كوهين يتهم الرئيس الأميركي بـ«الخداع»

زعم أن ترمب أمره بتهديد مدارسه السابقة لإخفاء نتائجه الأكاديمية

كوهين يدلي بشهادته أمام لجنة الإشراف والإصلاح في الكونغرس أمس (رويترز)
كوهين يدلي بشهادته أمام لجنة الإشراف والإصلاح في الكونغرس أمس (رويترز)
TT

كوهين يتهم الرئيس الأميركي بـ«الخداع»

كوهين يدلي بشهادته أمام لجنة الإشراف والإصلاح في الكونغرس أمس (رويترز)
كوهين يدلي بشهادته أمام لجنة الإشراف والإصلاح في الكونغرس أمس (رويترز)

وصف مايكل كوهين موكّله السابق، الرئيس دونالد ترمب، بأنه «محتال» و«مخادع» و«عنصري»، في شهادة أمام الكونغرس الأميركي، أمس، هي الثانية بعد جلسة سرية، الثلاثاء، أعرب خلالها عن «خجله» من العمل لصالح ترمب لمدة عشر سنوات.
وجاءت تصريحات كوهين في أثناء شهادته أمام لجنة الإشراف والإصلاح، في الوقت الذي يستعد فيه الكونغرس لتلقي التقرير النهائي للتحقيق في مزاعم تواطؤ حملة ترمب مع روسيا. وتزامنت هذه الشهادة التي نقلتها قنوات أميركية وعالمية، مع قمة ترمب الثانية مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون في هانوي.
وقال كوهين المحكوم عليه بالسجن ثلاث سنوات بعد إدانته بجرائم مالية والكذب على الكونغرس، إن ترمب أعطاه تعليمات لدفع أموال لستورمي دانيلز التي زعمت إقامة علاقة مع ترمب، وإنه كان يعلم مسبقاً في 2016 أن «ويكيليكس» ستنشر معلومات تضر بهيلاري كلينتون. وأضاف أن ترمب طلب منه التفاوض لبناء «برج ترمب» في موسكو خلال الحملة الانتخابية في 2016، رغم نفي الرئيس مراراً وجود أي علاقات تجارية مع الروس. وقال كوهين إن ترمب أوعز إليه بشكل مبطّن بالكذب بشأن المشروع المربح، وأن محامي البيت الأبيض «راجعو ودققوا» في شهادته في 2017، عندما كذب على أعضاء الكونغرس بشأن مفاوضات «برج ترمب».
وفي مقابل مزاعمه، ذكر كوهين (52 عاماً) الذي اعتذر لكذبه على الكونغرس والشعب الأميركي في السابق، أنه ليست لديه أدلة مباشرة على أن ترمب أو حملته الانتخابية تواطأت مع الروس، وهي قضية تشكل محور التحقيقات التي تجريها وزارة العدل والكونغرس. وقال كوهين أمام اللجنة إنه يشعر بـ«الخجل» لعمله محامياً شخصياً لترمب لمدة عشر سنوات، وليحل له «المشكلات الحساسة». وأضاف: «أشعر بالخجل لأنني أعرف من هو ترمب. إنه عنصري ومحتال ومخادع». وتابع: «اليوم، أنا هنا لأخبركم الحقيقة عن ترمب».
واعتبر رئيس اللجنة الديمقراطي إيلايجا كامنغز، شهادة كوهين «مقلقة للغاية، ويجب أن تثير قلق جميع الأميركيين». وأضاف أن «شهادته ساخنة جداً، وأعتقد أنها بداية عملية استجواب للرئيس بهدف عزله»، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية.
ونأى ترمب بنفسه، أمس، عن مايكل كوهين قائلاً في تغريدة إنه كان «واحداً من بين العديد من المحامين الذين مثّلوني (للأسف)». وتابع ترمب من هانوي، حيث يعقد قمة مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، أن كوهين «يكذب ليخفّض مدة سجنه»، مضيفاً أن كوهين مُنع من ممارسة المحاماة في ولاية نيويورك لأنه كذب أمام الكونغرس.
