بريطانيا تعتزم تصنيف «حزب الله» منظمة إرهابية... وفرنسا تتحفظ

تخوّف لبناني من انعكاسات سلبية للقرار على الحكومة

عنصران من «حزب الله» على الحدود اللبنانية - السورية (أ.ب)
عنصران من «حزب الله» على الحدود اللبنانية - السورية (أ.ب)
TT

بريطانيا تعتزم تصنيف «حزب الله» منظمة إرهابية... وفرنسا تتحفظ

عنصران من «حزب الله» على الحدود اللبنانية - السورية (أ.ب)
عنصران من «حزب الله» على الحدود اللبنانية - السورية (أ.ب)

تزداد الضغوط الدولية على «حزب الله» في الوقت الذي يحاول فيه تغيير سياسته الداخلية، عبر الانخراط في الشؤون المحلية، انطلاقاً من مشاركته في الحكومة ومنحه الثقة لها. وأتى إعلان الحكومة البريطانية أمس عن عزمها تصنيف جناحيه العسكري والسياسي كمنظمة إرهابية، خطوة إضافية في هذا الاتجاه، ما قد ينعكس سلباً ليس فقط على الحزب، إنما على الحكومة اللبنانية التي يتمثل فيها بثلاثة وزراء.
وقوبل القرار البريطاني بتحفظ فرنسي، إذ أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن باريس تفرق بين فرعي «حزب الله» اللبناني، العسكري الإرهابي، والآخر السياسي الذي يمكن التواصل معه.
فيما رحبت وزارة الخارجية البحرينية، بالتوجه البريطاني بتصنيف «حزب الله» منظمة إرهابية بجناحيها السياسي والعسكري. وأشارت الخارجية البحرينية أنه «يعد خطوة مهمة في جهود مكافحة الإرهاب على الصعيدين الإقليمي والدولي، لما يمثله هذا الحزب من مخاطر حقيقية وتهديدات واضحة على الأمن والسلم الدوليين».
وكانت بريطانيا قد صنفت وحدة الأمن الخارجي لـ«حزب الله» وجناحه العسكري ضمن قائمة المنظمات الإرهابية في عامي 2001 و2008 على الترتيب؛ لكنها تريد الآن حظر جناحه السياسي أيضاً.
ودعت مصادر رئاسة الجمهورية اللبنانية إلى انتظار اتضاح صورة القرار، وما سينتج عنه، ليبنى على الشيء مقتضاه. وهو ما أشار إليه أيضاً نائب رئيس الحكومة غسان حاصباني، آملاً في ألا تتغير سياسة لندن عن تلك المتبعة من قبل أميركا، والمحصورة بالحزب من دون أن تشمل الحكومة، رغم أنها تضع جناحيه في الخانة الإرهابية نفسها.
ورأى مدير «معهد المشرق العربي للشؤون الاستراتيجية» سامي نادر، أن القرار البريطاني قد يكون تمهيداً لقرار أوسع يشمل الاتحاد الأوروبي، الذي لا يزال يميز بين الجناح السياسي والعسكري، مكتفياً بتصنيف الثاني إرهابياً، ومرجحاً أن يؤثر سلباً على السياسة المتبعة مع الحكومة اللبنانية، وعلى مقررات «مؤتمر سيدر» في وقت لاحق. وقال حاصباني لـ«الشرق الأوسط»: «(حزب الله) موجود في الحكومة تحت إطار البيان الوزاري الذي يشدّد على سياسة النأي بالنفس، وهو ما نعمل عليه، ونرفض أن تؤخذ الحكومة إلى مكان آخر خارج هذه السياسة، في وقت يمكن القول إن هناك حدوداً للسياسات الأوروبية والأميركية في التعاطي مع لبنان، عبر التمييز بين الحكومة و(حزب الله)، وهو الوضع الذي نأمل أن يستمر على ما هو عليه».
وعما إذا كان لبنان قد تلقى تحذيرات بعد تشكيل الحكومة وتوزير شخصيات من «حزب الله»؛ خاصة أن الولايات المتحدة كانت قد حذّرت من ذلك، قال حاصباني: «لغاية الآن لم تردنا أي شروط إضافية في هذا الإطار، وكل الأمور لا تزال محصورة فقط بـ(حزب الله)».
وأوضح نادر لـ«الشرق الأوسط» أنه «لطالما كان قرار التمييز بين الجناحين يعطي الأوروبيين هامشاً من التحرك والعمل الدبلوماسي، للتعامل مع (حزب الله) والحكومة اللبنانية، وهو ما كان محل انتقاد الولايات المتحدة الأميركية، أما اليوم ومع القرار البريطاني الذي من المرجح أن يصدر مثيل له من دول الاتحاد الأوروبي، فالأمر يصبح أصعب في موازاة معطيات عدّة، منها مؤتمر وارسو الأخير، واليوم مؤتمر شرم الشيخ والمواقف الصادرة عنه، إضافة إلى ما سبق أن صرّحت به السفيرة الأميركية في لبنان إليزابيث ريتشارد، معبرة عن قلقها من تنامي دور (حزب الله) الخارج عن سيطرة الحكومة، إلى جانب خرقه سياسة النأي بالنفس وتعريضه لبنان للخطر».
وبعد القرار البريطاني وما قد يليه من قرار أوروبي مماثل، يعتبر نادر «أن الأرضية القانونية باتت موجودة لكل الاحتمالات العقابية السياسية والاقتصادية، ليس فقط على الحزب ووزرائه، إنما أيضاً على الحكومة بشكل عام، وهو ما من شأنه أن ينعكس سلباً على تنفيذ مقررات (مؤتمر سيدر) بحيث يتم الضغط على لبنان عبر وضع شروط سياسية إضافية، خاصة أن (حزب الله) بات اليوم له اليد الطولى والأكثرية في الحكومة والبرلمان والمؤسسات، نتيجة الانتخابات الأخيرة»، مضيفاً: «ويأتي ذلك بعدما كان وجود أكثرية مناهضة له في المرحلة السابقة، يحقّق إلى حد ما توازناً في القوى، ويطمئن الأوروبيين والأميركيين؛ لكن اليوم لا بد أن يؤدي تغير هذا الواقع إلى سياسة جديدة بدأت تظهر معالمها عبر الضغوط الإضافية، وستتبلور أكثر في الفترة المقبلة».

الموقف البريطاني
وقال وزير الداخلية البريطاني ساجد جاويد، في معرض تبرير قراره، إن «جماعة (حزب الله) مستمرة في محاولاتها لزعزعة استقرار الوضع الهش في الشرق الأوسط، ولم نعد قادرين على التفرقة بين جناحها العسكري المحظور بالفعل وبين الحزب السياسي». وأضاف: «لذلك، اتخذت قرار حظر الجماعة بأكملها».
وتصنف الولايات المتحدة بالفعل «حزب الله» منظمة إرهابية. وعبرت واشنطن الأسبوع الماضي عن قلقها من تنامي دور الحزب في الحكومة اللبنانية، وهو ما رد عليه نواب «حزب الله» واصفين إياه بـ«الانتهاك للسيادة».
ويعني الحظر البريطاني الذي يسري يوم الجمعة، إذا وافق عليه البرلمان، أن الانتماء لـ«حزب الله» أو التشجيع على دعمه سيكون تهمة جنائية، قد تصل عقوبتها إلى السجن عشر سنوات.
وقالت الحكومة البريطانية في توضيح لقرارها، إن «حزب الله» واصل حشد الأسلحة في انتهاك لقرارات مجلس الأمن الدولي، في حين تسبب دعمه للرئيس السوري بشار الأسد في إطالة أمد «الصراع والقمع الوحشي والعنيف من جانب النظام للشعب السوري».

تحفظ فرنسي... وأوروبي
وبدا أن باريس لن تسير على خطى لندن لجهة اعتبار «حزب الله» بجناحيه العسكري والسياسي تنظيما إرهابيا: وهذا ما أكده الرئيس إيمانويل ماكرون اليوم بمناسبة مؤتمر صحافي في قصر الإليزيه عقب لقاء جمعه بالرئيس العراقي برهم صالح.
وسئل ماكرون عما إذا كانت باريس ستلحق بلندن وتعمد بدورها إلى تصنيف الجناح السياسي لـ«حزب الله» الذي يشارك في الحكومة اللبنانية وله ممثلوه في البرلمان كتنظيم إرهابي، فأبدى الرئيس الفرنسي تمسكا بموقف باريس التقليدي الذي يميز بين الجناح السياسي لـ«حزب الله» ونشاطاته العسكرية في لبنان أو في سوريا أو في أي مكان آخر، مؤكداً أن باريس كما العواصم الأوروبية الأخرى، تعتبر هذا الجناح «تنظيما إرهابيا». وللعلم، فإن باريس على تواصل مستمر مع هذا الجناح أكان ذلك عبر سفارتها في بيروت أو عبر زيارات مسؤولين من «حزب الله» نوابا ووزراء إلى فرنسا.
وقال ماكرون إن التمييز قائم بين الجناح العسكري للحزب و«الحركة السياسية الموجودة في البرلمان والتي نقيم معها حوارا ونحن مستمرون على هذا المنوال». وبرأي الرئيس الفرنسي، فإن من محاسن هذا التمييز أنه يتيح للبنان أن «يستمر في سياسة النأي بالنفس وتلافي أن يكون لبنان ساحة لكل النزاعات الإقليمية». وفي أي حال، اعتبر ماكرون أنه «لا يعود لفرنسا أو لأي قوة أخرى أن تقرر ما هي الأطراف السياسية التي توصف بالجيدة والأخرى بغير الجيدة. هذا عائد للشعب اللبناني».
وينبع موقف باريس المشاركة في قوة «اليونيفيل» منذ عقود، من اعتبار أن «حزب الله» لا يمكن تخطيه كونه قوة حقيقية قائمة على الأرض وأنه ليس لدولة ما وإن كانت الأقرب إلى لبنان أن تتخذ القرارات مكان الشعب اللبناني. ومن جهة أخرى، فإنها ترى أن الحوار مع الحزب يمكن أن يقود إلى «تعديل» مواقفه وسياساته. بدورها، اعتبرت الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني بعد لقائها وزير الخارجية جبران باسيل أن «موقف بريطانيا بشأن حزب الله هو شأن سيادي خاص بها ولا يؤثر على موقف الاتحاد الأوروبي تجاه الحزب».
في المقابل قال باسيل إن «تصنيف حزب الله بالإرهابي من قبل بريطانيا لن يكون له أثر سلبي على لبنان، وهو أمر اعتدنا عليه من الدول الأخرى» كاشفاً أن «بريطانيا أبلغت لبنان الحرص على العلاقات الثنائية». في الوقت ذاته، أكد وزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت حرص بلاده على دعم استقرار لبنان، لكنه قال: «لن نتهاون بما يتعلق بالإرهاب، وحظر حزب الله رسالة بأن زعزعته لاستقرار المنطقة غير مقبولة». واعتبر أن لا فرق بين الجناحين العسكري والسياسي للحزب.



شغفه بالطيور كلفه حياته... من هو «المريض صفر» في تفشي «هانتا» على متن السفينة السياحية؟

عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)
عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)
TT

شغفه بالطيور كلفه حياته... من هو «المريض صفر» في تفشي «هانتا» على متن السفينة السياحية؟

عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)
عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)

كشفت السلطات الأرجنتينية هوية ما يُعرف بـ«المريض صفر» في تفشي فيروس هانتا القاتل على متن السفينة السياحية «إم في هونديوس»، وهو عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد، الذي يُرجّح أن شغفه بمراقبة الطيور قاده إلى العدوى التي أودت بحياته وحياة زوجته لاحقاً.

وبحسب صحيفة «نيويورك بوست» الأميركية، فقد كان شيلبيرورد، البالغ من العمر 70 عاماً، وزوجته ميريام (69 عاماً)، يقومان برحلة استمرت خمسة أشهر في أميركا الجنوبية، بدأت في الأرجنتين أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قبل أن يتنقلا بين تشيلي وأوروغواي ثم يعودا مجدداً إلى الأرجنتين في مارس (آذار)، حيث خاضا رحلة لمراقبة الطيور انتهت بمأساة.

وتم التعرف على هوية الزوجين، المتحدرين من قرية هاوليرويك الهولندية الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها 3000 نسمة، في نعي نُشر في مجلة قريتهما الشهرية.

وعُرف الزوجان بشغفهما الكبير بعالم الطيور، وسبق لهما نشر دراسة علمية عن الإوز ذي الأقدام الوردية نُشرت في مجلة علم الطيور الهولندية «هيت فوغلجار» عام 1984، وانطلقا في رحلات استكشافية حول العالم، من بينها رحلة خاصة لا تُنسى استغرقت 12 يوماً لمراقبة الطيور والحياة البرية في سريلانكا عام 2013، حيث أبدى الزوجان إعجابهما الشديد برؤية بومة سرنديب سكوبس النادرة.

وبحسب السلطات، زار الزوجان في 27 مارس مكب نفايات يقع قرب مدينة أوشوايا الأرجنتينية، وهو مكان يقصده هواة مراقبة الطيور لرؤية طائر نادر يُعرف باسم «الكاراكارا أبيض الحنجرة»، رغم تحذيرات السكان المحليين من خطورته بسبب انتشار القوارض الحاملة لفيروس «هانتا».

وتشتبه السلطات الأرجنتينية في أن الزوجين الهولنديين استنشقا في مكب النفايات جزيئات من براز جرذان الأرز القزم طويل الذيل، التي تحمل سلالة الأنديز المخيفة من فيروس هانتا؛ وهي السلالة الوحيدة المعروفة بانتقالها من إنسان إلى آخر.

وفي الأول من أبريل (نيسان)، استقل الزوجان سفينة «إم في هونديوس» من أوشوايا، برفقة 112 شخصاً آخر، كان العديد منهم من هواة مراقبة الطيور أو العلماء.

وفي السادس من أبريل، ظهرت على ليو أعراض خطيرة شملت الحمى والصداع وآلام المعدة والإسهال، قبل أن يتوفى على متن السفينة بعد خمسة أيام.

أما زوجته ميريام، فقد غادرت السفينة مع جثمان زوجها، في 24 أبريل، خلال توقف مقرر في جزيرة سانت هيلينا بالمحيط الأطلسي، ثم سافرت إلى جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا لاستكمال رحلتها نحو هولندا، إلا أن حالتها الصحية تدهورت بشكل حاد، وتم إنزالها من الطائرة قبل الإقلاع بعدما بدت غير قادرة على السفر، لتنهار في المطار وتفارق الحياة في اليوم التالي.

وأعلنت منظمة ‌الصحة العالمية يوم الجمعة أن ثمانية أشخاص أصيبوا ‌بالمرض، من بينهم ثلاثة توفوا، هما الزوجان الهولنديان ‌ومواطن ألماني.

وأفادت المنظمة بأنه تم تأكيد إصابة ستة من الثمانية بالفيروس، مع وجود حالتين مشتبه فيهما.

وأعلن المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن جميع ركاب السفينة السياحية التي شهدت تفشي الفيروس مصنفون على أنهم من المخالطين المعرضين لخطر كبير.

يأتي ذلك فيما رست السفينة اليوم الأحد قبالة جزيرة تينيريفي الإسبانية.

وقال المركز ‌أمس (السبت) إن الركاب ⁠الذين لا تظهر عليهم أعراض ستتم إعادتهم إلى بلدانهم للخضوع للحجر الصحي الذاتي عبر وسائل نقل مرتبة خصيصاً لهذا الغرض، وليس عبر الرحلات الجوية التجارية العادية.


العملات المستقرّة... سلاح جيوسياسي صاعد

واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)
واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)
TT

العملات المستقرّة... سلاح جيوسياسي صاعد

واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)
واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)

ظهرت فكرة العملات المستقرة تدريجياً مع تطوّر سوق العملات الرقمية، إلا أن انطلاقتها الفعلية حصلت في منتصف العقد الماضي. وكانت Tether أول عملة مستقرة تحظى بانتشار واسع، علماً أنها أُطلقت عام 2014 تحت اسم Realcoin.، ومع توسّع سوق العملات الرقمية، خاصة بعد الانتشار الكبير لـBitcoin، ظهرت مشاريع أخرى مثل Dai في عام 2017، وUSD Coin في عام 2018.

بشكل عام، أصبحت العملات المستقرة واقعاً راسخاً بين 2017 و2019، مع تزايد استخدامها في التداول، ومجالات التمويل اللامركزي، وهو نظام مالي يتيح القيام بتعاملات مباشرة من دون المرور بوسطاء مثل المصارف. وتعود أهمية هذه العملات إلى طبيعة السوق الرقمية نفسها، إذ تعاني عملات مثل Bitcoin وEthereum تقلبات سعرية حادة، بحيث تشهد ارتفاعات أو انخفاضات كبيرة خلال فترات قصيرة. وهذا ما جعل استخدامها في الحياة اليومية أمراً صعباً، إذ لا يمكن الاعتماد عليها باعتبارها وسيلة دفع مستقرة، كما يتردد التجار في قبولها بسبب التغير المستمر لقيمتها، وحتى المتداولون أنفسهم يحتاجون إلى ملاذ آمن في السوق لحماية أموالهم من التقلبات.

