عن فوضى المصطلحات وغابة المفاهيم المشوشة

نايجل فاراج  -  بوريس جونسون
نايجل فاراج - بوريس جونسون
TT

عن فوضى المصطلحات وغابة المفاهيم المشوشة

نايجل فاراج  -  بوريس جونسون
نايجل فاراج - بوريس جونسون

لعلها لازمة لا بد منها لكل الذين تحكمهم أقدارهم بالعيش في أزمنة مظلمة - عندما يموت قديمهم ولا يولد جديدهم، فتنطلق الوحوش والتنانين من أعقالها - أن يشهدوا تفلتاً في توظيف المصطلحات الحاكمة للمعاني، وفوضى تامة في العلاقات بين الدال والمدلول على نحو يجعل من اللغة والإعلام الذي يحملها أدوات لخلق وتكريس سوء التفاهم، وأيضاً إعادة تدوير النفايات الفكرية المتداولة أكثر منها جسوراً للتواصل بين مجموع البشر، وفضاءات للتفكير السليم والعقلاني والتقدمي. وهكذا بالفعل، غرق كوكبنا الصغير وبشكل مكثف منذ ثلاثة أعوام – وقتما نظم محافظو بريطانيا استفتاء «بريكست» الشهير – في لجج تعابير مستلة من كتب التاريخ لوصف وقائع معاصرة: فهذا سياسي «فاشي» وذاك تيار «شعبوي»، كما شعارات ملتبسة المضمون يقلبها كل قوم كما شاء سادتهم «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» – ترمب في الولايات المتحدة مدعياً أن أميركا قبله ليست دولة عظمى وكأنه المخلص والمنقذ - أو «استعادة الاستقلال» – مؤيدو «بريكست» البريطاني الذين لا يعرف أغلبهم ما هو الاتحاد الأوروبي تحديداً -، ناهيك عن أفكار شديدة العمومية توظّف الدوال في استخدامات بغير مكانها ومقاصدها الأصلية، كـ«النظام الديمقراطي الليبرالي» و«أزمة اللاجئين في الشرق الأوسط» و«المجتمع الدولي» ومثيلاتها التي قد تصف ظواهر موجودة بشكل أو بآخر، لكنها تخفي حقائق عن تلك الظواهر أكثر مما تظهر، ولا تقدم الكثير من المعنى الذي قد يساعد على حدوث تواصل حقيقي بشأنها بين الأطراف المختلفة.
لا يفتقد العالم إلى الأفكار الواضحة، ولا إلى المفكرين الخلاقين، بل ربما أن أزمنتنا المعاصرة بفضل التقدم التقني المطرد والمتراكم، تستضيف عدداً من العلماء والفلاسفة والمثقفين الأحياء يفوق بمراحل أعداد أمثالهم الذين عاشوا وماتوا في كل مراحل التاريخ البشري المدون. لكن هذه الأزمنة تحديداً تولتها نخب اقتصادية وسياسية تخدمها وتكرس هيمنتها ضبابية المفاهيم وتسطح الأفكار، فسلطت على الشعوب منظوماتها الإعلامية المكتنزة بأورام من مدعي الثقافة، وأنصاف المتعلمين وتجار الجهل ممن احترف صناعة «الأخبار الكاذبة» و«الحقائق المزورة» و«البلاهة الجمعية»، فأنتجوا هذه الغابة من المفاهيم المشوشة، والفوضى الشاملة في استخدام الكلمات والمصطلحات، فأخذوا يرددون السياسيون الديماغوجيون دون أدنى حس نقدي أو حتى قليل من الاحترام لعقل القراء المشغولين بمطاردة أسباب العيش. وللحقيقة، هؤلاء الآخرون ساهموا في تفشي هذا الفساد الفكري من خلال تقبلهم السلبي الكسول لنفايات الكلِم التي تُلقى عليهم دون عناء البحث والتنقيب، مكتفين بتوزيع الإعجابات المجانية على مقالات لا يقرأونها، أو تبني شعارات لا يدركون أبعادها، أو التصفيق لمن يدعي سعيه لتخليصهم من جور المنظومة الليبرالية التي أخذتهم إلى عصر تقشف اقتصادي وأزمة مالية عالمية لا تزال توابع زلازلها تتردد حتى الراهن من الوقت.
وصف «الفاشية» مثلاً صار مكوناً رئيسياً من جل مقالات السياسة عن مآلات الأحداث في الغرب وصعود فئة السياسيين الديماغوجيين أمثال بوريس جونسون ونايجل فاراج. لكن إطلاق تلك الصفة تحديداً على السياسيين الجدد في الغرب يجعل الفاشية وكأنها مجرد مرض فردي قد يصاب به أحدهم فيشفى منه أو يقضي به، بينما هي في واقعها ظاهرة كلية جامعة نتجت من عقود تتابعت على تشويه نفسيات الغربيين من خلال تقبل وتنفيذ حروبهم الاستعمارية والمذابح والإبادات التي تعرضت لها شعوب العالم. ولذا؛ فإن الفاشية حالة مجتمعية متعددة الأبعاد لا يمكن إسقاطها على شخص فرد مهما تلاعب بهموم الناس العاديين لتحقيق أغراضه السياسية، وهي تحديداً في الحالة الأميركية لا تخدم أغراض مصالح غالبية المواطنين؛ لأنها تُلقي تهمة شائنة على تيار نخبوي من قبل تيار نخبوي مضاد يريد تصوير عهود الديمقراطيين السابقة (أوباما، كلينتون...) نقيضاً لظلام الفاشيات، وكل غايته استعادة السلطة من الفريق الآخر دون أدنى اعتناء بحال المواطنين المهمشين.
