اجلاء المدنيين يعجل انهاء «داعش» شرق الفرات

«الشرق الأوسط» تسجل الدمار في شوارع قرية الباغوز

مقاتلون من «قوات سوريا الديمقراطية» على أطراف الباغوز شرق الفرات (الشرق الأوسط)
مقاتلون من «قوات سوريا الديمقراطية» على أطراف الباغوز شرق الفرات (الشرق الأوسط)
TT

اجلاء المدنيين يعجل انهاء «داعش» شرق الفرات

مقاتلون من «قوات سوريا الديمقراطية» على أطراف الباغوز شرق الفرات (الشرق الأوسط)
مقاتلون من «قوات سوريا الديمقراطية» على أطراف الباغوز شرق الفرات (الشرق الأوسط)

استأنفت طائرات التحالف الدولي تحليقها في سماء قرية الباغوز الواقعة شمال شرقي سوريا، وقصفت ليل الأربعاء - الخميس الماضي مجدداً مواقع يتحصن بها مقاتلو تنظيم داعش في آخر جيب يسيطرون عليه.
ومنذ أسبوع كانت «قوات سوريا الديمقراطية» أوقفت عملياتها العسكرية ضد التنظيم تفادياً لسقوط ضحايا، وتتهم عناصره باستخدام المدنيين دروعا بشرية بما فيها أسر المقاتلين أنفسهم، لكنها شنت هجوماً ليلة أمس واستهدفت نقاطا عسكرية بالجهة الشرقية من القرية، وأرسلت عشرات الشاحنات الكبيرة لإجلاء من بقي من المدنيين الراغبين في الخروج.
وقال عدنان عفريني المسؤول العسكري في «قوات سوريا الديمقراطية»: «منذ أسبوع وللمرة الأولى يخرج عشرات المدنيين العالقين من بينهم بعض المقاتلين سلموا أنفسهم للقوات»، وشوهد وصول 45 سيارة نقل كبيرة إلى أطراف قرية الباغوز ليلة أمس، وأكد عفريني: «قمنا بإدخال شاحنات نقل كبيرة إلى الباغوز لإخراج من تبقى هناك ونقلهم لنقطة آمنة خاصة بتجمع الفارين، وبعد التأكد من هوياتهم وتفتيشهم بشكل دقيق سنقوم بنقلهم إلى مخيم الهول شمالاً». وتعمد «قوات سوريا الديمقراطية» إلى توقيف الرجال الذين يشتبه بانتمائهم إلى التنظيم لدى فرارهم من الباغوز، وتفصلهم عن النساء والأطفال الذين ينقلون إلى مخيمات للنازحين في شمال شرقي البلاد. وأشار عفريني إلى خروج مقاتلين أجانب مع دفعة الهاربين سلموا أنفسهم ليلة أمس دون تحديد عددهم أو جنسياتهم.
فيما سحبت قوات التحالف الدولي قاعدة راجمة الصواريخ التي كانت تصوب قاذفاتها نحو الباغوز من عرض الصحراء تقع بالقرب من حقل التنك النفطي، أما قاعدة المدفعية الفرنسية في الجانب العراقي لم يعد يسمع صوتها، في إشارة إلى قرب انتهاء العمليات القتالية وتفاديا لعدم سقوط المدنيين.
داخل الباغوز وأثناء التجول بين شوارعها وأزقتها تبدو مظاهر الدمار وحدها شاهدة على حدة المعارك العنيفة، بهدف السيطرة على أبنية استراتيجية أو مواقع هامة. حيث يمكن رؤية بعض المنازل التي أصبحت أثراً بعد عين ولم يتبق منها سوى الأطلال، أما التي نجت من القصف فلم تسلم أبوابها ونوافذها جراء ضغط الانفجارات بالمناطق المحيطة بها، فيما تركت قاذفات الصواريخ وهاون المدفعية حفراً كبيرة اخترقت عمق الأرض، ودمرت جسوراً وطرقا رئيسية تحيط بها أبنية مدمرة وهياكل سيارات وشاحنات متفحمة.
في نقطة عسكرية لا تبعد سوى أمتار قليلة من الخط الأمامي للجبهة، يتجمع العشرات من مقاتلي «قوات سوريا الديمقراطية»، ينتظرون إشارة من قائد المجموعة لإعلان الهجوم الأخير والقضاء على تنظيم داعش شرق نهر الفرات، ولدى حديثه نقل أبو زهرة وهو مقاتل عربي من مدينة منبج، أنّ المعركة الأخيرة والحاسمة استقطبت أبناء المناطق المتضررة من التنظيم المتشدّد طوال السنوات الماضية، وقال: «يتحدرون من الرقة وحلب والحسكة. الجميع يقاتل تحت راية واحدة، كما يتلقون الأوامر من قيادة واحدة، والهدف القضاء عسكرياً بشكل نهائي على (داعش)».
ودفعت الهجمات العسكرية الأخيرة فرار نحو 40 ألفاً من المنطقة الخاضعة لسيطرة التنظيم، بحسب قياديين من «قوات سوريا الديمقراطية»، ويرجعون تأخر حسم المعركة بانتظار إيجاد حل للمدنيين العالقين، إلا أن حركة الخروج توقفت خلال الأيّام القليلة الماضية.
وباتت الباغوز خالية من سكانها، حيث كان يسكنها قبل بدء المعركة بشهر سبتمبر (أيلول) العام الماضي، أكثر من 50 ألفا بحسب شهادات مدنيين فروا منها خلال الأيّام الماضية. وفي الأحياء الواقعة في أطراف البلدة انهار سقف كثير من المنازل أو خلعت أبوابها والشبابيك من شدة الانفجارات، أما المتاجر والمحال التجارية فقد تعرضت للدمار والبعض منها سوّي بالأرض، ولم يتبق منها سوى الأطلال. لكن المشهد يبدو صادماً أكثر في مركز البلدة، وتحديداً في ساحتها حيث جرت معركة محتدمة جداً للسيطرة على أبنية استراتيجية لطرد عناصر «داعش» من آخر جيب يسيطرون عليه شرق الفرات، وبات من الصعب التفريق بين منزل ومتجر، بعد أن تحول معظمها إلى جبال من الأنقاض، وتناثرت أنابيب المياه وأسلاك الكهرباء ولم تعد صالحة لتشغيلها مرة ثانية.
وقالت سيدة تدعى وداد تبلغ من العمر (42) سنة تتحدر من مدينة الموصل العراقية، وقد تمكنت من الخروج مع دفعة جديدة قبل يومين، من القرية المحاصرة من جهاتها الأربعة، إن «النساء والرجال يقاتلون بشراسة. معظم هؤلاء انتحاريون يلبسون أحزمة ناسفة. شاهدت الكثير من الحالات كانت ترغب في الخروج قتلت أمام الجميع دون رحمة»، وكانت تنتظر في نقطة آمنة الانتهاء من عمليات التفتيش المعقدة قبل ترحيلها إلى مخيم الهول شمالاً.
وأوضح مصطفى بالي، مسؤول المكتب الإعلامي لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، إنّ الفارين يتحدثون عن وجود المئات من المدنيين محاصرين هناك، الأمر الذي دفعهم إلى إيقاف العمليات القتالية وقصف الطيران الحربي التابع للتحالف الدولي المناهض لتنظيم داعش منذ أيّام، وقال: «سيؤثر هذا بشكل مباشر على سير المعركة وحسمها. قواتنا ملتزمة أخلاقياً بعزل المدنيين عن الاشتباكات، وتتعاطى بحذر مع هذه المعركة، ونعلم أن (داعش) يحتمي بهؤلاء المدنيين ويتخذهم دروعاً بشرياً»، وبلغ عدد الفارين منذ بداية المعركة نحو 40 ألفاً، بحسب بالي.
وبدت آثار الدمار وحدها طاغية على مركز القرية التي أصبحت مكسوة بالحطام، حيث دارت معارك عنيفة بين الطرفين، إلا أنّ الجرافات شقّت طريقها وسط تلك الأزقة، في حين لا توجد أي علامات لوجود مدنيين أو حياة داخل الباغوز. وكان بعض المقاتلين العسكريين من «قوات سوريا الديمقراطية»، يتجولون متناوبين على حراستها، أما الأصوات الوحيدة التي كانت تُسمَع فهي هدير الطيران الحربي التابع للتحالف الدولي، وأصوات انفجار العبوات التي تفككها فرق إزالة الألغام.
إلى ذلك، غادرت نحو 15 شاحنة تقل رجالاً ونساءً وأطفالاً، أمس (الأربعاء)، البقعة الأخيرة لـ«داعش»، في خطوة توحي بأن حسم قوات سوريا الديمقراطية للمعركة ضد المتطرفين المحاصرين باتت وشيكاً.
وعند أحد مواقع قوات سوريا الديمقراطية قرب بلدة الباغوز، حيث بات التنظيم محاصَراً في مساحة تقدّر بنصف كيلومتر مربع، أُحصي خروج نحو 15 شاحنة تقلّ عشرات الرجال من البلدة بمواكبة من قوات سوريا الديمقراطية.
وشوهد رجال في الشاحنات كان بعضهم يخفي وجهه، بالإضافة إلى نساء وأطفال بينهم فتيات صغار محجبات.
وقال مدير المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية مصطفى بالي: «لدينا وحدات خاصة لإجلاء المدنيين، وبعد أيام عدة من المحاولة، استطعنا إخراج أول دفعة اليوم (أمس) بنجاح».
ولم يتضح عدد الذين خرجوا، أمس، وما إذا كان بينهم مقاتلون من التنظيم. وأوضح بالي: «لا نعرف ما إذا كان بينهم دواعش، سنعرف ذلك في نقطة التفتيش»، مؤكداً في الوقت ذاته استمرار وجود مدنيين في الداخل قائلاً: «نستطيع رؤيتهم بالعين المجردة».
وتنقل قوات سوريا الديمقراطية الخارجين إلى نقطة فرز قرب الباغوز، يتم فيها جمع معلومات شخصية والتدقيق في هويات الواصلين، قبل أن يُنقل المشتبه بانتمائهم للتنظيم إلى مراكز تحقيق، بينما تقل شاحنات النساء والأطفال من عائلاتهم إلى مخيمات في شمال البلاد.



العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي
TT

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي

نفت وزارة الداخلية العراقية، الجمعة، الأنباء التي ترددت حول وقوع حادث إطلاق نار من الجانب الكويتي استهدف إحدى النقاط الحدودية في محافظة البصرة (550 كم جنوب بغداد)، وفق ما نشرت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأكدت الوزارة، في بيان، أن ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بهذا الشأن «عارٍ من الصحة تماماً».

وشددت على أنه لم يتم تسجيل أي حادث من هذا النوع، وأن الأوضاع على الشريط الحدودي بين البلدين تسير بصورة طبيعية ومستقرة.

ودعت «الداخلية العراقية» وسائل الإعلام إلى ضرورة توخي الدقة في نقل الأخبار واعتماد المصادر الرسمية فقط، محذرة من الانجرار وراء الشائعات التي قد تثير البلبلة، وتؤثر في طبيعة العلاقات الأخوية التي تربط العراق والكويت.

كما أشارت الوزارة في بيانها إلى أنها تحتفظ بحقها القانوني في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد مروجي الأخبار الكاذبة التي تستهدف المساس بالأمن والاستقرار في البلاد.


ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
TT

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)

يواجه المزارعون بمناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن مخاطر فقدان مصادر دخلهم، وتتزايد معاناتهم بفعل جملة من الممارسات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على بنية الإنتاج الزراعي، كاستهداف مصادر الطاقة البديلة، وإغراق الأسواق بمدخلات زراعية فاسدة، وفرض قيود على التصدير، واحتكار عمليات التسويق.

ويخشى المزارعون من أن تؤدي الممارسات الحوثية إلى الإضرار التام بالعملية الزراعية والإخلال بالعلاقة بينهم وبين الأسواق المحلية والخارجية، وأن تدفع الكثير منهم إلى هجر هذه المهنة، في وقت تواصل فيه الجماعة الترويج لمزاعم دعم التنمية الزراعية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

مصادر محلية في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) تقول إن حصار الجماعة قرية الأغوال في مديرية الحدا، منذ قرابة أسبوعين، تسبب بتلف المحاصيل الزراعية نتيجة الصقيع والجفاف، بعد منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم لحمايتها من البرد وريها بالماء.

إلى جانب ذلك، أقدم مسلحو الجماعة، وبأوامر مباشرة من القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً للمحافظة في التنظيم الحوثي، على اقتلاع الألواح الشمسية وقطع أسلاك منظومات الطاقة، وكسر أقفال الآبار، في إجراء يرى المزارعون أنه يهدف إلى إلزامهم بالعودة لاستخدام الوقود المرتبط بتجارة واقتصاد الجماعة.

مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

وفي الجوف (شمال شرق صنعاء)، أدى توزيع الجماعة بذوراً فاسدة إلى ظهور نباتات علفية دخيلة عند الحصاد، أتلفت كميات كبيرة من محاصيل الحبوب، وخفّضت الإنتاج إلى أقل من الثلث، وفقاً للمزارعين الذين أبدوا حسرتهم على ضياع موسم زراعي، وانتهى بمحصول ضئيل وخسائر كبيرة، بعد أن لجأ العديد منهم إلى الاقتراض لإنجاح موسمه.

ونقلت مصادر زراعية عن المزارعين أن المحصول الضئيل نفسه لا يصلح للاستهلاك الآدمي.

وشهدت مديرية الحميدات، غرب المحافظة، الخسائر الأكبر، حيث لم يتجاوز محصول غالبية الحقول 30 كيساً من الحبوب، بعد أن كانت تنتج أكثر من 100 كيس خلال المواسم الماضية. ويصف المزارعون المحصول بأنه شبيه بالقمح ولا يصلح إلا كعلف للحيوانات.

إفساد المحاصيل

يتهم مزارعو البطاطس في محافظة ذمار الجماعة الحوثية بإغراق الأسواق ببذور مستوردة فاسدة وملوثة، والتسبب في كارثة زراعية بتدمير محاصيل استراتيجية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.

ونفذ هؤلاء وقفة احتجاجية في العاصمة المختطفة صنعاء، أمام مبنى وزارة الزراعة في حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، مطالبين بوقف استيراد وتوزيع البذور غير المطابقة للمعايير، وبتعويضهم بعد الخسائر التي تكبدوها بسبب تلك الأصناف واستخدام مبيدات محظورة، وغياب الفحوصات المخبرية والرقابة الفعالة على الشحنات.

جانب من احتجاج مزارعي البطاطس أمام مبنى تابع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

وشهدت الوقفة اصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالمحصول المتضرر، ورفع المحتجون لافتات تدعو إلى وقف استيراد وتوزيع بذور غير مطابقة للمعايير، متهمين الجهات التابعة للجماعة بالتساهل في إدخال أصناف مصابة تسببت في انتشار أمراض نباتية خطيرة خلال المواسم الماضية، إلى جانب استخدام مبيدات محظورة.

وواصلت الجماعة الحوثية ادعاءاتها بدعم التنمية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى الترويج لنجاح زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز، وهم ما يعدّ تحدياً معقداً، حيث تصنف اليمن من البلدان محدود الموارد المائية.

ويلفت خبير زراعي يمني، يعمل في قطاع الزراعة الذي يسيطر عليه الحوثيون، إلى أن مزاعم الحوثيين بنجاح زراعة القمح تسقط في الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الممكن، حيث يستهلك اليمنيون ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، والتي تحتاج إلى مساحات شاسعة لإنتاجها.

قادة حوثيون وسط مزرعة في الجوف حيث يشكو المزارعين من خسائر فادحة (إعلام حوثي)

ولا تتجاوز المساحات المزروعة في اليمن عشرات الآلاف من الهكتارات، بإنتاج أقصى يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان، بحسب حديث الخبير الزراعي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته.

تضليل بمسمى الاكتفاء

أما زراعة الأرز، والحديث لنفس الخبير الزراعي، فهي خيار غير منطقي في ظل الاستنزاف الحاد للموارد المائية وتراجع منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن غياب شبكات ري حديثة قادرة على دعم مثل هذا التوجه.

ويشير خبير آخر، تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته أيضاً، إلى أن الجماعة الحوثية نفسها منعت مزارعي سهل تهامة، غربي البلاد، خلال السنوات الأخيرة، من التوسع في زراعة الموز بحجة الحفاظ على مخزون المياه الجوفية، في الوقت ذاته الذي تروّج لمزاعم زراعة الأرز الذي لا يمكن إنتاجه إلا في بيئة تتوفر فيها مياه جارية طوال العام.

ويشهد الموسم الحالي تكدساً وكساداً كبيرين للبرتقال واليوسفي، خصوصاً في محافظة الجوف (شمال شرق صنعاء) تحت تأثير الإجراءات التي تفرضها الجماعة الحوثية على المزارعين في المحافظة.

فتى يمني يعمل في حقل على أطراف صنعاء حيث يتراجع الإنتاج الزراعي جراء ممارسات الحوثيين (إ.ب.أ)

ومنذ قرابة شهرين يواجه مزارعو البرتقال واليوسفي صعوبات كبيرة في التصدير، بعد احتكار شركة حوثية تحمل اسم «سوق الارتقاء» تصدير المنتجات الزراعية إلى دول الجوار.

وتنقل مصادر زراعية عن هؤلاء المزارعين اتهامات للجماعة الحوثية بممارسة التضليل لنهب محاصيلهم، وذلك بادعاء أن استيراد دول الخليج هذين المنتجين من سوريا ومصر، تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج اليمني منها، ووصفوا نشاط شركة «الارتقاء» الحوثية بـ«النهبوي» الذي لا يقتصر على هذين المنتجين فحسب.

وتلفت المصادر إلى أن جميع مزارعي الفواكه والمحاصيل القابلة للتصدير باتوا تحت رحمة هذه الشركة التي تتحكم بالأسعار والكميات، وتتسبب في تلف المنتجات الزراعية وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يضطر غالبيتهم إلى البيع بأسعار زهيدة إلى الأسواق المحلية التي تشهد وفرة كبيرة وقدرة شرائية متدنية.


الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

مع حلول شهر رمضان، الذي اعتاد اليمنيون استقباله بأجواء من التكافل والتراحم، تبدَّلت ملامح الحياة في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث تحوَّلت الشوارع والأسواق وأبواب المساجد إلى مشاهد يومية للفقر والعوز.

ورصدت «الشرق الأوسط» امتلاء أرصفة الشوارع بأعداد متزايدة من النساء والأطفال وكبار السن الذين اضطروا إلى التسول؛ بحثاً عن لقمة تسد رمق أسرهم، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وباتت ظاهرة التسول، وفق سكان وناشطين، جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، بعد أن كانت حالات محدودة قبل انقلاب الحوثيين، إذ دفعت ظروف المعيشة القاسية آلاف الأسر إلى خيارات لم تكن واردة في حياتها من قبل.

ويعزو مراقبون هذا التحول إلى استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى غياب أي معالجات اقتصادية حقيقية تخفف من معاناة السكان.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء للتسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية في عدد من شوارع صنعاء، رصدت «الشرق الأوسط» انتشار النساء والأطفال الذين يفترشون الأرصفة في محاولة لاستدرار المساعدة. ويروي كثير منهم قصصاً متشابهة عن فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى ترك أعمالهم أو دراستهم؛ بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة.

ويؤكد سكان أن الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فقيرة بعينها، بل امتدت إلى معظم مديريات صنعاء ومدن أخرى، ما يعكس اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

ويحمّل عاملون إغاثيون الجماعة الحوثية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالانشغال بفرض الجبايات والإتاوات بدلاً من تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الانهيار المعيشي.

وتقول أم أحمد، وهي أم لعد من الأطفال، تجلس قرب أحد المساجد، إن زوجها فقد عمله منذ عامين، ولم تعد الأسرة قادرةً على دفع إيجار المنزل أو تأمين الغذاء والدواء. وتضيف بحزن: «لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة من الناس، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام هو الأصعب علينا».

طابور نساء أمام أحد المطاعم بصنعاء أملاً في الحصول على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي شارع الزبيري، يقف الطفل سالم (12 عاماً) حاملاً علبة صغيرة لجمع التبرعات، بعدما اضطر لترك المدرسة إثر مرض والده. ويقول إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكنه بات يخرج يومياً قبل الإفطار لمحاولة جمع ما يساعد أسرته على البقاء.

أما عبد الله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، ما دفعه للاعتماد على المساعدات. ويقول: «خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أجد نفسي مضطراً لطلب العون. لم نصل إلى هذه الحال إلا بسبب غياب الحلول».

طوابير طويلة

بالتوازي مع اتساع ظاهرة التسول، تشهد صنعاء ومحافظتا إب وذمار مشاهد إنسانية قاسية، تتمثل في طوابير طويلة لنساء وفتيات ينتظرن لساعات للحصول على وجبات مجانية تقدمها مبادرات خيرية محدودة الإمكانات. وتحمل النساء أكياساً فارغة على أمل العودة بما يسد جوع أطفالهن.

ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن أعداد الأسر الباحثة عن وجبات الإفطار المجانية تزداد يومياً بشكل غير مسبوق، ما يعكس حجم التدهور المعيشي. ففي أحد أحياء مديرية معين بصنعاء، يصطف العشرات يومياً للحصول على وجبة بسيطة مكونة من الخبز وعلبة زبادي.

محتاجات يتجمعن للحصول على وجبة مجانية من مطبخ خيري في ذمار (فيسبوك)

وتقول أم عبد الله، وهي نازحة وأم لـ5 أطفال، إن هذه الوجبة قد تكون الطعام الوحيد المتاح لعائلتها خلال اليوم. وتوضح أنها تخرج بعد صلاة الفجر لتضمن موقعاً في الطابور، مضيفة: «أحياناً ننتظر 3 ساعات، لكنها تبقى فرصة كي لا ينام أطفالي جائعين».

وفي محافظة إب، أثارت مشاهد تجمع مئات النساء أمام مطبخ خيري غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عدّ ناشطون تلك الصور دليلاً على وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول ابتسام، وهي أم لـ3 أطفال، إنها تقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام يومياً، لكنها كثيراً ما تعود خالية اليدين بعد انتهاء التوزيع.

أما في ذمار، فتتكرر المشاهد ذاتها، حيث تنتظر نساء لساعات طويلة تحت الشمس للحصول على وجبة ساخنة. وتقول سمية، التي يعاني زوجها المرض ولا تملك مصدر دخل: «أشعر بالألم وأنا أقف في الطابور، لكن حاجتي من أجل أطفالي أكبر من أي شعور».

أزمة عميقة

تشير بيانات أممية إلى تصاعد مقلق في مؤشرات الفقر في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من نحو 21.6 مليون شخص عام 2023 إلى أكثر من 22 مليوناً في 2026، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر اليمنية التي اضطرت إلى التسول لتأمين احتياجاتها الغذائية من نحو 5 إلى 6 في المائة قبل 3 سنوات إلى نحو 10 في المائة حالياً، مع تقديرات بوصولها إلى 12 في المائة في بعض المناطق.

ويعني ذلك أن أسرة واحدة من كل 10 أسر يمنية أصبحت تعتمد على التسول مصدر دخل مباشر، وهو تحوُّل خطير يعكس انتقال الظاهرة من حالات فردية إلى نمط معيشة اضطراري.

يمني يحمل أسطوانة غاز فارغة في أحد المساجد طالباً مساعدته لتعبئتها (فيسبوك)

ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه المؤشرات تعكس فساد الجماعة الحوثية التي فاقمت الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تفكك اجتماعي أوسع وارتفاع معدلات الجريمة والهجرة الداخلية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية من تدهور أوضاع النساء والفتيات بشكل خاص، في ظل نقص التمويل الإنساني واستمرار الصراع لأكثر من 11 عاماً. وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن ملايين النساء يعانين من الجوع الحاد، بينما تفتقر ملايين أخريات لخدمات الصحة الإنجابية الأساسية.

وتشير التقديرات إلى وفاة 3 نساء يومياً؛ بسبب مضاعفات الحمل والولادة، في حين تحتاج أكثر من 6 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية من العنف. ويرى مختصون أن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء إلى تحمل العبء الأكبر في تأمين الغذاء لأسرهن، ما جعلهن الأكثر تأثراً بالأزمة.