ويلي مكاي ليس وكيل أعمال فلماذا تدخَّل في صفقة إيميليانو سالا؟

اللوائح الدولية تمنع الأندية من التواصل الرسمي مع الأشخاص غير المسجلين

TT

ويلي مكاي ليس وكيل أعمال فلماذا تدخَّل في صفقة إيميليانو سالا؟

جرى الحديث كثيراً في الآونة الأخيرة عن الدور المحوري الذي لعبه ويلي مكاي في صفقة انتقال اللاعب الأرجنتيني إيميليانو سالا، من نانت الفرنسي إلى كارديف سيتي الإنجليزي، نظراً لوفاة اللاعب بطريقة مأساوية، بعد تحطم الطائرة التي كانت تقله في البحر، في الحادي والعشرين من يناير (كانون الثاني) الماضي.
وكان مارك مكاي، نجل ويلي، قد حصل على تفويض من نادي نانت لبيع سالا إلى نادٍ إنجليزي مقابل الحصول على 10 في المائة من القيمة النهائية للصفقة، التي تصل إلى 15 مليون جنيه إسترليني. وقد صرح ويلي مكاي لصحيفة «الغارديان» بأنه قد عمل بشكل مكثف لصالح نادي كارديف لإقناع سالا بالتوقيع على الصفقة. وقد تضمن عمله ترتيب رحلتي طيران خاصتين للمدير الفني لنادي كارديف سيتي، نيل وارنوك، لكي يرى سالا وهو يلعب على الطبيعة مع نادي نانت.
وسافر كل من ويلي ومارك مكاي مع وارنوك في هاتين الرحلتين. وكانت الرحلة الأولى في الخامس من ديسمبر (كانون الأول)، عندما كان وارنوك مصحوباً بمساعده، كيفين بلاكويل، في حين تم ترتيب الرحلة الثانية عندما ذهب مدير إدارة شؤون اللاعبين بالنادي، كالوم ديفيز، إلى فرنسا. وقال مكاي إنه بذل مجهوداً كبيراً مع وارنوك وغيره من مسؤولي نادي كارديف سيتي لإقناعهم بإتمام الصفقة، بما في ذلك إجراء محادثات مع الرئيس التنفيذي، كين تشو، ورئيس النادي المولود في قبرص، محمد دلمان.
وقال مكاي: «لقد تحدثت مع كل أندية الدوري الإنجليزي الممتاز، ما عدا مانشستر سيتي. لقد اتصلت بنيل وارنوك وسألته عما إذا كان مهتماً بالحصول على خدمات إيميليانو سالا، وقال إنه يضع اللاعب بالفعل ضمن قائمة اللاعبين المرشحين للانضمام للنادي. ثم اتضح بعد ذلك أن اللاعب لا يريد أن ينضم لكارديف سيتي، ولذا كتبت إليه تلك الرسالة (رسالة إلكترونية نشرها مكاي وكان يحث فيها سالا على التفكير في الانتقال إلى كارديف سيتي). لقد كنت على اتصال هاتفي دائم بمسؤولي كارديف سيتي لمدة 10 أو 15 يوماً».
ويصر مكاي على أنه هو من رتب رحلة عودة سالا إلى نانت على متن طائرة خاصة، حتى يقوم بتوديع زملائه في الفريق، وذلك لأن كارديف سيتي لم يوفر رحلة طيران إلا عبر رحلات طيران الخطوط الجوية البريطانية المحددة سلفاً. وقال مكاي إنه حجز الرحلة عبر طيار يعتمد عليه أحياناً، وهو ديف هندرسون، مشيراً إلى أنه لم يكن يعرف نوع الطائرة التي كانت ستُستخدم في الرحلة، أو أن الطيار سيكون هو ديف إبوتسون، الذي لم يتم العثور على جثته حتى الآن، بعد تحطم الطائرة في الحادي والعشرين من يناير.
وأكد دلمان لصحيفة «الغارديان» أنه تلقى مكالمة هاتفية من مكاي تتعلق بصفقة انتقال سالا، مشيراً إلى أن مكاي ونجله هما من قاما بترتيب ودفع تكاليف رحلات سفر وارنوك إلى فرنسا، واصطحباه في هذه الرحلات. ومع ذلك، أصر دلمان على أن النادي لم يكن يعرف تفاصيل الرحلة التي رتبها مكاي لسالا، بعد توقيعه على عقود الانتقال إلى كارديف سيتي. لكن مكاي يصر على أن النادي كان يعرف كافة الإجراءات المتعلقة بالرحلة.
ومع ذلك، فإن السؤال الأبرز، الذي يثار من بين كثير من الأسئلة حول تلك الرحلة المأساوية وانتقالات اللاعبين المحمومة في فترة الانتقالات الشتوية الماضية، هو: لماذا تدخل مكاي في هذه الصفقة من الأساس؟ ورغم أن اسم مكاي قد برز ضمن قائمة من أسماء وكلاء اللاعبين البريطانيين في أعقاب شراء شبكة «سكاي تي في» التلفزيونية لحقوق بث مباريات الدوري الإنجليزي الممتاز في التسعينات من القرن الماضي، فإن مكاي، البالغ من العمر 59 عاماً والذي عاش لسنوات في موناكو بفرنسا، لم يعد وكيل أعمال للاعبين على الإطلاق، ولم يتم تسجيل اسمه كـ«وسيط»، وهو الاسم الرسمي لوكيل أعمال اللاعبين، وفقاً لقواعد الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، كما أنه غير معتمد كوكيل أعمال للاعبين في فرنسا!
