زيمبابوي... رحلة في التاريخ والطبيعة

مكان تكاد تُمسك فيه بقوس قزح وحيث ترقص الزرافات والفيلة مع الطيور النادرة

زيمبابوي... رحلة في التاريخ والطبيعة
TT

زيمبابوي... رحلة في التاريخ والطبيعة

زيمبابوي... رحلة في التاريخ والطبيعة

أحياناً تعطي الأخبار السياسة فكرة خاطئة عن مكان ما، وزيمبابوي واحدة من هذه الأماكن. فالبعض يجهل أنها من الوجهات السياحية التي يُنصح بزيارتها ولو مرة في العمر. ليس لأنها غنية بالمحميات الطبيعية والمتنزهات الوطنية، والكثير من المواقع الأثرية المدرجة على قوائم التراث العالمي، أو لأنها تحتضن ثلثي مساحة شلالات فيكتوريا العظيمة، فضلاً عن آثار تاريخية لا يعرفها سوى من يزورها ويقف أمام أطلالها، بل لأنها أيضاً من بين الوجهات الأكثر أماناً في القارة الأفريقية.
تحدها جنوباً دولة جنوب أفريقيا، وبوتسوانا من الجنوب الغربي، وزامبيا من الشمال الغربي، وموزامبيق من الشرق. عاصمتها وأكبر مدنها هي هراري، لكن سحرها يكمن في طبيعتها الحية، وليس أدل على ذلك من شلالات فيكتوريا الوطنية، التي تقع على مسافة كيلومتر واحد من وسط المدينة، وقبل معبر الحدود إلى دولة زامبيا. إحساس غامر بالمتعة سينتابك وأنت تجول بعينيك في هذه الشلالات من هذا الجانب تحديداً. السبب أن ثلثي هذه الشلالات فيكتوريا، التي تتدفق بصورة مذهلة دون توقف طوال العام، توجد في زيمبابوي. ورغم جمالها الأخاذ، فإنها لا تناسب ذوي القلوب الضعيفة بقدر ما تستهوي محبي المغامرات. فالسير فيها يتم على طول الممر الضيق، في مسار تتناثر عبره نقاط سياحية مختلفة تطل على بانوراما مذهلة، مثل بُقعة غربية تُعرف باسم «كاتاراكت فيو» توجد قبل بلوغ منصة تمثال ديفيد ليفينغستون مباشرة. ومنها ستقودك خطاك نحو نقطة ديفيل كاتاراكت، حيث يمكن مشاهدة الشلالات من زاوية يظهر فيها قوس قزح بدرجة رؤية عالية الوضوح. ويؤدي مسار آخر إلى «نقطة الخطر»، وهي اسم على مسمى، حيث يُزلزل مشهد الهبوط السحيق، غير المسيج بعمق 100 متر، الأعصاب بينما يرفع من نسبة الأدرينالين لدى المغامرين.
إن كنت تنوي زيارة هذه الشلالات في شهر أبريل (نيسان)، فعليك بمعطف واق من الأمطار واستئجار مظلة تحميك من رذاذ المياه التي ستغمرك وتعطيك الإحساس كما لو كانت مطراً ينبع من الأرض إلى السماء. وتفتح الحديقة أبوابها أثناء موسم اكتمال القمر في الفترات المسائية؛ حتى يتسنى لهم رؤية قوس قزح القمري الذي لا يوجد له مثيل في مكان آخر، ويبلغ سعر تذكرة الدخول 10 دولارات أميركية للزائر الواحد.
يسهل التعامل هناك بالدولار الأميركي، واليورو الأوروبي، والجنيه الإسترليني، والراند المحلي، فضلاً عن بطاقات فيزا وماستركارد العالمية. وتجد عند المدخل سلسلة من المعلومات التفصيلية، ومتجراً للهدايا والتذكارات تُباع فيه مجموعة جيدة من الكتب الثقافية. ويوجد أيضاً في الجوار مقهى رين فورست كافيه، وهو من الأماكن الجيدة لتناول المأكولات والمشروبات في المكان.
