عن فوضى المصطلحات وغابة المفاهيم المشوشة

نايجل فاراج  -  بوريس جونسون
نايجل فاراج - بوريس جونسون
TT

عن فوضى المصطلحات وغابة المفاهيم المشوشة

نايجل فاراج  -  بوريس جونسون
نايجل فاراج - بوريس جونسون

لعلها لازمة لا بد منها لكل الذين تحكمهم أقدارهم بالعيش في أزمنة مظلمة - عندما يموت قديمهم ولا يولد جديدهم، فتنطلق الوحوش والتنانين من أعقالها - أن يشهدوا تفلتاً في توظيف المصطلحات الحاكمة للمعاني، وفوضى تامة في العلاقات بين الدال والمدلول على نحو يجعل من اللغة والإعلام الذي يحملها أدوات لخلق وتكريس سوء التفاهم، وأيضاً إعادة تدوير النفايات الفكرية المتداولة أكثر منها جسوراً للتواصل بين مجموع البشر، وفضاءات للتفكير السليم والعقلاني والتقدمي. وهكذا بالفعل، غرق كوكبنا الصغير وبشكل مكثف منذ ثلاثة أعوام – وقتما نظم محافظو بريطانيا استفتاء «بريكست» الشهير – في لجج تعابير مستلة من كتب التاريخ لوصف وقائع معاصرة: فهذا سياسي «فاشي» وذاك تيار «شعبوي»، كما شعارات ملتبسة المضمون يقلبها كل قوم كما شاء سادتهم «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» – ترمب في الولايات المتحدة مدعياً أن أميركا قبله ليست دولة عظمى وكأنه المخلص والمنقذ - أو «استعادة الاستقلال» – مؤيدو «بريكست» البريطاني الذين لا يعرف أغلبهم ما هو الاتحاد الأوروبي تحديداً -، ناهيك عن أفكار شديدة العمومية توظّف الدوال في استخدامات بغير مكانها ومقاصدها الأصلية، كـ«النظام الديمقراطي الليبرالي» و«أزمة اللاجئين في الشرق الأوسط» و«المجتمع الدولي» ومثيلاتها التي قد تصف ظواهر موجودة بشكل أو بآخر، لكنها تخفي حقائق عن تلك الظواهر أكثر مما تظهر، ولا تقدم الكثير من المعنى الذي قد يساعد على حدوث تواصل حقيقي بشأنها بين الأطراف المختلفة.
لا يفتقد العالم إلى الأفكار الواضحة، ولا إلى المفكرين الخلاقين، بل ربما أن أزمنتنا المعاصرة بفضل التقدم التقني المطرد والمتراكم، تستضيف عدداً من العلماء والفلاسفة والمثقفين الأحياء يفوق بمراحل أعداد أمثالهم الذين عاشوا وماتوا في كل مراحل التاريخ البشري المدون. لكن هذه الأزمنة تحديداً تولتها نخب اقتصادية وسياسية تخدمها وتكرس هيمنتها ضبابية المفاهيم وتسطح الأفكار، فسلطت على الشعوب منظوماتها الإعلامية المكتنزة بأورام من مدعي الثقافة، وأنصاف المتعلمين وتجار الجهل ممن احترف صناعة «الأخبار الكاذبة» و«الحقائق المزورة» و«البلاهة الجمعية»، فأنتجوا هذه الغابة من المفاهيم المشوشة، والفوضى الشاملة في استخدام الكلمات والمصطلحات، فأخذوا يرددون السياسيون الديماغوجيون دون أدنى حس نقدي أو حتى قليل من الاحترام لعقل القراء المشغولين بمطاردة أسباب العيش. وللحقيقة، هؤلاء الآخرون ساهموا في تفشي هذا الفساد الفكري من خلال تقبلهم السلبي الكسول لنفايات الكلِم التي تُلقى عليهم دون عناء البحث والتنقيب، مكتفين بتوزيع الإعجابات المجانية على مقالات لا يقرأونها، أو تبني شعارات لا يدركون أبعادها، أو التصفيق لمن يدعي سعيه لتخليصهم من جور المنظومة الليبرالية التي أخذتهم إلى عصر تقشف اقتصادي وأزمة مالية عالمية لا تزال توابع زلازلها تتردد حتى الراهن من الوقت.
وصف «الفاشية» مثلاً صار مكوناً رئيسياً من جل مقالات السياسة عن مآلات الأحداث في الغرب وصعود فئة السياسيين الديماغوجيين أمثال بوريس جونسون ونايجل فاراج. لكن إطلاق تلك الصفة تحديداً على السياسيين الجدد في الغرب يجعل الفاشية وكأنها مجرد مرض فردي قد يصاب به أحدهم فيشفى منه أو يقضي به، بينما هي في واقعها ظاهرة كلية جامعة نتجت من عقود تتابعت على تشويه نفسيات الغربيين من خلال تقبل وتنفيذ حروبهم الاستعمارية والمذابح والإبادات التي تعرضت لها شعوب العالم. ولذا؛ فإن الفاشية حالة مجتمعية متعددة الأبعاد لا يمكن إسقاطها على شخص فرد مهما تلاعب بهموم الناس العاديين لتحقيق أغراضه السياسية، وهي تحديداً في الحالة الأميركية لا تخدم أغراض مصالح غالبية المواطنين؛ لأنها تُلقي تهمة شائنة على تيار نخبوي من قبل تيار نخبوي مضاد يريد تصوير عهود الديمقراطيين السابقة (أوباما، كلينتون...) نقيضاً لظلام الفاشيات، وكل غايته استعادة السلطة من الفريق الآخر دون أدنى اعتناء بحال المواطنين المهمشين.