ويجب الإشارة إلى أن قواعد الاتحادين الإنجليزي والفرنسي لكرة القدم صارمة للغاية في هذا الإطار، وتنص على أن الأندية واللاعبين يتعاملون في صفقات انتقالات اللاعبين مع الأشخاص المسجلين كوكلاء لاعبين فقط. وقد اعترفت القواعد التي وضعها الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم في عام 2015 بأن وكلاء اللاعبين يعملون في الغالب مع أكثر من طرف في الصفقة الواحدة. ويصف المصطلح الجديد الذي وضعه الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم الأنشطة التي يقوم بها الوسطاء بأنها «وساطة بين الأندية واللاعبين». كما أن القواعد المنظمة لهذه المسائل واضحة للغاية؛ حيث تقول: «لا يجب على اللاعب أو النادي الاعتماد على أي شخص، أو منحه مقابلاً مادياً مقابل أنشطة الوساطة، ما لم يكن هذا الشخص مسجلاً كوسيط». وتم تعريف «أنشطة الوساطة» على نطاق واسع أيضاً بأنها «التصرف بأي طريقة وفي أي وقت، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، نيابة عن لاعب أو نادٍ، فيما يتعلق بأي مسألة ذات صلة بمعاملة».
وتمنع تلك القواعد الأندية من التواصل الرسمي مع الأشخاص غير المسجلين، كما تنص في الملاحظات الإرشادية على أن «أنشطة الوساطة» تشمل: التفاوض مع نادٍ نيابة عن نادٍ آخر؛ وتمثيل الأندية أو اللاعبين في الاجتماعات، وانتقال لاعبين إلى الأندية، ومناقشة شروط الصفقات المحتملة مع اللاعبين أو الأندية، وتسهيل إتمام الصفقات من خلال مناقشة مدى إمكانية انتقال لاعب من نادٍ إلى آخر».
ولم يتم تسجيل مكاي كوسيط منذ وضع اللوائح الجديدة. وفي مارس (آذار) 2015، تم الإعلان عن إفلاس مكاي، وهناك قواعد للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم تنص على رفع اسم أي شخص يعلن إفلاسه من قوائم وكلاء اللاعبين المسجلين. وفي أغسطس (آب) من نفس العام، تم تبرئة مكاي من الإفلاس، بعد أن وافق على أمر يمنعه من أن يشغل منصب مدير أو رئيس شركة لمدة خمس سنوات، من دون إذن من المحكمة. وقال مكاي إنه كان يعمل في صفقات انتقالات اللاعبين من أجل مساعدة نجله، وأضاف: «أنا أساعد مارك على الوصول إلى القمة، عبر جميع اتصالاتي الخاصة في فرنسا. إنه ابني وسأفعل أي شيء من أجله».
وعندما سُئل عن لوائح الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، وعن عمله على صفقات انتقالات اللاعبين، رغم أنه غير مسجل كوسيط ولم يحصل على رخصة للعمل كوكيل أعمال في فرنسا، رد قائلاً: «لماذا يتم تسجيلي في الوقت الذي يكون فيه ابني مسجلاً؟» وقال مكاي إنه رتب لقاء في نانت مع وارنوك لمناقشة التعاقدات المحتملة مع مدير كرة القدم في نادي مرسيليا، أندوني زوبيزاريتا. وأصر دلمان على أن كافة الأعمال التي قام بها مكاي لم تكن تتم بالنيابة عن نادي كارديف سيتي، مشيراً إلى أن مكاي كان يعمل فقط لصالح نادي نانت من أجل إتمام الصفقة، والتي كان سيحصل مكاي بمقتضاها على 1.5 مليون يورو. وقال دلمان: «صحيح أنه رتب رحلة سفر وارنوك لمشاهدة اللاعب، وهذه هي الطريقة التي يزاول بها أعماله. إنه لم يساعدنا؛ لكنه كان يساعد نفسه من أجل الحصول على مقابل مادي هائل بعد إتمام الصفقة. إنه يحاول أن يبيع منتجاً، وبالتالي فهو ينقلنا لمشاهدة هذا المنتج؛ لأنه لا يمكنه إحضاره إلينا لكي نشاهده».
ومن المفهوم أن يتبنى الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم الرأي نفسه، بناءً على ما تم الإعلان عنه، وهو أن مكاي لم يكن يتصرف لصالح كارديف سيتي؛ لكنه كان يتصرف لصالح نادي نانت، عندما قام بجميع التعاملات مع كارديف سيتي. ولم يرد المتحدث الرسمي باسم الاتحاد الفرنسي لكرة القدم على سؤال، حول ما إذا كانت هناك أسباب لإجراء تحقيق فيما إذا كان قد تم انتهاك قواعد الاتحاد الفرنسي في هذا الصدد أم لا. وقال دلمان إنه من غير الصحيح أن كارديف سيتي قد وافق على تأجيل سداد القسط الأول من قيمة انتقال سالا من نانت إلى كارديف سيتي، مقابل 15 مليون جنيه إسترليني؛ لكن مصدراً بنادي كارديف سيتي قال إن النادي سيعمل على ضمان حصول أسرة سالا على تعويض.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.