مسؤول فلسطيني: نريد مساواة غزة بالضفة

مفاوضات القاهرة تستأنف اليوم.. والفلسطينيون يرفضون التدريج والتأجيل والحلول الأحادية

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يقرأ الفاتحة على أرواح الضحايا في غزة قبيل اجتماع تعقده القيادة الفلسطينية في رام الله أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يقرأ الفاتحة على أرواح الضحايا في غزة قبيل اجتماع تعقده القيادة الفلسطينية في رام الله أمس (أ.ف.ب)
TT

مسؤول فلسطيني: نريد مساواة غزة بالضفة

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يقرأ الفاتحة على أرواح الضحايا في غزة قبيل اجتماع تعقده القيادة الفلسطينية في رام الله أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يقرأ الفاتحة على أرواح الضحايا في غزة قبيل اجتماع تعقده القيادة الفلسطينية في رام الله أمس (أ.ف.ب)

أكد قيادي بارز في وفد التفاوض الفلسطيني في مباحثات القاهرة لوقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة أن الوفد سيعود إلى المفاوضات اليوم، وهو يحمل شعار «نريد حقوقنا كاملة»، وعدّ أن كل ما عُرِض حتى الآن على الوفد الفلسطيني «غير مقبول». وبينما وضعت إسرائيل مصالحها الأمنية شرطا للتوصل إلى تفاهمات، قالت مصادر مصرية مطلعة إن الجانب الفلسطيني، وخاصة من جهة حركة حماس يصر على تنفيذ مطالبه، وخصوصا رفع الحصار «بشكل فوري»، بينما يرتكز المقترح المصري على وضع آلية تضمن منع أي التباس مستقبلا بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، سعيا لحل دائم للأزمة.
ويستعد الإسرائيليون والفلسطينيون لاستئناف المفاوضات غير المباشرة بينهم، اليوم (الأحد)، في القاهرة، برعاية الجانب المصري لتمديد وقف إطلاق النار الذي ينتهي منتصف ليل الاثنين - الثلاثاء.
وقال القيادي في حركة فتح الدكتور فيصل أبو شهلا عضو الوفد الفلسطيني، إن الوفد يعود إلى مفاوضات القاهرة وهو يحمل شعار «نريد حقوقنا كاملة»، وأكد لـ«الشرق الأوسط»: «ما عُرِض علينا حتى الآن غير مقبول». وأضاف: «هناك أسس لا أحد مستعد لأن يتنازل عنها، موقفنا واضح، يجب رفع الحصار وفتح المعابر من دون قيود، ولا أحد يمس سلاح المقاومة، لأننا شعب تحت الاحتلال، ويجب وقف نزيف الدم والعدوان الإسرائيلي على شعبنا برا وبحرا وجوا، إضافة إلى كل الاجتياحات وحتى طائرات الاستطلاع».
وشدد أبو شهلا، قبل اجتماع موسع للقيادة الفلسطينية في رام الله، برئاسة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، خُصّص للتشاور حول مفاوضات القاهرة، على أن الوفد الفلسطيني «رفض كل المحاولات الإسرائيلية من أجل وضع اتفاقات جديدة، بما في ذلك موضوع السلاح، إضافة إلى القيود المزدوجة والتدرج في الحلول». وأضاف: «قلنا لهم: يوجد في فلسطين ولاية واحدة ومكتملة ولدينا حكومة وحدة واحدة، والانقسام انتهى، وما يُطبّق في الضفة يجب أن يطبق في غزة».
وحول عوائق الاتفاق، أوضح القيادي الفلسطيني أن أولى العوائق «محاولة التدرج (في تنفيذ الحلول) وهي مرفوضة، كذلك إسرائيل تطلب ضوابط واتفاقيات جديدة، ونحن نرفض وجود أي ضوابط على الاتفاقيات أو وضع اتفاقيات جديدة». وتابع: «إسرائيل تريد أن تجرنا إلى اتفاقيات جديدة، تحاول أن تضع اتفاقيات مختلفة عن السابقة، مثلا تريد عدّ مواد البناء مزدوجة الاستعمال، تريد أن نراقب الإسمنت، رفضنا ذلك، وقلنا: الذي يطبق في الضفة يجب أن يطبق في غزة، هذه ولاية واحدة».