ويأخذنا مصطلح «الفاشية» هذا إلى مصطلح آخر ملأ بدوره مقالات الصحافيين التي تدعي تسجيل أو تحليل تقلبات أهواء الناخبين في الغرب الغاضبين على أداء السلطات الليبرالية الحاكمة منذ السبعينات والمائلين في كثرتهم إلى العداء للأجانب والوطنيات المحلية الضيقة أي «الشعبوية». لكن أي مطلع على تاريخ الجمهورية الرومانية يعلم تماماً أن جذور «الشعبوية» تأتي من الضغوط السياسية والثورات المتفرقة التي انتهت غالبية الطبقات المسحوقة من الفلاحين والعبيد وأسرى الحروب الاستعمارية إلى الاندماج فيها لمواجهة تسلط نظام روما الجمهوري النخبوي، وسعياً لتحقيق نوع من تمثيل متوازن وشراكة حقيقية في إدارة حياة سكان فضاء الإمبراطورية الرومانية، ذلك في وقت سبق الليبرالية كما نعرفها اليوم بمئات السنوات. وللحقيقة، فإن المصادر التاريخية الرومانية من تلك الفترة تشير إلى أن نبلاء روما كانوا يستخدمون ذلك المصطلح تحديداً كنوع من الإهانة لكل سياسي يحاول أن يرفع صوت الأغلبية المقهورة في مجالس النخب. شعبوية اليوم ليست أساساً بشأن حقوق أفضل للمواطنين، بقدر ما هي كتل شعبية تثيرها مؤسسات النخبة الغربية وفق منهجية مدروسة لتضعها في مواجهة عمياء ضد اللاجئين والأجانب الفقراء - الذين خرجوا من بلادهم أصلاً بفضل الحروب والنهب الغربي الممنهج لأوطانهم التي تديرها النخبة ذاتها - كي لا تلتفت تلك الكتل إلى التفاوتات الاجتماعية الهائلة، وتردي مستويات المعيشة بمرور الأيام، والتفريغ التام لكل القيم النظرية للديمقراطية الغربية الموهومة.
ولا يبدو مصطلح «النظام الديمقراطي الليبرالي» الذي تراه مبثوثاً هنا وهناك لوصف حالة العالم قبل صعود موجة الديماغوجية الأخيرة بعيداً بدوره عن فساد الاستخدام، فهو ليس نظاماً، ولا ديمقراطياً، ولا حتى ليبرالياً، ولم يكن يوما كذلك، بل مجرد صيغة أخرى متفاوتة الألوان من حكم النخب الغربية التي أرادت العالم قرية صغيرة ليكون سوقاً مفتوحة لها فوق السيادات، وسعياً لاكتساب شرعية في عيون شعوبها إبان مواجهتها للاتحاد السوفياتي أيام الحرب الباردة، قبل أن تتغير الظروف لاحقاً وتبدأ دول الجنوب في شنّ هجمة تصديرية مضادة شاملة عبر الخطوط ذاتها التي فتحها الغرب.
عربياً، وعند المثقفين، الذين يعيش قسم منهم عالة على نتاجات الآخرين، رواج عجيب لهذه المصطلحات، ورغبة فائرة لتدويرها وإعادة استعمالها دونما ولو قليل تمعن، وهي عادة قديمة لنا كثقافة تابعة تغرف من الثقافات السائدة غرفاً دون عميق تمحيص، فلا تساعد الجمهور العربي على فهم حقيقة أحداث العالم حوله، بل وكثيراً ما استخدمت ضده تحديداً مثل «المجتمع الدولي» – حيث تتخلى الحكومات عن مسؤولياتها لمصلحة كيان وهمي هُلامي -، و«عملية السلام في الشرق الأوسط» – حيث إنهاء الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين لا يضمن بالضرورة سلاماً في الشرق الأوسط - و«الشرعية الدولية» – تُقاس بحسب تعريف الجهة المتحدثة حصراً - و«أزمة اللاجئين في الشرق الأوسط» – التي يتم استخدامها للتغطية على سياسات تهجير ممنهج قامت بها السلطات الإسرائيلية بدعمٍ مباشرٍ من الحلفاء الغربيين – و«الحرب على الإرهاب» - حيث من لا يوافق أجندات الغرب يتعرض للإبادة بأحدث أدوات الصدمة والرعب.
هذه الفوضى المصطلحية الشاملة والتساهل والميوعة في إطلاق التسميات على عواهنها تشكل أخطاراً داهمة قد تمس بجمهور المتلقين قبل غيرهم، الذين وهم يتناقلون تلك التسميات والشعارات تنتهي بعض جماعاتهم ضحايا مباشرين لها. لكن الأمر الأهم من ذلك كله أن التكرار العبثي لصوتيات مفرغة أو منحرفة المعاني بديلاً عن الأفكار الواضحة تتسبب حتماً بسوء التفاهم وضبابية الفهم وتكريس القطبية وكراهية الآخر وتمنع التواصل بشأن القضايا الحقيقية المؤثرة على مصائر البشر. إذا كان ثمة من «حربٍ على» ظاهرة كلية، فلتكن حرباً على التجهيل، تبدأ تحديداً من جهة ضبط المصطلحات.



حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).