رسالة منسوبة لبوتفليقة تتحدث عن «الاستمرارية»

مظاهرة كبيرة للمحامين طالبت «الدستوري» برفض «العهدة الخامسة»

من مظاهرة المحامين في الجزائر أمس (أ.ف.ب)
من مظاهرة المحامين في الجزائر أمس (أ.ف.ب)
TT

رسالة منسوبة لبوتفليقة تتحدث عن «الاستمرارية»

من مظاهرة المحامين في الجزائر أمس (أ.ف.ب)
من مظاهرة المحامين في الجزائر أمس (أ.ف.ب)

نظَم مئات المحامين بالجزائر العاصمة أمس، مظاهرة أمام «المجلس الدستوري» لمطالبته برفض ملف ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، فيما نشرت السلطات «رسالة» منسوبة له، يدعو فيها المتظاهرين إلى «الحفاظ على الاستقرار»، ويشيد بهم، ولكن يلمح إلى عزمه على الاستمرار في الحكم.
وارتدى المحامون والمحاميات الجبة، وانطلقوا في مسيرة حاشدة طويلة، جابت شوارع العاصمة وصولا إلى حي الأبيار بأعاليها، حيث مقر «المجلس الدستوري» المشرف حاليا على غربلة ملفات المترشحين (عددهم 21) والذي سيعطي نتائج دراستها في أجل أقصاه يوم 13 من الشهر الجاري. وقاد المسيرة عبد المجيد سليني رئيس «منظمة محامي ناحية الجزائر العاصمة»، حاملا في يده رسالة بغرض تسليمها لرئيس الهيئة، الطيب بلعيز الذي يعرفه جيدا، إذ كان وزيرا للعدل لمدة 9 سنوات. ويعرف بلعيز، المعين منذ أقل من شهر في المنصب، بشدة ولائه للرئيس الذي كان مستشاره الخاص بالرئاسة، وقبل ذلك وزيرا للداخلية.
ورفع المحامون شعارات معادية للرئيس ورئيس وزرائه أحمد أويحيى، وكل المسؤولين الذين يتحدثون باسمه هذه الأيام، والذين يعاديهم بشدة الحراك الشعبي الثائر منذ 22 فبراير (شباط) الماضي، تاريخ أول مسيرة حاشدة، ويطالب برحيلهم.
وكتب على لافتة حملها محام يبدو مبتدئا: «لا لعهدة الخزي والعار». وقال عبد الله هبول المحامي لدى «المحكمة العليا»، وكان قاضيا في عهد بلعيز واستقال بسبب ضغوط حكومية بأن «بوتفليقة عاجز عن أداء وظيفة الرئيس، والشواهد على ذلك كثيرة. أولها لم يعلن بنفسه عن ترشحه، وإنما جاء ذلك على ألسنة موالين له. وثانيها لم يحمل بنفسه ملف ترشحه إلى المجلس الدستوري، وإنما فعل ذلك مدير حملته الانتخابية. وفوق هذا قال مسؤولون حكوميون، بأنه لن يخوض بنفسه الحملة الانتخابية بحجة أنه ليس بحاجة لشرح إنجازاته. أليست هذه أدلة كافية على رفض ملف ترشحه؟ أليس وجوده بمستشفى بجنيف منذ 12 يوما دليلا كافيا على رفض ملف ترشحه؟».
ووقفت قوات الأمن حائلاً دون دخول وفد عن المحامين المحتجين، إلى «المجلس الدستوري». واكتفى نقيبهم سليني بقراءة رسالة، حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها، كان يريد تسليمها لبلعيز. ومما جاء فيها: «إن محاميات ومحامي منظمة الجزائر العاصمة، يطالبونكم بالحرص على التطبيق السليم والصارم لأحكام الدستور نصا وروحا، بخصوص شروط الترشح لرئاسة الجمهورية، وهي غير متوفرة في المترشح المنتهية ولايته، بسبب عدم أهليته من الناحية الصحية، زيادة على تجاوزه النظام الداخلي للمجلس الذي ينص صراحة على حضور المترشح شخصيا، أمام المجلس لإعلان ترشحه».
وأضاف أصحاب الرسالة: «بناء على هذه الاعتبارات على هيئتكم الموقرة التصريح برفض ترشح الرئيس المنتهية ولايته، وذلك تماشيا مع عبء المسؤولية الملقاة على عاتقكم، بصفتكم الهيئة الضامنة لتكريس مبدأ: الشعب مصدر كل سلطة ويمارس سيادته بواسطة المؤسسات الدستورية التي يختارها».
وأعلن مكتب قناة «الحرة» بالجزائر، أن قوات الأمن منعت مديره محمد جرادة، من تغطية مسيرة المحامين. وذكر في بيان أن عناصر أمن أقدموا على قطع تغطية المراسل ودفعه ومنعه من الحديث، بينما كان يجري مداخلة مع استوديو الأخبار. وتم ذلك رغم إشارته لهم بأنه يقدم تغطية حية.
من جهتهم نظَم عمال مجمَع «الشروق الإعلامي» الخاص الذي يضم فضائية وصحيفة يحملان نفس الاسم، ومجمَع «البلاد» الخاص، بصحيفته وقناته أيضا، مظاهرة بـ«ساحة حرية الصحافة» بوسط العاصمة، للتنديد بقطع الإعلانات الحكومية عن المؤسستين، بسبب تغطيتهما الواسعة للحراك الشعبي. ولم يتقاض عمال «الشروق» وهم بالمئات، أجورهم منذ أربعة أشهر بسبب تضييق الحكومة في مجال الإعلانات. أما «البلاد» فتعاني هشاشة مالية منذ إطلاقها قبل سنوات.
وفي سياق متصل، جاء في رسالة منسوبة للرئيس المترشح، بمناسبة عيد المرأة العالمي، قرأتها أمس بالعاصمة وزيرة البريد هدى فرعون، أن «عددا من مواطنينا ومواطناتنا خرجوا في مختلف ربوع الوطن، للتعبير عن آرائهم بطرق سلمية. ووجدنا في ذلك ما يدعو للارتياح لنضج مواطنينا، بما فيهم شبابنا وكذا لكون التعددية الديمقراطية التي ما فتئنا نناضل من أجلها، باتت واقعا مُعاشاً»، في إشارة إلى مظاهرات حاشدة، لا تهدأ منذ 16 يوما، للمطالبة بعزوف الرئيس عن الترشح لولاية خامسة.
وأضافت الرسالة: «هذا لا يعفينا من الدعوة إلى الحذر والحيطة، من اختراق هذا التعبير السلمي من طرف أي فئة غادرة داخلية أو أجنبية قد تؤدي لا سمح الله، إلى إثارة الفتنة وإشاعة الفوضى وما ينجر عنها من أزمات وويلات. فقد دفعت الجزائر ثمنا باهظا وبذلت جهدا جهيدا لاسترجاع استقلاها وحريتها، كما دفع شعبنا كلفة غالية وأليمة للحفاظ على وحدتها واستعادة سلمها واستقرارها بعد مأساة وطنية دامية. ذلكم ما يجعلني اليوم أناشد الجميع، وبالدرجة الأولى أخواتي الأمهات، إلى الحرص على صون الوطن عامة وأبنائه بالدرجة الأولى. إننا في حاجة إلى الحفاظ على الاستقرار للتفرغ، سلطة وشعبا، للاستمرار في معركة البناء والتشييد ولتسجيل المزيد من الانتصارات والتقدم».
واللافت أن الرسالة المنسوبة للرئيس، تتضمن كلمة «استمرارية»، وهو شعار يرفعه الموالون له تعبيرا عن رغبته ورغبتهم أن يبقى في الحكم، بينما المظاهرات الجارية يوميا، تطالبه بالتنحي. ويرجح بأن مضمون الرسالة، سيزيد من تصعيد الاحتجاج المرتقب أن يتجدد اليوم الجمعة بشكل أقوى، وسمي بـ«جمعة الحسم ضد العهدة الخامسة».
