بينتو صاحب موقع «فوتبول ليكس»... مرتكب أم واشٍ؟

بينتو صاحب موقع «فوتبول ليكس»... مرتكب أم واشٍ؟

يخشى ترحيله من المجر إلى البرتغال بعد نشره فضائح مسؤولي الكرة وقضايا التهرب الضريبي للاعبين
الجمعة - 2 رجب 1440 هـ - 08 مارس 2019 مـ رقم العدد [ 14710]

«ابقَ قوياً يا روي بينتو»، كانت هذه العبارة على واحدة من اللافتات التي ارتفعت داخل المدرجات في استاد فرايبورغ في المباراة مع فولفسبورغ في الدوري الألماني وانتهت بالتعادل الإيجابي بين الفريقين. وعلى بُعد أكثر عن 1000 ميل إلى الشرق وفي أعقاب جلسة استماع موجزة عُقدت الثلاثاء الماضي، أصدرت محكمة مجرية حكماً يقضي بتسليم شخص يبلغ 30 عاماً لم يكمل مسيرته للحصول على درجة علمية جامعية في التاريخ ومتهم بكونه العقل المدبر خلف واحدة من أكبر الفضائح في مجال كرة القدم الاحترافية والتي عُرفت باسم «فوتبول ليكس»، من منزله في بودابست.

وينحدر بينتو من فيلا نوفا دي غايا، إحدى ضواحي بورتو، ويعيش في بودابست منذ 2015، وقد وصل إلى المدينة ضمن برنامج تبادل كجزء من دراسته في التاريخ، ويرى أن بلاده لم تعد تمنحه «أي آفاق بسبب الأزمة الاقتصادية».

وبعد تثبيت نفسه في المجر، حيث يكسب قوته ويساعد والده صانع الأحذية المتقاعد، من خلال عمله في الآثار القديمة، أنشأ بينتو موقع التسريبات في 2016، وبدأ بتحميل عقود لاعبين ومدربين من نادي سبورتينغ البرتغالي والفرع المالطي من صندوق الاستثمار «دوايان»، المثير للجدل في سوق انتقالات اللاعبين.

ومع هذا، فإن بينتو صاحب الوجه الشاحب أعرب عن شكره لجماهير كلٍّ من ناديي فولفسبورغ وفيردر بريمن عبر «تويتر» لرفعهم لافتات مشابهة تحمل عبارة «ليس مجرماً». جدير بالذكر أن موقع «فوتبول ليكس» (تسريبات كروية) منذ تدشينه في سبتمبر (أيلول) 2015، نشر ادعاءات حول ما يصفها مؤسسه بأنها «ممارسات غير مشروعة تؤثر على عالم كرة القدم»، سواء كان ذلك تهرباً ضريبياً من جانب كريستيانو رونالدو وجوزيه مورينيو أو رسائل بريد إلكتروني داخلية تتهم مانشستر سيتي بانتهاك قواعد اللعب المالي النظيف التي يقرها الاتحاد الأوروبي (يويفا).

بعد قرابة ثلاث سنوات من ذكر اسم بينتو علانيةً للمرة الأولى من جانب صحيفة «ماركا» الإسبانية، جرى احتجازه بناءً على أمر أوروبي بإلقاء القبض عليه وفقاً لطلب من الشرطة البرتغالية التي كانت قد استصدرت قراراً بحق بينتو منذ عدة أسابيع. والآن، أصبح لزاماً على بينتو الرد على اتهامات موجهة إليه بممارسة «الابتزاز وانتهاك السرية والحصول على معلومات بصورة غير قانونية» داخل موطنه.

وفي تصريحات لصحيفة «دير شبيغل» الألمانية، الشهر الماضي، قال بينتو: «أشعر بالتوتر لأنني أصبحت هدفاً لهجمات، خصوصاً من جانب مشجعي بنفيكا. ومنذ الخريف الماضي، أتلقى تهديدات بالقتل عبر (فيسبوك). وأخشى من أنه بمجرد أن تطأ قدمي سجناً برتغالياً، خصوصاً داخل لشبونة، ألا أغادر المكان حياً».

كان بينتو قد عمل تحت اسم مستعار «جون» بالتعاون مع «دير شبيغل» وعدد من الأعضاء الآخرين في الشبكة الإعلامية المعروفة باسم «المتعاونين الاستقصائيين الأوروبيين (يوروبيان إنفستيغاتيف كولابريترز)» (إي آي سي غروب). وتشير تقديرات إلى أن هذه الشبكة وفرت نحو 70 مليون وثيقة و3.4 تيرابايت من المعلومات، منها رسائل بريد إلكتروني شخصية تخص بعض أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم كرة القدم. وقال بينتو: «لقد أطلقت حركة عفوية من عمليات الكشف بخصوص صناعة كرة القدم. وعليه، فأنا لست الوحيد المعنيّ بها، ذلك أنه بمرور الوقت أُضيفت مصادر جديدة تشاركت معي في مواد وزاد حجم قاعدة البيانات».

في البداية، كشفت التسريبات عن اتفاقات جرت عبر أطراف ثالثة بين نادي توينتي أنشيدة ووكيل اللاعبين «دوين سبورتس»، على نحو يخترق قواعد اتحاد كرة القدم الهولندي. وأدى هذا الكشف إلى حرمان توينتي من المشاركة في البطولات الأوروبية لمدة ثلاث سنوات. ومن المعتقد أن بينتو حوّل أنظاره باتجاه كرة القدم البرتغالية نهاية عام 2015.

وبالاعتماد على ما وصفه تقرير «ماركا» بأنه «سلسلة من أدوات القرصنة لجمع معلومات وتسريب تفاصيل تتعلق بتعاقدات اللاعبين داخل عدد من الأندية» كان بينها بنفيكا وسبورتينغ وبوروتو، تشير مزاعم إلى أن بينتو حاول بادئ الأمر ابتزاز وكالة «دوين سبورتس» عبر مطالبتها بأكثر من 500 ألف يورو كي لا يكشف عن معلومات حساسة تتعلق بلاعبين تمثلهم الوكالة قبل إقدامه على نشر المعلومات عبر موقع «ميركادو دي بنفيكا» الإلكتروني، الذي لا يزال نشطاً.

جدير بالذكر أن بورتو تعرض منذ فترة قريبة لغرامة بقيمة 50 ألف فرنك سويسري من جانب «فيفا» بسبب سماحه لـ«دوين سبورتس» بالتأثير على صفقات انتقال اللاعبين الخاصة بالنادي. وأصدر «فيفا» بياناً قال فيه إن النادي «دخل في تعاقدات للسماح لأطراف ثالثة بأن يكون لها نفوذ على استقلالية النادي وسياساته في ما يخص صفقات انتقال اللاعبين».

في تلك الأثناء، نشر موقع «فوتبول ليكس» مزاعم على درجة بالغة من الخطورة ضد شخصيات بارزة مثل رونالدو ومورينيو وليونيل ميسي على مدار الشهور الـ12 التالية لدرجة دفعت لجنة مكافحة غسل الأموال التابعة للاتحاد الأوروبي للشروع في التحقيق بشأن «وباء» التهرب الضريبي في مجال كرة القدم في سبتمبر 2017، مشيرة إلى أن الموقع كان الدافع لها وراء اتخاذ هذا القرار.

بعد عام آخر، نشرت مجلة «سابادو» البرتغالية قصة حصرية كشفت عن أن الشرطة المحلية حددت المشتبه فيه الرئيسي في قضية بنفيكا باعتباره بينتو، واصفة إياه بأنه «عبقري في مجال التعامل مع الكومبيوتر». وبعد أيام قلائل، ظهر منشور على صفحة «فيسبوك» التابعة لموقع «فوتبول ليكس» وبدا أنه يتعمد استفزاز الشرطة البرتغالية بالرسالة التالية: «الشرطة تبحث عني؟ يا له من خبر سار. اقبضوا عليّ إذن إذا استطعتم»، وإن كان بينتو ينفي وجود أي صلة بينه وبين هذه الرسالة.

وعن هذه القصة الصحافية، قال بينتو: «لقد غيّرتْ حياتي، فقد ظهرت صوري على الصفحات الأولى للمطبوعات الصحافية بمختلف أرجاء البلاد. وانهالت تهديدات بالقتل على حسابي في (فيسبوك) وعنوان بريدي الإلكتروني».

نهاية سبتمبر 2018، تراجعت كاثرين مايورغا عن اتفاق الحفاظ على السرية الذي وقّعته مع فريق المحامين الخاص برونالدو وخرجت إلى العلن بمزاعم تعرّضها للاغتصاب من جانب المهاجم البرتغالي. وتمثل عنصر محوري في الحجة التي دفعت بها في وثائق بدا أنها تدعم ادعاءاتها جرى الحصول عليها عبر موقع «فوتبول ليكس»، وإن كان محامو رونالدو قد رفضوا هذه الوثائق لاحقاً، واصفين إياها بأنها مفبركة من جانب قراصنة.

بعد ستة أسابيع وبعد أن ظل هادئاً لما يزيد على عام فيما عدا رسالة في الكريسماس قرب نهاية عام 2017، نشر «فوتبول ليكس» مجموعة جديدة من المزاعم في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي استهدفت من جديد المؤسسة الحاكمة لصناعة كرة القدم. وعبر التسريبات، جرى رسم صورة رئيس «فيفا»، جياني إنفانتينو، باعتباره اضطلع بدور محوري في المفاوضات التي أدت إلى التوصل لتسوية عندما واجه كل من مانشستر سيتي وباريس سان جيرمان اتهامات باختراق قواعد اللعب المالي النظيف -وهي مزاعم قوبلت بالرفض باعتبارها مجرد محاولة «لتقويض القيادة الجديدة لـ(فيفا)». في تلك الأثناء، جرى كشف النقاب عن خطط أندية الصفوة لإطلاق بطولة جديدة تحت اسم «دوري السوبر الأوروبي» بحيث تبدأ عام 2021، وذلك عبر رسائل بريد إلكتروني مسربة جرى إرسالها إلى رئيس ريال مدريد فلورنتينو بيريز. نهاية الأمر، أُلقي القبض على بينتو في 16 يناير (كانون الثاني) في بودابست، والتي كان قد انتقل إليها منذ سنوات عدة سابقة باعتباره طالباً، وذلك بعد عودته من أحد متاجر البقالة برفقة والديه. ويصف عارفو بينتو، صاحب الوجه الطفولي، بأنه «اجتماعي وسعيد» وهو أيضاً أحد عشاق نادي بورتو ورونالدو.

من ناحيته، قال بيبو روسو، عالم الاجتماع لدى جامعة فلورنسا والمتخصص في الصفقات التجارية في مجال كرة القدم: «في اعتقادي، يبدو من الغريب حقاً أن يستغرق الأمر ثلاث سنوات للعثور على شخص معروفة صورته ومعروف أين يعيش. ومن وجهة نظري، روي بينتو ليس مجرماً وإنما مبلّغ عن جرائم وتجب حمايته بجميع السبل».

لكن المحكمة المجرية أكدت أنه «لا يمكن رفض طلب التسليم. كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يُتوقع منها التزام المعايير القضائية ذاتها»، في إشارة إلى مذكرة التوقيف الصادرة عن البرتغال، والتي تم بموجبها إلقاء القبض على بينتو. وكان بينتو الذي عارض محاموه تسليمه، رهن الإقامة الجبرية منذ أسابيع بانتظار البت في مسألة تسليمه.

وكان بينتو متفائلاً «بتجنب التسليم»، مؤكداً أنه لم يسرق رسائل إلكترونية داخلية لبنفيكا استخدمها مسؤولون في غريمه التقليدي بورتو لاتهامه بقضية محاولة السيطرة على الحكام في الدوري البرتغالي.

ومن المقرر أن يتولى الفرنسي ويليام بوردون، المحامي السابق لإدوارد سنودين الدفاع عن بينتو. من جهته، أصر بينتو على أنه لم يحصل على «سنت واحد» خلال المراسلات التي جرت مع «دوين سبورتس»، لكنه اعتراف بأنه كان «ساذجاً». وقال: «عندما أتطلع الآن نحو الماضي، أندم على هذا الأمر، لكنني أكرر بأنني لم أقترف أي عمل جنائي».

ونظراً إلى أن تداعيات الموقف لم تنتهِ بعد، يعتقد روسو أن ما يوجد على المحك هنا يتجاوز حرية شخص واحد فحسب. وقال: «هناك الكثير من المشاركين بعالم كرة القدم يرغبون في رؤيته في السجن ويأملون أن تتوقف التسريبات مع وجوده في الحبس، لكن لا أعتقد أن إيقاف شخص واحد سيوفق الأمر كله إلى الأبد، تلك مجرد أمنيات ليس إلا».

وأضاف: «ربما يمثل هذا الأمر مفترق طرق تاريخياً لكرة القدم لأنه قد يفيد في خلق إرث للمستقبل يمكّن آخرين من المضي قدماً والكشف عن مخالفات دونما خوف من التعرض لاضطهاد». إلا أنه بالنظر إلى أن المحاكم اليوم حكمت بخلاف ذلك، يقف بينتو في مواجهة عقوبة السجن التي يخشاها بشدة، معرباً عن اعتقاده أن بلاده تحاول «تخريب» تحقيقات يسهم فيها في دول أوروبية عدة بعد الكشف عن الجرائم.


البرتغال كرة القدم

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة