مظاهرة حاشدة اليوم في باريس لإدانة معاداة السامية

مظاهرة حاشدة اليوم في باريس لإدانة معاداة السامية

نواب فرنسيون يريدون قانوناً يجرّم معاداة الصهيونية
الثلاثاء - 14 جمادى الآخرة 1440 هـ - 19 فبراير 2019 مـ رقم العدد [ 14693]
قوات مكافحة الشغب تنتشر في مدينة بوردو السبت الماضي (أ.ف.ب)
باريس: ميشال أبو نجم
تشهد باريس اليوم مسيرة حاشدة دعا إليها 14 حزباً من اليمين واليسار، وبمبادرة من الحزب الاشتراكي، للتعبير عن رفض معاداة السامية في فرنسا وإدانة هذه الظاهرة التي عادت بقوة إلى مقدمة الأحداث. وجاء تعرض الفيلسوف ألان فينكلكروت، السبت الماضي، لإهانات وصفته بـ«الصهيوني القذر» على هامش مظاهرة لـ«السترات الصفراء» قريبة من ساحة مونبرناس، وقبلها رسم الصليب النازي المعقوف على صور لسيمون فيل وهي يهودية نجت من المحرقة النازية وشغلت مناصب عليا لاحقاً في فرنسا والاتحاد الأوروبي، ليؤجج الجدل حول استمرارية هذه الظاهرة ومصادرها والأسباب المفضية إليها.

وفي الفترة الزمنية نفسها، تمت كتابة كلمة «يهودي» على واجهة مخبز في قلب باريس، وقطعت شجرة في محافظة إيسون (الواقعة جنوب العاصمة) زرعت لتكريم ذكرى شاب يهودي اسمه إيلان حاليمي خطف وعذب شتاء عام 2006، لتدلّ على عودة الأعمال المعادية للسامية.

ووفق الإحصائيات الرسمية، فإن هذه الظاهرة شهدت ارتفاعاً حاداً في فرنسا العام الماضي وصل إلى 74 في المائة، الأمر الذي يثير قلق المسؤولين لما لها من «دلالات» على أن المجتمع الفرنسي «مريض». وكما في كل مرة يحصل فيها مثل هذا النوع من الأحداث، ينطلق التسابق على الإدانات من الرسميين والسياسيين، وتمتلئ الوسائل الإعلامية الفرنسية بعلماء النفس والاجتماع الذين يعمدون إلى تحليل الظاهرة والبحث عن أسبابها، خصوصاً عن «بروفايل» الفاعلين. والثابت بالنسبة لهؤلاء أن معاداة السامية لم تعد فقط من فعل اليمين المتطرف أو المجموعات المتمركزة في أقصى اليسار المتشدد، بل أصبحت بالأحرى مرتبطة بالحضور العربي - الإسلامي في فرنسا، وتحديداً بالتيارات المتشددة داخله. ولا يتردد بعض المحللين في الربط بين هذه الظاهرة وبين التيارات الراديكالية والإرهابية. وفي السنوات الأخيرة، نمت تيارات فكرية محافظة هدفها الدفاع عن «الهوية» الفرنسية بوجه الهجرات الكثيفة المتدفقة على فرنسا، ومنها الحضور العربي ـ الإسلامي، بالأخص الحاضر في ضواحي المدن الكبرى.

وكل ذلك يمثل تهديداً ليس فقط للهوية الفرنسية، بل للحضارة الغربية مسيحية الطابع، باعتبار أن هذه الفئات «غير قابلة» لا للاندماج أو الانخراط في المجتمع الفرنسي، فضلاً عن أنها غير متقبلة لقيمه. ويمثل الفيلسوف ألان فينكلكروت أحد حاملي لواء هذا التيار، وهو في ذلك يسير في الخط نفسه الذي يسير فيه الكاتب اليميني المحافظ إريك زمور.

منذ أن انطلقت حركة «السترات الصفراء» الاحتجاجية قبل ثلاثة أشهر، سعت جهات بعضها حكومية إلى إلصاق تهمة معاداة السامية بها. وإذا كانت بعض الشعارات التي رفعت خلال المسيرات والمظاهرات قد شهدت بعض تجليات معاداة السامية مثل «ماكرون - روتشيلد» للإشارة إلى أن الرئيس الفرنسي عمل سابقاً في المصرف الذي يحمل اسم عائلة روتشيلد اليهودية، فمن التجني اتهام كل الحركة بمعاداة السامية، كما لا يصح وصف «المشاغبين» المندسين على الحركة بأنهم يمثلون «السترات الصفراء». إلا أن وجود مجموعات ناشطة تنتمي إلى اليمين المتطرف واليسار المتشدد سهل إلصاق هذه التهمة بها، وهو ما لم يتردد في تأكيده الوزير بنجامين غريفو، الناطق باسم الحكومة، أكثر من مرة.

وفي معرض إدانته للاعتداء على فينكلكروت، قال الكاتب اليهودي برنار هنري ليفي إنه «ليس من الصحيح للأسف القول إن معاداة السامية موجودة على هامش حركة (السترات الصفراء)، بل إنها في قلبها». ووصف ليفي المعتدين بأنهم «من صغار النازيين».

كان الاعتداء على فينكلكروت المتحدر من عائلة يهودية بولندية، الذي دخل إلى الأكاديمية الفرنسية، الشعرة التي قصمت ظهر البعير، وأوجدت تعبئة تذكر بما عرفته فرنسا عقب انتهاك حرمة مدفن يهودي في مدينة كربنتراس أيام الرئيس فرنسوا ميتران، في ثمانينيات القرن الماضي. فبالإضافة إلى إدانات الطبقة السياسية بكامل مكوناتها يميناً ويساراً، بما في ذلك الطرفان الأكثر تشدداً، انهالت البرقيات المنددة من الجمعيات والشخصيات التي «تزايد» في التعبير عن الإدانة.

وقال الرئيس ماكرون، في تغريدة على حسابه الرسمي، إن الشتائم المعادية للسامية التي تعرض لها فينكلكروت هي «النفي المطلق لما نمثله، ولما يجعلنا أمة كبيرة ولن نسمح بها». أما وزير الداخلية كريستوف كاستانير فقد وصف ما حصل بأنه «تدفق للحقد»، وأن حصول أمر كهذا في عام 2019 «أمر لا يمكن التساهل به». وعمدت النيابة العامة إلى فتح تحقيق في الحادثة. وأفادت مصادر أمنية بأنه تم التعرف على أحد الأشخاص الذي أهانوا فينكلكروت. وغداً الأربعاء، سيكون الرئيس ماكرون ضيف الجالية اليهودية في العشاء التقليدي الذي يقيمه المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا في متحف اللوفر، وستكون المناسبة فرصة للعودة إلى ما حصل في الأيام الأخيرة.

منذ السبت الماضي، كان فينكلكروت ضيفاً لشبكات التلفزيون والإذاعات والصحف، وفي كل مداخلاته نفى الكاتب المعروف أن يكون قد سمع شتيمة «اليهودي القذر»، بل «الصهيوني القذر». وإذا كانت الشتيمة الأولى تقع تحت طائلة القانون، فإن الثانية ليس منصوصاً عليها في القانون المذكور. لذا، فإن عدداً من النواب المنتمين إلى «مجموعة الدراسات حول معاداة السامية» تعكف على دراسة اقتراح قانون يمكن أن يقدم قريباً إلى مجلس النواب يجرم معاداة الصهيوينة، كما معاداة السامية. وسبق للرئيس ماكرون أن قال في خطاب له في 17 يوليو (تموز) من عام 2017، بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «لن نستسلم أمام معاداة الصهيونية، لأنها الشكل الجديد لمعاداة السامية». وسيكون من المفيد معرفة ما إذا كان ماكرون راغباً في الدفع باتجاه استصدار قانون بهذا المعنى، علماً بأن هناك «تحفظات» حتى من قلب الحكومة إزاء مشروع كهذا يمكن أن يضع تحت طائلة القانون أي انتقاد لسياسة إسرائيل إزاء الفلسطينيين. وفي أي حال، فإن المنظمات اليهودية والكثير من السياسيين الفرنسيين يخلطون بين انتقاد إسرائيل وبين معاداة السامية، لا بل يستخدمون هذه المسألة سيفاً مسلطاً على رقاب من يتجرأ على انتقادها. وقال رئيس مجموعة الدراسات المذكورة سيلفان مايار، النائب عن الحزب الرئاسي، إن الغرض «معاقبة معاداة الصهيونية». إلا أن وزيرة العدل نيكول بيلوبيه دعت إلى «الحذر»، وإلى «التنبه لما نريد إدانته».
فرنسا فرنسا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة