رسالة منسوبة لبوتفليقة تتحدث عن «الاستمرارية»

مظاهرة كبيرة للمحامين طالبت «الدستوري» برفض «العهدة الخامسة»

من مظاهرة المحامين في الجزائر أمس (أ.ف.ب)
من مظاهرة المحامين في الجزائر أمس (أ.ف.ب)
TT

رسالة منسوبة لبوتفليقة تتحدث عن «الاستمرارية»

من مظاهرة المحامين في الجزائر أمس (أ.ف.ب)
من مظاهرة المحامين في الجزائر أمس (أ.ف.ب)

نظَم مئات المحامين بالجزائر العاصمة أمس، مظاهرة أمام «المجلس الدستوري» لمطالبته برفض ملف ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، فيما نشرت السلطات «رسالة» منسوبة له، يدعو فيها المتظاهرين إلى «الحفاظ على الاستقرار»، ويشيد بهم، ولكن يلمح إلى عزمه على الاستمرار في الحكم.
وارتدى المحامون والمحاميات الجبة، وانطلقوا في مسيرة حاشدة طويلة، جابت شوارع العاصمة وصولا إلى حي الأبيار بأعاليها، حيث مقر «المجلس الدستوري» المشرف حاليا على غربلة ملفات المترشحين (عددهم 21) والذي سيعطي نتائج دراستها في أجل أقصاه يوم 13 من الشهر الجاري. وقاد المسيرة عبد المجيد سليني رئيس «منظمة محامي ناحية الجزائر العاصمة»، حاملا في يده رسالة بغرض تسليمها لرئيس الهيئة، الطيب بلعيز الذي يعرفه جيدا، إذ كان وزيرا للعدل لمدة 9 سنوات. ويعرف بلعيز، المعين منذ أقل من شهر في المنصب، بشدة ولائه للرئيس الذي كان مستشاره الخاص بالرئاسة، وقبل ذلك وزيرا للداخلية.
ورفع المحامون شعارات معادية للرئيس ورئيس وزرائه أحمد أويحيى، وكل المسؤولين الذين يتحدثون باسمه هذه الأيام، والذين يعاديهم بشدة الحراك الشعبي الثائر منذ 22 فبراير (شباط) الماضي، تاريخ أول مسيرة حاشدة، ويطالب برحيلهم.
وكتب على لافتة حملها محام يبدو مبتدئا: «لا لعهدة الخزي والعار». وقال عبد الله هبول المحامي لدى «المحكمة العليا»، وكان قاضيا في عهد بلعيز واستقال بسبب ضغوط حكومية بأن «بوتفليقة عاجز عن أداء وظيفة الرئيس، والشواهد على ذلك كثيرة. أولها لم يعلن بنفسه عن ترشحه، وإنما جاء ذلك على ألسنة موالين له. وثانيها لم يحمل بنفسه ملف ترشحه إلى المجلس الدستوري، وإنما فعل ذلك مدير حملته الانتخابية. وفوق هذا قال مسؤولون حكوميون، بأنه لن يخوض بنفسه الحملة الانتخابية بحجة أنه ليس بحاجة لشرح إنجازاته. أليست هذه أدلة كافية على رفض ملف ترشحه؟ أليس وجوده بمستشفى بجنيف منذ 12 يوما دليلا كافيا على رفض ملف ترشحه؟».
ووقفت قوات الأمن حائلاً دون دخول وفد عن المحامين المحتجين، إلى «المجلس الدستوري». واكتفى نقيبهم سليني بقراءة رسالة، حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها، كان يريد تسليمها لبلعيز. ومما جاء فيها: «إن محاميات ومحامي منظمة الجزائر العاصمة، يطالبونكم بالحرص على التطبيق السليم والصارم لأحكام الدستور نصا وروحا، بخصوص شروط الترشح لرئاسة الجمهورية، وهي غير متوفرة في المترشح المنتهية ولايته، بسبب عدم أهليته من الناحية الصحية، زيادة على تجاوزه النظام الداخلي للمجلس الذي ينص صراحة على حضور المترشح شخصيا، أمام المجلس لإعلان ترشحه».