ويأخذنا مصطلح «الفاشية» هذا إلى مصطلح آخر ملأ بدوره مقالات الصحافيين التي تدعي تسجيل أو تحليل تقلبات أهواء الناخبين في الغرب الغاضبين على أداء السلطات الليبرالية الحاكمة منذ السبعينات والمائلين في كثرتهم إلى العداء للأجانب والوطنيات المحلية الضيقة أي «الشعبوية». لكن أي مطلع على تاريخ الجمهورية الرومانية يعلم تماماً أن جذور «الشعبوية» تأتي من الضغوط السياسية والثورات المتفرقة التي انتهت غالبية الطبقات المسحوقة من الفلاحين والعبيد وأسرى الحروب الاستعمارية إلى الاندماج فيها لمواجهة تسلط نظام روما الجمهوري النخبوي، وسعياً لتحقيق نوع من تمثيل متوازن وشراكة حقيقية في إدارة حياة سكان فضاء الإمبراطورية الرومانية، ذلك في وقت سبق الليبرالية كما نعرفها اليوم بمئات السنوات. وللحقيقة، فإن المصادر التاريخية الرومانية من تلك الفترة تشير إلى أن نبلاء روما كانوا يستخدمون ذلك المصطلح تحديداً كنوع من الإهانة لكل سياسي يحاول أن يرفع صوت الأغلبية المقهورة في مجالس النخب. شعبوية اليوم ليست أساساً بشأن حقوق أفضل للمواطنين، بقدر ما هي كتل شعبية تثيرها مؤسسات النخبة الغربية وفق منهجية مدروسة لتضعها في مواجهة عمياء ضد اللاجئين والأجانب الفقراء - الذين خرجوا من بلادهم أصلاً بفضل الحروب والنهب الغربي الممنهج لأوطانهم التي تديرها النخبة ذاتها - كي لا تلتفت تلك الكتل إلى التفاوتات الاجتماعية الهائلة، وتردي مستويات المعيشة بمرور الأيام، والتفريغ التام لكل القيم النظرية للديمقراطية الغربية الموهومة.
ولا يبدو مصطلح «النظام الديمقراطي الليبرالي» الذي تراه مبثوثاً هنا وهناك لوصف حالة العالم قبل صعود موجة الديماغوجية الأخيرة بعيداً بدوره عن فساد الاستخدام، فهو ليس نظاماً، ولا ديمقراطياً، ولا حتى ليبرالياً، ولم يكن يوما كذلك، بل مجرد صيغة أخرى متفاوتة الألوان من حكم النخب الغربية التي أرادت العالم قرية صغيرة ليكون سوقاً مفتوحة لها فوق السيادات، وسعياً لاكتساب شرعية في عيون شعوبها إبان مواجهتها للاتحاد السوفياتي أيام الحرب الباردة، قبل أن تتغير الظروف لاحقاً وتبدأ دول الجنوب في شنّ هجمة تصديرية مضادة شاملة عبر الخطوط ذاتها التي فتحها الغرب.
عربياً، وعند المثقفين، الذين يعيش قسم منهم عالة على نتاجات الآخرين، رواج عجيب لهذه المصطلحات، ورغبة فائرة لتدويرها وإعادة استعمالها دونما ولو قليل تمعن، وهي عادة قديمة لنا كثقافة تابعة تغرف من الثقافات السائدة غرفاً دون عميق تمحيص، فلا تساعد الجمهور العربي على فهم حقيقة أحداث العالم حوله، بل وكثيراً ما استخدمت ضده تحديداً مثل «المجتمع الدولي» – حيث تتخلى الحكومات عن مسؤولياتها لمصلحة كيان وهمي هُلامي -، و«عملية السلام في الشرق الأوسط» – حيث إنهاء الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين لا يضمن بالضرورة سلاماً في الشرق الأوسط - و«الشرعية الدولية» – تُقاس بحسب تعريف الجهة المتحدثة حصراً - و«أزمة اللاجئين في الشرق الأوسط» – التي يتم استخدامها للتغطية على سياسات تهجير ممنهج قامت بها السلطات الإسرائيلية بدعمٍ مباشرٍ من الحلفاء الغربيين – و«الحرب على الإرهاب» - حيث من لا يوافق أجندات الغرب يتعرض للإبادة بأحدث أدوات الصدمة والرعب.
هذه الفوضى المصطلحية الشاملة والتساهل والميوعة في إطلاق التسميات على عواهنها تشكل أخطاراً داهمة قد تمس بجمهور المتلقين قبل غيرهم، الذين وهم يتناقلون تلك التسميات والشعارات تنتهي بعض جماعاتهم ضحايا مباشرين لها. لكن الأمر الأهم من ذلك كله أن التكرار العبثي لصوتيات مفرغة أو منحرفة المعاني بديلاً عن الأفكار الواضحة تتسبب حتماً بسوء التفاهم وضبابية الفهم وتكريس القطبية وكراهية الآخر وتمنع التواصل بشأن القضايا الحقيقية المؤثرة على مصائر البشر. إذا كان ثمة من «حربٍ على» ظاهرة كلية، فلتكن حرباً على التجهيل، تبدأ تحديداً من جهة ضبط المصطلحات.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً