الرئيس العراقي: إصلاح علاقاتنا الخليجية من أولوياتي.. وسأقوم بمبادرات مع السعودية

معصوم يخص {الشرق الأوسط} بأول حديث صحافي منذ تسلمه الرئاسة.. ويكشف ملابسات تكليف العبادي

الرئيس فؤاد معصوم
الرئيس فؤاد معصوم
TT

الرئيس العراقي: إصلاح علاقاتنا الخليجية من أولوياتي.. وسأقوم بمبادرات مع السعودية

الرئيس فؤاد معصوم
الرئيس فؤاد معصوم

أكد الرئيس العراقي الدكتور فؤاد معصوم أنه كان واثقا من سلامة موقفه القانوني من تكليف حيدر العبادي لتشكيل الحكومة، لا سيما بعد اتساع دائرة المشاورات مع مختلف الأطراف السياسية.
وقال معصوم في حوار شامل مع «الشرق الأوسط»، وهو أول حديث له لوسيلة إعلام عربية أو أجنبية بعد تسلمه منصبه رئيسا لجمهورية العراق في 24 يوليو (تموز) الماضي إنه بعد أدائه اليمين الدستورية أمام أعضاء البرلمان شعر بحمل ثقيل على كاهله وواجهته أول قضية خلافية وهي تكليف مرشح الكتلة الأكبر.
وأعرب الرئيس معصوم عن سعادته بالتأييد الإقليمي له خاصة من المملكة العربية السعودية، معربا عن اعتقاده بأن البرقيات التي تلقاها بهذا المعنى ستشكل أرضية جيدة للتواصل وتقوية هذه العلاقات، كاشفا عن نيته القيام بمبادرات وصولا إلى تحقيق ذلك. وفيما يلي نص الحوار:

* الكثيرون يرون أنكم اجتزتم بصمت أهم أزمة قد تكون مرت بها العملية السياسية وهي تكليف رئيس للحكومة.. كيف جرى اتخاذ هذا القرار؟
- بعد أداء اليمين الدستورية في مجلس النواب شعرت بحمل ثقيل على كاهلي. وكان ترشيح السيد نوري المالكي جاهزا من أول يوم، لكنني ارتأيت أن أستأنس بآراء الآخرين فاتسعت دائرة المشاورات مع الأخذ بعين الاعتبار موقف المرجعية الدينية، إذ إن رأي المرجعية مهم جدا في مثل هذه القضايا الحساسة. وبحسب خبرتي المتواضعة فإن المرجعية دائما هي مع مبدأ التوافق والالتزام بالدستور. وعند وصول الكتل السياسية إلى توافق سياسي اتخذت القرار بتكليف الدكتور حيدر العبادي بتشكيل الوزارة الجديدة. وأود أن أشير إلى أنني في كل تلك الفترة التزمت الصمت إلى حين اتخاذ القرار.
* لماذا التزمتم الصمت؟
- التزمت جانب الصمت ولم أطلق أي تصريح لا بشكل مباشر أو غير مباشر حتى لا يتدخل الإعلام في الاختيار أو القرار.
* أنت واحد من أهم صانعي الدستور العراقي.. كيف تقيم تنازل المالكي عن رئاسة الوزراء بعد أن اعتبر أن خرقك للدستور أخطر من انتكاسة الموصل؟
- السيد المالكي دافع عن موقفه في محاولة منه لتجديد رئاسته لمجلس الوزراء، وهذا من حقه، لكنه في الأخير قبل بالقرار الذي اتخذناه وأيد تكليف العبادي وكان ذلك خطوة جيدة للحفاظ على التوافق الذي هو أساس بناء العملية السياسية في العراق. وأنا واثق من أنه لم يكن هناك أي خرق للدستور.
* إلى أي مدى كنت واثقا من سلامة موقفك القانوني وأنت توقع على كتاب تكليف العبادي رغم الضغوط الهائلة التي مورست عليكم طوال 12 ساعة ربما هي الأخطر؟
- لو لم يكن موقفي مبنيا على أسس دستورية لما كنت أصدرت قرار التكليف، وربما كان هناك من يفسر القرار بشكل آخر، لكن كنت مقتنعا بسلامة موقفي واتخذت قراري بموجب هذه القناعة، ثم أنني أحد كتاب الدستور العراقي ومثلما رأيتم فإن القرار لاقى ترحيبا وطنيا وإقليميا ودوليا لم نكن نتوقعه، وعلق كثير من خبراء القانون والدستور على سلامة موقفي.
* لكن سيادة الرئيس كان لائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي رأي آخر؟
- أود الإشارة هنا إلى أن دائرة مشاوراتي اتسعت لتشمل ائتلاف دولة القانون أيضا. وكان هناك من بين ائتلاف دولة القانون من هم ليسوا مع ترشيح المالكي. وبالإضافة إلى مختلف الآراء كان هناك نقاش معمق، فضلا عن إننا لم نسمع بأن ائتلاف دولة القانون خرج من التحالف الوطني. كما أن ترشيح العبادي لمنصب نائب رئيس البرلمان جرى عن طريق التحالف الوطني، وبالتالي لم يكن ممكنا تشكيل حكومة من دون التحقق من الأجواء المحيطة بكل ذلك، ولو كان الأمر يتعلق بالعلاقات والصداقات الشخصية لكنت قد كلفت المالكي بالمنصب.
* هل تأثرت علاقتك الشخصية بالمالكي التي كانت توصف بأنها متميزة ربما من أيام منحه شهادة الماجستير حيث كنت رئيسا للجنة المناقشة، لا سيما أنه طالب بإحالتك إلى القضاء بتهمة خرق الدستور والحنث باليمين؟
- علاقتي مع المالكي تعود إلى أوائل التسعينات من القرن الماضي واستمرت الصداقة بيننا. ومن جانبي سأحافظ على هذه الصداقة. وعلى إثر إلقاء كلمته التي تنازل بموجبها عن رئاسة الوزراء التي أيد فيها تكليف العبادي كتبت له مهنئا على هذه المبادرة وكان جوابه رقيقا. فالعلاقات الشخصية شيء والمصلحة العامة شيء آخر. وحتى لو اختلفنا اليوم سنلتقي غدا، وهذه هي سنة الحياة.
* لأول مرة يجري اختيار الرئاسات الثلاث في العراق ليس من خلال السلة الواحدة بل عبر انتخابات عبر كل كتلة.. إلى أي مدى سيمنح هذا الخيار الحرية للرئيس المنتخب من كتلته بدلا من مبدأ التوافق؟
- أعتقد أن ذلك خطوة جيدة وإيجابية لأن الرئيس الذي لا يكون مقبولا من كتلته ويعتمد فقط على أصوات الكتل الأخرى يشعر في قرارة نفسه بالضعف، ولكن ليس معنى ذلك أن يكون جزءا من كتلته ويفضل مصالحها على المصالح العامة. فرئيس الجمهورية هو رئيس كل العراق، ورئيس مجلس النواب هو رئيس كل الكتل، ورئيس مجلس الوزراء هو رئيس مجلس وزراء كل العراق.
* ما أولويات الرئيس فؤاد معصوم؟ وكيف يمكن لرئيس الجمهورية السهر على تطبيق دستور مختلف عليه من ديباجته حتى المادة 142؟
- من أولوياتي الالتزام بالدستور وحمايته من أي خرق قد يحصل من أي مؤسسة داخل الدولة، ثم العمل على توفير الأجواء الملائمة والهادئة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، إذ إن الشعب العراقي صوّت على الدستور بأغلبية ساحقة. نعم قد يكون تفسير مواده يختلف من جهة إلى أخرى أو حتى من شخص إلى آخر، إلا أن الدستور ملزم للجميع والمحكمة الاتحادية هي الجهة التي لها الحق في تفسير مواده.
* انطلق الآن قطار تشكيل الحكومة الجديدة.. هل لديك خريطة طريق أو تصورات بشأنها؟
- نعم، لدي بعض التصورات بهذا الشأن سأقدمها لاجتماعات الأطراف السياسية في مداولاتها لتشكيل الحكومة منها: تشكيل مجلس وطني للسياسات العليا يضم الرئاسات الثلاث وزعماء الكتل ويكون ذلك جزءا من اتفاقية الائتلاف الحاكم. كما أدعو إلى تشكيل مجلس الدفاع الأعلى يشمل بالإضافة إلى الرئاسات الثلاث وزراء الدفاع والخارجية والمالية وقادة الأسلحة وأيضا زعماء الكتل المؤتلفة لأن إعادة تشكيل الجيش والأجهزة الأمنية ليست مهنية صرفة بل هي سياسية ومهنية معا. وأرى أيضا ضرورة تشكيل مجلس الإعمار لأن أغلب المشاريع العملاقة نفذت في العهد الملكي من خلال مجلس الإعمار ثم جرت فكرة إعادة تشكيله إلا أنها بقيت مجرد فكرة. ومن الأولويات أيضا التي نرى أن تقوم بها الحكومة هي إصدار عفو عام يقرره البرلمان وكذلك تفعيل هيئة النزاهة وفق السياقات الأصولية وقد تعديل بعض مواد قانونها لأن الفساد استشرى بشكل رهيب.
* كيف تنظر إلى التوافق الداخلي والإقليمي والدولي بشأن اختيار رئيس الوزراء؟ وكيف يمكن استثماره للانطلاق باتجاه الشروع ببناء مؤسسات الدولة الثابتة وترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات؟
- أشعر بارتياح كامل حيال التوافق الداخلي الحاصل الآن وهو الأساس لأن المرحلة التي نمر بها بحاجة إلى مثل هذا التوافق وكذلك التوافق الإقليمي والدولي، وهذا يعني الانطلاق بإعادة النظر في مؤسسات الدولة وترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات ثم العمل على تقوية العلاقات مع الدول المجاورة والدول العربية والدول الصديقة ومختلف دول العالم على أساس المصالح المشتركة. فعلى العراق أن ينفتح على الجميع ويعمل في هذا الاتجاه.
* كيف تنظر إلى الموقف الخليجي في دعمكم ودعم تكليف العبادي؟ وهل لديكم خطة لاستثمار هذا الدعم، خصوصا وأن علاقات العراق الخليجية ولا سيما مع المملكة العربية السعودية كانت ملتبسة طوال السنوات الماضية؟
- علاقات العراق مع بعض دول الخليج العربي جيدة بشكل عام. ولكن بالفعل التأييد الذي حصلنا عليه من خلال برقيات الدعم لا سيما من المملكة العربية السعودية أعتقد أنها ستشكل أرضية جيدة للتواصل وتقوية هذه العلاقات لأنني أرى أن هناك ترابطا جدليا بين العراق ودول الخليج. ونود تحديدا أن تكون علاقات العراق مع المملكة علاقات متينة ودائمة ومتطورة وسنعمل على ذلك في القريب العاجل.
* ما الخطوة الأولى التي يمكن أن تقومون بها؟
- سوف نقوم باتصالات ومبادرات وستجرى لقاءات بين المسؤولين السعوديين ونظرائهم العراقيين وعلى كل المستويات خلال انعقاد دورة الأمم المتحدة الشهر المقبل. وأعتقد أننا نعيش الآن خطرا مشتركا هو خطر الإرهاب وما بات يمثله تنظيم «داعش» من خطر على الجميع يستوجب التنسيق وعلى كل المستويات.
* أنت رفيق درب الرئيس السابق جلال طالباني.. والآن أنت تخلفه في رئاسة الدولة وثاني كردي يتولى الرئاسة الأولى في العراق.. هل ستكون امتدادا له أم أن لك طريقة أخرى مختلفة في الحكم؟
- الرئيس جلال طالباني شخصية تاريخية متميزة تجعل المرء يعجب به، وهو تولى رئاسة الجمهورية لدورتين متتاليتين وخلال عمله في هذا الموقع كان صمام أمان وذا قدرة عجيبة على تشخيص النقاط المشتركة بين الأطراف السياسية المختلفة، بحيث يركز عليها وصولا إلى حل الاختلافات. شخصيا رافقته بشكل مستمر منذ تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1975 وأتمنى أن أكون ذلك الصمام وأعمل من أجل تقريب وجهات النظر حفاظا على وحدة العراق الاتحادي الديمقراطي.
* هناك من يرى أن منصب رئاسة الجمهورية يفضل أن يتولاه شخصية عربية سنية.
- المناصب السيادية ليست حكرا على مكونات بعينها، لكن العرف الحالي جرى بهذا الشكل وربما في يوم من الأيام نصل إلى مرحلة يكون فيها التعامل مع المناصب على أساس المواطنة وليس على أساس المكونات.
* العلاقة المعقدة بين بغداد وإقليم كردستان كيف يمكن البحث عن حلول لها؟ وهل لديك خطة لإخراجها مما هو شخصي وإعادتها في الأقل إلى السكة الدستورية؟
- أعتقد أن الحوار والجلوس على مائدة واحدة سيكون كفيلا بحل المشكلات العالقة بين بغداد والإقليم على أساس التزام الطرفين بالدستور. هناك وفد من الإقليم سيزور بغداد قريبا من أجل استئناف الحوار بين الطرفين لإيجاد حلول للقضايا العالقة ومن جانبي سأعمل على تقريب وجهات النظر إلى أقصى حد ممكن.
* هل تؤيد أن تكون سيدة أحد نواب رئيس الجمهورية؟
- أؤيد ذلك بقوة ولكن الأمر متروك للكتل، هي التي ترشح ويخضع هو الآخر إلى مبدأ التوافق.
* العراقيون يتداولون طرفة الآن مفادها أنه طالما أن رئيس الجمهورية أزهري (معصوم حاصل على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية من جامعة الأزهر) ورئيس البرلمان (سليم الجبوري) من الحزب الإسلامي ورئيس الوزراء المكلف (حيدر العبادي) من حزب الدعوة الإسلامي فهل يتعين على الشعب العراقي الهجرة إلى الحبشة؟
- (ضاحكا): أنا علماني!



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.