وكانت جلسة أمس أمام لجنة الإشراف في مجلس النواب، الذي سيطر عليه الديمقراطيون في الانتخابات الأخيرة، الجلسة العلنية الوحيدة بين ثلاث جلسات. وأمضى كوهين، أول من أمس، ثماني ساعات في جلسة مغلقة مع لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ التي تحقق في التدخل الروسي المزعوم في انتخابات 2016.
أما اليوم، فيمْثل كوهين أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ للحديث عن المسألة الأكثر حساسية، وهي تواصل فريق ترمب مع الروس خلال الحملة الانتخابية في 2016 واحتمال وجود تواطؤ بين الطرفين من أجل هزيمة هيلاري كلينتون، وهو ما ينفيه كل من ترمب وموسكو بشدّة.
واستُقبلت شهادة كوهين بوابل من الهجمات من الجمهوريين، خصوصاً بعد أن قدم بعض المستندات والأدلة في اللحظات الأخيرة قبل انطلاق الجلسة. وتضمّنت المستندات التي تم عرضها صورة من الشيك الذي وقّعه ترمب بخط يديه لتعويض مايكل كوهين عن المبالغ المالية التي دفعها من حسابه الشخصي لستورمي دانيلز، بهدف شراء صمتها، وكشوفات مالية سابقة لترمب لمدة ثلاث سنوات، فضلاً عن بعض تغريدات الرئيس ورئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، وبعض تعليقاته في الصحف والمحطات الإعلامية.
وأكد كوهين أن ترمب أمره بدفع مبلغ 130 ألف دولار إلى ستورمي دانيلز من حسابه الخاص، حتى يصعب تعقب مصدر المبالغ وربطها بترمب، مشيراً إلى أن الرئيس وعده بتعويضه عن هذه المبالغ، وأنه أثار هذا التعويض في أول زيارة قام بها كوهين للمكتب البيضاوي. إلى ذلك، كشف كوهين أن ترمب أمره بتهديد المدارس والكلية التي ارتادها خلال مسيرته الأكاديمية، حتى لا يتم الكشف عن درجاته الدراسية و«مستوى ذكائه» خلال فترة الدراسة، بما قد يؤثر على حملته الانتخابية. واستعرض كوهين صورة من الخطابات التي أرسلها إلى المدارس والكلية.
كما تحدّث كوهين عن استغلال ترمب مؤسسته الخيرية لتحقيق مكاسب غير مشروعة والتهرب من الضرائب، وقدم كوهين مستنداً يُظهر أن ترمب دفع مبالغ مالية من حساب المؤسسة لشخص ما في مزاد وهمي حتى يخفف من قيمة الضرائب، فيما يُنسب إلى نفس رصيد الأعمال الخيرية التي تُظهرها أرقام الحسابات المالية للمؤسسة، وذلك بهدف «الترويج والتسويق لدونالد ترمب».
وجاءت أهم لحظات الشهادة عندما كشف مايكل كوهين عن أن «ترمب طلب منه الكذب على الكونغرس في ما يتعلق بالمفاوضات مع روسيا لبناء برج ترمب في موسكو»، مشيراً إلى أن «المفاوضات استمرت لأشهر بعد الانتخابات الرئاسية وإعلان فوز ترمب». وقال إن «ترمب سأله ست مرات عن نتيجة المفاوضات مع روسيا خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى يونيو (حزيران) 2017». وأوضح أن «ترمب كذب حول المفاوضات مع روسيا، لأنه لم يتوقع أنه سيفوز بالانتخابات الرئاسية».



«إنفيديا» تحقق مع رئيسها بعد اعترافه بعلاقة عاطفية مع جاسوسة صينية

جنسن هوانغ (أ.ف.ب)
جنسن هوانغ (أ.ف.ب)
TT

«إنفيديا» تحقق مع رئيسها بعد اعترافه بعلاقة عاطفية مع جاسوسة صينية

جنسن هوانغ (أ.ف.ب)
جنسن هوانغ (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «إنفيديا»، الأحد، فتح تحقيق بشأن رئيسها التنفيذي وأحد مؤسسيها، جنسن هوانغ، بعدما أقرّ أمام مجلس إدارة الشركة بإقامة علاقة حميمة مع مسؤولة تنفيذية، خلصت أجهزة الاستخبارات الأميركية إلى أنها جاسوسة تعمل لصالح الصين، وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز».

وأصبحت علاقة هوانغ بالمرأة، التي تُدعى أليس هوانغ، موضع قلق لدى الحكومة الأميركية، بعدما كشفت عمليات مراقبة أنها كانت تنقل معلومات مباشرة إلى بكين. وأثار هذا الكشف تساؤلات مقلقة، نظراً إلى أن هوانغ يُعدّ أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في ثورة الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن كونه حليفاً نافذاً للرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وفي رسالة إلى الشركة، قدّم هوانغ اعتذاره، قائلاً: «لقد خنت زوجتي. وتسببت تصرفاتي في إيذائها وإيذاء أطفالنا. لا عذر لما فعلته، وأنا آسف بشدة».

وقال مجلس إدارة «إنفيديا» إنه «لا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الأمن القومي أو أسرار (إنفيديا) قد تعرّضت للخطر»، لكنه أكد أن «تحقيق المجلس سيفحص جميع المعلومات المتاحة». وأضاف أن هوانغ «يدعم المراجعة بالكامل، وقد تعهّد بالتعاون معها».

وأوضح مجلس الإدارة أن هوانغ، البالغ من العمر 63 عاماً، سيواصل قيادة الشركة خلال فترة التحقيق.

وبصفته أحد مؤسسي «إنفيديا»، أرسى هوانغ هيكلاً إدارياً فريداً داخل الشركة، يتيح له التحكم في جميع جوانب أعمالها، مع إشرافه المباشر على نحو 60 مسؤولاً يرفعون تقاريرهم إليه.

جنسن هوانغ (أ.ف.ب)

وقال جون ريتزو، المتحدث باسم الشركة: «لن تؤدي أخبار اليوم إلى إبطاء أعمال (إنفيديا). وجنسن ملتزم بمواصلة قيادة الشركة بصفته رئيساً تنفيذياً من دون انقطاع».

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد أفادت الشهر الماضي بأن أجهزة الاستخبارات الأميركية اكتشفت أن هوانغ أقام علاقة وثيقة مع مواطنة صينية تعمل في شراء الرقائق الإلكترونية، وخلص مسؤولون أميركيون إلى أنها كانت تجمع معلومات استخباراتية لصالح بكين.

وتُعرف هذه المسؤولة باسم أليس هوانغ، أو هوانغ لي، وتشير سيرتها الذاتية إلى أنها عملت مراسلة تلفزيونية في الصين قبل أن تصبح مسؤولة تنفيذية بارزة في شركة لمراكز البيانات مقرها سنغافورة، تحوّلت إلى أحد أكبر عملاء «إنفيديا» في جنوب شرقي آسيا.

واشترت الشركة رقائق إلكترونية بقيمة تجاوزت 4.8 مليار دولار خلال العامين الماضيين.

وواصلت «إنفيديا» تعاملاتها التجارية مع شركة «ميغاسبيد»، التي تعمل فيها هوانغ، حتى بعدما كشفت «نيويورك تايمز» العام الماضي أن وزارة التجارة الأميركية كانت تحقق في احتمال مساعدة الشركة للصين على تهريب رقائق الذكاء الاصطناعي الخاضعة لقيود التصدير.

ولا تربط أي صلة قرابة بين جنسن هوانغ وأليس هوانغ.

وكانت «إنفيديا» وهوانغ قد أكدا في البداية عدم وجود أي أمر مثير للقلق أو غير اعتيادي في علاقته بالمسؤولة الصينية.

وفي مقابلة مع وكالة «بلومبرغ» الشهر الماضي، قال هوانغ إن تواصله مع أليس هوانغ كان «مرتبطاً بشركة ميغاسبيد، وكان طبيعياً تماماً ولا ينطوي على أي شيء غير معتاد».

* خدمة «نيويورك تايمز»


عندما تتفاعل الأزمات الاقتصادية في بيئة من الصراعات الدولية

خريطة تظهر خط «نورد ستريم 2» الذي كان سيُنقل الغاز الروسي عبر أنابيبه إلى أوروبا تحت مياه بحر البلطيق... لكنه فُجّر في 26 سبتمبر (أيلول) 2022 (أ.ف.ب)
خريطة تظهر خط «نورد ستريم 2» الذي كان سيُنقل الغاز الروسي عبر أنابيبه إلى أوروبا تحت مياه بحر البلطيق... لكنه فُجّر في 26 سبتمبر (أيلول) 2022 (أ.ف.ب)
TT

عندما تتفاعل الأزمات الاقتصادية في بيئة من الصراعات الدولية

خريطة تظهر خط «نورد ستريم 2» الذي كان سيُنقل الغاز الروسي عبر أنابيبه إلى أوروبا تحت مياه بحر البلطيق... لكنه فُجّر في 26 سبتمبر (أيلول) 2022 (أ.ف.ب)
خريطة تظهر خط «نورد ستريم 2» الذي كان سيُنقل الغاز الروسي عبر أنابيبه إلى أوروبا تحت مياه بحر البلطيق... لكنه فُجّر في 26 سبتمبر (أيلول) 2022 (أ.ف.ب)

لم تعد الأخطار التي تهدد الاقتصاد العالمي تقتصر على تباطؤ النمو أو ارتفاع الأسعار أو تراكم الديون؛ بل باتت تكمن في تفاعل هذه الأزمات، والديون أخطرها، في ظل بيئة دولية تتصاعد فيها الصراعات، وتتغير فيها التحالفات، ويشتد التنافس على الطاقة والموارد ورؤوس الأموال.

ولا بد من التأكيد أن أزمة الديون لا تبدأ بالحروب، وإن كانت هذه قادرة على تسريعها؛ فجذورها تعود إلى سنوات من الاقتراض المتعاظم، وارتفاع تكاليف التمويل، وتزايد الالتزامات العامة. وما يجعل المرحلة الراهنة أكثر خطورة هو أن الدول تحتاج إلى الاقتراض لمواجهة تداعيات الأزمات، فيما تؤدي الصدمات نفسها إلى رفع تكلفة الاقتراض وإضعاف القدرة على السداد.

زورق صيد قبالة منشأة نفطية متهالكة في فنزويلا (رويترز)

* الديون والسيادة الاقتصادية

بلغ الدين العام (الداخلي والخارجي) للدول النامية نحو 35 تريليون دولار عام 2025، وفق مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، فيما ارتفع عبء الفوائد إلى مستويات مقلقة. ويفيد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأن الدولة النامية المتوسطة تنفق نحو 9.5 في المائة من إيراداتها الحكومية على الفوائد، وهي أعلى نسبة منذ ربع قرن.

غير أن المشكلة لا تكمن في حجم الدين وحده؛ بل في تكلفة خدمته وشروط إعادة تمويله أيضاً؛ فالدول التي اقترضت عندما كانت أسعار الفائدة منخفضة تجد نفسها اليوم أمام استحقاقات جديدة بشروط أقسى، فيما لا تنمو إيراداتها بالسرعة الكافية لمواكبة الأعباء. وقد تواجه دولة تمتلك القدرة على السداد على المدى الطويل، أزمة سيولة حادة إذا تعذر عليها تجديد ديونها أو إعادة جدولتها.

وتكتسب هذه المسألة بعداً جيوسياسياً عندما تتحول الحاجة إلى التمويل إلى عامل مؤثر في الخيارات الخارجية للدول؛ فكلما ضاقت البدائل المالية، ازدادت أهمية العلاقات مع الدائنين والمؤسسات الدولية والدول القادرة على توفير القروض والاستثمارات. وهكذا، لا تعود الديون مجرد التزام مالي؛ بل قد تصبح عاملاً يحدّ من هامش المناورة السياسية والاقتصادية، لا سيما لدى الدول التي تعتمد على مصادر خارجية محدودة للتمويل. وفي المقابل، يزداد النفوذ السياسي للدول المقتدرة مالياً.

وغنيٌّ عن القول أن الدول غير المقتدرة تواجه أخطاراً جمة، لا سيما إذا كانت تقع في مناطق متوترة أو تشهد نزاعات، خصوصاً أن إعادة هيكلة الديون مع الدائنين من القطاع الخاص قد تستغرق سنوات، بما يطيل فترة عدم اليقين ويؤخر عودة الاستثمار والنمو.

 

* الطاقة والحروب وسباق التسلح

تتضاعف الأخطار عندما تتزامن أزمات التمويل مع اضطرابات أسواق الطاقة، التي تشكل عصب الاقتصاد العالمي؛ فأي زيادة مستدامة في أسعار الطاقة تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والغذاء. وتجد الدول المستوردة نفسها أمام فاتورة خارجية أكبر، وضغوط على عملاتها، وحاجة إضافية إلى التمويل.

سفن في مياه مضيق هرمز - الممر الحيوي لتجارة الطاقة (رويترز)

أما المصارف المركزية، فتواجه معادلة بالغة الصعوبة؛ فإذا أبقت أسعار الفائدة مرتفعة لمواجهة التضخم، ازدادت تكلفة اقتراض الحكومات والشركات والأسر؛ وإذا خفضتها بسرعة، فقد تواجه موجة جديدة من الضغوط التضخمية الناجمة عن اختلال التوازن بين العرض والطلب، فضلاً عن احتمال تراجع قيمة العملة.

وبذلك، تنتقل أي صدمة جيوسياسية من أسواق الطاقة إلى السياسة النقدية، ومنها إلى أسواق السندات والموازنات العامة.

ولا تقتصر هذه «المصيدة» على الدول النامية؛ فارتفاع احتياجات التمويل في الاقتصادات الكبرى وزيادة الإنفاق الدفاعي يدفعان الحكومات إلى التنافس على المدخرات العالمية. وعلى سبيل المثال، يبلغ الدين العام في أوكرانيا الغارقة في الحرب، أكثر من 212 مليار دولار، فيما يبلغ دين غريمتها روسيا أكثر من 491 مليار دولار. وسوف تنفق دول الاتحاد الأوروبي الـ27 نحو 454 مليار يورو (أو 2.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي) في 2026، وفق وكالة الدفاع الأوروبية.

وإذا أضفنا إلى ذلك لجوء شركات التكنولوجيا العملاقة، لا سيما العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى أسواق الدين لتمويل استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، فقد ترتفع تكلفة التمويل بالنسبة إلى المقترضين الأصغر حجماً والأكثر هشاشة.

وهكذا، قد يؤدي سباق التسلح والاستثمار التكنولوجي، وهما من أدوات تعزيز القوة الاستراتيجية، إلى تضييق المجال المالي المتاح أمام الدول التي تحتاج إلى تمويل التنمية والخدمات الأساسية والبنى التحتية.

 

* إصلاحات دولية أمام اختبار التنفيذ

تجدر الإشارة إلى أن المجتمع الدولي لا يبدأ من الصفر في مواجهة هذه التحديات؛ فقد أتاح المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية، الذي عُقد في مدينة إشبيلية الإسبانية عام 2025، دفع مبادرات تهدف إلى تحسين إدارة الديون وتوسيع قدرة الدول المدينة على مواجهة الصدمات. وتشمل هذه المبادرات تعليق المدفوعات عند وقوع كوارث أو أزمات، ومبادلات للديون مقابل تمويل التنمية، وتسهيل إعادة هيكلة الديون.

وسيط بورصة في مومباي الهندية... أسعار الأسهم تتأثر بالصراعات الدولية (رويترز)

وتكتسب هذه الأدوات أهمية كبرى في عالم تتداخل فيه الأخطار المناخية والعسكرية والمالية؛ فتعليق المدفوعات قد يمنح دولة متضررة من صدمة استثنائية فرصة لتوجيه مواردها نحو مواجهة الطوارئ، بدلاً من استنزافها في خدمة الدين. كما يمكن لمبادلات الديون أن تربط تخفيف الأعباء بتمويل مشاريع تنموية؛ مثل تطوير الطاقة المتجددة، وتحسين التعليم والصحة، وتحديث البنية التحتية.

بيد أن فاعلية هذه المبادرات تتوقف على سرعة تطبيقها واستعداد الدائنين للمشاركة فيها؛ فالدول التي تواجه ضغوطاً حادة لا تستطيع الانتظار سنوات حتى تتحول الإصلاحات إلى آليات عملية. لذلك، تبرز الحاجة إلى توسيع نطاق التمويل الميسّر الذي توفره بنوك التنمية، وتعزيز الضمانات المالية، وإنشاء آليات للاستجابة السريعة للأزمات.

وفي هذا السياق، وافق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في سبتمبر (أيلول) 2026، على إصلاحات في إطار تقييم استدامة الديون في البلدان الفقيرة؛ تشمل تحسين تحليل المخاطر المحلية وطويلة الأجل. ومن المتوقع أن يبدأ تطبيق الإطار المعدّل في النصف الثاني من عام 2027.

 

* التقشف ليس استراتيجية للخروج من الأزمة

قد تلجأ الحكومات إلى خفض الإنفاق لاحتواء العجز، لكن التقشف وحده لا يضمن استدامة الدين؛ فتقليص الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة قد يخفف الضغط المالي مرحلياً، لكنه يضعف الإنتاجية والنمو والإيرادات المستقبلية. كما أن تراجع الخدمات وتقلّص فرص العمل قد يفاقمان التوترات الاجتماعية ويعمّقان عدم الاستقرار السياسي الذي لم تعد حتى الانتخابات قادرة على إنهائه.

وهكذا، يصبح المطلوب الجمع بين الانضباط المالي والاستثمار المنتج، وتحسين إدارة الديون المحلية والخارجية، والحد من مخاطر تقلبات أسعار الصرف وإعادة التمويل التي قد تُبقي الدول في دوامة استدانة متواصلة (الأرجنتين مثال واضح). وعلى المستوى الدولي، ينبغي منح الدول الأكثر هشاشة فرصة لتمويل التنمية من دون الوقوع مجدداً في فخّ الاستدانة.

قوة أوكرانية على الجبهة... الحرب الروسية - الأوكرانية تستنزف أموالاً طائلة (أرشيفية - رويترز)

في النهاية، لا يمكن فصل أزمة الديون العالمية عن التحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم خريطة المصالح الدولية؛ فالحروب ترفع تكلفة الطاقة، والتنافس الاستراتيجي يزيد الإنفاق العسكري، وارتفاع الفوائد يضيّق الخيارات المالية، فيما تتزاحم الحكومات والشركات على مصادر التمويل.

والخطر الحقيقي لا يكمن في تعثر دولة واحدة؛ بل في تزامن أزمات التمويل في عدد كبير من الدول، بما يحوّل الضغوط المالية إلى أزمة تنمية واستقرار. وعندما ترتفع تكلفة خدمة الدين إلى مستويات تعرقل الاستثمار، تتجاوز المسألة حدود الموازنات والأرقام، لتصبح اختباراً لقدرة النظام الاقتصادي العالمي على التوفيق بين مصالح القوى الكبرى وحق الدول الأقل ثراءً في النمو والاستقرار والعيش بسلام.


كيف تؤثر خسارة معسكر ترمب الانتخابات في العلاقات الأميركية - الصينية؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الرئيس الصيني شي جينبينغ أثناء استقباله عند المدخل الشمالي للبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الرئيس الصيني شي جينبينغ أثناء استقباله عند المدخل الشمالي للبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

كيف تؤثر خسارة معسكر ترمب الانتخابات في العلاقات الأميركية - الصينية؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الرئيس الصيني شي جينبينغ أثناء استقباله عند المدخل الشمالي للبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الرئيس الصيني شي جينبينغ أثناء استقباله عند المدخل الشمالي للبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

لم تعلّق بكين بعد على نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية، لكن الهزيمة التي مُني بها معسكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تُلقي بظلالها على العلاقات بين القوتين المتنافستين دولياً.

كيف تفاعلت بكين؟

قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ إن هذه الانتخابات «شأن داخلي للولايات المتحدة»، في التزام شديد بالمبدأ الدبلوماسي الصيني القاضي بعدم التدخّل في الشؤون الداخلية لشركائها.

وأضافت أن «الصين مستعدة لمواصلة العمل مع الولايات المتحدة» بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، ونقاط الخلاف.

وأشارت بشكل غير مباشر إلى الدور المحوري الذي يلعبه الرئيس الأميركي في العلاقات.

كما جدّدت التأكيد على ضرورة الحفاظ على «الاستقرار الاستراتيجي»، بعد الاضطرابات التي أعقبت عودة ترمب إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) 2025.

غير أن العلاقات بين البلدين لا يزال يحكمها تنافس دولي شديد.

صورة من ميناء لوس أنجليس بولاية كاليفورنيا الأميركية يوم 4 مارس 2026 (رويترز)

هدنة متواصلة في الحرب التجارية؟

ركن البلدان إلى هدنة تجارية منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وقد تم تمديدها للتو حتى 10 يناير بعد عقد قمة ثالثة بين الرئيسين في غضون عام واحد.

تتجه الصين في عام 2026 نحو تحقيق فائض تجاري قياسي جديد. والآن بعد أن سيطر الديمقراطيون على مجلسي الكونغرس الأميركي، قد يجد ترمب نفسه أمام «هوامش مناورة أقل لاستخدام ورقة الرسوم الجمركية في مفاوضاته مع الصين»، وفق تقدير وو شينبو، عميد معهد الدراسات الدولية في جامعة فودان في شنغهاي.

