تحقيقات حول هوية انتحاري لبناني مفترض عمره 19 سنة

السفير السعودي في بيروت يدين تفجير الضاحية ويدعو وسائل الإعلام إلى عدم «التجييش»

خبراء لبنانيون يأخذون أرقام هيكل السيارة المفخخة التي انفجرت في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
خبراء لبنانيون يأخذون أرقام هيكل السيارة المفخخة التي انفجرت في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

تحقيقات حول هوية انتحاري لبناني مفترض عمره 19 سنة

خبراء لبنانيون يأخذون أرقام هيكل السيارة المفخخة التي انفجرت في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
خبراء لبنانيون يأخذون أرقام هيكل السيارة المفخخة التي انفجرت في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)

انصب اهتمام السلطات القضائية والأمنية اللبنانية على العمل الميداني في موقع التفجير الإرهابي الذي استهدف الشارع العريض بمنطقة حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية، مساء أول من أمس، وأدى إلى سقوط خمسة قتلى ونحو 80 جريحا من المدنيين.
وأمضى النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود، ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر، أمس، ساعات طويلة في موقع التفجير، وأشرفا على عمل الأدلة الجنائية والخبراء، وعمليات رفع الأدلة من المكان، وعلى التحقيقات الأولية التي تجريها الأجهزة الأمنية لا سيما الشرطة العسكرية ومخابرات الجيش اللبناني، قبل إنهاء الخبراء والفنيين عملهم ظهرا.
وبينما كشف القاضي حمود عن توافر بعض الخيوط التي يجري التحقيق فيها والتدقيق في صحتها، أكدت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط» أن «الدليل الأساسي هو العثور على إخراج قيد عائد لشاب لبناني (19 عاما) يدعى قتيبة الصاطم، وهو من منطقة وادي خالد في شمال لبنان، في مسرح الجريمة، حيث وجد (إخراج القيد) في طابق علوي في المبنى الذي وقعه أمامه الانفجار، وهو محروق من أطرافه، ويبدو أن عصف الانفجار قذفه مع الأشلاء إلى هذا المكان».
وأوضحت المصادر نفسها أن «والد الصاطم الذي أحضر إلى التحقيق أمام فرع المخابرات في شمال لبنان، أفاد بأن ولده فقد قبل خمسة أيام وتحديدا في الثلاثين من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وتقدم ببلاغ إلى قوى الأمن الداخلي بذلك، ونفى أن يكون على علم بأي علاقة لولده مع أي تنظيم إرهابي أو مجموعة متطرفة خصوصا أنه صغير في السن وهو في التاسعة عشرة من العمر». وذكرت الوكالة الوطنية للإعلام، الرسمية في لبنان، أن والد قتيبة نقل أمس من مركز مخابرات الجيش في طرابلس إلى بيروت، لإجراء فحص الحمض النووي ومطابقته مع الفحوص التي أجريت على أشلاء الجثة التي يعتقد أنها تعود إلى نجله.
من جهة أخرى، كشفت المصادر الأمنية في تصريحاتها لـ«الشرق الأوسط» عن «توقيف شخص على ذمة التحقيق كان موجودا في مكان قريب جدا من موقع التفجير، علما بأنه غريب عن المنطقة وتحوم شبهات حول علاقة ما له في العملية». وأشارت إلى أن «فرضية العمل الانتحاري ما زالت متقدمة مع ترجيح أن يكون الصاطم هو من نفذ هذه العملية، لا سيما أنه على علاقة وثيقة بابن عمه محمد أحمد الصاطم المعروف بتشدده الديني والموجود منذ أشهر في منطقة يبرود السورية ويقاتل إلى جانب المعارضة السورية».
وفي موازاة انتظار السلطات اللبنانية ظهور نتائج فحوص الحمض النووي التي تجرى على الأشلاء التي انتزعت من داخل السيارة المفخخة وجمعت من الموقع، مع عينات أخرى أخذت من ذوي الشاب، قالت المصادر الأمنية ذاتها إن «الخطوة التالية بعد التأكد من هويته ستتجه نحو التأكد إذا كان هو الانتحاري فعلا أم لا، والبحث عن التنظيم الذي ينتمي إليه الصاطم، والجهة التي زودته بالسيارة المفخخة، وما إذا كان فعلا قدم بها من سوريا أم أنها فخخت في لبنان».
لكن أهالي الشاب العكاري شككوا في فرضية أن يكون ابنهم قتيبة هو الانتحاري، خصوصا أن وسائل الإعلام اللبنانية أفادت نقلا عن شهود عيان بعد وقوع الانفجار بأن رجلا ترجل من السيارة بعد ركنها وقبل انفجارها بلحظات. وأبدت عشائر الصاطم التي يتحدر منها قتيبة، في منطقة وادي خالد العكارية، سلسلة ملاحظات في بيان صادر عنها، فأكدت أنه «لا يجيد قيادة السيارات»، وتساءلت عن «وجود هويته (إخراج القيد) من دون أن تتأذى في جثة متفحمة، وعما إذا يعقل أن يحمل الإرهابي هويته في جيبه»، مضيفة «كيف لفتى كقتيبة أن يتحرك بحرية بسيارة مفخخة داخل مربع أمني لحزب الله مجهول له تماما؟».
وأكد أحمد السيد، في بيان تلاه باسم وجهاء عشائر وعائلات وادي خالد، بعد لقاء تضامني عقدوه في دارة والد قتيبة في قرية حنيدر بوادي خالد، أن «ولدنا لم يكن ينتمي إلى أي جهة حزبية أو دينية، وهو شخص معتدل بسلوكياته، وهو طالب جامعي في السنة الثانية ويستعد للسفر إلى فرنسا لمتابعة تحصيله العلمي»، مطالبا «القضاء اللبناني والأجهزة الأمنية اللبنانية بالتحقيق العادل والشفاف ليصار إلى تبيان الحقيقة كاملة». وفي موازاة استنكاره باسم الأهالي والعشائر الانفجار الذي طال الضاحية الجنوبية، أكد أن «ثقافة وادي خالد ليست دموية بل ثقافة اعتدال وتسامح وتعايش سلمي».
وكانت عمليات رفع الأنقاض بدأت بعد ظهر أمس، بإيعاز من النائب العام التمييزي، تمهيدا لفتح الطريق أمام المارة والسيارات، بعدما أنجزت الأجهزة الأمنية عملها الفني، من مسح للمنطقة ورفع للأدلة والعينات وجمع كل الأشلاء، وبعد انتهاء خبراء المتفجرات من الكشف التقني على الحفرة التي خلّفها الانفجار ومعاينة وضبط بعض حطام السيارة التي استخدمت في التفجير.
في موازاة ذلك، وفي حين لم يصدر حزب الله أي تعليق رسمي على تفجير حارة حريك، دعا وزير الزراعة في حكومة تصريف الأعمال حسين الحاج حسن إلى «مواجهة الإرهاب الذي يضرب لبنان». وقال، بعد تعداده سلسلة الانفجارات التي ضربت لبنان في الأشهر الأخيرة، إنه بات من الواضح «أننا دخلنا مرحلة مختلفة لا يمكن فيها مواجهة الإرهاب بالمواقف التي تريد الإفادة من الظروف لتحصيل مكاسب سياسية»، معتبرا أن «الإرهاب لا يفرق بين منطقة وأخرى كما لا يفرق بين دين ودين أو بين مذهب ومذهب، أو بين حزب وتيار وحركة، ولا دور له إلا القتل». وشدد الحاج حسن على «اننا أمام مسؤولية وحدة وطنية تستدعي من الجميع تشكيل حكومة وتحقيق انتخابات الرئاسة في موعدها وليس مواقف لمزيد من الانشقاق، وهي مسؤولية الجميع في تعزيز عناصر الوحدة الوطنية لا زيادة الشرخ والانشقاق الذي هو انشقاق عمودي، والعقل والمنطق يقول بالذهاب إلى المزيد من الوحدة الوطنية». وكان رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي، وفي مذكرة إدارية أصدرها أمس، أعلن «الحداد العام» اليوم على «أرواح الشهداء الضحايا الذين سقطوا مساء الخميس نتيجة للتفجير الإرهابي الآثم في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت في حارة حريك».
ودعا إلى «توقف العمل لمدة ساعة اعتبارا من الساعة الحادية عشرة ولغاية الساعة الثانية عشرة ظهرا على كل الأراضي اللبنانية، وعلى أن تعدّل البرامج العادية في محطات الإذاعة والتلفزيون هذه المدة (ساعة واحدة)، بما يتناسب مع هذه الواقعة الأليمة، وعلى أن يقف اللبنانيون لمدة خمس دقائق عند الساعة الثانية عشرة ظهرا، حيثما وجدوا، استنكارا لهذه الجريمة النكراء وتعبيرا لبنانيا وطنيا شاملا ضد الإرهاب وتضامنا مع عائلات الشهداء الأبرار والجرحى وعائلاتهم».
وفي إطار المواقف السياسية المستنكرة، أمل قائد اليونيفيل الجنرال باولو سيرا أن «تتمكن السلطات اللبنانية من تحديد مرتكبي الجريمة»، مستنكرا «هذا العمل الحقير والجبان الذي استهدف أرواح مدنيين». وقال «في هذه اللحظة المأساوية، أنا وأسرة اليونيفيل بأكملها نقف إلى جانب الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني في سعينا المشترك نحو السلام والأمن، وآمل أن تتمكن السلطات اللبنانية من تحديد مرتكبي هذه الجريمة النكراء وتقديمهم إلى العدالة».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.