ومضى يقول: «نريد تطبيق الاتفاقيات، نريد أن تلتزم إسرائيل بالاتفاقيات السابقة، التي وقعتها مع السلطة».
وحول اقتراح تأجيل البحث في مسألتي المطار والميناء، قال أبو شهلا: «هذا مرفوض، وأنا أتحدث باسم الوفد الفلسطيني كله، مطار عرفات الدولي كان قائما واستقبل (الرئيس الأميركي الأسبق) بيل كلينتون، ووضعنا حجر الأساس للميناء، لا نريد إذنا جديدا لبناء المطار وإقامة الميناء، نريد الاتفاق على تشغيلهما، وهذا حقنا». وأضاف: «تشغيل المطار والميناء حقنا، والبحر حقنا، والصيد لمسافة 12 ميلا حقنا، و20 ميل مياه إقليمية حقنا، وأرضنا الزراعية حقنا (الشريط العازل).. قلنا لهم: ما لكم بها؟!».
وأكد أبو شهلا: «في كل هذه الأمور رفضنا الحلول الوسط».
ولم يعطِ أبو شهلا تقييما إلى أي حد يمكن أن تنجح الجولة المقبلة من المفاوضات، لكنه قال إن «الإخوة المصريين يبذلون جهدا كبيرا لتقريب وجهات النظر، ووقف نزيف الدم، وإعادة الحقوق لأصحابها. الدور المصري مقدَّر، ولم يضغطوا علينا، وهذا قرارنا. وسنرى».
ورفض أبو شهلا القبول بفكرة «الهدوء مقابل الهدوء»، وقال: «هذا هو الموقف الإسرائيلي. إنهم يريدون جرنا إلى الهدوء مقابل الهدوء، وأن يتحكموا في المعابر. نحن نرفض أي حل من جانب واحد، وتضحيات الشعب الفلسطيني ليست بسيطة، وما قدمه لا يجوز ولا يسمح لنا ولا لا أي أحد بأن يتجاوزه، ورفع الحصار سيكون بداية على طريق إنهاء الاحتلال». وتابع: «ما سنتوصل إليه تفاهمات على طريق اتفاق نهائي ينهي الاحتلال. الثمن الكبير الذي دفعه شعبنا لا يقابله إلا إنهاء الاحتلال».
وتكشف تصريحات أبو شهلا عن الموقف الذي يحمله الوفد الفلسطيني العائد للقاهرة اليوم.
وفي القاهرة، أوضحت مصادر مصرية مطلعة أن المفاوضات ستُستأنف اليوم، بالتزامن مع وصول الوفدين، وذلك في ظل الهدنة الأخيرة التي تنتهي مع انتصاف ليل غد (الاثنين).
وأشارت إلى أن القاهرة في انتظار عودة الطرفين بردود على البنود المطروحة على طاولة المفاوضات، وخاصة فيما يتعلق بآليات عمل الميناء والمطار في القطاع، وهي أبرز المسائل العالقة بين الوفدين المتفاوضين.
وأوضحت أن الجانب الفلسطيني، خاصة من جهة حماس، يصر على أن يكون تنفيذ تلك المقترحات بشكل فوري، في إطار فك تام للحصار عن القطاع، بينما يسعى المقترح إلى البحث عن آلية تضمن منع أي التباس مستقبلا بين الجانبين؛ الفلسطيني والإسرائيلي، سعيا لحل دائم للأزمة.
ويرى الجانب المصري أن «المفاوضات صعبة، ولكنها ليست مستحيلة»، وذلك في ظل الإصرار المتبادل بين الطرفين على تحقيق مطالبه دون تنازل، أو النظر إلى الصورة بشكل أشمل يضمن أمن المدنيين العزل بصورة مستديمة.
وأوضحت أن ما تحقق خلال الأسابيع الماضية من تفاهمات «هو في حد ذاته إنجاز؛ نأمل أن يُكلل باتفاق شامل. وذلك بالنظر إلى الوضع قبلها، حيث يجلس الطرفان في الأيام الحالية بالفعل إلى مائدة مفاوضات (رغم كونها غير مباشرة)، وهو الأمر الذي كان عصيا على التحقق خلال السنوات الماضية».
وحول ما إذا كان هناك خطط لتمديد الهدنة الحالية، في حال عدم التوصل إلى اتفاق بين الوفدين، دعت المصادر المصرية إلى عدم استباق الأحداث، وأوضحت: «هدفنا هو الوصول إلى اتفاق، ولدينا دائما خطط احتياطية، لكن لا يجوز الكشف عنها مسبقا».