من جهته، قال عبد الغني زعلان مدير حملة بوتفليقة في مقابلة مع صحيفة «الخبر» المحلية، بأن حالته الصحية «لا تدعو لأي قلق وفي كل مرة يجري فيها الرئيس فحوصات دورية يعلم الشعب الجزائري بذلك، وحتى في رسالة ترشحه لم يخف حالته البدنية التي بطبيعة الحال لم تعد كما كانت عليه سابقا». ونفى أخبارا نشرتها صحيفة سويسرية، مفادها أن حالته حرجة. ويوجد الرئيس بمستشفى بجنيف منذ 24 من الشهر الماضي.
وتساءل زعلان: «هل المعارضة ضد النظام أم ضد شخص عبد العزيز بوتفليقة؟ فإن كانت ضد شخص عبد العزيز بوتفليقة فإنه قد التزم أمام الله والشعب، بأن لا يترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة التي تحدد الندوة الوطنية المستقلة تاريخ إجرائها»، في إشارة إلى تعهدات أطلقها بوتفليقة الأحد الماضي، على لسان زعلان، تخص رئاسية مبكرة بعد رئاسية الشهر المقبل، وتعديل الدستور وإطلاق إصلاحات عميقة. كل هذا سيتم بحثه في «ندوة وطنية شاملة»، تعقد قبل نهاية العام. غير أن هذه الوعود لم ينجح أصحابها في تهدئة الشارع، الذي يشك أصلا في كونها صادرة عن الرئيس.
وأعلن إدريس الجزائري، حفيد الأمير عبد القادر الجزائري (1808 - 1883)، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، في بيان أمس، دعمه الحراك. وقال بأن «الشباب الجزائري كان منذ 22 شباط (فبراير) 2019 في طليعة من شرعوا في مراجعة الوضع الراهن وفي استرجاع، في إطارٍ شعبي، زمام الأمور الخاصة بالمصير الوطني. وهكذا كانوا أوفياء في ذلك للتقليد الموروث عن الأجداد. فلم يكن عمر الأمير عبد القادر ولا لالة فاطمة نسومر (قائدة ثورة شعبية في بداية الاستعمار) يتجاوزا 25 عاماً عندما بدءا في تغيير مسار تاريخ بلادنا. وهذا كان حالة عبد العزيز بوتفليقة أيضاً، الذي لم يكن عمره يتجاوز 22 ربيعاً عندما انضم إلى صفوف المجاهدين لاستعادة مصير أمتنا العظيمة».
ووقع إدريس الجزائري البيان بصفته المقرر الخاص لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إذ قال عن المتظاهرين: «حينما حرصوا على ضمان سير المظاهرات، في إطار من الكرامة ودون اللجوء إلى العنف، قدم هؤلاء الملايين من الناس خلال الأسابيع الماضية في جميع أنحاء البلاد، مثالاً على النضج والحضارة على نحو غير مسبوق. وستُنشد ملحمة هذا الشباب في الأسر الجزائرية لعقود قادمة وستكون فخراً لكامل الشعب. وقدمت قوات الأمن نموذجاً مثالياً عند امتثالها للمادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي صدقت عليها الجزائر والتي تنص على ما يلي: «يكون الحق في التجمع السلمي معترفا به».
وتابع: «أقول للطرفين استمروا في التصرف على هذا النحو، بدون عنف وفي إطار كامل من الديمقراطية، فتصبح الجزائر لجميع أنحاء العالم نموذجاً أسطورياً فيما يخص الانتقال السياسي السلمي، كما كنا في السابق على مر كفاحنا المجيد من أجل الحرية».



حكومة الزنداني تبدأ إعادة ترتيب مشهد القيادة الأمنية

حكومة الزنداني تسعى لإعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية تحت مظلتَي الدفاع والداخلية (سبأ)
حكومة الزنداني تسعى لإعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية تحت مظلتَي الدفاع والداخلية (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تبدأ إعادة ترتيب مشهد القيادة الأمنية

حكومة الزنداني تسعى لإعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية تحت مظلتَي الدفاع والداخلية (سبأ)
حكومة الزنداني تسعى لإعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية تحت مظلتَي الدفاع والداخلية (سبأ)

بدأت الحكومة اليمنية، بقيادة رئيس مجلس الوزراء شائع الزنداني، تنفيذ حزمة قرارات لإعادة ترتيب البنية القيادية للأجهزة الأمنية، في خطوة تُعدّ من أبرز محطات تنظيم مؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن، بالتوازي مع تأكيد أميركي على استمرار دعم جهود مجلس القيادة الرئاسي، لتعزيز الاستقرار ومكافحة الإرهاب وتأمين الممرات البحرية الدولية.

وفي هذا السياق، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قرارَيْن جمهوريين تضمنا تعيين العميد عبد السلام قائد عبد القوي الجمالي قائداً لقوات الأمن الخاصة مع ترقيته إلى رتبة لواء، وتعيين العميد عبد السلام عبد الرب أحمد العمري رئيساً لمصلحة الدفاع المدني مع ترقيته إلى الرتبة ذاتها.

وتأتي هذه القرارات ضمن مسار يمني لإعادة بناء الهيكل القيادي للمؤسسات الأمنية، بما يواكب متطلبات المرحلة الراهنة، ويعزّز قدرة الدولة على فرض الأمن والاستقرار في المناطق المحررة، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية المتعددة التي تواجهها البلاد.

رئيس مجلس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ)

بالتوازي مع القرارات الرئاسية، أصدر وزير الداخلية اليمني إبراهيم حيدان سلسلة قرارات قيادية داخل الأجهزة الأمنية في عدن، شملت إعادة توزيع عدد من القيادات الأمنية، في إطار خطة تستهدف رفع مستوى الكفاءة التشغيلية وتعزيز التنسيق بين الوحدات المختلفة.

وشملت القرارات إعفاء العميد جلال الربيعي من منصبه قائداً لقوات الأمن الوطني، وتكليفه قائداً لقوات الأمن الخاصة في عدن، إلى جانب تعيين العميد محمد عبده الصبيحي نائباً لمدير عام شرطة العاصمة المؤقتة ومساعداً لشؤون الأمن.

كما تضمنت التعيينات تعيين العميد جلال فضل القطيبي مساعداً لمدير عام شرطة عدن لشؤون الموارد المالية والبشرية، والعميد محمد خالد حيدرة التركي مساعداً لمدير عام الشرطة للعمليات، بالإضافة إلى تعيين العميد حسن محسن العكري مديراً لإدارة البحث الجنائي، والعقيد فؤاد محمد علي نائباً له، والعميد مياس حيدرة الجعدني مديراً لإدارة مكافحة المخدرات.

ووفق وزارة الداخلية اليمنية، تهدف هذه الإجراءات إلى إعادة تنظيم العمل الميداني، ورفع الجاهزية الأمنية، وتحسين سرعة الاستجابة للتهديدات، إلى جانب تعزيز الانضباط المؤسسي داخل الأجهزة الأمنية، بما يُسهم في ترسيخ الاستقرار وتحسين الأداء الأمني والخدمي في العاصمة المؤقتة عدن.

شراكة يمنية - أميركية

تزامنت التحركات الحكومية مع لقاء رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي سفير الولايات المتحدة لدى اليمن ستيفن فاجن، حيث بحث الجانبان مستجدات الأوضاع المحلية، والدعم الأميركي والدولي المطلوب لتعزيز قدرات الدولة اليمنية في مواجهة التهديدات الأمنية والإرهابية، بالإضافة إلى حماية المنشآت الحيوية وتأمين خطوط الملاحة الدولية التي تمثّل أولوية إقليمية ودولية في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي مستقبلاً في الرياض السفير الأميركي (سبأ)

وحسب الإعلام الرسمي، جدد العليمي تقديره للشراكة اليمنية - الأميركية، مثمناً دور واشنطن في دعم تنفيذ قرارات حظر تهريب الأسلحة الإيرانية إلى الميليشيات الحوثية، والعمل على تجفيف مصادر تمويلها والحد من أنشطتها المزعزعة للاستقرار.

وأكد العليمي أهمية استثمار المرحلة الراهنة لتعزيز الردع المشترك ضد التهديدات الإقليمية، مشدداً على ضرورة الإنفاذ الصارم للعقوبات الدولية وملاحقة شبكات التمويل والتهريب والتسليح، بما يدعم جهود الحكومة في بسط سيطرة الدولة على كامل الأراضي اليمنية.

