«داعش» يوزع منشورات وسط لندن تدعو للهجرة إلى دولة الخلافة

مسؤول «المهاجرون» لـ {الشرق الأوسط}: «الخلافة» في قلوبنا عقيدة راسخة وهي المآل.. والمنشورات وزعها أعضاء سابقون > أسكوتلانديارد: لا نعرف من المستهدف بالمنشورات



على المشاة والمتسوقين
على المشاة والمتسوقين
TT

«داعش» يوزع منشورات وسط لندن تدعو للهجرة إلى دولة الخلافة



على المشاة والمتسوقين
على المشاة والمتسوقين

بطريقة جديدة وفي قلب لندن، تم توزيع مئات المنشورات على المتسوقين والمشاة والمتسكعين في أشهر وأقدم وأعرق شوارع العاصمة البريطانية، باسم تنظيم داعش، تدعوهم لمغادرة بلادهم والهجرة فورا إلى «دولة الخلافة الإسلامية» التي أعلن عن تأسيسها أخيرا في سوريا والعراق.
ووصفت المنشورات التي وزعت باللغة الإنجليزية على المتسوقين في شارع «أكسفورد» الشهير وسط لندن، إعلان قيام «الخلافة الإسلامية» بأنه «فجر عصر جديد بدأ بالفعل»، داعية البريطانيين إلى «الهجرة إلى هناك».
ويعد شارع «أكسفورد ستريت» هو الأشهر في بريطانيا، حيث يقع في قلب العاصمة لندن، ويعج على مدار الساعة بعشرات الآلاف من المتسوقين والمشاة والسياح القادمين من مختلف أنحاء العالم، إلا أنه يعج أيضا وعلى مدار العام بالسياح الخليجيين الذين عادة ما يقصدونه بهدف التسوق والاستجمام، حيث توجد فيه متاجر لأشهر العلامات التجارية في العالم.
ويقع شارع «أكسفورد ستريت» على بعد أمتار قليلة من مقر السفارة الأميركية في لندن، كما يقع على بعد أمتار أيضا من شارع «إجور رود» الذي يعد مركزا لتجمع العرب في قلب لندن، فضلا عن أن الشارع يقع أيضا بالقرب من حديقة «هايد بارك» الشهيرة التي تعد الأكبر في العالم.
وقال متحدث باسم شرطة أسكوتلانديارد لـ«الشرق الأوسط» إنهم بدأوا بالفعل التحقيق في الواقعة، وقال متحدث باسم الشرطة البريطانية إنهم يدرسون بحذر توجيه اتهامات. وأوضح رد ا على سؤال لـ«الشرق الأوسط» أنهم لا يعرفون من المستهدف بتوزيع المنشورات في شارع مزدحم بالمتسوقين، هل الهدف توزيعها على السياح أم أبناء الجالية المسلمة؟ وقال: «نبحث ما إذا كان توزيع هذه المنشورات التي تروج لـ(داعش) يمثل انتهاكا لقانون مكافحة الإرهاب أم لا».
ولم تعتقل الشرطة البريطانية أيا من الشبان الذين قاموا بتوزيع المنشورات لحين التأكد مما إذا كانت الحادثة تمثل انتهاكا للقوانين في المملكة المتحدة أم لا.
من جهته اعترف انجم شودري المسؤول السابق لجماعة «المهاجرون» التي أسسها الداعية عمر بكري فستق قبل أن يرحل إلى لبنان بعد تفجيرات لندن عام 2005، بأن المنشورات وزعها أعضاء سابقون في «المهاجرون»، وقال إن جماعة «المهاجرون» لديها وجود قوي في ليتون شرق لندن. وأضاف المحامي شودري الأمين العام السابق لجماعة «الغرباء» التي حظرتها الحكومة البريطانية عام 2006: «إن الخلافة عقيدة راسخة في قلوبنا، وباب الهجرة مفتوح إليها»، مشيرا إلى أن «(دار الهجرة) من صحيح الدين وثوابته».
وأبدى الكثير من المسلمين في بريطانيا امتعاضهم من المنشورات التي شاهدوها توزع في «أكسفورد ستريت»، حيث كتبت فتاة مسلمة تدعى أسماء الكفيشي على «تويتر»: «المجموعة التي تروج لـ(داعش) في أكسفورد ستريت تتسبب بانتهاكات عنصرية ضدنا، وهم لا يعرفون عن الإسلام شيئا».
وأضافت أسماء: «إنهم يروجون لقتل الأبرياء، ويطلبون منا أن نموت من أجل ديننا، ويعتدون علينا.. هذا ليس سلوك المسلمين».
يذكر أن الشرطة البريطانية تعتقد أن أكثر من 300 مواطن بريطاني عادوا من سوريا بعد أن قاتلوا في صفوف تنظيم داعش، أو في صفوف جبهة النصرة، فيما تقدر أجهزة الأمن البريطانية أن 500 مواطن بريطاني ما زالوا في سوريا يقاتلون هناك.
وأخيرا تبيّن أن فتاتين من أصل صومالي تبلغان من العمر 16 سنة هربتا سرا من منزلهما في مدينة مانشستر وانضمتا إلى المقاتلين في مدينة الرقة، بعد أن تزوجت كل منهما بمقاتل من المحاربين في صفوف «داعش».
من جهة اخرى كشفت مواقع التواصل الاجتماعي عن قاطع رؤوس آخر، بالإضافة إلى الجهادي الأسترالي خالد شروف، في صفوف تنظيم داعش، الذي نشر صورا له وتغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي وبجواره صور رؤوس جنود سوريين مقطوعة ويحمل اثنين منها وهو مبتسم للكاميرا، وقاطع الرؤوس الجديد هو مصري الأصل من مواليد بريطانيا، ومن سكان مايدا فيل الراقي، وهو نجل القيادي عادل عبد المجيد عبد الباري المتهم في تفجير سفارتي أميركا في نيروبي ودار السلام عام 1998، وقاطع الرؤوس الجديد اسمه عبد المجيد عبد الباري (23 سنة)، نشأ في لندن وتعلم في مدارسها مثله مثل أبناء الإنجليز، وأفكار الحضارة الغربية المادية قبل أن ينتقل إلى أفكار التطرف، حذر على «تويتر» يونيو (حزيران) الماضي: «إن الصراع سينتقل إلى الغرب، والأسود قادمون إليكم أيها الكفار». وصور عبد المجيد نفسه وهو يرفع رأسا بشرية مقطوعة بين يده في الرقة، وفي اليد الأخرى يرفع إصبعه بعلامة «التوحيد والشهادة، وكذلك صورا أخرى لرؤوس جنود سوريين على درابزين معدني». وقاطع الرؤوس الجديد عبد الباري، قبل أن يغادر العاصمة لندن، كان مطربا لأشرطة موسيقى «الراب»، ولديه شرائط تحمل اسمه، وكتب أكثر من تغريدة بعد أن التحق بـ«داعش» منها «يا ألله امنحنا الشهادة»، وأرسل صوره وهو يحمل الكلاشنيكوف تحت عابرة «جنود الله».
«الشرق الأوسط» اتصلت بقيادي أصولي في العاصمة لندن على معرفة بالشاب نجل عادل عبد المجيد، عبد الباري، فقال إنه سافر منذ أكثر من عام إلى سوريا، ونفى أن يكون قد حدث له غسل مخ قبل سفره إلى سوريا للقتال في صفوف «داعش»، فقال: «إنه يعيش الآن في عزة، سلاحه بين يديه، لا يبغي إلا الشهادة ورحمة ربه».
وكان وزير الخارجية الأميركي جون كيري وجه انتقادات حادة لخالد شروف الذي يحمل الجنسية الأسترالية، ويعتقد أنه يقاتل في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية المعروف إعلاميا بـ«داعش» بعد عرضه لصورة نجله وهو يحمل رأسا مقطوعا، واصفا الأمر بأنه «مثير للغثيان» ويفسر طريقة تفكير التنظيم وعمله.
وقال كيري، في مؤتمر صحافي بأستراليا الثلاثاء الماضي، معلقا على صورة الطفل الذي ما زال في السابعة من عمره ويظهر في الصورة وهو يحمل الرأس بيديه: «هذه واحدة من أبشع الصور التي شاهدتها وهي تسبب الغثيان والاضطراب». ويعتقد أن الصورة - التي قام موقع «تويتر» بحذفها - قد أخذت في مدينة الرقة السورية، التي تعد واحدة من معاقل تنظيم داعش، وقد أخذ الرجل الأسترالي، الذي يدعى خالد شروف، ابنه معه للقتال فيها إلى جانب التنظيم، وتسبب نشرها بموجة واسعة من الانتقادات في صفوف المسلمين الأستراليين، بمن فيهم المفتي إبراهيم أبو محمد.
وقال أبو محمد، في بيان أرسله لـ«سي إن إن»: «من المعيب على المتطرفين استخدام الإسلام غطاء لإخفاء جرائمهم وانتهاكاتهم، إن أعمالهم الضالة لا تعكس توجهات الغالبية الساحقة من المسلمين الذين يعرفون التعاليم الإسلامية الصافية، مثل العدل والرحمة والحرية».
وبحسب ما توفره المعلومات الواردة من أستراليا، فإن شروف هو من مواليد عام 1981، من أبوين لبنانيين، وكانت علاقته بوالده مضطربة وعنيفة، وقد أمضى سنوات طويلة من شبابه في المحاكم، وسبق أن صدر حكم بحقه في قضية على صلة بالإرهاب عام 2009. وكان شروف يعمل بوظيفة عامل بناء في أستراليا، وقد اعتقل ضمن مجموعة تضم تسعة أشخاص نفذوا عمليات سطو على منازل ومحلات تجارية لتمويل خطة من أجل شن «حرب جهادية» في أستراليا.
من جهته، قال الدكتور هاني السباعي، مدير مركز المقريزي للدراسات بلندن، لـ«الشرق الأوسط»، إن أولاد المحامي عادل عبد المجيد عبد الباري، وهم ستة أبناء، تعرضوا لضغوط نفسية شديدة بعد اعتقال والدهم عام 1999، بتهم تفجير السفارتين، واحتجازه فترة طويلة في سجن بيل مارش البريطاني قبل ترحيله إلى الولايات المتحدة. وأضاف السباعي أن «الشباب البريطاني المسلم يخاف الآن من المساجد، ويحذر من الأئمة، إذا ما سأل عما يدور في بلاد المسلمين، لأنه يعتقد أن المساجد مراقبة من جهة الأمن البريطاني».
ورفضت المحكمة العليا البريطانية، عام 2005، الاستئناف الذي قدمه اثنان مفترضان من مساعدي زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن حول ترحيلهما إلى الولايات المتحدة، وهما خالد الفواز (سعودي)، وعادل عبد الباري (مصري)، وتشك السلطات البريطانية في أنهما شاركا في اعتداءات 1998 بكينيا وتنزانيا. يشار إلى أن (السعودي) خالد الفواز والمحامي المصري عادل عبد الباري، اعتقلا في 1999 بناء على مذكرتي توقيف دوليتين.
وفي إجراء طويل مخالف للقاعدة المتبعة، حاول الرجلان منذ ذلك الوقت الحؤول دون ترحيلهما إلى الولايات المتحدة. ويتحجج الرجلان بأن شروط الاعتقال في السجن الذي يخضع لتدابير أمنية مشددة في فلورنسا بالولايات المتحدة ويعرف باسم «سوبر ماكس» حيث سيسجنان في حال ترحيلهما، تنتهك المادة الثالثة من التشريع البريطاني حول حقوق الإنسان التي تحمي من مخاطر التعرض للتعذيب وسوء المعاملة.
ويشتبه في الفواز خلال اعتقاله بأنه زعيم خلية بريطانية تابعة لتنظيم القاعدة. ويعد عبد الباري بمثابة أحد الرجال الأقوياء في تنظيم الجهاد الإسلامي المسلح المصري، ومقربا من الرجل الثاني في تنظيم القاعدة أيمن الظواهري.
واتهمهما القضاء الأميركي بالضلوع في إرسال رسالة عبر الفاكس تتبنى الاعتداءات على سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام في السابع من أغسطس (آب) 1998 بعد ساعات على وقوعها. وانفجرت في ذلك اليوم سيارتان مفخختان في الوقت نفسه تقريبا بالقرب من السفارتين، وأوقعتا ما مجموعه 224 قتيلا، وأكثر من 5 آلاف جريح.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.