انفجارات وهجمات بقذائف الهاون غرب كابل ... و«داعش» يعلن مسؤوليته

عناصر أمن افغانية في موقع الانفجارات غرب العاصمة كابل  أمس (رويترز)
عناصر أمن افغانية في موقع الانفجارات غرب العاصمة كابل أمس (رويترز)
TT

انفجارات وهجمات بقذائف الهاون غرب كابل ... و«داعش» يعلن مسؤوليته

عناصر أمن افغانية في موقع الانفجارات غرب العاصمة كابل  أمس (رويترز)
عناصر أمن افغانية في موقع الانفجارات غرب العاصمة كابل أمس (رويترز)

هزت عدة انفجارات عنيفة غرب العاصمة الأفغانية كابل أثناء إحياء حزب الوحدة الشيعي الذكرى الرابعة والعشرين لمقتل زعيمه الراحل عبد العلي مزاري». وقالت الداخلية الأفغانية إن عدة قذائف هاون سقطت على الضواحي الغربية للعاصمة كابل أثناء تجمع حضره عدة مئات من أنصار حزب الوحدة الشيعي وعدد من القيادات السياسية في كابل. وحسب مصادر الداخلية الأفغانية فإن عددا من القيادات السياسية الأفغانية كانت تحضر التجمع ومن الشخصيات البارزة التي حضرت الحفل الرئيس السابق حميد كرزاي ومستشار الأمن الوطني السابق حنيف أتمار المرشح للرئاسة الأفغانية حاليا، ووزير الخارجية الحالي صلاح الدين رباني، ورئيس البرلمان الأسبق يونس قانوني، ومحمد محقق زعيم حزب الوحدة النائب الثاني سابقا للرئيس أشرف غني.
ووقعت الانفجارات حين بدأ عبد الله عبد الله رئيس السلطة التنفيذية الأفغانية إلقاء كلمته بمناسبة الذكرى 24 لاغتيال الزعيم الشيعي الأبرز ـ آنذاك ـ في أفغانستان عبد العلي مزاري. وقال الدكتور عبد الله إن الانفجارات وقعت في مكان بعيد عن المنصة الرئيسية لكنها حتما أصابت عددا من الحضور مما استدعى محمد محقق زعيم حزب الوحدة الشيعي الأفغاني الطلب من المشاركين في الاحتفال مغادرة المكان مباشرة وعدم التجمهر. وقال محقق في مكبرات الصوت «كان لدي الكثير مما سأقوله اليوم لكم لكن بسبب إطلاق قذائف الهاون المستمر على التجمع فإنني أدعو الجميع لمغادرة المكان مباشرة». وقال حنيف أتمار المرشح للرئاسة الأفغانية إن ثمانية من حراسه والمرافقين أصيبوا بجراح جراء قذائف الهاون المتساقطة على التجمع. وقالت إحصائيات المستشفيات والداخلية ووزارة الصحة إن ستة أفراد قتلوا وجرح 36 آخرون في هجمات الهاون على تجمع الشيعة في كابل، ومن بين القتلى والجرحى المرافقون الخاصون لحنيف أتمار مستشار الأمن القومي الأفغاني السابق. وقال نصرت رحيمي الناطق باسم الداخلية الأفغانية إن قوات الأمن اقتحمت البيت الذي أطلقت منه قذائف الهاون في ضواحي العاصمة كابل، وتم اعتقال أحد الأشخاص ذوي العلاقة بالهجمات حسبما ذكرته قناة 1 تي في نيوز.
وقال شهود عيان إن 12 قذيفة سقطت على التجمع وسمع صوت انفجاراتها، كما أتبعها إطلاق نار متقطع من مكان التجمع.
وأعلن تنظيم «داعش ولاية خراسان»، مسؤوليته عن الهجوم بقذائف الهاون على تجمع الشيعة في العاصمة الأفغانية، ويأتي الهجوم بقذائف الهاون في كابل بعد يوم من هجمات انتحارية شنها تنظيم داعش في جلال آباد مركز ولاية ننجرهار شرق أفغانستان استهدف فيها شركة إنشاءات تعمل في بناء القواعد العسكرية الأميركية في أفغانستان حيث قتل في الهجمات الانتحارية ستة أفراد مدنيون حسب الناطق باسم حاكم جلال آباد عطاء الله خوكياني. ونقلت وكالة باجهواك الأفغانية عن مصادر أمنية في ولاية قندوز الشمالية قولها إن عشرة من رجال الأمن الأفغان لقوا مصرعهم في ولاية قندوز وجرح 12 آخرون في هجوم لقوات طالبان على عدة نقاط أمنية في الولاية.
وحسب بيان للشرطة فإن ثمانية من رجال الشرطة واثنين من أفراد الجيش قتلوا في منطقة قلعة ظل في قندوز.
وقالت الشرطة إن مسلحي طالبان اجتاحوا منطقة آق تيبة ليل الأربعاء، وأن اثنا عشر من رجال الأمن الحكوميين أصيبوا في العملية. لكن القوات الحكومية ـ حسب بيان الشرطة ـ تمكنت من صد هجوم طالبان وإجبارهم على التراجع بعد وصول إمدادات للقوات الحكومية في المنطقة.

ونقلت وكالة باجهواك عن مواطنين في المنطقة أن قوات طالبان تمكنت من السيطرة على عدد من نقاط التفتيش الحكومية دون معرفة أي خسائر بشرية في صفوف طالبان.
وأكد الناطق باسم طالبان ذبيح الله مجاهد وقوع الهجمات ومسؤولية طالبان عنها لكنه قال إن قوات طالبان قتلت 30 من رجال الأمن والقوات لحكومية في منطقة قلعة ظل الليلة الماضية. ونشرت طالبان بيانا عن علميات لها في ولاية قندوز قالت إنها تمكنت من خلالها من قتل 33 من القوات الحكومية وتدمير 5 دبابات والسيطرة على نقطتين عسكريتين للحكومة بعد هجوم شنته قوات طالبان في مديرية إمام صاحب، وأن أحد مقاتلي طالبان لقي مصرعه في الاشتباكات في المنطقة وجرح آخران. وشهدت ولاية قندوز عددا من المعارك والاشتباكات بين القوات الحكومية وقوات طالبان خلال الأيام الماضية. واتهمت طالبان القوات الأميركية بالتسبب بمقتل أربعة عشر مدنيا بمن فيهم خمس نساء في غارات شنتها الطائرات الأميركية على منطقة بادباخ في ولاية لغمان شرق العاصمة كابل.
وقال بيان صادر عن طالبان إن القوات الأميركية إلى جانب القوات الحكومية شنت غارات على منازل السكان المحليين في مديرية شيرزاد في ولاية ننجرهار مما أدى إلى مقتل مدنيين اثنين وتدمير خمسة منازل بعد تعرضها لغارات جوية أميركية. كما أغارت الطائرات الأميركية على منطقة غارزوان في ولاية فارياب الشمالية مما أدى إلى مقتل ثلاثة مدنيين وجرح اثنين آخرين.
وفي بيان آخر لطالبان قالت إن قواتها تمكنت من نصب كمين للقوات الحكومية في منطقة طالقان في ولاية تاخار الشمالية، مما نتج عنه اشتباكات دامية مع القوات الحكومية. وحسب بيان طالبان فإن تسعة من القوات الحكومية قتلوا فيما جرح خمسة آخرون، وتم تدمير ثلاث دبابات وآليتين عسكريتين.
من جانبها قالت الحكومة الأفغانية إن العديد من مقاتلي تنظيم داعش في أفغانستان وقوات طالبان قتلوا في غارات وهجمات شنتها القوات الحكومية في ولايات ننجرهار وبكتيكا وقندهار، وردك، هلمند، خوست خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية.
وحسب بيان لوزارة الدفاع الأفغانية فإن غارة جوية على منطقة غاندوماك في ولاية ننجرهار أدت إلى مقتل حاكم الظل من قبل طالبان في منطقة تشبرهار. كما تمكنت القوات الحكومية ـ حسب بيان وزارة الدفاع ـ من إبطال مفعول ثلاثة ألغام زرعت على الطرق، فيما أغارت القوات الخاصة الأفغانية على منطقة جاغاتو في ولاية وردك غرب العاصمة كابل مما أدى إلى مقتل ثلاثة من قوات طالبان.
وأشار بيان آخر لوزارة الدفاع الأفغانية إلى مقتل العشرات من قوات طالبان ومسلحي تنظيم داعش في مواجهات مع القوات الخاصة الأفغانية في ولايات ننجرهار، ولغمان، وغزني، وأروزجان». ونقلت وكالة خاما بريس عن مصادر في القوات الخاصة الأفغانية قولها إنها شنت هجمات على منطقة أشين في ولاية ننجرهار مما أدى إلى مقتل 35 من قوات طالبان وتدمير 7 ألغام أرضية. فيما قال فيلق سيلاب إنه قتل 35 من مسلحي تنظيم داعش في المنطقة نفسها». وقالت القوات الأفغانية إنها قتلت 11 من مقاتلي طالبان في منطقة مهترلام في ولاية لغمان شرق العاصمة كابل حيث شنت القوات الخاصة الأفغانية هجمات على منطقة باشي، كما لقي أربعة عشر من قوات طالبان مصرعهم في غارات جوية على محيط مدينة ترينكوت مركز ولاية أروزجان وسط أفغانستان.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...