ليبيا تفتح نافذة على الانتخابات... والجيش يوسّع نفوذه

تفاؤل عقب «لقاء الإمارات» ومخاوف وتحسّب لدخول قوات حفتر طرابلس

ليبيا تفتح نافذة على الانتخابات... والجيش يوسّع نفوذه
TT

ليبيا تفتح نافذة على الانتخابات... والجيش يوسّع نفوذه

ليبيا تفتح نافذة على الانتخابات... والجيش يوسّع نفوذه

رحب كثير من الليبيين بنتائج اللقاء الذي احتضنته دولة الإمارات المتحدة، وجمع المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» وفائز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق الوطني». وأملوا في تجاوز بلدهم مرحلة الانسداد السياسي، والاتجاه بالبلاد، التي تضربها الفوضى منذ 8 سنوات، إلى حالة من الاستقرار السياسي يجري الاحتكام فيها لصناديق الاقتراع بدلاً من التهديد بصناديق الذخيرة.
وعلى الرغم من أن الاجتماع، الذي عقد نهاية الأسبوع الماضي، ورعته البعثة الأممية لدى ليبيا، توصل إلى ضرورة إنهاء الفترة الانتقالية والمضي نحو إجراء انتخابات عامة، فإن ثمة تخوفاً لدى قطاع من الساسة والمحللين من «عجز البلاد عن إنجاز أي استحقاق انتخابي في ظل وجود ميليشيات مسلحة تسيطر على العاصمة... وانقسام حاد داخل المؤسسة العسكرية».
ما بين الترحيب بلقاء المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي وفائز السرّاج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق الوطني» في العاصمة الإماراتية أبوظبي، والتحذير من انتشار المسلحين وتأثيرهم السلبي في المشهد السياسي، يمضي الجيش الوطني - وفق قيادات عسكرية وسياسية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» - نحو «طي صحراء الجنوب الليبي لمطاردة (الجماعات الإرهابية) وفلول (المتمردين التشاديين)، حتى إلى الحدود الجزائرية».
وقبل يومين من لقاء الرجلين اللذين يُنظر إليهما على أنهما الطرفان الأقوى في ليبيا، جاءت الرؤية الإماراتية واضحة من الأزمة الآنية، التي تمكنت بعد سقوط نظام معمر القذافي. إذ أكد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبيّ، خلال لقائه السراج في دبي «دعم الإمارات للجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار في ليبيا، وحرصها على مساعدة الشعب الليبي في الخروج من الأزمة الراهنة». وتكللت الجهود التي أعلنتها البعثة الأممية باتفاق السراج وحفتر على «ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية من خلال انتخابات عامة»، وبحث «سبل الحفاظ على استقرار ليبيا وتوحيد مؤسساتها»، وهي النتيجة التي نظر إليها أتباع كل فريق من زاويته الخاصة.
- أوراق الأزمة
وقبل عودة السراج وحفتر إلى ليبيا، سارع «المجلس الأعلى للدولة» في طرابلس، بتقديم جملة من الاعتراضات المبطنة على اجتماعهما في الإمارات، دون أن يأتي على ذكرهما. وأرجع ذلك إلى أن ما تم التوصل إليه يتعارض مع «اتفاق الصخيرات» الذي وقع في المغرب نهاية عام 2015، وقال «المجلس» إنه «متمسك بالاتفاق السياسي باعتباره الإطار الوحيد والحاكم للعملية السياسية، وعدم قبول أي تعديلات إلا وفق الآلية التي ينص عليها ذلك الاتفاق».
غير أن المحلل السياسي والإعلامي الليبي عيسى عبد القيوم، رأى أن «الجيش بعد لقاء أبوظبي، بات يمتلك 75 في المائة من أوراق حل الأزمة، مدعوماً بحاضنته الاجتماعية والسياسية الوطنية التي كشفت عنها انتصاراته الأخيرة». ومضى عبد القيوم يقول إنه قبل لقاء الإمارات كانت هناك 4 مواقف تؤكد وجهة نظره، تتمثل في؛ «موافقة رئيس مؤسسة النفط مصطفى صنع الله، على رفع (القوة القاهرة) عن حقل الشرارة، وتراجع الصديق الكبير محافظ المصرف المركزي في طرابلس عن إيقاف منحة أرباب الأسر، بالإضافة إلى تراجع المبعوث الأممي عن موقفه من الجيش، وزيارته للرجمة (مقر القيادة العامة)، فضلاً عن تراجع ممثل سلطات طرابلس في الأمم المتحدة وتغيير موقفه من العملية العسكرية في الجنوب خلال كلمته أمام الجمعية العامة».
وانتهى عبد القيوم إلى أنه «في ظل الزخم الشعبي والإعلامي الداعم لحركة الجيش على الأرض، وعلى طاولة التفاوض، قد يشهد النصف الثاني من العام الحالي انفراجة كبيرة، إما كاستحقاق للمسار السياسي الضاغط بقوة على الأطراف الرخوة، أو بانهيار العملية السياسية ووصول الجيش إلى مشارف طرابلس».
- درنة و«القاعدة»
من جهة أخرى، باكراً أعلن حفتر عزمه التصدّي «للمجموعات الإرهابية» التي سيطرت على مدن ليبية عدة. وقال في مناسبات كثيرة إنه «سيواصل تحرير كامل التراب الوطني، والقضاء على الإرهابيين في البلاد»، وإن الجيش «لن يتهاون أبداً مع من تسول له نفسه المساس بأمن واستقرار ووحدة ليبيا».
تعَهُد حفتر، جاء بحسب قيادة عسكرية، من «غرفة عمليات الكرامة»، «استجابة لاستغاثة المواطنين في الجنوب، الذين وقعوا فريسة للجماعات الإرهابية والمتمردين التشاديين»، بجانب «إنقاذ مدينة درنة (شمال شرقي ليبيا) التي باتت لسنوات رهينة ومعقلاً للجماعات المتطرّفة من كل الأنحاء تحت راية ما كان يعرف بـ(مجلس شورى درنة) الموالي لتنظيم (القاعدة)». وللعلم فإن اللواء أحمد المسماري، المتحدث باسم القيادة العامة للقوات المسلحة، كان قد أعلن في وقت سابق أن قوات الجيش، سيطرت على 90 في المائة من الأراضي الليبية، ولم يتبقَ سوى 10 في المائة فقط من مساحة البلاد خارج السيطرة.
وخلال الأيام الماضية، أعلنت قوات الجيش أنها تمكنت من الانتصار على من سمتهم «خوارج درنة»، وأعادت المدينة المخطوفة منذ عام 2014 إلى أهلها. وهو ما وصفه عز الدين عقيل، رئيس حزب الائتلاف الجمهوري، بأن القيادة العامة «تركز جهودها حصرياً حول إدارة معارك تطهير الوطن من الميليشيات والإرهاب وعصابات الجريمة المنظمة، سعياً إلى بسط سيطرة الجيش سريعاً على الأمن الاستراتيجي للبلاد، ما يمهد باستعادة هيبة ليبيا». ورأى عقيل في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن المؤسسة العسكرية «تولي اهتمامهاً كبيراً بالحد من الخسائر في الأرواح والممتلكات العامة والخاصة والبنية التحتية للبلاد أكثر من أي شيء آخر». ومع استتباب الأمن في درنة، عاد كثير من الكتائب التابعة للقوات المسلحة التي كانت تقاتل هناك إلى ثكناتها في شرق البلاد، ومنها من يتأهب للعودة، وذلك بعد انتهاء العمليات العسكرية بالمدينة.
وبالفعل، تواصل قوات الجيش عملية التمشيط والتحرّي والبحث عن الخلايا الإرهابية النائمة، وهو ما نوّه به المنذر الخرطوش، المسؤول الإعلامي للكتيبة «276 مشاة‏» لـ«الشرق الأوسط»، بقوله: «قواتنا نجحت بحمد لله في القضاء على الإرهابيين».
أيضاً، بدأت شركة الخدمات العامة في إزالة آثار العدوان، بتنظيف الشوارع وإزالة المخلفات من الطرقات، وسط فرحة المواطنين، الذين عبروا عن رضاهم لمجريات الأحداث هناك، وتوفر الأمن وتوقف أصوات الرصاص. وهذا ما عبر عنه عبد الوارث إحميدي، بنبرة زهو شديدة: «لم لا، وقد عشنا سنوات من تقطيع لرقاب الشباب والشيوخ في الشوارع والميادين... كان (داعش) يجبرنا على جمع الأموال بزعم أنها زكاة، وفي الحقيقة كانت إتاوة بديلة عن ذبحنا بالسيوف». ونقل إحميدي، ابن مدينة درنة، الذي درس الهندسة في جامعة الإسكندرية، لـ«الشرق الأوسط» جانباً مما عليه الأوضاع الآن بقوله: «قوات الأمن موجودة في كل مكان، ولم يعد هناك وجود للعناصر الموالية للقاعدة، لقد خطفوا درنة ورهنوا المواطنين، ولم يعترفوا بأي سلطة في البلاد، الوضع الآن تغير، فمنهم من قتل، أو سلّم نفسه، أو ألقي القبض عليه من قبل رجال القوات المسلحة».

من سبها إلى غات
بموازاة العملية العسكرية التي خاضتها القوات المسلحة في درنة، كان أفرادها ينتشرون بشكل واسع في قلب الصحراء الجنوبية لمواجهة تنوّع واسع من العناصر المتطرفة، فكثير من التقارير التي أتت من الجنوب منذ نهاية العام الماضي، أشارت إلى أن مدنه، خصوصاً المترامية في أعماق الصحراء، باتت في قبضة تنظيم داعش. هذا الوضع دفع بحفتر إلى إصدار أمر بشن عملية عسكرية في الجنوب، وسط معارضة من المجلس الرئاسي في طرابلس و«قوة حماية طرابلس»، التي رأت أن هذه العملية تستهدف «تدمير الجنوب والقضاء على مقدراته وثرواته ونسيجه الاجتماعي». غير أن مرعي العرفي، أحد قيادات «الجيش الوطني» ذهب في حديثه مع «الشرق الأوسط» إلى أن القوات المسلحة «تسعى لحفظ الأمن في سبها وباقي المدن الجنوبية، بالإضافة إلى تأمين الحدود الليبية أيضاً. وبالتالي، فلا معنى لما يتردد من كلام غير مسؤول». وأردف: «الجماعات الإرهابية، والمهربون يعبثون بالجنوب منذ 8 سنوات، ولم تتحرك أي حكومة لحمايته وتأمينه... وها هو الجيش الوطني يضحي برجاله لاستعادة الوطن مرة ثانية».
كثير من مواطني الجنوب «شعروا بالأمن في مناطقهم، وفرحوا بوجود قوات الجيش بينهم»، حسب العميد أحمد المسماري المتحدث باسم القوات المسلحة، ومع ذلك يرى أن العملية العسكرية التي تتواصل في الجنوب بشكل جيد، لا يزال أمامها بعض الوقت كي تنهي مهمتها، خصوصاً مع التوجه نحو مرزُق والقطرون وأم الأرانب، جنوب مدينة سبها بنحو 240 كيلومتراً. لكنه أشار إلى الدعم الذي تلقته القوات المسلحة من القبائل ما سهّل لها دخول حقل الشرارة النفطي من دون قتال، فضلاً عن سيطرتها على المنشآت الحيوية في مقدمتها مطار سبها.
ومع نهاية الشهر الماضي، أعلن آمر «غرفة عملية الكرامة» اللواء عبد السلام الحاسي سيطرة قوات الجيش على مناطق عدة في الجنوب، بينها العوينات، ثم دخولهم مدينة غات القريبة من الحدود الجزائرية، جنوب غربي ليبيا. وأرجع رئيس حزب الائتلاف الجمهوري الليبي، أسباب دخول الجيش في عمق الجنوب وتحقيق انتصارات، إلى «اعتماده على أسلوب التفاوض والانفتاح الاجتماعي على الأهالي والوجهاء، ومنحهم مكرمة العفو عن المجموعات المسلحة التي تختار الخضوع بسلام للجيش، كما حصل بالموانئ النفطية ومدينة سبها وحقلي الشرارة والفيل».
- فرنسا والحدود
في الواقع، تظل مسألة الحدود الليبية عملية مؤرقة لأجهزة الدولة، خصوصاً في ظل الانقسام الذي يضرب البلاد منذ رحيل نظام القذافي، لكن شيئاً من هذا لم يمنع القوات المسلحة من توجيه ضربات موجعة للعصابات التشادية، دفعتها للفرار باتجاه الحدود، فوقعت فريسة لمقاتلات الجيش الفرنسي قبل دخولها الحدود التشادية مع ليبيا.
وفضلاً عن الأحاديث المتواصلة عن الأطماع الفرنسية بإقليم فزّان التاريخي، ومساعيها لتوسيع نفوذها هناك، تبقى قضية تأمين الحدود المترامية مع 6 دول من الشواغل الكبرى، في ظل انقسام حاد بين الأفرقاء السياسيين تغذيه شبكة مصالح وفساد سبق وأوردها ديوان المحاسبة في تقاريره. غير أن عز الدين عقيل يتوقع أن مسألة تأمين الحدود «ستظل مؤجلة إلى حين انتهاء عمليات تطهير الجنوب من كل مصادر الخطر الذي تمثله الجماعات الإرهابية، والعصابات الإجرامية».
وذهب عقيل في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إلى أنه «عقب انتهاء العملية العسكرية في الجنوب، ستبدأ القيادة العامة في مفاوضات مع حكومات وجيوش الدول المجاورة لتفعيل ما سبق من اتفاقيات لحماية الحدود»، بالإضافة إلى «إبرام اتفاقيات تعاون أمني وعسكري، وتطوير ما يحتاج منها في ظل المستجدات الأمنية الإقليمية لمواجهة الجريمة المنظمة والعابرة للحدود».
ودعمت فرنسا لإنشاء «قوات دول الساحل الخمس العسكرية» التي تتألف من 5 آلاف عسكري، وتضم عسكريين من تشاد والنيجر وموريتانيا وبوركينافاسو ومالي، لتحقيق مشروع القوة الإقليمية المشتركة لمكافحة المجموعات المتطرفة في منطقة غرب أفريقيا. إلا أن هذا المشروع الذي سبق واتُفق عليه في العاصمة المالية باماكو، لم يحظَ بدعم أميركي أو أممي لتمويله.
- «جائزة» طرابلس
في أي حال، كل الرسائل التي تأتي من الشرق الليبي تحمل مضامين متشابهة، مفادها أن «القوات المسلحة انتصرت على جميع محاور القتال، ولم يتبقَ لها إلا القليل لحسم المعادلة لصالحها على الأرض، ومن ثم تكون السيطرة للجيش الوطني على كامل التراب الوطني. ومن بين تلك الأهداف المؤجلة التحرك باتجاه العاصمة لتحريرها من الميليشيات المسلحة، وهو ما عبر عنه القيادي بالجيش مرعي العرفي، بقوله إن القوات المسلحة «ستدخل طرابلس في الوقت المناسب، ودون قتال!».
ورأى محللون سياسيون أن تحرّك «الجيش الوطني» باتجاه مناطق جديدة لتطهيرها من «العناصر الإرهابية» ودحرها، سيوسع من نطاق نفوذه على الأرض، وينقص من رصيد حكومة «الوفاق الوطني» المعترف بها دولياً، ويحصرها، بل يضعها في مأزق. وهذا التحرك دفع ميليشيات العاصمة المُدرجة تحت اسم «قوة حماية طرابلس» إلى المسارعة بانتقاده ورفضه، حتى وصل الأمر بها إلى اتهام حفتر «بتدمير الجنوب، وتبديد ثرواته»، كما توعدت بمواجهة قوات الجيش إذا فكرت في دخول طرابلس. وكانت «قوة حماية طرابلس» قد أُسست في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وهي اتحاد بين مجموعات طرابلس المسلحة الرئيسية، أبرزها «قوة الردع الخاصة» وكتيبة «ثوار طرابلس»، وكتيبة «النواصي» و«الأمن المركزي - أبوسليم».
وفي ظل التخوف من تحرك الجيش باتجاه طرابلس، وتصاعد التحذيرات من عواقب هذه الخطوة، كان لرئيس حزب الائتلاف الجمهوري عز الدين عقيل رأي آخر، إذ قال إن «التوجه نحو طرابلس سوف يكون دون أدنى شك المحطة المقبلة للجيش»، مستكملاً: «كل المعطيات الآتية من العاصمة، تشير إلى قرب قيام عصيان مدني مسلح واسع بين شباب المدينة ضد الميليشيات التي تجثم على صدرها، بمجرد اقتراب الجيش من طرابلس».
أهمية هذه الخطوة بالنسبة للمؤسسة العسكرية، أرجعها عقيل إلى أن «طرابلس تعتبر التجمع الأكبر للقوى العسكرية المقهورة التي تشعر بالمهانة نتيجة طغيان الميليشيات على السكان ومقدرات الشعب ومقار وأسلحة الجيش التي نهبتها خلال السنوات الأولى لانتفاضة فبراير (شباط)». ويتوقع رئيس حزب الائتلاف الجمهوري «انضمام أكثر من 20 ألف عسكري إلى القوات المسلحة من داخل مدن الغرب بمجرد اقتراب الجيش من تخوم العاصمة ليعزز انتشاره في البلاد».
ومن جانب آخر، يُنظر للمجلس الرئاسي على أنه في مأزق، واضطرته الظروف إلى إقالة رئيس أركانه اللواء عبد الرحمن الطويل، وتعيين الفريق ركن محمد علي الشريف بدلاً منه، كما عيّن الفريق ركن سالم جحا، معاوناً لرئيس الأركان لشؤون التدريب، وذلك على خلفية تصريح للطويل رأى فيه أن الجيش الليبي «موحّد»، وأن «الخلاف بين الأطراف السياسية فقط»، متمنّياً في الوقت ذاته أن يجري التنسيق بين جميع وحدات الجيش بالمناطق الشرقية والغربية والجنوبية.
- مخاوف من «عسكرة ليبيا»
> رغم التداعيات على أرض الواقع، يظل هناك من يرى في غرب ليبيا أن توسيع «الجيش الوطني» تحركاته ليس إلا محاولة لـ«عسكرة ليبيا»، والتمكين لقائده خليفة حفتر، والسعي الحثيث للانقضاض على العاصمة طرابلس، لكن الأخير، الذي تخوض قواته، التي تقترب من 84 ألف ضابط وضابط صف وجندي، حروباً متواصلة منذ أن أعلن «عملية الكرامة» قبل قرابة 5 سنوات، تحدث غير مرة عن دعمه إجراء انتخابات ديمقراطية، لكنه أيضاً حذر من أن الجيش «سيجهض أي انتخابات إن لم تكن نزيهة».
وما بين الديمقراطية والنزاهة يبقى غرب البلاد عقبة كؤوداً وجائزة كبرى، أمام من يقرر خوض ماراثون الانتخابات الرئاسية المقبلة، لا سيما أنه يضم أكثر من 62 في المائة من عدد الناخبين، وهم الذين يحددون مَن يقود البلاد، إذا تم الاحتكام إلى صناديق الانتخابات وليس صناديق الذخيرة.
- غضبة قبيلة التبو... أحد أهم المكوّنات السكانية في الجنوب الليبي
> في هذه الأثناء، يبدي أفراد قبيلة التبو، في الجنوب الليبي، غضبهم من تشكيك البعض في انتمائهم للبلاد، فهم ينفون دائماً صلتهم بالمتمردين التشاديين، أو تقديم الدعم لهم، كما يتكتّمون على رفضهم العملية العسكرية التي يخوضها الجيش هناك، ويرون أنها «تهدد السلم الاجتماعي في منطقة حوض مرزُق».
وللعلم، ينتشر أفراد قبائل التبو ذوو البشرة الحنطية في منطقة تيبستي الجبلية الواقعة بين ليبيا وتشاد والنيجر. ويتعرضون للتهميش غالباً من القبائل العربية، في ظل وجود صراع مصالح ونفوذ في هذه المنطقة منذ إسقاط الرئيس الراحل معمر القذافي في عام 2011. ونقل ناشط سياسي، رفض ذكر اسمه لدواعٍ أمنية لـ«الشرق الأوسط»، أن «بعض شباب التبو قضوا في قتال قوات الجيش»، متعهداً: «سنواصل القتال ضد أي قوة تقتحم مناطقنا»، قبل أن يستدرك: «لسنا ضد الجيش بشكل عام، ونريد عودة الأمن إلى المنطقة، لكننا ضد تفتيت النسيج الاجتماعي».
يُذكر أنه تندلع اشتباكات من وقت إلى آخر، بين قبيلتي التبو غير العربية وأولاد سليمان العربية التي تقاتل في صفوف قوات الجيش، تسفر عن وقوع قتلى ومصابين. وسبق أن استخدم الرئيس الراحل معمر القذافي «التبو» في الماضي للتدخل في نزاعات في تشاد والنيجر، وبعد اندلاع انتفاضة فبراير. وتقع مدينة أوباري على بعد 900 كيلومتر جنوب طرابلس، ويقطنها قرابة 60 ألف نسمة (من التبو والطوارق والعرب) وتعد واحدة من أهم مدن منطقة حوض مرزُق، ويمثل التبو فيها جزءاً مهماً من النسيج الاجتماعي.
كذلك يقطن قرابة 50 ألف نسمة مرزُق، التي تتميز بقلعتها التي تعود إلى نحو 7 قرون مضت. وتحيط بالمدينة أشجار النخيل والمساجد التي تضم زوايا تحفيظ القرآن... وكانت تعد همزة وصل لنقل البضائع وكانت تمر فيها طرق التجارة قديماً من أقصى أفريقيا عبر الصحراء الليبية نحو الشمال.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.