عملة البتكوين الرقمية (رويترز)

من هنا برزت العملات المستقرة على أنها حل عملي، فهي عملات رقمية مصممة للحفاظ على قيمة شبه ثابتة، وغالباً ما تكون مرتبطة بالدولار الأميركي، أو بأصول تقليدية أخرى منها الذهب. وتجمع هذه العملات بين مزايا الاستقرار الذي تتمتع به العملات التقليدية، والمرونة والسرعة اللتين توفرهما العملات الرقمية.

تعتمد العملات المستقرة على عدة آليات للحفاظ على استقرارها. فمنها ما هو مدعوم بعملات تقليدية (Fiat - backed)، فتُغطّى كل وحدة رقمية باحتياط حقيقي من عملة مثل الدولار، ومحفوظ في مؤسسات مالية، كما هو الحال في Tether وUSD Coin. وهناك أيضاً عملات مدعومة بأصول رقمية، أي تضمنها عملات مشفرة أخرى ضمن نظام ضمانات يهدف إلى الحفاظ على استقرار قيمتها، كما في Dai. وثمة عملات، منها Pax Gold، مدعومة بالذهب.

*تعزيز الهيمنة

استناداً إلى التطورات والتحليلات التي شهدتها الفترة 2025-2026، يُنظر إلى العملات المستقرة المقومة بالدولار الأميركي على نطاق واسع بوصفها أداة فعّالة لتعزيز الهيمنة المالية الأميركية في العصر الرقمي. ورغم أنها تجلب مخاطر جديدة إلى النظام المالي، فإنها تُساهم بشكل كبير في ترسيخ دور الدولار ليصبح عملة احتياط عالمية من خلال تعزيز استخدامه في المعاملات الرقمية. فللحفاظ على ربط العملات المستقرة بالدولار، يجب على الجهات المُصدِرة (مثل Tether وCircle) الاحتفاظ باحتياطات من سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل. وبذلك يُضيف نمو العملات المستقرة مليارات الدولارات إلى الطلب على الديون الأميركية، مما يُعزز الدولار، ويُساعد الولايات المتحدة على تمويل عجزها بأسعار فائدة أقل.

المستقبل لعملة Tether وسواها من العملات الرقمية المستقرة؟ (أرشيفية - رويترز)

وفي البلدان التي تشهد تضخماً مرتفعاً (مثل نيجيريا والأرجنتين)، يتزايد إقبال الأفراد على استخدام العملات المستقرة المدعومة بالدولار، والتي غالباً ما يكون الوصول إليها أسهل من الدولار التقليدي. ولا شك في أن هذه الديناميكية توسّع نطاق النفوذ النقدي الأميركي بشكل تلقائي. ومن خلال تبني العملات المستقرة المنظمة والمدعومة بالدولار (بدعم من قانون توجيه وتأسيس الابتكار الوطني للعملات المستقرة الأميركية GENIUS الذي أُقرّ في عام 2025)، تضمن الولايات المتحدة أن تعتمد التجارة الرقمية العالمية على الدولار في وجه بدائل مثل اليوان الرقمي الصيني الموجود، واليورو الرقمي الموعود (مبدئياً في 2029)، وسواهما.

لكن مقابل الهيمنة المالية الأميركية، تبرز «معضلة تريفين» (واضع النظرية هو الأميركي–البلجيكي روبرت تريفين) التي تعني حصول تضارب جوهري في المصالح بين أهداف الولايات المتحدة الاقتصادية المحلية ومسؤولياتها الدولية بصفتها مُصدر العملة الاحتياطية الرئيسة في العالم. فلكي تؤدي العملة وظيفتها بوصفها عملة احتياطية عالمية، يجب أن تكون متاحة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم. وهذا يُشكل «فخاً» للدولار الأميركي، إذ يجب على الولايات المتحدة تزويد العالم بما يكفي من الدولارات لتسهيل التجارة والاستثمار العالميين، وبالتالي تسجيل عجز تجاري مستمر في ظل الحاجة إلى استيراد واسع من الخارج يفوق التصدير بهدف ضخ الدولارات في النظام المالي العالمي.

مع ذلك، يبقى الهدف من رقمنة الدولار حفاظ الولايات المتحدة على هيمنتها المالية، مع محاولة إعادة بناء قاعدتها الصناعية المحلية.

وفي هذا السياق، يمكن العودة إلى تصريحات الرئيس دونالد ترمب التي يدافع فيها بقوة عن قطاع العملات المشفرة، معلناً نيته جعل الولايات المتحدة عاصمة هذه العملات في العالم. وفي إطار هذا المسعى، أقرت الولايات المتحدة في يوليو (تموز) 2025 قانون «جينيوس»، بهدف إنشاء بيئة تنظيمية للعملات المستقرة، وضمان تطورها السليم.

*القيمة السوقية

بلغة الأرقام، بلغت القيمة السوقية الإجمالية للعملات المستقرة حتى نهاية مايو (أيار) الماضي نحو 230 مليار دولار، إلا أن هذه السوق تعد شبه احتكارية، إذ تستحوذ عملتان مستقرتان، هما Tether وUSD Coin، على معظم هذه القيمة (نحو 80 في المائة). والعملتان تصدَران في الولايات المتحدة، وتعتمد احتياطاتهما على الدولار الأميركي، أو سندات الخزانة الأميركية.

والواضح أن إدارة ترمب تسعى إلى استثمار هذه الهيمنة لجعل العملات المستقرة المقومة بالدولار معياراً عالمياً لإصدار العملات المشفّرة، وتداولها، وبالتالي الحفاظ على مكانة الدولار لتكون عملة احتياط عالمية بحكم الواقع. وبذلك تؤدي العملات المستقرة دوراً شبيهاً بدور الدولار في تجارة الطاقة العالمية منذ التخلي عن التغطية الذهبية للعملة الأميركية (نظام بريتون وودز) في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1971.

متجر في شنغهاي الصينية يقبل اليوان الرقمي (رويترز)

من المؤكد أن التحكم في السيولة يجعل العملات المستقرة أداة لاستهداف تدفقات الأموال لجهات معينة، مثل محاولات تجفيف السيولة في مناطق الصراع لمنع تمويل حركات مسلحة، أو كيانات سياسية «معادية». ولكن في المقابل، قد تسمح هذه الأداة نفسها بتجاوز العقوبات عبر الالتفاف على القيود المالية الدولية، مما يحولها إلى سلاح جيوسياسي في الصراعات الدولية.

بطبيعة الحال، العمل جارٍ لتحصين هذه العملات، واستخدامها على نحو لا يفيد إلا القائمين عليها، وهذه طبعاً مهمة شاقة، لأن تأطير التكنولوجيا وسدّ الثغرات ومعالجة نقاط الضعف ليست أموراً سهلة على الإطلاق.

*بين أميركا والصين

المهم أنه مع إعادة تشكّل الاقتصاد العالمي بفعل التفتّت الجيوسياسي، بدأت العملات المستقرة تكتسب مستوى جديداً من الأهمية. فهي لا تزال جزءاً من عالم الأصول الرقمية، لكن دورها لم يعد محصوراً داخل أسواق العملات المشفرة، بل امتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

هكذا أصبحت هذه العملات تؤثر بشكل متزايد في المدفوعات عبر الحدود، وفي الدور الدولي للدولار، وفي متانة البنية التحتية المالية، وكذلك في قدرة الدول على صَون استقلال سياساتها النقدية. هذا التداخل جعل منها قضية ذات أبعاد جيوسياسية، إذ باتت تقع عند نقطة التقاء التكنولوجيا، والمال، والنفوذ.

لا بد من التسليم بالريادة الأميركية في هذا المجال، لكن الأمر قد يتغير إذا نجحت الصين في تسويق اليوان الرقمي على نطاق واسع، لأنها ستبدأ في هذه الحالة تقويض هيمنة الدولار الأميركي، خاصة في آسيا، وأفريقيا، وأسواق «مبادرة الحزام والطريق» التي تسمح للصين بالسيطرة على قسط وافر من تدفقات التجارة. وسيغيّر تقديم بكين بديلاً رقمياً ناجحاً خاضعاً لسيطرة الدولة ومصمماً لترسيخ النفوذ داخل البنية التحتية المالية هيكل النظام المالي العالمي في شكله القائم منذ عقود.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإلى يساره وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال لقاء في لاس فيغاس حول السياسة الضريبية (رويترز)

في هذا السيناريو المستقبلي تستطيع بكين أن تشنّ هجوماً مضاداً استراتيجياً عبر تموضع هونغ كونغ باعتبار أنها مركز عالمي للتكنولوجيا المالية، وإطلاق عملات مستقرة متنوّعة مرتبطة باليوان -إلى جانب اليوان الرقمي الموجود حالياً- ومُحسِّنة للتسويات عبر الحدود في آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية. وقد تنجح أيضاً في إنشاء شبكة مالية بديلة بعيداً عن النفوذ الأميركي.

يبدو واضحاً أن السباق المالي بين الولايات المتحدة والصين سوف يستمر، تماماً مثل السباقات الأخرى التي يخوضانها، سواء في حلبة التجارة الدولية، أو حول مصير تايوان، أو توترات بحر الصين الجنوبي، أو النفوذ في أفريقيا، وسوى ذلك... لكن الفريقين يدركان حتماً أن الاستخدام المتزايد للعملات المستقرة في المدفوعات الدولية يهدد بتسريع ظاهرة «الدولرة» في اقتصادات الأسواق الناشئة، وتقويض قدرتها على التحكم في تدفقات الأموال، وفتح الباب أمام نشاطات إجرامية، وفقاً لتحذيرات مسؤولين كبار في مصارف مركزية.

في هذا الإطار، قال بابلو هيرنانديز دي كوس، المدير العام لبنك التسويات الدولية، إن العملات المستقرة «تولّد مخاطر جدية على نزاهة النظام المالي، ويمكن أن تسهّل التحايل على القوانين التنظيمية». ورأى أن الارتفاع السريع في استخدام العملات المستقرة قد «يسهّل التهرب من ضوابط رأس المال» في الأسواق الناشئة، والدول النامية. وأضاف أن شعبيتها المتزايدة «تفتح آفاقاً جديدة للتهرب الضريبي»، مشيراً إلى تقديرات تفيد بأن «العملات المستقرة باتت تمثل معظم التعاملات غير المشروعة داخل منظومة العملات الرقمية».

الذهب يدعم بعض العملات المستقرة (رويترز)

في 14 و15 مايو يلتقي دونالد ترمب وشي جينبينغ في بكين، فهل سيشمل البحث العملات المستقرة؟ ربما، لكن المؤكد أن الرئيسين سيلعبان بضع أوراق في لعبة المواجهة الناعمة، ويحتفظان بأوراق كثيرة أخرى للمواجهات المقبلة التي لا يُستبعد أن يكون بعضها خشناً.

فلنراقب تطور اليوان الرقمي الذي خرج من مرحلته التجريبية في الأول من يناير (كانون الثاني) 2026...

 

 


كندا: اعتقال مراهق مشتبه بإطلاقه النار أمام كنيس يهودي

عناصر من الشرطة الكندية (رويترز)
عناصر من الشرطة الكندية (رويترز)
TT

كندا: اعتقال مراهق مشتبه بإطلاقه النار أمام كنيس يهودي

عناصر من الشرطة الكندية (رويترز)
عناصر من الشرطة الكندية (رويترز)

قالت الشرطة الكندية، يوم الجمعة، إنها اعتقلت شاباً (18 عاماً) لصلته بهجومين يشتبه أنهما وقعا بدافع الكراهية ضد الجالية اليهودية في مدينة تورونتو.

وقالت شرطة تورونتو إنه بعد تحقيق أجرته وحدة أمن مكافحة الإرهاب، تم توجيه أربعة اتهامات إلى الشاب بالاعتداء بسلاح وتهمتين بحيازة سلاح لغرض خطير، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويرتبط اعتقال الشاب بحادثتين وقعتا خلال ما يزيد قليلاً عن أسبوع.

ففي 30 أبريل (نيسان)، تم إطلاق النار على ثلاثة أشخاص «من أفراد الجالية اليهودية الذين يمكن التعرف عليهم بشكل واضح» باستخدام نسخة من سلاح ناري من شخص كان في سيارة بينما كانوا يسيرون في الشارع في منطقة شمال يورك في تورونتو، وفق الشرطة.

وأصيب الضحايا بجروح طفيفة.

وفي حادث آخر وقع في 7 مايو (أيار)، في شمال يورك أيضاً، تم إطلاق النار على ثلاثة أشخاص «يبدو أنهم أعضاء في الجالية اليهودية» بنسخة من سلاح ناري من سيارة بينما كانوا واقفين خارج كنيس يهودي في تورونتو. وأصيب أحد الضحايا بجروح طفيفة.

وقالت الشرطة إنه يجري التحقيق في الحوادث باعتبارها «جرائم كراهية».