الحالي بمساعدة العائلات الفلسطينية على تسجيل قطع الأراضي وكذلك الحصول على تراخيص للعمل فيها. وقد جرى إعادة بناء إحدى الحظائر. كما ينام بعض السكان المحليين تحت أغطية من مادة النيلون جرى نصبها مكان خيمة العائلة التي قامت الجرافات الإسرائيلية بإزالتها.
وقد جرى توصيف غالبية مناطق وادي الأردن تحت مظلة «المنطقة سي»، أي أنها جزء من الضفة الغربية التي تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. ومن الصعب الحصول على تراخيص لتشييد الأبنية التي يجري فيها تعبئة المنتجات الزراعية أو الأكواخ المسقوفة بألواح مصنوعة من مادة الزنك، بينما تكون عمليات هدم تلك الأبنية سمة للحياة اليومية في تلك الأراضي. المستوطنون الإسرائيليون يتولون حاليا، بشكل مؤقت، حماية الأماكن التي يعيشون فيها. وبعد أن ضرب فلسطينيان من منطقة الخليل ضابطا إسرائيليا متقاعد بالهراوات حتى الموت في أكتوبر (تشرين الأول) في فناء منزله، بقرية بروش هابيكا السياحية المنعزلة، قام طلاب وعائلات مدرسة يشيفا الكائنة في إحدى المستوطنات الدينية المجاورة، بالانتقال بشكل مؤقت خلال العطلة للإقامة في المنطقة، في محاولة لتعزيز وجودهم هناك.
وخلال الأعوام القليلة الماضية، زرع المستوطنون جزءا من المنطقة منزوعة السلاح الواقعة بين السياج الحدودي الأمني ومنطقة الحدود الفعلية على طول نهر الأردن بآلاف من شجيرات النخيل. كما بدأ أبناء مؤسسو المستوطنات، الذين غادروا مرة أخرى إلى المدينة، بالعودة إلى تلك المستوطنات بفضل أسعار السكن الرخيصة وطريقة العيش في المجتمعات الريفية. وخلال هذا الأسبوع، افتتح وزير كبير في حزب الليكود حيا جديدا في «جيتيت»، وهي مستوطنة بعيدة كانت في يوم من الأيام ذات طابع علماني، غير أنه جرى إحياؤها مرة أخرى، ولكن عن طريق تدفق سيل من المستوطنين الدينيين.
خلال لقاء أُجري معه أخيرا، قال ديفيد الهياني عضو حزب الليكود ورئيس مجلس وادي الأردن الإقليمي المؤلف من المستوطنين: «لقد استغرق الأمر منا 30 عاما قضيناها في التفكير فيما ينبغي أن نزرعه وكيف نزرعه». ويدير الهياني مزرعة نباتات طبية في مستوطنة أرجمان التي تقع أعلى أحد التلال في وادي الأردن حيث يستعين بـ20 فلسطينيا لزراعتها. ويشير الهياني إلى علاقة الصداقة والتعاون التي تجمعه بالمزارعين الفلسطينيين الذين يعملون في مزرعته.
ويقول الهياني عن التيار الإسرائيلي السائد: «إنهم يصفوننا بالرواد، ملح الأرض، الصهاينة الحقيقيين»، مضيفا: «والآن يبدو أن حزب العمل وآخرين قد تخلوا عن مستوطني وادي الأردن».
ويضيف الهياني: «لقد جئنا لأن حكومتنا هي التي أرسلتنا للعيش هنا، كل الحكومات الإسرائيلية اتخذت الخطوة نفسها. ولو أن الحكومة الإسرائيلية اتخذت قرارا بعكس ذلك، فإننا سنقبل ذلك القرار».
* خدمة «نيويورك تايمز»



تأكيد مصري - إماراتي على مواصلة التنسيق لتجنب التصعيد بالمنطقة

محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)
محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)
TT

تأكيد مصري - إماراتي على مواصلة التنسيق لتجنب التصعيد بالمنطقة

محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)
محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)

أكدت مصر والإمارات على «ضرورة التنسيق المشترك لتجنب المزيد من التصعيد في المنطقة»، وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، على ضرورة «مواصلة التشاور بشأن مختلف القضايا».

واستقبل السيسي، نظيره الإماراتي، الأحد، في مدينة العلمين الجديدة بالساحل الشمالي. وحسب إفادة الرئاسة المصرية «تناولت محادثات الرئيسين العلاقات الثنائية»، إلى جانب «المستجدات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والجهود المبذولة لتجنب المزيد من التصعيد».