ويرى درو تومسون، الباحث في كلية إس راجاراتنام للدراسات الدولية في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، أن «الكونغرس سيغتنم أي فرصة ممكنة لعرقلة (ترمب) خلال العامين المقبلين».

لكن الديمقراطيين سيكونون مضطرين إلى توخي الحذر، إذ إن هذه الرسوم الجمركية «تحظى بشعبية لدى النقابات، والعمّال، والشركات الصغيرة».

تؤكد باتريشيا كيم، الباحثة في معهد بروكينغز في واشنطن، بدورها على أن الكونغرس سيكون «أقل ميلاً لدعم إجراءات من شأنها زيادة الضغط على الصين بشكل حاد إذا كان ذلك سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستهلاك، والشركات الأميركية، أو يعزز إمكانية اندلاع نزاع».

ما تأثير ذلك على تايوان؟

تمثّل واشنطن الضامن الأساسي لأمن تايوان، الجزيرة ذات الحكم الذاتي التي تعتبرها الصين جزءاً لا يتجزأ من أراضيها.

باعت الولايات المتحدة لتايوان أسلحة بمليارات الدولارات خصصتها لصدّ أي هجوم صيني محتمل.

لكن تايوان تنتظر منذ شهور موافقة ترمب على صفقة أسلحة بقيمة 14 مليار دولار. ماطل ترمب في الصفقة، ما أثار قلق التايوانيين في مايو (أيار) عندما حاد عن الموقف التاريخي للولايات المتحدة، وصرّح بأن هذه المبيعات يمكن أن تكون أداة تفاوض «جيدة جداً» مع الصين.

استعراض قطعة بحرية سطحية مسيّرة في معرض تايوان لتكنولوجيا البحار والروبوتات المسيّرة في مدينة تاينان التايوانية يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

وقد تستغل الصين السنتين المتبقيتين من ولاية ترمب لزيادة الضغط على تايوان، خصوصاً إذا «رأت أن واشنطن منشغلة بأمور أخرى، أو أن ترمب سيكون مستعداً لقبول شروط عدم التدخل» لدعم تايوان، على ما كتب نيل شيرينغ، الخبير الاقتصادي في مؤسسة كابيتال إيكونوميكس، في مذكرة.

ويرجّح وو شينبو أن الكونغرس بقيادة الديمقراطيين «قد يرغم ترمب على استئناف مبيعات الأسلحة إلى تايوان العام المقبل»، مضيفاً: «إذا حدث ذلك، فسيضرّ باستقرار العلاقات بين الولايات المتحدة والصين».

في المقابل، يرى ستيف تسانغ، مدير معهد الصين في كلية دراسات الشرق وأفريقيا، أن تجديد الكونغرس دعمه لتايوان «قد يدفع (بكين) بشكل أقوى إلى توخي الحذر فيما يتعلق بتايوان».

ومع ذلك، يشير درو تومبسون إلى أن ترمب يستطيع استخدام حق النقض، أو «ببساطة تجاهل» أي نص يصدر عن الكونغرس يسعى لإجباره على الموافقة على مبيعات الأسلحة.

كيف ستتعامل بكين مع ترمب؟

يحتفظ ترمب بصلاحيات عسكرية ودبلوماسية قوية، حيث يمكن أن يستخدمها بطريقة يصعب التنبؤ بها، بما في ذلك في قضايا دولية لها تأثير على الصين، مثل إيران.

رغم أن نتائج الانتخابات قد أضعفته، يعتقد المحللون أن بكين ستواصل العمل معه.

ترجح باتريشا كيم «أن تواصل بكين تنمية علاقتها معه من خلال تبادل الاتصالات بين القادة على أعلى مستوى مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، معتبرة أن ذلك هو الوسيلة الأقل تكلفة لإدارة العلاقات مع واشنطن».

وسيسعى الصينيون إلى استغلال وضعه كرئيس مقيد الصلاحيات، بحسب تقديرات ستيف تسانغ. لكنه أفاد بأن بكين «ستحسب خطواتها» و«لن ترغب في المبالغة في ذلك، خشية دفع ترمب إلى تبني سلوك غير مسؤول تماماً».