وتشرف عدة جهات مصرية على المباحثات الخاصة بقطاع غزة في القاهرة، حيث تتواصل الخارجية المصرية مع الجهات الإقليمية والعربية والغربية للتنسيق، فيما تشرف المخابرات العامة على اللقاءات مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، كل على حدة.
ويرى مراقبون أن مصر والجهات الدولية التي تعمل على حلحلة الأزمة، يلجأون إلى سياسة «إذابة الفوارق في وجهات النظر واحدة تلو الأخرى، وليس جملة»، مستخدمين ما لديهم من أوراق «ترغيب وضغط» على الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، من أجل إيجاد حل نهائي وشامل.
وكانت مصر عرضت على الأطراف ورقة توافقية تنص على وقف الأعمال العدائية من الطرفين، وفتح المعابر بما يحقق إنهاء الحصار وحركة الأفراد والبضائع، ومستلزمات إعادة الإعمار طبقا للضوابط التي يتفق عليها بين السلطات الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية، وقيام السلطات الإسرائيلية بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية بشأن الموضوعات المالية المتعلقة بقطاع غزة، وإلغاء المنظمة العازلة على حدود غزة بانتشار قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية على مراحل، وتوسيع منطقة الصيد البحري على مراحل، والعودة إلى استكمال المفاوضات خلال شهر من تاريخ الاتفاق، بشأن موضوعات تبادل الأسرى والجثامين بين الطرفين، وبحث أسلوب إنشاء وتشغيل المطار والميناء البحري في قطاع غزة، طبقا لاتفاقية أوسلو والاتفاقيات الموقعة.
ولم تحصل الصيغة على موافقة الوفد الفلسطيني الذي غادر القاهرة الخميس عائدا إلى رام الله والأردن وغزة وقطر ولبنان، بعد توقيعه اتفاق هدنة جديدة تستمر خمسة أيام.
وأجرى أعضاء الوفد على مدار اليومين الماضيين مشاورات إضافية، كل مع قيادته، من أجل وضع ورقة متفق عليها. وتطابقت تصريحات مسؤولين آخرين في الوفد الفلسطيني مع تصريحات أبو شهلا في التمسك بالمطالب الفلسطينية.
وكتب عضو الوفد المفاوض بالقاهرة عن حركة حماس القيادي موسى أبو مرزوق، على «فيسبوك»، أن «من ينتصر على حدود غزة، لن يستجيب لشروط الاحتلال بالمفاوضات». وأضاف: «من ينتصر على حدود غزة ويمنع جنود الاحتلال من العبور، ويجبرهم على الانسحاب قبل وقف إطلاق النار، لن يستجيب لشروط الاحتلال على طاولة المفاوضات».
وأكد القيادي في حماس، إسماعيل رضوان، أن «الحركة ترفض تأجيل البحث في موضوعي الميناء والمطار إلى ما بعد شهر من توقيع الاتفاق النهائي لوقف إطلاق النار».
وقال: «حماس ستواصل مشاوراتها مع جميع الفصائل للوصول إلى ورقة موحدة تقدم للجانب المصري، الذي سيعرضها بدوره على الوفد الإسرائيلي».
وفي إسرائيل، كان المجلس الوزاري المصغر (الكابنيت)، أوصى الوفد المفاوض الإسرائيلي بتغليب المصلحة الأمنية الإسرائيلية على ما سواها. وأوضح مسؤول إسرائيلي أن الطاقم الإسرائيلي المفاوض تلقى تعليمات من المستوى السياسي تقضي بوجوب الحفاظ على المصالح الأمنية الإسرائيلية شرطا للتوصل إلى تفاهمات.
وقالت الخارجية الإسرائيلية، أمس، إن إسرائيل تولي أهمية للمبادرة المصرية لتثبيت تهدئة طويلة الأمد ومستقرة في قطاع غزة، مثلها مثل الاتحاد الأوروبي.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.