وأكد الرئيسان على «ضرورة مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك، بشأن مختلف القضايا في ظل التحديات القائمة التي تشهدها المنطقة».

وتدين مصر بشكل متكرر الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج. ودانت الأحد الاعتداءات التي استهدفت الإمارات وقطر والكويت والبحرين والأردن وسلطنة عمان، وقالت في بيان لوزارة الخارجية إن «هذه الهجمات تشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة الدول العربية، وتصعيداً خطيراً يهدد أمن واستقرار المنطقة». ودعت إلى «الوقف الفوري لكافة الأعمال العسكرية، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية».

وشدد السيسي خلال اللقاء على أن «الشيخ محمد بن زايد ودولة الإمارات يحظيان بمكانة خاصة لدى مصر وشعبها، في ضوء العلاقات التاريخية والمتشعبة بين البلدين». فيما أعرب الرئيس الإماراتي عن «امتنانه وتقديره الكبير لحفاوة الاستقبال»، وأكد على متانة «ما يجمع قيادتي وشعبي البلدين من علاقات وروابط أخوية وتاريخية».

وتأتي «محادثات العلمين» بين رئيسي مصر والإمارات في وقت تشهد المنطقة حالةً من عدم الاستقرار، وفق عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير يوسف الشرقاوي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «استمرارية التنسيق والتشاور بين القاهرة وأبوظبي، إحدى أهم القنوات المهمة للتهدئة في الإقليم، ومواجهة تحديات الأمن القومي العربي».

ويرى الشرقاوي أن استمرار استهداف دول الخليج «يستدعي استمرار التشاور والتنسيق المتواصل لتثبيت وقف إطلاق النار، والوصول لاتفاق نهائي لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران».

ويشير إلى أن «من بين الجهود التي تستهدفها مصر، استكمال استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية للفلسطينيين في القطاع».

إلى جانب الأوضاع الإقليمية، تأتي «قمة العلمين» لدعم التعاون الثنائي بين مصر والإمارات، حسب الشرقاوي، الذي أشار إلى أن «هناك استثمارات مشتركة بين القاهرة وأبو ظبي، خصوصاً في منطقة الساحل الشمالي، ومن بينها مشروع رأس الحكمة»، ويلفت إلى أن «مصر تعوّل على تعزيز هذه الاستثمارات».

وارتفعت قيمة الاستثمارات الإماراتية في مصر لتسجل 38.9 مليار دولار خلال 2023 - 2024 مقابل 3 مليارات دولار خلال 2022 - 2023، وفقاً لإحصاءات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في مصر.

ووقعت مصر اتفاقاً لتطوير وتنمية مدينة «رأس الحكمة» على ساحل البحر المتوسط بشراكة إماراتية في فبراير (شباط) 2024، بـ«استثمارات قُدرت بنحو 150 مليار دولار خلال مدة المشروع».


مصر تدعم وحدة الصومال بتحالفات أفريقية ومساعدات لوجستية وعسكرية

الرئيس المصري مع نظيره الصومالي خلال لقاء سابق في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مع نظيره الصومالي خلال لقاء سابق في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تدعم وحدة الصومال بتحالفات أفريقية ومساعدات لوجستية وعسكرية

الرئيس المصري مع نظيره الصومالي خلال لقاء سابق في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مع نظيره الصومالي خلال لقاء سابق في القاهرة (الرئاسة المصرية)

في الوقت الذي جددت مصر «رفضها الكامل لأي محاولات من شأنها المساس بوحدة الأراضي الصومالية، بما في ذلك أي اعتراف بما يسمى بإقليم (أرض الصومال)»، أكد متخصصون أن القاهرة تواصل اتخاذ خطوات عملية للحفاظ على وحدة الصومال أهمها تقديم المساعدات اللوجستية لتطوير القدرات وتشكيل تحالفات أفريقية إلى جانب الدعم العسكري.

وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في اتصال هاتفي مع نظيره الصومالي عبد السلام عبدي علي، السبت، دعم مصر الكامل لجمهورية الصومال الفيدرالية ومؤسساتها الوطنية، مشدداً على «الحرص على أمن واستقرار الصومال»، وجدد موقف بلاده الثابت الداعم لوحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه.

وليست هذه المرة الأولى التي ترفض فيها مصر أي محاولات انفصالية في الأراضي الصومالية، فمنذ أعلنت إسرائيل «الاعتراف بإقليم صومالي لاند»، في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تتوالى التحركات والاتصالات المصرية الرافضة للخطوة الإسرائيلية.