كما شدد على أن أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب يمثّل قضية عالمية تتطلّب تنسيقاً دولياً واسعاً، مؤكداً أن معالجة التهديدات يجب أن تستهدف جذورها الأساسية وليس الاكتفاء باحتواء آثارها.

وأشار العليمي إلى أن الحكومة تمضي في جهود تطبيع الأوضاع الاقتصادية والخدمية، وتنفيذ خطط دمج القوات وتوحيد القرارَين الأمني والعسكري، بدعم من المملكة العربية السعودية التي لعبت دوراً محورياً في دعم مسار الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«المركزي اليمني» يقاوم ضغوط البنوك وشركات الصرافة

إجراءات رقابية مشددة على شركات الصرافة في عدن (إعلام حكومي)
إجراءات رقابية مشددة على شركات الصرافة في عدن (إعلام حكومي)
TT

«المركزي اليمني» يقاوم ضغوط البنوك وشركات الصرافة

إجراءات رقابية مشددة على شركات الصرافة في عدن (إعلام حكومي)
إجراءات رقابية مشددة على شركات الصرافة في عدن (إعلام حكومي)

شهدت الساحة الاقتصادية والإنسانية في اليمن تطورات متزامنة عكست تبايناً واضحاً بين مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً والمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، ففي حين واصل البنك المركزي في عدن تنفيذ سياسات نقدية احترازية أسهمت في تحقيق استقرار نسبي في سعر صرف العملة المحلية، استمرت الجماعة الانقلابية في حرمان ملايين السكان من المساعدات الإنسانية، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع المعيشية والإنسانية في مناطق سيطرتها.

وأكد البنك المركزي اليمني تمسكه بخيارات الاستقرار النقدي، رافضاً ضغوطاً مارستها بعض البنوك وشركات الصرافة لتحريك سعر العملة المحلية مقابل الدولار الأميركي، في خطوة قال إنها تهدف إلى حماية المكاسب التي تحققت خلال الفترة الماضية بعد تحسن سعر الريال اليمني وانخفاض مستويات المضاربة في سوق الصرف.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي أحمد غالب بمسؤولي البنوك الإسلامية والتجارية وبنوك التمويل الأصغر، جرى استعراض التطورات الجارية في أسواق العملات الأجنبية، خصوصاً في ظل شح المعروض من العملة الوطنية مقابل ارتفاع الطلب عليها، وهو ما اعتبره البنك مؤشراً على تنامي الثقة بالسياسات النقدية المتبعة.

محافظ البنك المركزي اليمني خلال اجتماع مع مسؤولي البنوك في عدن (إعلام حكومي)

وأوضح المحافظ أن التحسُّن الذي شهدته العملة المحلية لم يكن نتيجة إجراءات مؤقتة، بل جاء انعكاساً لسياسات احترازية واقعية تراعي توازن السوق وتستهدف الحد من التقلبات الحادة التي أثَّرت سابقاً على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى استقرار الأسعار.

وناقش الاجتماع - بحسب المصادر الرسمية - الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي لمعالجة اختلالات سوق الصرف، والدور الذي يفترض أن تؤديه البنوك التجارية وشركات التمويل في إنجاح هذه السياسات، عبر الالتزام بالتعليمات المنظمة للعمل المصرفي وتعزيز الشفافية في عمليات بيع وشراء العملات الأجنبية.

وأكَّد البنك المركزي استمراره في اتباع سياسات منسجمة مع آليات السوق الحرة، مع الحرص في الوقت ذاته على الوفاء بالتزاماته تجاه المواطنين والمؤسسات المالية والشركاء الدوليين، مشدداً على أن الهدف الأساسي يتمثل في الحفاظ على استقرار سعر الصرف ومستوى الأسعار، باعتبار ذلك أحد أهم عوامل حماية الاقتصاد الوطني من الانهيار.

ونفى المحافظ الشائعات التي انتشرت في الأوساط الاقتصادية بشأن نية البنك خفض سعر الدولار بصورة مصطنعة، مؤكداً أن أي قرار نقدي لن يُتخذ إلا وفق معايير اقتصادية واضحة تحقق المصلحة العامة ولا تتعارض مع أهداف السياسة النقدية.

وتوصل المشاركون في الاجتماع، الذي عُقد بعد تراجع سعر الدولار من نحو 2500 ريال يمني إلى قرابة 1550 ريالاً، إلى ضرورة استمرار التنسيق بين البنك المركزي والمؤسسات المصرفية لضمان حماية النظام المالي ومنع عودة المضاربات التي ساهمت سابقاً في تدهور قيمة العملة.

تشديد الرقابة

ضمن جهود ضبط السوق، فرض البنك المركزي إجراءات أكثر صرامة على عمليات الاستيراد وتمويل الواردات وتداول العملات الأجنبية، في إطار خطة تهدف إلى تنظيم الطلب على النقد الأجنبي ومنع الاستخدامات غير المشروعة التي تستنزف الاحتياطي النقدي.

وشدد البنك خلال اجتماعاته مع جمعية الصرافين وكبرى شركات الصرافة على ضرورة الالتزام الكامل بالتعليمات المنظمة للعمل المالي، وتعزيز الانضباط داخل السوق المصرفية، والتصدي لأي ممارسات قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار النقدي أو خلق سوق موازية غير خاضعة للرقابة.

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات ساعدت في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، كما حدَّت من عمليات المضاربة التي كانت أحد أبرز أسباب الانهيار المتسارع للعملة خلال السنوات الماضية.

جانب من اجتماع اللجنة اليمنية لتمويل الواردات (إعلام حكومي)

وفي السياق ذاته، ناقشت اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، برئاسة محافظ البنك المركزي، تقارير تتعلق بمستوى تنفيذ آلية تنظيم الاستيراد في المنافذ البرية والبحرية، إلى جانب مراجعة الإجراءات المرتبطة بتمويل السلع ذات الطبيعة الخاصة.

وأقرت اللجنة عدداً من التوصيات بعد إجراء تعديلات عليها، كما أحالت قضايا أخرى إلى الفريق الاستشاري لدراستها بصورة معمقة بهدف ضمان سلاسة الإجراءات التجارية والحفاظ على انسياب سلاسل الإمداد دون تعطيل.

وأكَّدت اللجنة استمرار المتابعة الدورية لتنفيذ الآلية بما يحقق التوازن بين الرقابة على الموارد العامة وتسهيل حركة التجارة، مع ضمان توفير السلع الأساسية للمواطنين بصورة منتظمة.

أزمة إنسانية

في مقابل هذه التطورات الاقتصادية في مناطق الحكومة، تتواصل الأزمة الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث يستمر تعليق أنشطة برنامج الأغذية العالمي نتيجة اقتحام مكاتب الأمم المتحدة واعتقال عشرات الموظفين العاملين في المنظمات الدولية.

وأوضح البرنامج أن جميع أنشطته في تلك المناطق لا تزال معلقة بسبب استمرار احتجاز 38 من موظفيه، إضافة إلى 35 موظفاً آخرين من وكالات أممية مختلفة، وهو ما أدى إلى توقف توزيع المساعدات الغذائية التي كانت تصل إلى ملايين المحتاجين.

الحوثيون يواصلون حرمان الملايين من المساعدات في مناطق سيطرتهم (إعلام محلي)

وفي الوقت الذي بدأ فيه البرنامج توزيع مساعدات غذائية طارئة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة، شملت ست مناطق في محافظتي الحديدة وتعز مع خطط للتوسع التدريجي، بقي ملايين السكان في مناطق الحوثيين دون دعم غذائي منتظم.

وبحسب التحديث الشهري للوضع الغذائي، اضطرت المنظمة إلى تقليص عدد المستفيدين بنسبة 50 في المائة نتيجة خفض التمويل الدولي، بحيث ستصل المساعدات إلى نحو 1.7 مليون شخص فقط من أصل 3.4 مليون كانوا يعتمدون عليها سابقاً.

وتركز المساعدات حالياً على الفئات الأكثر هشاشة في 53 مديرية تعاني مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

وأشار برنامج الأغذية العالمي إلى أن برامجه التغذوية تعمل بمستويات منخفضة بسبب نقص التمويل واستمرار القيود المفروضة على العمل الإنساني، رغم تمكنه خلال الشهر الماضي من تقديم مساعدات تغذوية لنحو 272 ألف طفل وامرأة حامل ومرضعة فقط.

الوكالات الأممية الإغاثية أوقفت أنشطتها في مناطق سيطرة الحوثيين جراء القيود (أ.ف.ب)

وشملت التدخلات علاج حالات سوء التغذية الحاد المتوسط لنحو 55 ألف مستفيد، إلى جانب برامج وقائية استفاد منها 136 ألف شخص، وهي أرقام يرى مختصون أنها أقل بكثير من حجم الاحتياج الفعلي في بلد يعاني واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً.

كما دعم البرنامج أكثر من 15 ألف شخص عبر برنامج تعزيز القدرة على الصمود وسبل المعيشة من خلال تحويلات نقدية مباشرة، إضافة إلى تقديم وجبات غذائية مدرسية لأكثر من 610 آلاف طفل في أكثر من ألف مدرسة، بينها مدارس استفادت من مشروع المطابخ الصحية.


مهلة نزع سلاح «حماس»... مشاورات تجابه الإنذارات والتفاهمات «أقرب»

نازحون يتجمعون لتناول وجبة إفطار رمضان وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
نازحون يتجمعون لتناول وجبة إفطار رمضان وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

مهلة نزع سلاح «حماس»... مشاورات تجابه الإنذارات والتفاهمات «أقرب»

نازحون يتجمعون لتناول وجبة إفطار رمضان وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
نازحون يتجمعون لتناول وجبة إفطار رمضان وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

عادت إنذارات التلويح بنزع سلاح «حماس» بالقوة، عبر اليمين الإسرائيلي، بعدما تكررت في الآونة الأخيرة على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وسط تسريبات بأن ثمة «تفاهمات» تلوح في أفق هذا الملف المعقد.

وقال عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» في غزة، غازي حمد، في تصريح مقتضب لـ«الشرق الأوسط»، إن الملف لا يزال «صعباً وبه حساسيات عديدة»، متحفظاً على توضيح الجديد بشأنه، فيما عدَّ متحدث بالحركة في تصريحات متلفزة تهديدات النزع بالقوة «استهتاراً بجهود الوسطاء».

وعن المساعي الحالية، قال مصدر فلسطيني تحدث لـ«الشرق الأوسط»: «هناك خلاف في هذا الملف، وهناك أيضاً مفاوضات تسير، وما لم تستطع إسرائيل فعله خلال عامين من الحرب لن تستطيع فعله حالياً، والتفاهمات هي الأقرب عبر جهود الوسطاء، لكن الأولوية يجب أن تكون لوقف العدوان وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي».

وأكد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك نقاشات تدور حالياً في هذا الملف تقودها مصر وتركيا وقطر ولجنة التكنوقراط، معرباً عن اعتقاده أن التفاهمات هي الأكبر على الطاولة في ظل رغبة ترمب في إنجاح مبادرته.

وجهود الوسطاء الحالية بشأن ملف نزع سلاح «حماس» تميل بحسب تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» إلى الوصول لتفاهمات لإنجاز الاتفاق، مشيرين إلى أن الإنذارات تأتي في إطار ضغوط وحرب نفسية قبل الانتخابات الإسرائيلية هذا العام.

جرافة تحاول إزالة الماء من شارع غمرته مياه الأمطار في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويسري في القطاع الفلسطيني منذ العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، استناداً إلى مقترح تقدم به ترمب، ويشكل نزع سلاح «حماس» جزءاً أساسياً من مرحلته الثانية التي أعلنت الولايات المتحدة الانتقال إليها في منتصف يناير (كانون الثاني)، وكان من المفترض أن يتوازى مع انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً من القطاع، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة.

إنذار جديد

وفي مقابلة مع هيئة البث الإسرائيلية، مساء الاثنين، قال وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش: «نتوقع أن يوجَّه لـ(حماس) إنذار نهائي خلال الأيام المقبلة لنزع سلاحها وتجريد غزة من عتادها بالكامل، وإذا لم تمتثل سيحصل الجيش الإسرائيلي على شرعية دولية وعلى دعم أميركي لتنفيذ العملية بنفسه، وسيدخل غزة ويحتلها حتماً إذا لم يتم تفكيك (حماس)».

وفي أعقاب ذلك، قال المتحدث باسم «حماس» حازم قاسم، في تصريحات متلفزة، إن تهديدات سموتريتش باستئناف الحرب حال عدم نزع السلاح «استهتار بجهود الوسطاء وكل الأطراف، وتأكيد على أن الحكومة الإسرائيلية لا تعير وزناً لأي مسار سياسي أو اجتماعات دولية سعت لتكريس التهدئة»، داعياً الوسطاء والأطراف الدولية إلى تحمل مسؤولياتهم في تثبيت وقف إطلاق النار ومنع العودة إلى المواجهة.

وقبيل اجتماع مجلس السلام الذي عُقد في 19 فبراير (شباط)، تحدثت إسرائيل عن إمهال «حماس» 60 يوماً قد تبدأ بعد اجتماع مجلس السلام، الخميس، لنزع سلاحها، وهددت باستئناف الحرب إن لم تستجب، وفق ما نقلته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» وقتها نقلاً عن سكرتير الحكومة الإسرائيلية يوسي فوكس.

وبالتزامن مع اجتماع مجلس السلام، شدد نتنياهو على ضرورة نزع سلاح «حماس» قبل أي إعادة إعمار، فيما قال ترمب عبر منصته «تروث سوشيال» إنه ينبغي على الحركة أن تحترم التزامها بنزع سلاحها بشكل كامل وفوري.

«حرب نفسية»

يرى الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء سمير فرج، أن إسرائيل تحاول بهذا الخطاب «أن تثير حرباً نفسية قبل الانتخابات الإسرائيلية، وهي مدركة أن المناقشات الحالية ستتجه لتفاهمات وليس لعودة الحرب».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني حسام الدجني، أن «إسرائيل ترفع سقف المطالب إلى أعلى درجة، خصوصاً مع قرب الانتخابات الإسرائيلية لضمان تشكيل نتنياهو حكومته، وتلجأ لتضخيم ملف نزع السلاح»، مستبعداً عودة إسرائيل للحرب لأنها في رأيه «عودة لعزلها مجدداً».

ورغم الإنذارات بالنزع كان الحديث عن التفاهمات حاضراً. ففي فبراير الجاري، أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» نقلاً عن مصادر بأن واشنطن تجهّز مقترحاً جديداً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح باحتفاظها ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى. وذكرت الصحيفة أنه سيتم تقديم هذا المقترح خلال أسابيع.

وتحدثت تقارير عبرية، الثلاثاء، عن نقاشات بشأن سلاح «حماس»، وكشفت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» عن نقاشات دائرة حول إعادة تنظيم ملف السلاح، بما في ذلك نقل بعض الأسلحة الثقيلة إلى أماكن تخضع لرقابة جهات وسيطة، وتسليم خرائط أنفاق.

ولا تزال «حماس» تتمسك بموقفها من السلاح. وقد رفض القيادي البارز بالحركة، خالد مشعل، خلال منتدى بالدوحة قبل أسبوع نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف إسرائيل المتسلحة بكل السلاح الدولي»، ودعا مجلس السلام إلى اعتماد «مقاربة متوازنة».

وفي حين يتوقع فرج أن تكون مقترحات التعامل مع السلاح حاضرة في المناقشات الحالية، خصوصاً بين تنظيم السلاح أو تجميده، يقر الدجني بأن هناك «حالة غموض واضحة» في هذا الموضوع مرتبطة بتعدد الرؤى على طاولة المفاوضات.

واتفق فرج والدجني على أن هناك «تضخيماً» لقضية سلاح «حماس»، مشيرين إلى أن معظم سلاح الحركة حالياً «سلاح خفيف».