أزمة فنزويلا في نفق التدويل والمواجهة المفتوحة

بين نظام يسيطر على مقاليد السلطة... و«حكم افتراضي» عاجز بمفرده عن التغيير

أزمة فنزويلا في نفق التدويل والمواجهة المفتوحة
TT

أزمة فنزويلا في نفق التدويل والمواجهة المفتوحة

أزمة فنزويلا في نفق التدويل والمواجهة المفتوحة

منذ أكثر من ثلاث سنوات يتقاطر سكّان العاصمة الفنزويلية كاراكاس باكراً كل صباح للوقوف في طوابير طويلة أمام مراكز توزيع «أكياس الطعام» المنتشرة في أنحاء عاصمة البلاد التي تعوم فوق أكبر احتياطي للنفط في العالم ويعاني اقتصادها من شلل شبه تام تحت وطأة تضخّم يومي بنسبة 3% وانهيار شامل للخدمات الاجتماعية والصحية. أكثر من ثلاثة ملايين فنزويلي هاجروا خلال هذه الفترة من البلاد التي كانت لعقود عديدة مقصد المهاجرين من أوروبا والدول المجاورة. في غضون ذلك، كانت فنزويلا تشهد موجات متقطعة من الاحتجاجات الشعبية التي أوقعت مئات القتلى وآلاف الجرحى، وأدّت إلى اعتقال عدد كبير من القيادات السياسية المعارضة أو فرارها إلى الخارج. وفي الوقت ذاته، كان نظام الرئيس اليساري نيكولاس مادورو يُحكِم قبضته على المؤسسات التنفيذية وينجح في تشتيت الأحزاب والقوى المعارضة، إلى أن قررت واشنطن أن الساعة قد أزفت لإنهاء انكفائها الطويل عن التدخّل في الأزمة الفنزويلية ووضعت «كامل ترسانتها الدبلوماسية والاقتصادية»-على حد تعبير الرئيس الأميركي دونالد ترمب- من غير أن تستبعد اللجوء إلى الخيار العسكري، لمنع ظهور «كوبا ثانية» على مرمى حجر من سواحلها.

يوم 23 يناير (كانون الثاني) الماضي وقف شاب في السابعة والثلاثين من عمره يدعى خوان غوايدو أمام مئات الآلاف من مواطنيه الذين كانوا يتظاهرون في كاراكاس، عاصمة فنزويلا، مطالبين بتغيير النظام وتشكيل حكومة انتقالية جديدة، ولم يلبث أن أعلن تولّيه «رئاسة الجمهورية بالوكالة»، داعياً الرئيس اليساري نيكولاس مادورو إلى التنحّي وإنهاء «اغتصاب السلطة».
قبل ذلك اليوم لم يكن العالم قد سمع بهذا السياسي الذي انتخب رئيساً للبرلمان الفنزويلي في الخامس من الشهر الماضي وكان مغموراً حتى داخل فنزويلا. ولم تنقضِ سوى ساعات قليلة على تلك الخطوة حتى كانت الإدارة الأميركية تعلن اعترافها بشرعية «الرئيس الجديد»، وتحثّ الدول الأخرى على تأييده، بعدما كانت دبلوماسية واشنطن قد نشطت لدى حلفائها لدفعهم إلى الاعتراف بالشرعية الجديدة وتعميق عزلة مادورو، الذي كانت دول عدة قد رفضت الاعتراف بشرعية ولايته الثانية كرئيس بعد انتخابات العام الماضي.
أوّل المعترفين بـ«الرئيس الجديد»، بعد الولايات المتحدة، كانت كندا وأستراليا ومعظم الدول الوازنة (التي يحكمها اليمين) في أميركا اللاتينية، باستثناء المكسيك التي أعلنت استعدادها لوساطة انتهت مفاعيلها قبل أن تبدأ في لقاء دعت إليه في أوروغواي وشاركت فيه حفنة من «الدول المحايدة».
وفي المقابل، أعلنت كل من روسيا والصين وتركيا دعمها لمادورو، بينما كان الاتحاد الأوروبي، مدفوعاً من إسبانيا، الدولة الأكثر تأثيراً في المشهد السياسي الفنزويلي، يتعثّر في اتخاذ موقف موحّد من الاعتراف بغوايدو بسبب من امتناع إيطاليا التي تصرّ حكومتها على «رفض التدخّل في الشؤون الداخلية والامتناع عن محاولات تصدير الديمقراطية». وهكذا، خلال أقل من أسبوع واحد، دخلت الأزمة الفنزويلية نفق التدويل والمواجهة المفتوحة بين نظام يسيطر على كل المؤسسات التنفيذية والعسكرية، و«حكومة افتراضية» لا تملك القدرة على تغيير الواقع السياسي داخل البلاد، ويخشى كثيرون أن تكون مجرّد «رأس حربة» أميركية لمغامرة عسكرية جديدة في المنطقة، التي كادت تشعل أول حرب نووية في العالم مطالع ستينات القرن الماضي.

- «خريطة طريق» غوايدو
لا شك في أن الخطوة التي أقدم عليها خوان غوايدو شكّلت نقلة نوعية مهمة في المسار الطويل للأزمة الفنزويلية. وهو يطعن في شرعيّة الولاية الثانية لنيكولاس مادورو، استناداً إلى كون الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في مايو (أيار) الماضي لم تستوفِ الشروط القانونية اللازمة ومُنِع معظم أحزاب المعارضة من المشاركة فيها، ولأن مادورو لم يقسم يمين الولاء أمام الجمعية الوطنية-كما ينصّ الدستور- بل أمام جمعيّة تأسيسية شُكّلت أخيراً من مؤيدي النظام ومن غير مشاركة المعارضة. واستند غوايدو في خطوته إلى المادة 233 من الدستور التي تلحظ «تولّي رئيس البرلمان رئاسة الجمهورية في حال شغور المنصب»، مقترحاً «خريطة طريق» من ثلاث مراحل للخروج من الأزمة: إنهاء اغتصاب السلطة، وتشكيل حكومة انتقالية، وإجراء انتخابات عامة ورئاسية حرة ونزيهة بإشراف دولي.
لكن «خريطة الطريق» هذه، وبخاصة المرحلة الأخيرة منها، دونها عقبات كثيرة، وتبدو سباقاً طويلاً أمامه حواجز كبيرة قبل بلوغ الهدف النهائي. غوايدو شخصياً يعترف بأن خطته تحتاج إلى سنة كاملة في الأقل لتنفيذها، ناهيك باستحالة توفير الشروط اللازمة لإجراء انتخابات حرة تؤمِّن انتقال السلطة على أسس ثابتة ومستقرّة في الظروف الراهنة. وهو يدرك أنه لا يسيطر على أيٍّ من مؤسسات السلطة التنفيذية أو القضائية، وبالأخص، المجلس الوطني لمراقبة الانتخابات والمحكمة العليا التي تدين بالولاء الكامل للنظام. ثم إن الانتخابات الحرة تقتضي وجود حكومة جديدة محايدة تشرف عليها، وهذه تستدعي تنحّي مادورو عن الرئاسة، الأمر الذي يبدو مستحيلاً ما دام يتمتّع بدعم المؤسسة العسكرية، التي ردّت أخيراً على تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب إذا استمرّت بدعمها للنظام، بقولها «إذا أرادوا عزل مادورو بالقوة، فلن يكون ذلك إلّا فوق جثثنا».
ويُذكر أن المعارضة، إدراكاً منها للدور الحاسم الذي يلعبه الجيش في دعم النظام وبقائه، تسعى منذ فترة لاستمالة القيادات العسكرية وإغرائها بالتخلّي عن مادورو وتأييد الشرعية الجديدة، لكن من دون أن تحقق أي نتيجة حتى الآن. ولقد أعلن غوايدو عن «خطة» للعفو الجنائي والإداري والمسلكي تشمل كل الضبّاط الذين يعلنون ولاءهم للشرعية الجديدة، وشنت المعارضة حملة واسعة في أوساط القوات المسلحة والثكنات العسكرية لشرح «خطة العفو»، من غير أن تثمر جهودها عن أي نتيجة. أيضاً، راهنت، لاختبار ولاء المؤسسة العسكرية، على المساعدات الإنسانية لتوزيعها على المواطنين الذين يعانون من نقصٍ حادٍ في الأدوية والمواد الغذائية الأساسية. إلا أنه حتى الساعة ما زالت هذه المساعدات تتكدّس على الحدود الكولومبية التي تحوّلت إلى «جبهة» مواجهة بين النظام-الذي أوفد إليها القوات الخاصة التي يضمن ولاءها كي تمنع دخول المساعدات بالقوة- والمعارضة... التي تحشد مئات الآلاف من المواطنين لتوزيعها رغم رفض النظام.

- شكوك أوروبية
جدير بالذكر أنه بعد فشل وساطة المكسيك وارتفاع حدة المواقف التصعيدية من واشنطن والنظام الفنزويلي، ازداد القلق في عدد من العواصم الأوروبية من الجنوح إلى الحل العسكري «بعدما باتت هذه الأزمة إحدى الأوراق المفضّلة لدى الرئيس الأميركي للتخفيف من الضغوط التي يتعرّض لها على الجبهة الداخلية»، كما جاء على لسان مسؤول أوروبي رفيع، وبعدما بدأت المعارضة الفنزويلية تفقد الأمل في تصديع الجبهة العسكرية الداعمة للنظام.
وفي الأيام الأخيرة اتجهت أنظار المتخوّفين من نشوب حرب أهلية مفتوحة، أو مواجهة عسكرية جديدة في أميركا اللاتينية، إلى الفاتيكان بعدما كان مادورو قد وجّه رسالة إلى البابا فرنسيس يطلب منه التوسط لحل الأزمة. والمعروف أن البابا، وهو يسوعي أرجنتيني قريب من حركة «لاهوت التحرّر» (الميّالة إلى اليسار) التي نشطت في أميركا اللاتينية إبّان ثمانينات القرن الماضي، يتعاطف مع المبادئ الأساسية التي قام عليها النظام الاجتماعي للحركة «التشافيزية»، وله يعود الفضل الكبير في المصالحة التاريخية بين كوبا والولايات المتحدة واستئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما في أواخر الولاية الثانية للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما. ويذكر أن الوزير الحالي لخارجية الفاتيكان، الكاردينال بيترو بارولين، سبق له أن كان قاصداً رسوليّاً في كاراكاس، وهو مطّلع عن كثب على تطورات الأزمة الفنزويلية.
إلا أن التسريبات الأخيرة لمضمون الرسالة التي ردّ بها البابا فرنسيس على مادورو، ونشرتها إحدى الصحف الإيطالية القريبة من الفاتيكان، قضت على آمال الوساطة التي كان البعض يعوّل على الكنيسة الكاثوليكية كي تقوم بها، ولا سيما بعد تعرّض موقف الفاتيكان لانتقادات كثيرة لرفضه الاعتراف بـ«شرعيّة» غوايدو. وتضمنت الرسالة انتقادات للنظام الفنزويلي لعدم وفائه بالالتزامات والاتفاقات التي سبق التوصّل إليها في المفاوضات التي رعاها الفاتيكان في الجمهورية الدومينيكية بين الطرفين عام 2016.

- الدور المحتمل لـ«يسار» المعارضة
في هذه الأثناء، تنشط الدبلوماسية الأوروبية بعيداً عن الأضواء، بالتنسيق مع الدائرة السياسية في الأمم المتحدة، لتقليص المسافة الفاصلة بين المعارضة اليسارية الفنزويلية التي ترفض تبنّي «خريطة الطريق» الأميركية للخروج من الأزمة، والمعارضة اليمينية التقليدية التي تتحرك ووفق توجيهات واشنطن. ونقطة الانطلاق التوافق على أن حل الأزمة سياسياً يمرّ عبر تفاهم هذين الجانبين على «خريطة طريق» مشتركة لانتقال السلطة ومنع الانجرار إلى مواجهة عسكرية بدأت طبولها تُقرع بقوة أخيراً.
وفي هذا الصدد نذكر أن عدداً من الوزراء وكبار المسؤولين السياسيين السابقين، الذين كانوا مقرّبين من الرئيس الفنزويلي السابق الراحل هوغو تشافيز، ورافقوا خلفه مادورو في مستهلّ ولايته الأولى، فتحوا أخيراً ثغرة للحوار مع رئيس البرلمان لعرض تصورّهم لمرحلة انتقال السلطة السياسية. وأكدوا تأييدهم لإنهاء حكم مادورو مقابل رفضهم الدور الأميركي الذي يوجّه مسار التطورات في الظرف الراهن. وتضمّ هذه المجموعة، المنضوية تحت اسم «منصّة الدفاع عن الدستور»، وزراء سابقين للتربية والتعليم الجامعي والمال والتجارة والخارجية والاقتصاد، إلى جانب عدد من السفراء السابقين وأعضاء مجلس قيادة الحزب الاشتراكي.
هؤلاء ما زالوا يرفضون الاعتراف بـ«شرعية» غوايدو، مع قبولهم به «طرفاً محاوراً شرعيّاً ورئيساً للبرلمان». ويعتبرون أن «مادورو وأد المشروع السياسي الذي وضعه هوغو تشافيز»-على حد قول غوستافو ماركيز، الذي كان مستشاراً سياسياً مقرّباً من تشافيز لسنوات. ويقول ماركيز: «غوايدو يتمتّع بشرعيّة أكثر من مادورو، لكن الاعتراف السياسي بهذه الشرعية لا بد أن يكون عبر صناديق الاقتراع. مادورو يحكم البلاد خارج نطاق الدستور منذ عام 2016، ونحن نسعى منذ سنوات لعزله... ولكن ليس بأي شكل أو ثمن. لذا نرفض كليّاً التدخّل الخارجي. والطريق الذي رسمته الإدارة الأميركية للمعارضة التقليدية ليس مقبولاً بالنسبة إلينا».
من هنا، لم يعد خافياً على المتابعين عن كثب للأزمة الفنزويلية أن دور واشنطن، الذي كان حيويّاً في إخراجها من الركود الذي كانت تعاني منه طوال سنوات، بات مصدر إحراج بالنسبة إلى المعارضة التي تجهد لتنظيم صفوفها وتحركاتها الشعبية منذ فترة طويلة، وصار عائقاً في وجه انفتاحها على الجناح التشافيزي المنشقّ عن مادورو، والذي يعتبر كثيرون أن التعاون والاتفاق معه على خطة مشتركة هو بداية النهاية لنظام مادورو.

- تساؤلات تواكب الانهيار الاجتماعي الكبير
بينما تغرق فنزويلا في حال غير مسبوق من الانهيار الاجتماعي، تؤكد المنظمات الدولية أن ربع مليون شخص مهدّدون بالموت لنقص الأدوية اللازمة لعلاجهم أو تعذّر حصولهم على المواد الغذائية الأساسية. ويضرب المحللون أخماساً بأسداس للإجابة عن التساؤلات التي تدور حولها المخارج المحتملة لهذه الأزمة:
- هل سيصمد ولاء القيادات العسكرية أمام إغراءات المعارضة وتهديدات الولايات المتحدة؟
- ما احتمالات نجاح التمرّد العسكري في صفوف الضبّاط الصغار الذي ما زالت تراهن عليه المعارضة سرّاً؟
- هل بإمكان الجيش، والرئيس نيكولاس مادورو، الصمود طويلاً في وجه الاحتجاجات الشعبية المتواصلة... تحت وطـأة العقوبات الاقتصادية الأخيرة التي تنذر بتجفيف المنابع النقدية للنظام؟
- هل أو متى، سيقرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومعه فريق «الصقور» الذي يمسك بمفاتيح السياسية الخارجية في واشنطن، ركوب مغامرة عسكرية جديدة في الحديقة الخلفية لواشنطن؟
- هل أو متى، سيقف خوان غوايدو أمام مواطنيه ليقول هذه المرة: استنفدنا كل السبل لحل الأزمة بالطرق السلمية... ولم يعد أمامنا سوى الخيار العسكري؟



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».