ملف الكهرباء... الامتحان الأصعب للحكومة اللبنانية

يشكّل أول اختبار لوقف الهدر والتقيُّد بالبرنامج الإصلاحي ويؤهّل البلد للإفادة اقتصادياً من «سيدر»

متظاهران تسلقا تمثال رياض الصلح وسط بيروت خلال تجمع لـ«الشيوعي» اللبناني احتجاجاً على الأوضاع المعيشية (إ.ب.أ)
متظاهران تسلقا تمثال رياض الصلح وسط بيروت خلال تجمع لـ«الشيوعي» اللبناني احتجاجاً على الأوضاع المعيشية (إ.ب.أ)
TT

ملف الكهرباء... الامتحان الأصعب للحكومة اللبنانية

متظاهران تسلقا تمثال رياض الصلح وسط بيروت خلال تجمع لـ«الشيوعي» اللبناني احتجاجاً على الأوضاع المعيشية (إ.ب.أ)
متظاهران تسلقا تمثال رياض الصلح وسط بيروت خلال تجمع لـ«الشيوعي» اللبناني احتجاجاً على الأوضاع المعيشية (إ.ب.أ)

يشكل التزام حكومة الرئيس سعد الحريري بتأمين تغذية المناطق اللبنانية بالتيار الكهربائي على مدار 24 ساعة انسجاماً مع ما تعهدت به في بيانها الوزاري الذي نالت على أساسه ثقة البرلمان، أول اختبار جدّي للتأكد من مدى استعدادها لتنفيذ الورقة الإصلاحية التي تتيح لها الإفادة من مقررات مؤتمر «سيدر» المخصصة للنهوض الاقتصادي بلبنان، لأنه من غير الجائز استمرار معاناة اللبنانيين من جراء سوء التغذية بالكهرباء.
وتأمين التيار الكهربائي - كما تقول مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط» - يجب أن يكون على قياس الورقة الإصلاحية التي نصّت على وقف الهدر ومكافحة الفساد وحسن إدارة المال العام، خصوصاً أن الوصول إلى حل لمعضلة ملف الكهرباء سيتيح للحكومة القيام بخطوات ملموسة لعقد مصالحة مع السواد الأعظم من اللبنانيين الذي يأخذ عليها قصورها في تأمين الخدمات الضرورية لمواطنيها وأولها التغذية بالتيار الكهربائي.
وتؤكد المصادر الوزارية والنيابية بأن الحكومة أعدت ورشة عمل ومن أولويات بنودها إقرار مشروع الموازنة العامة للعام الحالي وإحالته على البرلمان للتصديق عليه، لكن هذا لن يمنعها من الالتفات إلى ملف الكهرباء الذي يتسبب في استمرار معاناة اللبنانيين من النقص الفادح في تأمين التغذية بالتيار الكهربائي منذ أكثر من ثلاثة عقود، هذا ما عدا الأضرار التي لحقت به بسبب الحروب المتنقّلة التي عصفت بلبنان.
وتلفت إلى وجود تلازم بين الشروع في إعداد الموازنة العامة، وبين استكمال ملف تأمين الكهرباء على مدار 24 ساعة وتقول بأنه سيكون موضع نقاش داخل مجلس الوزراء وقد يتخلّله سجال، لكن لا شيء يمنع من الاتفاق على الخطوات العملية التي تقود حتماً إلى وضع الدراسات على سكة التنفيذ.
وإذ تتوقع المصادر أن يبادر وزراء فور طرح ملف الكهرباء على بساط البحث إلى الطلب بتأمين جردة تتعلق بهذا الملف منذ عام 2010 حتى اليوم، أي مع تناوب وزراء من «التيار الوطني الحر» على تسلُّم وزارة الطاقة ليكون في وسعهم أن يبنوا على الشيء مقتضاه، استناداً إلى إحاطتهم بالأسباب والعوائق التي حالت دون تنفيذ الخطط لإصلاح الكهرباء والتي كانت وُضعت من قبل هؤلاء الوزراء، فإنها في المقابل تتخوّف من أن يتجدّد التباين داخل الحكومة كما حصل في الحكومات السابقة.
كما أن رئيس المجلس النيابي يدرس احتمال الدعوة إلى عقد جلسة بعد فتح دورة استثنائية تخصص لمناقشة ملف الكهرباء في ظل وجود تباين حول تلزيمه بين فريق يدعو إلى إشراك القطاع الخاص في إنشاء معامل جديدة لتوليد الطاقة الكهربائية لأن هناك ضرورة لمثل هذه الشراكة بين القطاعين العام والخاص وآخر لا يحبّذ خصخصة القطاع الكهربائي.
وقد يكون من السابق لأوانه إخضاع مجلس الوزراء إلى عملية فرز بين وجهات النظر المتعددة حول تأمين الكهرباء على مدار 24 ساعة إلا إذا استعيد الانقسام الذي كان قائماً في الحكومة السابقة برئاسة الحريري وأدى إلى تمديد التأخير في تلزيم إنشاء المعامل لتوليد الطاقة. وهذا ما أطال فترات استئجار البواخر التركية لتأمين سد بعض النقص في التغذية في التيار الكهربائي.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن وزيرة الطاقة ندى البستاني التي كانت في عداد فريق المستشارين لسلفها سيزار أبي خليل باشرت بوضع خطة لإصلاح الكهرباء وأنها تتواصل حالياً مع الرئيس الحريري للوصول إلى بلورة أفكار مشتركة قد تشكّل الأساس لوضع خطة تُعرض على مجلس الوزراء.
وتلفت مصادر وزارية إلى أنها لا ترى من ضرورة للاستدانة لتأمين تغطية تكلفة إعادة تأهيل المعامل لتوليد الطاقة أو إنشاء معامل جديدة، هذا في حال تم التوافق على عقد شراكة مع القطاع الخاص الذي يُبدي حماسه ليكون طرفاً في هذه الشراكة.
وتقول بأنه سيصار من ضمن الخطة إلى إعادة تأهيل خطوط النقل والتوزيع على أن تبقى ملكاً للدولة، وكذلك الحال بالنسبة إلى المعامل القائمة حالياً، فيما المعامل الجديدة ستقوم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وتضيف إن الباب مفتوح لإشراك شركات عالمية في تلزيم إنشاء المعامل الجديدة ومنها على سبيل المثال لا الحصر «سيمنز» و«جنرال إلكتريك»، مؤكدة بأن التلزيم لن يكون محكوماً بالأساليب التقليدية لئلا يتطلب إنشاء هذه المعامل وقتاً طويلاً، فيما تتطلّع الحكومة إلى خفض العجز في الكهرباء الذي يقدّر سنوياً بنحو ملياري دولار.
وترى المصادر أن إنشاء المعامل الجديدة لا يحتاج إلى أكثر من ستة أشهر من تاريخ توقيع العقد مع الشركات التي يقع عليها التلزيم، بشرط تجاوز الأساليب التقليدية في عملية التلزيم.
لذلك، فإن هناك ضرورة لإخراج ملف الكهرباء من التجاذبات السياسية، لئلا يغرق مجلس الوزراء في انقسامات كتلك التي أصابت الحكومة السابقة بسبب الاختلاف في وجهات النظر حول الأصول الواجب اتباعها لتلزيمه، بعيداً عن المحاصصة أو إبرام الصفقات.
وعليه، فإن الحكومة الفرنسية ستأخذ على عاتقها مواكبة الخطوات الإصلاحية لإنقاذ لبنان من التأزُّم الاقتصادي، وهذا يستدعي من الحكومة اللبنانية التقيُّد بتفاصيل الورقة الإصلاحية والإفادة من الوقت وعدم هدر الفرص التي لا يمكن أن تتكرر. وإلاّ لما حذّر الحريري في مداخلته رداً على مداخلات النواب في جلسات الثقة من عدم توظيف الفرصة التاريخية التي تدفع في اتجاه إنقاذ البلد.
وهكذا بات على الحكومة بدءاً من هذا الأسبوع أن تُحسّن في مخاطبة المجتمع الدولي بأنها قادرة على تجديد ثقته بلبنان وأن ما تعهدت به أمامه في مؤتمر «سيدر» لن يبقى حبراً على ورق. وبالتالي فإن إدارتها لملف تأهيل الكهرباء هو المدخل لتفعيل مقرراته باعتبار أنه بمثابة «تذكرة سفر» سياسية واقتصادية للعبور بالبلد إلى بر الأمان بعيداً عن المناكفات السياسية والكيدية، خصوصاً أن نجاح الحكومة في تأمين التغذية بالتيار الكهربائي على مدار 24 ساعة يتطلب منها أن تُحسن العمل لتأهيل هذا الملف بالتلازم مع تقيُّدها بخريطة الطريق التي من دونها لا يمكن أن تتوجه إلى المجتمع الدولي برسالة عنوانها أن لبنان قادر على مساعدة نفسه، وبالتالي يستأهل مساعدة الحلفاء والأصدقاء.
والحكومة تقف أمام اتخاذ قرارات صعبة لتكون قادرة على استعادة ثقة اللبنانيين ببلدهم، وهذا يتطلب ترجمة الأقوال إلى أفعال، ويتعين الانتظار ومراقبة ماذا سيقوم به الحريري من خلال «حكومة الفرصة الأخيرة» التي لا يجوز التفريط فيها بعد أن تجاوب المجتمع الدولي مع رئيس الحكومة وقرّر تمديد فترة السماح له للنهوض بالاقتصاد اللبناني، وهذا ما يبرر الدعم الدولي والإقليمي الذي تُرجم في مؤتمر «سيدر».



عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط... ونتنياهو و«حزب الله» يخوضان حرباً عبثية

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط... ونتنياهو و«حزب الله» يخوضان حرباً عبثية

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن إيران «تستخدم لبنان ورقة ضغط» في إطار مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب «حزب الله»، يشنان «حرباً عبثية» لن تؤدي أبداً إلى «النتيجة المرجوة».

وقال عون في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» الأميركية إن «الطريقة الوحيدة لإنهاء الصراع بين لبنان وإسرائيل هي من خلال المفاوضات، وعلى نتنياهو والإسرائيليين و(حزب الله) أن يفهموا أنهم يخوضون حرباً لا جدوى منها، وأن الاستراتيجية التي يتبعونها هي قصيرة النظر، وتؤدي إلى نتائج عكسية».

وشدد على أنه «لا يمكن التعامل مع (حزب الله) إلا محلياً، وهذا هو واجب الدولة والحكومة، إنما بشرط واحد وهو إزالة جذور أسباب وجود سلاحه؛ أي الانسحاب الإسرائيلي وإنهاء حالة الصراع مع إسرائيل».

وأعلن أنه «يرفض تماماً تصريح (الحرس الثوري) الإيراني الذي يملك تأثيراً كبيراً على (حزب الله)، لجهة عدم موافقتهم على الاتفاق وما حصل، وإنهم يستعملون لبنان ورقة تفاوضية في مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة الأميركية».

وأضاف: «سئمنا هذا الوضع منذ عام 1969، نريد أن نعيش في سلام، ويستحق اللبنانيون عدم رؤية منازلهم تدمّر كل 5 أو 10 سنوات، لقد ملّوا وهم يعتمدون عليّ ومن واجبي تجاه شعبي. هم الشعب اللبناني وليسوا شعب (الأمين العام لحزب الله) نعيم قاسم».

وأضاف: «لدينا فرصة جيدة لإنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، لدينا فرصة للشعبين اللبناني والإسرائيلي للعيش في حالة من الأمن والأمان. إنها فرصة هائلة وعليهما أن يختارا (نتنياهو وحزب الله): الحرب أو المفاوضات أو الدبلوماسية، والدبلوماسية هي أفضل طريقة. وكرجل عسكري، فإنني أفهم وقد عشت فظائع الحرب، وأفضل طريقة هي عبر الدبلوماسية، فالحروب بشكل عام، وعبر التاريخ، تنتهي بمنتصر ومهزوم أو من خلال المفاوضات، ولن يتمكن الطرفان من تحقيق أهدافهما من خلال الحرب».

وعن إمكان اقتناع «حزب الله» بالمفاوضات واتفاق وقف إطلاق النار، أعرب عون عن أمله في أن يتم إقناعهم في نهاية المطاف، لكنه أضاف: «إنما الثمن سيكون مرتفعاً للأسف. سأحاول، فليس هناك من مستحيل، وسأدفع نحو هذا الأمر».

وأوضح أن «رئيس مجلس النواب نبيه بري يؤيد المفاوضات وإنهاء هذه الحرب، وقد سئم من الحرب بعد أن شاهد تدمير الجنوب، وأعتمد عليه».

أما عن تصريح «الحرس الثوري» الإيراني الذي أعلن فيه عدم موافقته على الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، شدد عون على رفضه لهذا الكلام، وقال: «هذا ليس بلدكم، إنه بلدنا، وواجبنا، وعملكم ليس التدخل في بلدنا، وأنا أرفض هذا التصريح بشكل تام، لأن شعبنا هو الذي يقتل، وبيوتنا هي التي تدمّر، هم يستعملون لبنان ورقة تفاوضية في مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة الأميركية. هذا أمر غير مقبول».


الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين باغتيال مسؤول تنموي بارز

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين باغتيال مسؤول تنموي بارز

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

اتهمت الحكومة اليمنية الجماعةَ الحوثية بالوقوف وراء اغتيال أحد أبرز المسؤولين التنمويين في البلاد، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً نظراً لمكانة الضحية ودوره في إدارة واحد من أهم البرامج التنموية التي عملت لعقود على دعم المجتمعات المحلية، والتخفيف من آثار الأزمات الإنسانية.

وجاءت هذه الاتهامات خلال مباحثات أجراها وزير الداخلية اليمني، اللواء الركن إبراهيم حيدان، مع سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، حيث استعرض الوزير مستجدات التحقيقات المتعلقة باغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قائد، والإجراءات التي نفَّذتها الأجهزة الأمنية منذ وقوع الحادثة. وفق ما ذكره الإعلام الرسمي.

وأكد الوزير اليمني أنَّ التحقيقات أسفرت عن ضبط عدد من المشتبه بهم، مشيراً إلى وجود أدلة قالت السلطات إنَّها تثبت تورُّط الحوثيين في التخطيط والتنفيذ للجريمة، في تطوُّر يضيف بُعداً جديداً إلى الاتهامات المتبادلة بين الحكومة والجماعة بشأن استهداف الكوادر المدنية والعاملين في المجالات الإنسانية والتنموية.

وبحسب وزارة الداخلية اليمنية، فإنَّ مسار التحقيقات قاد إلى نتائج وصفتها بالحاسمة، دفعتها إلى تحميل الحوثيين المسؤولية عن عملية الاغتيال التي استهدفت المسؤول التنموي البارز الذي كان يقود مؤسسةً لعبت دوراً محورياً في تنفيذ مشروعات تنموية وخدمية في مختلف المحافظات اليمنية.

وزير الداخلية اليمني إبراهيم حيدان (إعلام حكومي)

وأبلغ الوزير السفير الأوروبي أنَّ الأجهزة الأمنية تواصل استكمال إجراءات التحقيق وجمع الأدلة وملاحقة المتورطين، مؤكداً أنَّ الجريمة لا يمكن فصلها عن المناخ الأمني المُعقَّد الذي تعيشه البلاد منذ سنوات.

كما ربط حيدان بين هذه القضية، واستمرار الجماعة الحوثية في احتجاز عدد من موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الدولية، عادّاً أنَّ تلك الممارسات تعكس نهجاً متصاعداً في التضييق على العمل الإنساني والتنموي.

وتنظر الأوساط الحكومية إلى الحادثة بوصفها ضربةً موجعةً للجهود التنموية في اليمن، لا سيما أنَّ الصندوق الاجتماعي للتنمية يُعدُّ من أهم المؤسسات التي حافظت على نشاطها خلال سنوات الحرب، وأسهمت في توفير فرص العمل وتحسين الخدمات الأساسية في المناطق الأكثر احتياجاً.

تعاون أمني مع أوروبا

جاء ملف الاغتيال ضمن مباحثات أوسع تناولت التعاون الأمني بين اليمن والاتحاد الأوروبي، حيث أشاد وزير الداخلية بالدعم الذي يُقدِّمه الاتحاد الأوروبي للحكومة اليمنية، وبرامج بناء قدرات الأجهزة الأمنية.

