تقارير سويسرية تتحدث عن «حاجة بوتفليقة إلى رعاية مستمرة»

قوى جديدة تنضم إلى الحراك الرافض لولاية خامسة... وحالة ارتباك داخل المؤسسة العسكرية

في احد شوارع الجزائر أمس (أ. ف. ب)
في احد شوارع الجزائر أمس (أ. ف. ب)
TT

تقارير سويسرية تتحدث عن «حاجة بوتفليقة إلى رعاية مستمرة»

في احد شوارع الجزائر أمس (أ. ف. ب)
في احد شوارع الجزائر أمس (أ. ف. ب)

أحدث الحراك الشعبي في الجزائر الرافض لترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، تغييراً في موازين القوى داخل النظام، حسب مراقبين، بتغير لهجة رئيس أركان الجيش مما يجري على صعيد موجة الغضب المعادية للرئيس ومحيطه.
في غضون ذلك، أعلن عشرات المحامين، عن تنظيم مسيرة إلى «المجلس الدستوري»، اليوم، لمطالبة رئيسه برفض ملف ترشح الرئيس، على أساس أنه مريض وعاجز عن الحكم. ويوجد بوتفليقة في مستشفى في جنيف منذ 24 من الشهر الماضي.
وحمل خطاب ألقاه قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح، أمس، في منشأة عسكرية غربي العاصمة، دلالات على انحيازه إلى حالة الاستياء الشعبي العام، ضد «العهدة الخامسة»، التي بدأت يوم 22 فبراير (شباط) وأخذت مع الوقت شكل كرة ثلج تكبر يومياً، وتضم إليها فئات واسعة من الجزائريين.
ونقلت وزارة الدفاع في موقعها على الإنترنت قول صالح إنه «يحق لجيشنا أن ينوّه بغزارة آيات التوادّ والتراحم والتعاطف والتضامن والأخوة الصادقة التي ما انفكت تتقوى عراها بينه وبين شعبه». في إشارة إلى دعوات ملحّة للجيش، من جانب المتظاهرين، ليرفض ترشح الرئيس للاستحقاق المقرر في 18 أبريل (نيسان) المقبل.
ورأى صالح في ذلك «علامات فارقة على مدى قوة الرابطة التي تشد الشعب الجزائري لجيشه»، وزاد: «طوبى لهذه الروابط الشعبية النبيلة والصادقة التي تجد في نفوسنا كعسكريين، كل العرفان والتقدير والإجلال لهذا الشعب، والتي تشد على أيدينا وتشجعنا أكثر فأكثر على المضي قدماً بعزيمة وهمة في سبيل صيانة وديعة الشهداء الأمجاد، الذين نحن مدينون لهم بالتذكر والترحم وبالوفاء بالعهد، سواء الذين فدوا الجزائر بالأمس بدمائهم الزكية واشتروا حرية هذا الوطن بأرواحهم الطاهرة، أو الذين قدموا أنفسهم ودماءهم الزكية من أجل أمن الجزائر واستقرارها، استجابةً لنداء الواجب الوطني».

الجيش وفريق الرئيس

وبات واضحاً في المظاهرات والمسيرات الجارية في أنحاء البلاد، أن المحتجين يفرقون بين مؤسسة الجيش، والفريق المحيط بالرئيس الذي يتكوَّن من وزراء ومسؤولين بأجهزة حكومية عديدة. ويرجّح أن صالح تأثر بالرسائل التي وصلت إليه من المظاهرات. وعُرف عن الرجل ولاء شديد لبوتفليقة، ودفاعه بشراسة عنه ضد خصومه السياسيين.
ومما جاء في خطاب قائد الجيش أن الجزائر «على أعتاب استحقاق وطني مهم، والجميع يعلم أننا قد التزمنا في الجيش الوطني الشعبي وكل الأسلاك الأمنية الأخرى، كل الالتزام بأن نوفر له وللجزائر كل الظروف الآمنة، بما يكفل تمكين شعبنا من ممارسة حقه وأداء واجبه الانتخابي في كنف الأمن والسكينة والاستقرار».
وأضاف: «تلكم مسؤولية وطنية جسيمة لا بد أن يتحملها الجميع، وتأكدوا أن الجيش يعي جيداً التعقيدات الأمنية التي يعيشها بعض البلدان في محيطنا الجغرافي القريب والبعيد، ويدرك خبايا وأبعاد ما يجري حولنا، وما يمثله ذلك من أخطار وتهديدات على بلادنا التي تبقى دوماً مستهدفة من أعدائها لأنها محسودة على نعمة الأمن التي يتمتع بها شعبها». وزاد: «قلت إن إدراك الجيش لكل ذلك سيجعله في غاية الفطنة واليقظة وسيكون دوماً حارساً أميناً للمصلحة العليا للوطن وفقاً للدستور ولقوانين الجمهورية، وسيعرف، بفضل الله تعالى وعونه، كيف يكون في مستوى المسؤولية المطالب بتحملها في الظروف والأحوال كافة، فالجميع يعلم أن الجزائر قوية بشعبها وآمنة بجيشها».
واللافت أنه إذا كان قايد صالح قد حافظ في خطابه على نبرة التخويف من خطر قد يصيب البلاد إذا فقدت استقرارها (ربما بسبب المظاهرات)، فهو لا يذكر على غير عادة «إنجازات الرئيس» ولا «سياسة المصالحة» التي «بفضلها» استعادة البلاد عافيتها بعد سنوات من الصراع مع الإرهاب. هذه العناصر لم تغب أبداً عن إطلالات صالح الإعلامية سابقاً، بمناسبة ومن دونها، وكانت دالة على قوة العلاقة التي تربطه بالرئيس.

ارتباك في الجيش

عن هذا الموضوع، كتب الصحافي البارز نجيب بلحيمر، على صفحته في «فيسبوك»: «تعكس البيانات الصادرة عن وزارة الدفاع حالة من الارتباك، فالموقف الذي يعبر عنه رئيس الأركان منذ المسيرات التي خرجت ضد العهدة الخامسة تعكسه المقاطع التي يتم اختيارها من خطبه، والملاحظ أنه في كل مرة يتم تقديم رسائل متباينة من خلال إعادة اختيار المقاطع من نفس الخطاب» والتي تؤدي معنى آخر. وكان التعليق الأول في تمنراست (جنوب البلاد) يوم 26 فبراير (أربعة أيام بعد مسيرات 22 فبراير)، حيث تم بث مقطع من كلمة توجيهية للقايد صالح وصف فيها المتظاهرين بالمغرَّر بهم، وقد تم سحب هذا الفيديو من موقع التلفزيون ومن مختلف وسائل الإعلام ليتم تعويضه بمقاطع أخرى، تتضمن تعهداً بتوفير كل شروط إجراء الانتخابات في كنف الهدوء والاستقرار، وجاء التعليق الثاني، أول من أمس (الثلاثاء)، بعد رد الفعل الشعبي الغاضب على تقديم ملف ترشيح بوتفليقة والرسالة التي نُسبت إليه، وقد تم اختيار مقاطع من كلمة قايد صالح في أكاديمية «شرشال» تركز على التحذير من العودة إلى «سنوات الجمر»، وتذكِّر بثمن استعادة الأمن، وقد عمدت وزارة الدفاع أمس، إلى نشر بيان يتناول مقاطع أخرى من نفس الكلمة، تتضمن تمجيداً للشعب وتؤكد قوة علاقته بالجيش الذي يبقى حريصاً على أمن البلاد.
وحسب بلحيمر فإن «الوقت لا يلعب لصالح قايد صالح، وعدم استيعاب رسائل الشارع الواضحة سيضعف مكانته هو شخصياً، وقد يجعله ضمن المجموعة التي سيخرجها الشارع من اللعبة بتصميمه على منع فرض العهدة الخامسة، ذلك أن اللحظة تاريخية وتتطلب كثيراً من الشجاعة والإدراك لطبيعة المرحلة والتحولات التي يعيشها المجتمع لاتخاذ القرارات الحاسمة التي قد تجعل مؤسسة الجيش تختار مسايرة حركة التاريخ».
وقال الإعلامي قادة بن عمار، مدير أحد أشهر البرامج الحوارية التلفزيونية، إن «التقارير الطبية عن تدهور صحة بوتفليقة ولهجة قايد صالح الجديدة، وانشقاق منظمات جماهيرية عن الولاء للخامسة مثل منظمتي المجاهدين والنساء، ويانات أميركا وأوروبا (الداعمة للمسيرات)، والأهم من كل هذا استمرار الحراك الشعبي السلمي... كلها مؤشرات تمهد لإعلان حالة الشغور بمنصب الرئاسة، وتأجيل الانتخابات والدخول في فترة انتقالية...». وزاد: «ننتظر البيان فقط»، في إشارة إلى بيان الرئيس بالتنحي عن الحكم.
وذكر البرلماني الإسلامي ناصر حمدادوش أنه «لا يوجد من مخرج دستوري، يحفظ كرامة الرئيس، ويجنّب البلاد مخاطر الانزلاق إلى المجهول، إلا تطبيق المادة 102 من الدستور (عزل الرئيس بسبب مانع صحي). فهل هناك مَن لديه مشكلة مع الدستور. المجلس الدستوري أمام استحقاق تاريخي، وما عليه إلا أن يتحمّل مسؤوليته، وعلى باقي مؤسسات الدولة الأخرى أن تسنده».

صحة بوتفليقة

في غضون ذلك، كشفت صحيفة «تريبيون دو جنيف» السويسرية، أمس، تفاصيل جديدة بشأن الوضع الصحي للرئيس، إذ نقلت أن صحته «هشة ويعاني من أمراض عصبية وتنفسية»، مشيرةً إلى أن حالته الصحية «تتطلب رعاية مستمرة». وأكدت أن حياة بوتفليقة تبقى «تحت تهديد مستمر، على اعتبار أن جهازه التنفسي تدهور بشكل ملموس، ويتطلب رعاية متواصلة».
إلى ذلك أعلنت «منظمة محامي الجزائر العاصمة»، عن مظاهرة، اليوم، أمام مبنى «المجلس الدستوري»، لمطالبة رئيسه الطيب بلعيز برفض ملف ترشح بوتفليقة، الذي أودعه نيابةً عنه مدير حملته الانتخابية الوزير عبد الغني زعلان. ويعلن «المجلس» نتائج دراسته ملفات 21 مترشحاً، في مدة أقصاها يوم 13 من الشهر الحالي.



خطف ناقلة نفط قبالة اليمن واقتيادها نحو الصومال

ناقلة نفط (أرشيفية- رويترز)
ناقلة نفط (أرشيفية- رويترز)
TT

خطف ناقلة نفط قبالة اليمن واقتيادها نحو الصومال

ناقلة نفط (أرشيفية- رويترز)
ناقلة نفط (أرشيفية- رويترز)

أعلن خفر السواحل اليمنيون، السبت، أنّ أفراداً مجهولين سيطروا على ناقلة نفط قبالة سواحل شبوة في جنوب البلاد، واقتادوها في خليج عدن نحو الصومال.

وذكرت القوة التابعة للحكومة اليمنية على موقعها الإلكتروني أنها «تتابع حادثة اختطاف ناقلة النفط (M/T EUREKA) قبالة سواحل محافظة شبوة»، مضيفة: «تعرضت الناقلة لعملية سطو مسلح من قبل عناصر مجهولة؛ حيث تم الصعود إليها والسيطرة عليها، ومن ثم التوجه بها نحو خليج عدن باتجاه السواحل الصومالية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت أنه «تم تحديد موقع الناقلة، والعمل جارٍ على متابعتها واتخاذ الإجراءات اللازمة في محاولة لاستعادتها وضمان سلامة طاقمها» الذي لم يُحدد عدد أفراده ولا جنسياتهم.


حراك دولي لدعم التعافي الاقتصادي في اليمن

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي يتفقد أعمال التوسعة السعودية لمطار عدن (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي يتفقد أعمال التوسعة السعودية لمطار عدن (إكس)
TT

حراك دولي لدعم التعافي الاقتصادي في اليمن

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي يتفقد أعمال التوسعة السعودية لمطار عدن (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي يتفقد أعمال التوسعة السعودية لمطار عدن (إكس)

في وقت تتفاقم فيه الضغوط الاقتصادية والخدمية والإنسانية في اليمن، تشهد المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية حراكاً سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً عنوانه الأبرز حشد الدعم الدولي لبرامج التعافي، وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على الصمود، وتهيئة الأرضية اللازمة لاستعادة النشاط الاقتصادي والخدمي.

ويعكس تعدد اللقاءات التي جمعت مسؤولين يمنيين بشركاء دوليين، من السعودية والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، اتجاهاً حكومياً نحو تحويل الدعم الخارجي من إطار الإغاثة التقليدية إلى مسار أوسع يجمع بين التعافي الاقتصادي، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتحسين الخدمات الأساسية، ودعم الإصلاحات المؤسسية والنقدية.

في هذا السياق، ركزت وزيرة التخطيط في الحكومة اليمنية أفراح الزوبة خلال مباحثاتها مع مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع (اليونيبس) على تعزيز التدخلات التنموية في القطاعات الأكثر إلحاحاً، وفي مقدمتها الصحة والمياه والكهرباء والتعليم، وهي القطاعات التي تمثل خطوط الحياة الأساسية لملايين اليمنيين، وتواجه تحديات مزمنة بفعل تراجع التمويل، وتآكل البنية التحتية.

كما برزت قضية المياه بوصفها من أكثر الملفات إلحاحاً، مع تحركات لتوسيع الشراكات مع ألمانيا والجهات الداعمة في مجالات الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وبناء قدرات المؤسسات المحلية للتعامل مع شح الموارد والتغيرات المناخية، وهي تحديات باتت تضغط بقوة على المدن المستقبِلة للنزوح وعلى المناطق الريفية على السواء.

وفي عدن، ظل قطاع الكهرباء وإعادة تشغيل مصفاة عدن في صدارة النقاشات مع الجانب السعودي، بوصفهما عنصرين حاسمين في استقرار الخدمات، ودعامة أساسية لتحريك عجلة الاقتصاد المحلي، وتقليص الضغوط المالية الناتجة عن استيراد الوقود وتكلفة الطاقة.

الاقتصاد تحت ضغط

اقتصادياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، فالحكومة تواجه أزمة مركبة يتداخل فيها تراجع الإيرادات العامة، وتوقف صادرات النفط والغاز، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتقلب أسعار الطاقة والسلع الأساسية بفعل التوترات الإقليمية، وهو ما يضع المالية العامة والقطاع المصرفي أمام اختبارات شديدة الحساسية.

وفي مواجهة هذه الضغوط، يواصل البنك المركزي في عدن تبنِّي سياسات نقدية احترازية للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المالي، وضمان استمرار تمويل استيراد السلع الأساسية، وصون وظائف الدولة الحيوية، بالتوازي مع مساعٍ لحشد برامج دعم أكثر مرونة وفاعلية من الشركاء الدوليين، بما يخفف من هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية.

غير أن المسؤولين اليمنيين يربطون أي انفراجة اقتصادية حقيقية بملف بالغ الأهمية، هو استئناف صادرات النفط والغاز، بوصفها المورد السيادي الأهم القادر على إعادة ضخ الإيرادات العامة، وتمويل النفقات الأساسية، وتعزيز الاستقرار النقدي، ودعم خطط الإصلاح المالي والإداري.

وفي هذا الإطار، تتواصل التحركات الحكومية لإعادة تنشيط قطاع الطاقة، بما يشمل إعادة تشغيل المنشآت، ومراجعة الاتفاقيات التجارية، ورفع كفاءة الإنتاج، وزيادة الاستفادة من موارد الغاز، إلى جانب تشديد الإجراءات الهادفة لحماية الموارد الوطنية من الاستنزاف والتهريب.

تعز نموذج للتعافي المحلي

على المستوى الميداني، برزت محافظة تعز بوصفها نموذجاً محلياً يحظى باهتمام دولي متزايد، بعد زيارات ميدانية أجراها سفير الاتحاد الأوروبي شملت السلطة المحلية، ومنظمات المجتمع المدني، والمجتمعات المضيفة والنازحين، إضافة إلى جولات في مخيمات النزوح ومواقع تنفيذ مشاريع التعافي المبكر.

ويبدو أن الاهتمام الأوروبي بتعز لا يرتبط فقط بحجم الاحتياجات الإنسانية، بل أيضاً بما تمثله المحافظة من حيوية مجتمعية، وتنوع سياسي وثقافي، وفاعلية محلية في إدارة ملفات التنمية والاحتواء المجتمعي، وهي عوامل تجعلها بيئة مناسبة لتوسيع برامج التعافي الاقتصادي، ودعم سبل العيش، وتعزيز مشاريع المياه والزراعة والسدود الصغيرة وأنظمة الري.

كما سلطت الزيارات الضوء على الضغوط الكبيرة التي تتحملها المديريات المستضيفة للنازحين، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، في ظل أعداد متزايدة من الأسر النازحة، وموارد محلية محدودة؛ ما يجعل استمرار الدعم الدولي عاملاً حاسماً في منع تفاقم الأوضاع الإنسانية.

وتؤكد المواقف الأوروبية والبريطانية والألمانية والفرنسية استمرار الالتزام بدعم اليمن، سواء عبر برامج التنمية والتعافي، أو عبر مساندة الإصلاحات الاقتصادية، أو من خلال دعم مؤسسات الدولة في إدارة المرحلة الصعبة، بينما تبقى السعودية الشريك الأكثر حضوراً في دعم القطاعات الحيوية والإسناد الاقتصادي والخدمي.


اتساع تفشي الملاريا يُفاقم الأزمة الصحية في اليمن

ثلثا سكان اليمن يعيشون في مناطق موبوءة بالملاريا (الأمم المتحدة)
ثلثا سكان اليمن يعيشون في مناطق موبوءة بالملاريا (الأمم المتحدة)
TT

اتساع تفشي الملاريا يُفاقم الأزمة الصحية في اليمن

ثلثا سكان اليمن يعيشون في مناطق موبوءة بالملاريا (الأمم المتحدة)
ثلثا سكان اليمن يعيشون في مناطق موبوءة بالملاريا (الأمم المتحدة)

اتّسع نطاق تفشي مرض «الملاريا» في مناطق يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، في تطور يُسلط الضوء على هشاشة الوضع الصحي والبيئي في البلاد، وسط تحذيرات أممية من أن استمرار تدهور الخدمات الأساسية قد يُحوّل المرض إلى تهديد وبائي واسع، في وقت يعيش فيه ملايين السكان ضمن بيئات مواتية لانتقال العدوى، مع ضعف شديد في قدرات الوقاية والعلاج والاستجابة الصحية.

وسجلت 4 محافظات يمنية، هي الحديدة وحجة وإب والمحويت، خلال الربع الأول من العام الحالي ارتفاعاً لافتاً في حالات الإصابة المشتبه بها بالملاريا، وفق مصادر طبية تحدّثت لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدة أن مرافق صحية عدة استقبلت أعداداً متزايدة من المصابين، خصوصاً في المناطق الزراعية والساحلية التي تُمثل بيئة خصبة لتكاثر البعوض الناقل للمرض، مع اتساع رقعة المياه الراكدة، وغياب أنظمة صرف صحي فعالة.

عاملون يمنيون يقومون بحملات رش لمكافحة البعوض الناقل للملاريا (إعلام محلي)

وتُعد محافظتا الحديدة وحجة من أكثر المناطق تعرضاً لهذا المرض بحكم طبيعتهما المناخية الرطبة وارتفاع درجات الحرارة فيهما، غير أن اللافت، وفق مختصين، هو انتقال العدوى بوتيرة متصاعدة إلى محافظات مرتفعة نسبياً، مثل إب والمحويت، وهو ما يعكس تغيراً في خريطة انتشار المرض، ويوحي بأن العوامل البيئية والصحية المساعدة على تفشيه باتت أكثر اتساعاً من السابق.

وتعزو مصادر صحية هذا التصاعد إلى زيادة هطول الأمطار خلال الأشهر الأخيرة، وما نتج عنه من تجمعات مائية راكدة، إلى جانب تراكم النفايات وتدهور خدمات النظافة العامة، في ظل غياب برامج مكافحة البعوض وانعدام حملات الرش الوقائي، وهي إجراءات كانت تُسهم في الحد من الانتشار خلال المواسم الممطرة.

نظام صحي منهار

ويتزامن هذا التفشي للملاريا مع استمرار انهيار القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين؛ حيث تعاني المستشفيات والمراكز الطبية نقصاً حاداً في الكوادر والأدوية والمستلزمات التشخيصية، في حين خرج عدد من المرافق عن الخدمة بسبب الحرب أو انعدام التمويل، ما يجعل القدرة على احتواء موجة الإصابات محدودة إلى حد بعيد.

ويؤكد عاملون في القطاع الصحي أن الاستجابة الحالية لا توازي حجم التحدي، خصوصاً مع تراجع توزيع الناموسيات الواقية، وضعف برامج التوعية المجتمعية، وغياب خطط استباقية لمواجهة موسم الأمطار الذي غالباً ما يشهد ارتفاعاً في معدلات الإصابة بالأمراض المنقولة عبر الحشرات.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

ويزيد من خطورة الوضع تزامن انتشار الملاريا مع أعباء صحية أخرى، بينها سوء التغذية والأمراض المعدية الموسمية، ما يضع شرائح واسعة من السكان، خصوصاً الأطفال والنساء الحوامل، أمام مخاطر مضاعفة، في ظل محدودية الوصول إلى الرعاية الطبية المناسبة.

وتتزايد التحذيرات الدولية من هذا الخطر في ظل اتساع رقعة المناطق الموبوءة؛ حيث أكدت منظمة الصحة العالمية، في بيان بمناسبة اليوم العالمي للملاريا، أن أكثر من ثلثي سكان اليمن يعيشون في مناطق معرضة لانتقال المرض، ما يجعل البلاد من أكثر البيئات هشاشة أمام هذا الوباء على مستوى الإقليم.

ووفق المنظمة، فإن نحو 64 في المائة من السكان يقيمون في مناطق تتوفر فيها ظروف انتقال الملاريا، فيما تُعد النساء الحوامل والأطفال دون الخامسة الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية الخطيرة، بسبب ضعف المناعة وسوء التغذية وتراجع خدمات الرعاية الأولية.

وأشارت المنظمة إلى أن المرض لم يعد محصوراً في المناطق التي عُرفت تاريخياً بارتفاع مستوى الخطورة، بل بدأ يمتد إلى مناطق كانت تُعد منخفضة الخطورة، نتيجة النزوح الداخلي، وتراجع الخدمات الصحية، والتغيرات المناخية التي أدت إلى ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات الأمطار، ما أوجد بيئات جديدة ملائمة لتكاثر البعوض الناقل للعدوى.

اتهامات للحوثيين

في المقابل، تتكرر الاتهامات للجماعة الحوثية بإهمال ملفات الصحة العامة والخدمات البيئية، وتحويل المدن الواقعة تحت سيطرتها إلى بيئات مفتوحة لتفشي الأوبئة نتيجة ضعف شبكات الصرف، وتراكم المخلفات، وغياب برامج المكافحة الوقائية، مقابل توجيه الموارد نحو أولويات أخرى لا تمس الاحتياجات المعيشية والصحية للسكان.

عاملة صحية تقوم بإعطاء طفل يمني لقاحاً (الأمم المتحدة)

ويرى خبراء أن احتواء موجة التفشي لا يتطلب فقط توفير الأدوية والعلاجات، بل يستدعي خطة تدخل واسعة تشمل إعادة تفعيل برامج مكافحة النواقل، وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتنفيذ حملات توعية مجتمعية، إلى جانب دعم عاجل للقطاع الصحي الذي يواجه خطر الانهيار الكامل.

وفي ظل تسجيل أكثر من مليون حالة اشتباه بالملاريا خلال العام الماضي، وفق تقديرات أممية، يبدو اليمن أمام تحدٍّ صحي متفاقم، قد يتحول إلى كارثة إنسانية أشد وطأة إذا استمر التدهور الحالي دون تدخل سريع ومنسق لاحتواء المرض والحد من انتشاره.