- مدينة زيمبابوي العظمى
يرجع تاريخها إلى القرن الخامس عشر الميلادي، وهي لا تزال تمثل شعار وقلب الأمة والوطن. ويشهد موقع المدينة المدرج على قوائم اليونيسكو للتراث العالمي على أن المدن الأفريقية القديمة بلغت حداً من الحضارة لم يكن علماء التاريخ السابقون يتوقعونه قط. وينقسم موقع المدينة العتيقة إلى أطلال عدة مع ثلاث مناطق رئيسية، وهي: مجمع التلال، والوادي القديم، والسياج العظيم. من السهل استكشافها، حيث تتوفر الكثير من المعلومات والخرائط التي تُوضح أفضل المسارات المؤدية إلى موقع المدينة القديمة. كما يمكن ترتيب جولة لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات (بتكلفة تبلغ 12 دولاراً أميركياً للفرد) عند مدخل المدينة. ويفضل القيام بها عند الفجر مع بزوغ شمس النهار أو عند الغسق عند الغروب لتجنب الحرارة القائظة.
- حديقة غوناريزو الوطنية
توجد في الجانب الجنوبي الشرقي، وتعد ثاني أكبر حدائق زيمبابوي الوطنية من حيث المساحة؛ إذ تبلغ (5000 كيلومتر مربع). وتتقاسم الحديقة المنطقة الحدودية مع دولة موزمبيق المجاورة، كما تُعد امتداداً طبيعياً لحديقة كروغر الوطنية في دولة جنوب أفريقيا. لذلك؛ أنشأت السلطات المعنية في الدول الثلاث، زيمبابوي وموزمبيق وجنوب أفريقيا، في أواخر عام 2002، حديقة ترانس فرونتير الكبيرة، على مساحة تبلغ 35 ألف كيلومتر مربع؛ لتكون واحدة من أكثر الحدائق الطبيعية جمالاً بتنوع مشاهدها ومناظرها، التي تتباين بين منحدرات تشيلوغو الرملية الشهيرة، والأنهار الرئيسية، والمروج العشبية الهائلة وأدغال أشجار النخيل المتناثرة.
ويمكن للزوار هنا مشاهدة حيوانات الزراف، والجاموس، والحُمر الوحشية، والأسود، والنمور، والفهود والضباع، إضافة إلى الكلاب البرية، وظباء النيالا، وما لا يقل عن 453 نوعاً مختلفاً من أنواع الطيور. ومع ذلك، فإن حديقة غوناريزو الوطنية تشتهر كذلك بأعداد الفيلة الكبيرة التي تزيد على 12 ألف فيل، فالترجمة المحلية للفظة «غوناريزو» تعني مكاناً تكثر فيه الأفيال؛ وهو ما يُفسر آثار الدمار الذي تتسبب فيه على شكل أشجار على الأرض، بما في ذلك نحو 1000 من أشجار الباوباب الضخمة. لهذا؛ ينبغي توخي الكثير من الحذر أثناء قيادة السيارة، خصوصاً أن الفيلة تشتهر بانفعالها السريع، وهو ما يقول البعض هنا إنه ناجم عن سنوات من الصيد الجائر غير المشروع، ولا سيما أثناء فترة الحرب الأهلية التي اندلعت في ستينات وسبعينات القرن الماضي. عموماً، ستحتاج إلى سيارة من سيارات الدفع الرباعي للتجوال في الحديقة مع كافة منافذها موصدة تماماً أثناء موسم الأمطار الغزيرة بين شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وحتى مايو (أيار) من كل عام.

حديقة هوانغي
هي واحدة من أكبر الحدائق الوطنية في أفريقيا، وهي الأكبر في زيمبابوي؛ إذ تبلغ مساحتها الإجمالية 14.651 كيلومتر مربع، وتحظى بقدر هائل من الحياة البرية. فهناك ما لا يقل عن 400 نوع من الطيور، ونحو 107 أنواع من الحيوانات تشمل الأسود، والفهود، والنمور الرقطاء، والضباع، والكلاب البرية. لكن الأفيال هي أكثر ما تشتهر به؛ كونها موطناً لأحد أكبر تجمعاتها حول العالم بعدد يقارب 40 ألف فيل أفريقي. وتقع حديقة هوانغي الوطنية على الطريق من بولاوايو إلى شلالات فيكتوريا؛ مما يجعلها من أكثر الحدائق الوطنية ارتياداً من قِبل السياح. ويسهل الوصول إليها بواسطة السيارات المتينة ما بين شهري مايو وأكتوبر (تشرين الأول) من كل عام. لكن يحتاج الزائر إلى استخدام سيارات الدفع الرباعي أثناء موسم الأمطار، كما يُنصح باستشارة حراس الحديقة (في أي من المخيمات الثلاث) بشأن ظروف الطرق قبل الانطلاق إليها.
من أفضل الأوقات لمشاهدة الحياة البرية في الحديقة هو بين شهري يوليو (تموز) وأكتوبر، عندما تتجمع الحيوانات حول ما يقرب من 60 بركة أو حوضاً مائياً للشرب (وأغلبها تُضخ المياه فيها اصطناعياً).
- حديقة ماتوبو الوطنية
تُعتبر موطناً لبعض أروع مناظر الجرانيت الطبيعية في العالم، كما أنها واحدة من نقاط الضوء غير المعروفة في زيمبابوي. لهذا؛ كان من الطبيعي أن يتم إدراجها على قوائم اليونيسكو للتراث العالمي؛ لما تتمتع به من مشاهد طبيعة وتلال الصخور الضخمة والمتراكبة فوق بعضها بعضاً. تنقسم الحديقة إلى شطرين (المتنزه الترفيهي والمحمية الطبيعية). ويشتمل المتنزه الترفيهي على «وورلد فيو»، وهو نقطة مشاهدة خلابة مع موقع دفن جثمان سيسيل رودس، إضافة إلى كهوف سان الصخرية الفنية العتيقة. أما المحمية الطبيعية، فلا تحتوي على الكثير من الحياة البرية بسبب الصيد غير المشروع. ومع ذلك، لا تزال واحدة من أفضل الوجهات لمشاهدة وحيد القرن الأسود والأبيض، فضلاً عن كونها الأكبر كثافة من ناحية عدد النمور والنسور في البلاد.
أما الكهوف الصخرية التي تشتهر بها، فتتناثر حول الحديقة على مساحة تبلغ 425 كيلومتراً مربعاً، وتضم 3000 موقع من مواقع الفنون الصخرية المسجلة رسمياً، بما في ذلك واحدة يُقدر عمرها بين 6 و10 آلاف عام. وتعتبر موطناً لوحيد القرن أبيض اللون، وتشمل كهف بامباتا، وكهف بومونغوين، وكهف نسواتوغي.
- النُّصب التذكاري للأبطال الوطنيين
تطل المسلة العظيمة، التي كان تصميمها هدية من حكومة كوريا الشمالية، على مدينة هراري العاصمة وتبعد عنها مسافة لا تتجاوز 7 كيلومترات. وهي عبارة عن نصب تذكاري وطني للقوات التي سقطت أثناء النزاع الثوري الثاني (تشيمورينغا الثانية). وهناك تمثال اشتراكي هائل الحجم للجندي المجهول (وهو في الحقيقة لثلاثة من الجنود المجهولين)، محاطٌ بأفريز من البرونز يصور انتصارات الحرب الكبيرة. الدخول إلى مكان النصب التذكاري مجاني، لكن هناك رسماً لدخول المتحف المكرس لتخليد ذكرى حركة المقاومة الثورية.
- متحف التاريخ الطبيعي
من المتاحف التي تستحق الزيارة في زيمبابوي. مشيد من ثلاثة طوابق، ويعرض لمحة عامة للتاريخ الطبيعي والإنساني والجيولوجي للبلاد. ومن أبرز المعروضات فيه، قسم تحنيط الحيوانات، الذي يضم فيلاً وحشياً عُثر عليه على مسافة 160 كيلومتراً من موقع المتحف الحالي ومجموعة من الثعابين الحية، مثل المامبا السوداء، والكوبرا الأفريقية. كما هناك مجموعة مثيرة للاهتمام من الأحجار الكريمة التي تعكس ما تملكه البلاد من ثروات طبيعية هائلة.
- أطلال خامي
ثاني أكبر نصب حجري مبني في البلاد، تقع على بعد 22 كم إلى الشرق من ولاية بولاوايو شمال ماتابيليلاند، ومدرجة على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي، حيث تم تشييدها بين عامي 1450 و1650 ميلادية كعاصمة لأسرة توروا الحاكمة. في بدايات القرن التاسع عشر هُجرت مع وصول قبائل نديبيلي إلى الحكم. ما يُحسب لها الآن، أنها تمتد على مساحة 2 كيلومتر مربع في بيئة طبيعية هادئة تطل على سد خامي. وتضم الأطلال أطول جدار مزخرف في المنطقة الفرعية من البلاد، في حين أن البقايا الأثرية للخزف الإسباني الموجودة فيها تشهد على وجود الروابط التجارية القديمة بين الحضارتين. وبعض هذه البقايا تُعرض حالياً في متحف التاريخ الطبيعي في ولاية بولاوايو.
- تل مالينديدزيمو
واحد من المواقع المثيرة للإعجاب في زيمبابوي، بإطلالته البانورامية على الحدائق المجاورة. تميزه أيضاً بالهدوء والسكينة يساعد على التأمل الروحاني ويُصفي الذهن والنفس؛ ما يجعله من المواقع المقدسة لدى قبائل نديبيلي. كما أنه المكان الذي دُفن فيه مؤسس روديسيا، سيسيل رودس، الذي يوجد قبره، على نحو مثير للجدل، بين صخرتين كبيرتين، على بعد مسافة قصيرة عن النصب التذكاري لنهر شانغاني. وكان هذا الأخير قد شُيد في عام 1904، تخليداً لذكرى آلان ويلسون وجنوده الذين قضوا نحبهم على أيدي الجنرال متجان و30 ألفاً من محاربي قبائل نديبيلي عند محاولة ويلسون الاستيلاء على الأراضي هناك. أول ما يثير الانتباه هنا هو مشهد التلال والصخور العملاقة المغطاة بالأشجار متعددة الألوان، وكتل الأعشاب الرفيعة والسحالي بألوانها الزاهية وهي تتحرك بسرعة ما بين الشقوق.
- حديقة تشيمانيماني الوطنية
تتمتع بطبيعة بِكر وبرودة شديدة، وتشترك في الحدود الوطنية مع دولة موزمبيق. غابات دائمة الخضرة والإزهار، وجداول مائية متدفقة، وينابيع مياه عذبة، أكثر ما يُميزها. ربما يكون الجانب السلبي الوحيد فيها، محاولات التنقيب عن الذهب غير القانونية. يبدأ أغلب الزوار رحلتهم هناك من مخيم قاعدة ميوتكيسواني، الذي يبعد مسافة 15 كيلومتراً عن مدينة تشيمانيماني، حيث يتعين على كل زائر تسجيل اسمه وسداد رسوم دخول الحديقة. وتنتهي الطريق المعبدة عند هذه النقطة لتبدأ الرحلة داخل الحديقة سيراً على الأقدام.
- مطعم أمانزي
ينصحك مُرتادون بارتداء أفضل ما لديك من ثياب قبل التوجه إليه. فهو من أرقى مطاعم المدينة. يقع في منزل من الطراز الاستعماري القديم مع ديكورات داخلية أفريقية ومجموعة منتقاة من الأعمال الفنية المحلية التي يمكن ابتياعها تذكاراً، إضافة إلى إطلالة ساحرة على الحديقة الغنّاء. ويقدم المطعم قائمة من الأطباق العالمية اللذيذة. لكن من المهم الحجز مسبقاً.
أما مقهى شوب كافيه النباتي فيُقدم وجبات الغداء خلال أيام الأسبوع. ويُقام في أيام الجمعة سوق المزارعين مع الأكشاك المتعددة التي تبيع المواد والمنتجات الغذائية من مختلف البلدان، وتُخصص 50 في المائة من العائدات لصالح جمعية الرفق بالحيوان في زيمبابوي.
- نادي الترفيه البرتغالي
أنشئ هذا النادي لخدمة الجالية البرتغالية والموزمبيقية المحلية (مع لوحة الشرف للأعضاء القدامى التي ترجع إلى خمسينات القرن الماضي)؛ لهذا يتميز بعراقة أيام زمان وبمطبخ مميز؛ إذ لا يجب أن تفوتك تجربة طبق الدجاج فيه، فهو على درجة عالية من الإتقان. ملحق بالنادي مقهى خارجي في الهواء الطلق لخدمة الرواد.
- مطعم 40 كورك رود
عبارة عن منزل جذاب تحول إلى مطعم مشهور بأطباقه وحديقته. يُقدم وجبات الإفطار والغداء لذيذة، كما يتوافر على الكثير من أنواع القهوة والآيس كريم المصنع محلياً.
- شرفة ستانلي
هي بالفعل شرفة فاخرة توجد بداخل فندق فيكتوريا فولز الراقي بأجوائه الاستعمارية الإنجليزية العريقة. ويقدم الشاي على خلفية شلالات فيكتوريا، وجسر فيكتوريا فولز القديم، مع أدوات المائدة المصنوعة من الفضة الخالصة، والكعكات اللذيذة، إضافة إلى صينية فضية ثلاثية مليئة بشتى أنواع السندويتشات.


مقالات ذات صلة

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

سفر وسياحة من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

لم تعد المطارات مجرد محطات عبور للمسافرين، بل أصبحت شبكة عالمية شديدة الترابط. ولهذا فإن عطلاً تقنياً في نظام ملاحة جوية، أو انقطاعاً في الكهرباء، أو طائرة...

جوسلين إيليا (لندن)
سفر وسياحة جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

لم نعد نختار المدن لمجرد رؤية معالمها، بل لنستكشفها وجبة بعد وجبة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق متحف «موسيو ديل غاليون» الجديد المثير للإعجاب في مانيلا (أ.ف.ب)

رحلة عبر الزمن في مانيلا... متحف يعيد إحياء حكايات السفن التي ربطت آسيا بأوروبا

في عالم يعتمد اقتصاده على حركة السفن والبضائع عبر البحار والمحيطات، يحتل البحارة الفلبينيون مكانة بارزة، إذ يشكّلون ما بين 25 و30% من أطقم السفن التجارية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم طائرة تابعة لشركة «دلتا إيرلاينز» أثناء اقترابها من الهبوط في سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأميركية يوم 12 ديسمبر 2022 (رويترز)

مسؤولو شركات طيران يقرّون بصعوبة التصدي لطيار «مارق»

أقرّ رؤساء شركات طيران بصعوبة اتخاذ تدابير وقائية ضد طيار «مارق»، مؤكدين ارتفاع معايير السلامة رغم محاولة مساعد طيار إسقاط طائرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
سفر وسياحة 3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله.

فيفيان حداد (بيروت)

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
TT

من يدفع ثمن الأعطال التقنية في المطارات؟

مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)
مسافرون ينتظرون في مبنى الركاب رقم «2» بمطار هيثرو (أرشيفية -رويترز)

لم تعد المطارات مجرد محطات عبور للمسافرين، بل أصبحت شبكة عالمية شديدة الترابط. ولهذا فإن عطلاً تقنياً في نظام ملاحة جوية، أو انقطاعاً في الكهرباء، أو طائرة مسيّرة قرب مدرج، يمكن أن يحوّل مشكلة محلية إلى أزمة تمتد آثارها إلى عشرات الدول.

وهذا ما حصل في بريطانيا أخيراً، بعدما أدى خلل تقني في نظام معالجة بيانات الرحلات التابع لخدمات الملاحة الجوية الوطنية البريطانية «ناتس» إلى شلل واسع في حركة الطيران. وامتدت التداعيات إلى مطارات رئيسية بينها هيثرو وغاتويك ومانشستر وستانستد، مع إلغاء أكثر من ألفي رحلة وتأثر نحو 330 ألف مسافر، فيما استمرت آثار الأزمة حتى اليوم التالي بسبب تراكم الرحلات والركاب والأمتعة.

واللافت أن الأزمة لم تكن نتيجة إغلاق مدرج بسبب طقس سيئ أو حادث طائرة، بل نتيجة خلل في البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها صناعة الطيران الحديثة. وقد أكدت السلطات البريطانية أن الحادث لم يكن هجوماً إلكترونياً، فيما طلبت الحكومة من رئيس «ناتس» تقديم تقرير عن أسباب الخلل، وأعلنت هيئة الطيران المدني البريطانية إجراء مراجعة مستقلة.