وأضاف أصحاب الرسالة: «بناء على هذه الاعتبارات على هيئتكم الموقرة التصريح برفض ترشح الرئيس المنتهية ولايته، وذلك تماشيا مع عبء المسؤولية الملقاة على عاتقكم، بصفتكم الهيئة الضامنة لتكريس مبدأ: الشعب مصدر كل سلطة ويمارس سيادته بواسطة المؤسسات الدستورية التي يختارها».
وأعلن مكتب قناة «الحرة» بالجزائر، أن قوات الأمن منعت مديره محمد جرادة، من تغطية مسيرة المحامين. وذكر في بيان أن عناصر أمن أقدموا على قطع تغطية المراسل ودفعه ومنعه من الحديث، بينما كان يجري مداخلة مع استوديو الأخبار. وتم ذلك رغم إشارته لهم بأنه يقدم تغطية حية.
من جهتهم نظَم عمال مجمَع «الشروق الإعلامي» الخاص الذي يضم فضائية وصحيفة يحملان نفس الاسم، ومجمَع «البلاد» الخاص، بصحيفته وقناته أيضا، مظاهرة بـ«ساحة حرية الصحافة» بوسط العاصمة، للتنديد بقطع الإعلانات الحكومية عن المؤسستين، بسبب تغطيتهما الواسعة للحراك الشعبي. ولم يتقاض عمال «الشروق» وهم بالمئات، أجورهم منذ أربعة أشهر بسبب تضييق الحكومة في مجال الإعلانات. أما «البلاد» فتعاني هشاشة مالية منذ إطلاقها قبل سنوات.
وفي سياق متصل، جاء في رسالة منسوبة للرئيس المترشح، بمناسبة عيد المرأة العالمي، قرأتها أمس بالعاصمة وزيرة البريد هدى فرعون، أن «عددا من مواطنينا ومواطناتنا خرجوا في مختلف ربوع الوطن، للتعبير عن آرائهم بطرق سلمية. ووجدنا في ذلك ما يدعو للارتياح لنضج مواطنينا، بما فيهم شبابنا وكذا لكون التعددية الديمقراطية التي ما فتئنا نناضل من أجلها، باتت واقعا مُعاشاً»، في إشارة إلى مظاهرات حاشدة، لا تهدأ منذ 16 يوما، للمطالبة بعزوف الرئيس عن الترشح لولاية خامسة.
وأضافت الرسالة: «هذا لا يعفينا من الدعوة إلى الحذر والحيطة، من اختراق هذا التعبير السلمي من طرف أي فئة غادرة داخلية أو أجنبية قد تؤدي لا سمح الله، إلى إثارة الفتنة وإشاعة الفوضى وما ينجر عنها من أزمات وويلات. فقد دفعت الجزائر ثمنا باهظا وبذلت جهدا جهيدا لاسترجاع استقلاها وحريتها، كما دفع شعبنا كلفة غالية وأليمة للحفاظ على وحدتها واستعادة سلمها واستقرارها بعد مأساة وطنية دامية. ذلكم ما يجعلني اليوم أناشد الجميع، وبالدرجة الأولى أخواتي الأمهات، إلى الحرص على صون الوطن عامة وأبنائه بالدرجة الأولى. إننا في حاجة إلى الحفاظ على الاستقرار للتفرغ، سلطة وشعبا، للاستمرار في معركة البناء والتشييد ولتسجيل المزيد من الانتصارات والتقدم».
واللافت أن الرسالة المنسوبة للرئيس، تتضمن كلمة «استمرارية»، وهو شعار يرفعه الموالون له تعبيرا عن رغبته ورغبتهم أن يبقى في الحكم، بينما المظاهرات الجارية يوميا، تطالبه بالتنحي. ويرجح بأن مضمون الرسالة، سيزيد من تصعيد الاحتجاج المرتقب أن يتجدد اليوم الجمعة بشكل أقوى، وسمي بـ«جمعة الحسم ضد العهدة الخامسة».
من جهته، قال عبد الغني زعلان مدير حملة بوتفليقة في مقابلة مع صحيفة «الخبر» المحلية، بأن حالته الصحية «لا تدعو لأي قلق وفي كل مرة يجري فيها الرئيس فحوصات دورية يعلم الشعب الجزائري بذلك، وحتى في رسالة ترشحه لم يخف حالته البدنية التي بطبيعة الحال لم تعد كما كانت عليه سابقا». ونفى أخبارا نشرتها صحيفة سويسرية، مفادها أن حالته حرجة. ويوجد الرئيس بمستشفى بجنيف منذ 24 من الشهر الماضي.
وتساءل زعلان: «هل المعارضة ضد النظام أم ضد شخص عبد العزيز بوتفليقة؟ فإن كانت ضد شخص عبد العزيز بوتفليقة فإنه قد التزم أمام الله والشعب، بأن لا يترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة التي تحدد الندوة الوطنية المستقلة تاريخ إجرائها»، في إشارة إلى تعهدات أطلقها بوتفليقة الأحد الماضي، على لسان زعلان، تخص رئاسية مبكرة بعد رئاسية الشهر المقبل، وتعديل الدستور وإطلاق إصلاحات عميقة. كل هذا سيتم بحثه في «ندوة وطنية شاملة»، تعقد قبل نهاية العام. غير أن هذه الوعود لم ينجح أصحابها في تهدئة الشارع، الذي يشك أصلا في كونها صادرة عن الرئيس.
وأعلن إدريس الجزائري، حفيد الأمير عبد القادر الجزائري (1808 - 1883)، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، في بيان أمس، دعمه الحراك. وقال بأن «الشباب الجزائري كان منذ 22 شباط (فبراير) 2019 في طليعة من شرعوا في مراجعة الوضع الراهن وفي استرجاع، في إطارٍ شعبي، زمام الأمور الخاصة بالمصير الوطني. وهكذا كانوا أوفياء في ذلك للتقليد الموروث عن الأجداد. فلم يكن عمر الأمير عبد القادر ولا لالة فاطمة نسومر (قائدة ثورة شعبية في بداية الاستعمار) يتجاوزا 25 عاماً عندما بدءا في تغيير مسار تاريخ بلادنا. وهذا كان حالة عبد العزيز بوتفليقة أيضاً، الذي لم يكن عمره يتجاوز 22 ربيعاً عندما انضم إلى صفوف المجاهدين لاستعادة مصير أمتنا العظيمة».
ووقع إدريس الجزائري البيان بصفته المقرر الخاص لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إذ قال عن المتظاهرين: «حينما حرصوا على ضمان سير المظاهرات، في إطار من الكرامة ودون اللجوء إلى العنف، قدم هؤلاء الملايين من الناس خلال الأسابيع الماضية في جميع أنحاء البلاد، مثالاً على النضج والحضارة على نحو غير مسبوق. وستُنشد ملحمة هذا الشباب في الأسر الجزائرية لعقود قادمة وستكون فخراً لكامل الشعب. وقدمت قوات الأمن نموذجاً مثالياً عند امتثالها للمادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي صدقت عليها الجزائر والتي تنص على ما يلي: «يكون الحق في التجمع السلمي معترفا به».
وتابع: «أقول للطرفين استمروا في التصرف على هذا النحو، بدون عنف وفي إطار كامل من الديمقراطية، فتصبح الجزائر لجميع أنحاء العالم نموذجاً أسطورياً فيما يخص الانتقال السياسي السلمي، كما كنا في السابق على مر كفاحنا المجيد من أجل الحرية».



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.