رئيس «وحدة أبحاث شؤون أفريقيا» التابعة لمجلس الوزراء المصري، الدكتور رأفت محمود، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر اتخذت مسارات مختلفة للحفاظ على وحدة الصومال ومنع انفصال إقليم أرض الصومال، تمثل المسار الأول في دعم قدرات الحكومة الفيدرالية، حيث قدمت دعماً فنياً تمثل في تدريب الكوادر الصومالية بمصر في قطاعات الصحة والكهرباء والقضاء وغيرها».

وعلى المستوى الأمني، وقعت مصر مع الصومال «بروتوكول التعاون العسكري والأمني» في أغسطس (آب) 2024، من أجل دعم قدرات الكوادر الصومالية، «وتعزيز دور المؤسسات الوطنية في حفظ الأمن والاستقرار، ومكافحة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وتمكين الدولة الصومالية من بسط سيادتها وسيطرتها على كامل التراب الوطني»، وفقاً لمحمود.

وأضاف أنه «في يناير (كانون الثاني) 2025 تم التوقيع على «الإعلان السياسي المشترك لترفيع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، إضافة إلى عدد من مذكرات التفاهم... كما قامت مصر بإهداء شحنات عسكرية للجيش الصومالي».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد وجه في مناسبات مختلفة رسائل تحذيرية متكررة بشأن الصومال وأمن البحر الأحمر، وذلك بعد اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي والمساعي لوضع قدم بمدخل البحر الأحمر.

وزاد التقارب بين مصر والصومال تحديداً في عام 2024 على خلفية توقيع إثيوبيا اتفاقاً أولياً مع إقليم (أرض الصومال) الانفصالي تحصل بموجبه أديس أبابا على حق انتفاع بأراضٍ ساحلية في ميناء بربرة مقابل الاعتراف المحتمل باستقلاله عن الصومال، ووصفت حكومة مقديشو الاتفاق بأنه اعتداء على سيادتها، وقالت آنذاك إنها ستعرقله بكل الوسائل الضرورية.

وفي أغسطس من عام 2024 وصلت طائرتان عسكريتان مصريتان محملتان بالأسلحة والمعدات العسكرية إلى الأراضي الصومالية، مما دفع إثيوبيا وقتها إلى إصدار بيان حاد اللهجة، يتهم جارتها مقديشو «بزعزعة الاستقرار في المنطقة».

وفي الشهر ذاته وقعت مصر ونيجيريا مذكرة تفاهم لتعميق التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، وهو ما فسره مراقبون بأنه يأتي ضمن تحركات مصرية لاستعادة دورها في القارة السمراء.

مصر تشارك بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (أ.ف.ب)

ويشير رأفت محمود إلى مسار آخر تمثل في التعاون مع حلفاء بمنطقة القرن الأفريقي يتضررون كذلك من انفصال (أرض الصومال) والتدخلات الإثيوبية الإسرائيلية في الشأن الصومالي، قائلاً: «تعاونت مصر مع إريتريا وجيبوتي وترسخ ذلك في قمة أسمرة التي انعقدت في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2024 ونتج عنها نقلة نوعية في العلاقات والتنسيق بين الدول الثلاث».

وأرجع مثل هذه التحالفات إلى «التأثيرات السلبية للاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي سوف تنعكس على دول القرن الأفريقي، حيث تترتب على الخطوة الإسرائيلية، زيادة الأطماع الإقليمية نحو ساحل أرض الصومال المطل على البحر الأحمر مما يزيد من حدة التنافس الدولي والإقليمي على القرن الأفريقي ذي الأهمية الاستراتيجية لمصر والدول التي تتحالف معها».

الباحث المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي محمد تورشين، قال إنه «مع الرفض المتكرر والمباشر من جانب القاهرة لفكرة انفصال (صومالي لاند) فإن مصر قامت بخطوات على أرض الواقع تعزز من وحدة الصومال، منها تعزيز العلاقات الثنائية مع حكومة مقديشو المركزية، فضلاً عن تعزيز الشراكات العسكرية والاقتصادية سواء مع الصومال أو دول أفريقية أخرى».

وأوضح تورشين لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر تظل الداعم الأهم والرئيسي للحكومة الصومالية في المحافل الدولية والإقليمية، وهذا ما يدفع الكثير من الدول إلى دعم موقف مقديشو وفقاً لمقتضيات القانون الدولي، فضلاً عن المشاركة المستمرة والمهمة من جانب مصر بقوات وعتاد في بعثة الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام بالصومال».

وفي نهاية ديسمبر 2024 أعلنت مصر أنها ستساهم بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة لـ«الاتحاد الأفريقي» في الصومال. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وقتها، إن هذه الخطوة تأتي «بناء على طلب الحكومة الصومالية، وبناء أيضاً على ترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».


الحكومة اليمنية تتمسك بسيادتها وترفض فرض رحلات إيرانية

وفد حوثي نقلته طائرة إيرانية من صنعاء إلى طهران دون إذن الشرعية اليمنية (إكس)
وفد حوثي نقلته طائرة إيرانية من صنعاء إلى طهران دون إذن الشرعية اليمنية (إكس)
TT

الحكومة اليمنية تتمسك بسيادتها وترفض فرض رحلات إيرانية

وفد حوثي نقلته طائرة إيرانية من صنعاء إلى طهران دون إذن الشرعية اليمنية (إكس)
وفد حوثي نقلته طائرة إيرانية من صنعاء إلى طهران دون إذن الشرعية اليمنية (إكس)

جددت الحكومة اليمنية موقفها الرافض أي محاولات لتشغيل رحلات جوية إيرانية إلى مطار صنعاء خارج الأطر القانونية والسيادية، مؤكدة أن إدارة الحركة الجوية يجب أن تكون عبر المؤسسات الرسمية المعترف بها دولياً، وفي إطار القوانين الوطنية والاتفاقيات المنظمة للطيران المدني، وذلك بالتزامن مع كشفها عن خطة كانت قد أعدتها لاستئناف وتوسيع الرحلات التجارية عبر الناقل الوطني قبل أن تُفاجأ بمحاولات فرض واقع جديد يخالف تلك الترتيبات.

وأكدت وزارة النقل، في بيان، أن تشغيل أي رحلات دولية من وإلى مطار صنعاء ينبغي أن يكون حصراً عبر الجهات المختصة في الدولة، وبما يتوافق مع قواعد «منظمة الطيران المدني الدولي»، عادّةً أن أي ترتيبات خارج هذا الإطار تمثل انتهاكاً للسيادة اليمنية ومخالفة صريحة للقوانين والاتفاقيات الدولية.

وقالت الوزارة إن القيادة السياسية، ممثلة في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، وبدعم من السعودية، تواصل جهودها لضمان استمرار الرحلات الجوية عبر مطار صنعاء لخدمة جميع اليمنيين، والعمل على إزالة العراقيل التي تعترض حركة الطيران المدني، متهمة الحوثيين بفرض قيود عطلت هذا المسار.

طائرة يمنية في مطار عدن حاول الحوثيون تدميرها لاستهداف أعضاء الحكومة اليمنية (إعلام حكومي)

ورأت الوزارة أن الإجراءات التي اتخذتها الجماعة خلال السنوات الماضية لم تستهدف فقط حرية تنقل المواطنين، بل طالت أيضاً شركة «الخطوط الجوية اليمنية» بصفتها الناقل الوطني، عبر سلسلة من الإجراءات التي عطلت نشاطها وأضعفت قدراتها التشغيلية؛ الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على المرضى والطلاب والمسافرين.

وكشفت وزارة النقل اليمنية عن أنها كانت قد استكملت، قبل أيام من إعلان الحوثيين عن ترتيبات لتشغيل رحلات إيرانية، إعداد خطة متكاملة لاستئناف الرحلات بين صنعاء والعاصمة الأردنية عمّان، إلى جانب التوسع نحو وجهات أخرى بعد استكمال التصاريح اللازمة.

وعدّت أن هذه الخطة كانت تستهدف توسيع خيارات السفر أمام المواطنين وفق الأطر القانونية، إلا إنها اصطدمت بمحاولات وصفتها بـ«فرض واقع يخالف القانون الدولي ويقوض الجهود الرامية إلى استعادة انتظام حركة الطيران المدني».

تعسف حوثي

واستعرضت وزارة النقل اليمنية ما قالت إنها سلسلة من الإجراءات التي تعرض لها الناقل الوطني منذ إعادة تشغيل مطار صنعاء عقب الهدنة الأممية عام 2022، مشيرة إلى تجميد أرصدة الشركة دون مبررات قانونية، واحتجاز 4 من طائراتها، بينها طائرة من طراز «إيرباصA330» و3 طائرات من طراز «إيرباصA320»، قبل أن تتعرض 4 طائرات أخرى للتدمير خلال قصف إسرائيل مطار صنعاء.

وحملت وزارة النقل اليمنية الحوثيين المسؤولية الكاملة عن الخسائر التي تكبدتها الشركة الوطنية، وما ترتب عليها من أضرار لحقت بالمسافرين وبقطاع النقل الجوي في البلاد.

طائرة إيرانية في مطار صنعاء (متداولة - إكس)

وفي ختام بيانها، دعت وزارة النقل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المختصة بالطيران المدني إلى تحمل مسؤولياتها، والضغط من أجل حماية الناقل الوطني اليمني، وضمان إدارة مطار صنعاء وفق القوانين الدولية، مؤكدة أن الحكومة ستواصل دعم شركة «الخطوط الجوية اليمنية» والعمل على توسيع شبكة رحلاتها، وأنها لن تسمح بتحويل الطيران المدني وسيلةً للابتزاز السياسي أو الإضرار بمصالح المواطنين.

مشروع عسكري

في السياق نفسه، قال وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، إن رفض الحوثيين تشغيل رحلات «الخطوط الجوية اليمنية»، وتمسكهم بإحلال شركة «ماهان» الإيرانية، يكشف عن أن «هدف الجماعة لا يرتبط بتخفيف معاناة المسافرين، وإنما بإعادة فتح الجسر الجوي مع إيران لخدمة مشروعها العسكري».

وأوضح الإرياني أن الحكومة قدمت جميع التسهيلات الكفيلة باستمرار الرحلات الإنسانية عبر الناقل الوطني، بما يحفظ حق اليمنيين في السفر والعلاج، مع الالتزام الكامل بإجراءات السلامة والأنظمة الدولية، «إلا إن الحوثيين رفضوا هذه الخيارات وأصروا على تشغيل الطيران الإيراني».

إسرائيل دمرت آخر طائرة مدنية يشغلها الحوثيون من مطار صنعاء (أ.ب)

وأضاف أن هذا الموقف يؤكد، وفق تعبيره، أن «الاعتبارات الإنسانية ليست الدافع الحقيقي للجماعة، وإنما السعي إلى إعادة تشغيل خطوط جوية تخدم أهدافاً عسكرية وأمنية».

وأشار الوزير إلى أن التجربة السابقة عقب سيطرة الحوثيين على صنعاء لا تزال حاضرة، «عندما أُعلن عن تشغيل 14 رحلة أسبوعياً بين صنعاء وطهران، رغم غياب المبررات المدنية أو التجارية التي تستدعي هذا العدد من الرحلات».

وقال إن ذلك أثار منذ البداية تساؤلات بشأن طبيعة الاستخدام الحقيقي لتلك الرحلات، قبل أن تتحدث تقارير لاحقة عن استخدامها في نقل مستشارين وخبراء عسكريين ومعدات مرتبطة بتطوير القدرات العسكرية للحوثيين.

تحذير من إعادة السيناريو

واتهم الإرياني الحوثيين بمحاولة إعادة السيناريو ذاته، عادّاً أن رفضهم تشغيل رحلات «الخطوط الجوية اليمنية» يعود إلى «التزام الشركة إجراءات التفتيش وقوائم المسافرين ومتطلبات الأمن والسلامة المعمول بها دولياً، وهي إجراءات تمنع استخدام الطيران المدني في أنشطة غير مشروعة»، وفق قوله.

كما أشار إلى أن شركة «ماهان» الإيرانية تخضع لعقوبات أميركية ودولية بسبب اتهامات تتعلق بدعم «فيلق القدس» ونقل معدات ومقاتلين إلى مناطق نزاع، عادّاً أن الإصرار على تشغيلها يثير مخاوف بشأن طبيعة الأهداف التي تقف وراء هذه الخطوة.

وأضاف أن الحوثيين يواصلون، في الوقت ذاته، «الترويج لوجود حصار على مطار صنعاء، بينما يرفضون البدائل التي تتيح للمواطنين السفر عبر الناقل الوطني»، وهو ما عدّه دليلاً على أن «أولويتهم ليست تسهيل حركة المدنيين، وإنما استعادة مسار الدعم الإيراني».

وجدد الوزير دعوته المجتمع الدولي إلى التعامل مع الوقائع على الأرض، وعدم الاكتفاء بالشعارات، مشدداً على أن «تمسك الحوثيين بطيران خاضع للعقوبات، مقابل رفض تشغيل (الخطوط الجوية اليمنية)، يعكس استمرار ارتباط الجماعة بالمشروع الإيراني، ويحول مطار صنعاء من منفذ مدني لخدمة اليمنيين إلى منصة تخدم أجندات عسكرية وإقليمية» وفق تعبيره.