مسافرون عند مكاتب تسجيل الوصول التابعة للخطوط الجوية البريطانية في مطار هيثرو بلندن (رويترز - أرشيفية)

أزمة هيثرو الحالية ليست الأولى التي تثبت مدى هشاشة شبكة الطيران أمام الأعطال الاستثنائية. ففي مارس (آذار) 2025، أدى حريق في محطة كهرباء قريبة إلى انقطاع الكهرباء عن مطار هيثرو وإغلاقه ليوم كامل تقريباً. وتسببت الواقعة في إلغاء أكثر من ألف و300 رحلة وتأثر نحو 200 ألف مسافر، إضافة إلى تحويل رحلات إلى مطارات أخرى في بريطانيا وأوروبا وأميركا الشمالية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018، أدى ظهور طائرات مسيّرة قرب مدرج مطار غاتويك إلى إغلاق المطار بصورة متكررة خلال موسم عيد الميلاد، ما أثر في نحو 140 ألف مسافر وأدى إلى تحويل أو إلغاء نحو ألف رحلة.

أما في الولايات المتحدة، فقد تسبب انقطاع كهربائي ضخم في مطار أتلانتا هارتسفيلد جاكسون عام 2017 في إلغاء أكثر من ألف رحلة، بعدما توقفت أنظمة المطار، بما فيها الإضاءة والسلالم المتحركة وقطارات نقل الركاب والجسور المؤدية إلى الطائرات.

وتكشف هذه الحوادث حقيقة واحدة وهي أن المطار لا يعمل بمعزل عن بقية شبكة الطيران. فإذا تعطل مطار محوري مثل هيثرو، لا تتأثر الرحلات التي تصل إليه أو تغادر منه فقط، وإنما تتأثر الطائرات والأطقم ومواعيد الرحلات المتصلة في مدن ودول أخرى.

هل يحصل المسافر على تعويض؟

هنا تبدأ النقطة الأكثر أهمية بالنسبة للمسافرين. في بريطانيا، تحكم حقوق المسافرين قواعد UK261. وهي الإطار البريطاني الذي ينظم حقوق الركاب في حالات التأخير والإلغاء ورفض الصعود إلى الطائرة.

لكن وجود تأخير طويل لا يعني تلقائياً أن شركة الطيران مطالبة بدفع تعويض مالي. العامل الحاسم هو سبب التأخير.

فإذا كان التأخير أو الإلغاء نتيجة أمر يقع ضمن مسؤولية شركة الطيران، فقد يكون المسافر مؤهلاً لتعويض مالي. أما إذا كان السبب من قبيل «الظروف الاستثنائية» الخارجة عن سيطرة شركة الطيران، فقد لا يكون التعويض المالي مستحقاً. وتوضح هيئة الطيران المدني البريطانية أن التأخير الناتج عن ظرف استثنائي لا يوجب التعويض.

فالخلل في نظام مراقبة الحركة الجوية قد يصنف، بحسب ظروف القضية وتقييم المسؤولية، ضمن الظروف الاستثنائية التي تعفي شركة الطيران من دفع التعويض المالي. ولذلك فإن مجرد وصول المسافر متأخراً ثلاث ساعات أو أكثر لا يعني بالضرورة حصوله على مبلغ تعويض في هذه الحالة.

لكن «لا تعويض» لا تعني «لا حقوق» هذه نقطة يقع فيها كثير من المسافرين. حتى عندما لا يكون التعويض المالي مستحقاً تبقى على شركة الطيران التزامات تجاه المسافر.

فعند التأخير، قد يكون للمسافر حق في الرعاية والمساعدة، بما في ذلك الطعام والشراب ووسائل الاتصال، والإقامة الفندقية عند الضرورة، بحسب مدة التأخير والمسافة وظروف الرحلة.

ولهذا ينصح المسافر بالاحتفاظ بالفواتير والإيصالات الخاصة بالمصروفات الضرورية والمعقولة التي تحملها بسبب التعطل، لأن شركة الطيران قد تكون مطالبة بردها وفقاً للظروف والقواعد المطبقة.

وفي حالة إلغاء الرحلة، يكون للمسافر عموماً خيار بين استرداد قيمة التذكرة أو إعادة توجيهه إلى وجهته وفق الحقوق التي تنطبق على رحلته.

متى يكون التعويض المالي مستحقاً؟

بصورة مبسطة، يمكن للمسافر في الرحلات المشمولة بـUK261 أن يطالب بالتعويض عندما:

*يصل إلى وجهته النهائية متأخراً أكثر من ثلاث ساعات.

*أو تُلغى رحلته في ظروف تجعل التعويض مستحقاً.

*أو يُرفض صعوده إلى الطائرة في حالات معينة.

*ويكون سبب المشكلة من مسؤولية شركة الطيران وليس نتيجة ظرف استثنائي خارج سيطرتها.

وقد يصل التعويض في الحالات المؤهلة إلى 520 جنيهاً إسترلينياً للمسافر، بحسب مسافة الرحلة وظروفها.

لكن هناك فارقاً جوهرياً بين التعويض والرعاية.

فحتى إذا لم يكن المسافر مستحقاً للتعويض المالي بسبب ظرف استثنائي، قد تبقى حقوقه في الطعام أو الفندق أو إعادة التوجيه أو استرداد قيمة التذكرة قائمة.

هل للوجهة علاقة بقيمة التعويض؟

الوجهة لا تحدد وحدها ما إذا كان المسافر يستحق التعويض، سبب المشكلة ونقطة انطلاق الرحلة والقواعد القانونية التي تنطبق عليها عوامل أساسية.

لكن المسافة بين نقطة الانطلاق والوجهة تدخل في تحديد قيمة التعويض عندما يكون التعويض مستحقاً أصلاً. ولهذا تختلف قيمة التعويض بين الرحلات القصيرة والمتوسطة والطويلة.


جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
TT

جولة على مدن تجذب الزوار من أجل طعامها

ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)
ليون تغري زوارها بأطباقها الفرنسية (بيكسلز)

لم نعد نختار المدن لمجرد رؤية معالمها، بل لنستكشفها وجبة بعد وجبة.

تُظهر بيانات شركة «هيلوتيكتس» أن البحث عن عطلات قصيرة في وجهات تتمتع بهوية طهي قوية قد ارتفع بنسبة تتجاوز 30 في المائة. ويعكس هذا التحول أسلوباً جديداً في السفر: أكثر عفوية، وأكثر إثارة للحواس، وأكثر انغماسا في المذاقات حيث أصبحت الأسواق، والمخابز، وقاعات الطعام، والطاولات، والمأكولات المحلية الشهيرة لا تقل أهمية عن المعالم السياحية الكلاسيكية.

باليرمو من المدن التي يقصدها السياح لتذوق أطباقها (بيكسلز)

واليوم، لم تعد العطلات القصيرة في المدن تُبنى فقط على ما ينبغي لك رؤيته، بل أيضاً على ما تتوق لتذوقه؛ فمكان لاحتساء القهوة حُفظت تفاصيله مسبقاً، أو أكلة محلية تُتناول في أثناء السير، أو سوقاً تضج بالحياة، أو عنواناً في أحد الأحياء أوصى به السكان المحليون باتت هي اللحظات التي تحدد معالم الرحلة بصورة متزايدة.

ويقول خورخي دياز لارغو، الرئيس التنفيذي لشركة «هيلوتيكتس»: «نشهد عدداً متزايداً من المسافرين يختارون المدينة بناءً على التجارب اليومية التي يمكنهم خوضها هناك: فنجان قهوة، أو قطعة معجنات، أو سوق محلية، أو أكلة شعبية خاصة. إنها طريقة أكثر حرية وحيوية ومباشرة لاكتشاف الوجهة السياحية».

كوبنهاغن من المدن المميزة بمطبخها (بيكسلز)

تلك المدن التي ربما لم تكن لترتب سفرك إليها لمجرد رؤية معالمها السياحية فحسب، لكنها تغدو عصية على النسيان في اللحظة التي تبدأ فيها باستكشاف معالمها أكلة بعد أكلة.

تبليسي: المدينة التي تحجز رحلتك إليها بدافع الفضول، وتغادرها وأنت لا تفكر إلا بوجباتها.

من خشب «الخاتشابوري» المتبخر بالحرارة، والخبز الطازج الخارج لتوه من الفرن، إلى الزلابية العملاقة، والمطاعم الصغيرة المريحة، والموائد الطويلة السخية: تمتلك تبليسي تلك القدرة النادرة على تحويل كل وجبة إلى جزء أصيل من تجربة السفر. إنها مدينة دافئة، وتفيض بالحيوية، ومناسبة للميزانية على نحو معقول، مدينة يشعر فيها المرء بأن الطعام جزء متغلغل في عمق الحياة اليومية.

تبليسي معروفة بمأكولاتها اللذيذة (بيكسلز)

باليرمو: الفوضى المثالية لعطلة نهاية أسبوع مخصصة للتذوق والتنقل بين مختلف المعالم.

من كرات «الأرانشيني» المقرمشة، وأقراص «البانيلي» المصنوعة من دقيق الحمص، وبيتزا «الشفينشوني» الحافلة بالنكهات، إلى الأسواق المكشوفة المفعمة بالحيوية الصاخبة، والمناضد البسيطة التي تتسم بتواضع ظاهر، لكنها لا تخيب أملك أبداً: باليرمو لا تتصنع لتسحرك، وهذا هو السبب تحديداً في أنها تعيش في ذاكرتك ولا تفارقها. إنها مدينة يُفهم جوهرها على النحو الأفضل وأنت واقف على قدميك تتناول شيئاً ساخناً، بدلاً من اتباع جدول سياحي مُعد بعناية فائقة، وتصنّع مفرط.

بورتو: المدينة التي تجعلك ترغب في التوقف باستمرار.

بورتو في البرتغال (بيكسلز)

شطائر رائعة، ومعجنات طازجة، وأطعمة معلبة فاخرة، ومقاهٍ وأماكن بسيطة دون أي استعراض بلا داعٍ: تُعد بورتو وجهة مثالية للمسافرين الذين يفضلون المدن القريبة من النفس والإنسان، والتي تتمتع بالجمال دون تباهٍ، وبالمتعة دون تصنع أو استعراض. إنها نوعية الأماكن التي يشعر فيها المرء بأن تناول الطعام الجيد فيها أمر يسير، ولا يتطلب أي عناء.

ليون: المدينة الفرنسية التي تظن أنك تعرفها بالفعل... حتى تزورها لمجرد الأكل فقط.

غالباً ما ترتبط ليون بعالم الطهي الرفيع والفخم، غير أن المدينة تبدو مختلفة تماماً عندما تقصدها بحثاً عن الوجبات الخفيفة، والتجول، والأكل في أثناء السير عبر أرجائها. إن المخابز، ومتاجر المعجنات، وطاولات الطعام، والمأكولات المحلية الجاهزة تجعل منها واحدة من أوضح الأمثلة على هذا النمط الجديد من العطلات القصيرة في المدن.

كوبنهاغن: حيث تشعر بأن الوجبة الخفيفة قد أُعدت ببراعة وذوق رفيع.

ثقافة المخابز، والمقاهي المصممة بجمال وإتقان، والأطباق الصغيرة المبتكرة والراقية، والأسواق المحلية، واستراحات التذوق للأطباق اللذيذة، والهوس الهادئ بالتفاصيل: تحول كوبنهاغن كل وقفة فيها إلى شيء مشتهى ومحط إعجاب. إنها مدينة الرغبات الأنيقة، والاستراحات الموزونة بدقة، والملذات البسيطة التي صيغت لتغدو جذابة ومثالية بصورة مذهلة.

الرفاهية الحقيقية الآن هي في المدينة التي تثير شهيتك وتجعلك جائعاً.

وراء صعود اتجاه «العطلات القصيرة القائمة على الطعام أولاً» يكمن أيضاً شعور واضح بالإرهاق والملل من الرحلات التي تبدو مفرطة في التخطيط، والتدقيق، والتكرار المألوف.

وبالطبع، لا يزال المسافرون يرغبون في الشعور بالتنقل والارتحال إلى عالم آخر؛ غير أنهم باتوا يفتشون أيضاً عن مدن تتمتع بطابع وشخصية أكثر أصالة، وأقل تصنعاً وصقلاً، مدن لديها ما تقوله، وتفصح عنه منذ الساعة الأولى. أماكن يمكنك أن تخرج فيها، وتمشي لمدة 20 دقيقة، لتدخل بقعة ما بناءً على نزوة نابعة من لحظتها — وتتعثر صدفة بأجمل لحظات عطلة نهاية الأسبوع.

وقد يكون هذا هو ما يكشفه بحق هذا النمط الجديد من السفر: لم نعد نبحث عن مجرد وجهة جميلة فحسب.

وإنما نقتفي أثر مدينة تتمتع بالذوق الرفيع، وبكل ما تحمله الكلمة من معانٍ.


3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.