وأكد حيدان تطلع وزارته إلى توسيع مجالات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في ملفات مكافحة الهجرة غير الشرعية والتحديات الأمنية العابرة للحدود، مشدداً على أهمية التنسيق المشترك لحماية المصالح المتبادلة وتعزيز الاستقرار.

من جانبه، جدَّد سفير الاتحاد الأوروبي دعم الاتحاد لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة باليمن، مؤكداً استمرار التعاون مع وزارة الداخلية في مختلف المجالات الأمنية بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار. بحسب ما نقله الإعلام الرسمي.

ويأتي هذا الدعم في وقت تسعى فيه الحكومة إلى حشد مزيد من المساندة الدولية لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية المتفاقمة، وسط استمرار الصراع وتراجع مستويات التمويل الدولي للبرامج الإغاثية والتنموية.

انتهاكات واسعة بحق الأطفال

بالتزامن مع الاتهامات الحكومية بشأن عملية الاغتيال، أصدرت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات تقريراً جديداً وثَّقت فيه ما قالت إنها «انتهاكات واسعة» ارتكبتها الجماعة الحوثية بحق الأطفال منذ بداية عام 2015 وحتى نهاية مارس (آذار) 2026.

ووفق التقرير، بلغ عدد الانتهاكات الموثقة نحو 29 ألفاً و891 حالة، شملت القتل، والإصابة، والاختطاف، والإخفاء القسري، والتعذيب، والاعتداءات الجنسية، والتجنيد القسري للأطفال.

وأشار التقرير الحقوقي إلى مقتل أكثر من 5 آلاف طفل وإصابة آلاف آخرين، فضلاً عن تهجير عشرات الآلاف وتشريدهم، بينما حُرم ملايين الأطفال من التعليم؛ نتيجة تداعيات الحرب وتحويل عدد من المدارس إلى مواقع عسكرية أو مراكز للتعبئة والتجنيد.

كما تحدَّث التقرير عن استمرار الحوثيين في تجنيد الأطفال وإشراكهم في العمليات القتالية، مؤكداً أنَّ هذه الممارسات تمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل، وداعياً المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات أكثر فاعلية لحماية الأطفال ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات.


السيولة المفقودة تربك الاقتصاد اليمني وتعمّق أزماته

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
TT

السيولة المفقودة تربك الاقتصاد اليمني وتعمّق أزماته

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)

بينما يُنظر إلى أزمة السيولة التي تواجه الحكومة اليمنية على أنها نقص في الأوراق النقدية، يرى خبراء اقتصاديون أن المستجد الأبرز يتمثل في اتساع الفجوة بين البنوك والسوق، مع استمرار تركز جزء كبير من السيولة خارج القنوات المصرفية الرسمية؛ الأمر الذي حدّ من فاعلية السياسات النقدية وأبقى الأزمة قائمة رغم الإجراءات الأخيرة للبنك المركزي.

وفي حين لم يعلن البنك المركزي اليمني، بشكل مباشر، عن قرارات لمعالجة الأزمة التي تواجه القطاع المصرفي وتلقي بآثار ثقيلة على الاقتصاد والسكان، فإن الإجراءات المتخذة من طرفه خلال الفترة الماضية، غير قادرة على إنهاء معاناة البنوك اليمنية في الحصول على الأوراق النقدية الكافية لإنجاز المعاملات اليومية.

ويرى الخبير الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي أن توصيف الأزمة بأنها نقص في النقد ليس دقيقاً بالكامل، موضحاً أن الأوراق النقدية لا تزال متوافرة في الأسواق ويتم تداولها خارج الجهاز المصرفي، في حين تكمن المشكلة الأساسية في عجز البنوك عن استقطاب هذه الأموال وإعادتها إلى الدورة المالية الرسمية.

ويوضح الآنسي لـ«الشرق الأوسط» أن القيود التنظيمية وآليات العمل التقليدية التي ما زالت تحكم القطاع المصرفي تقلص جاذبية البنوك وتجعلها أقل قدرة على المنافسة مقارنة بشركات الصرافة.

تتصاعد المخاوف اليمنية من تأثيرات أزمات المنطقة على مستويات المعيشة (رويترز)

وتفرض البنوك حدوداً منخفضة على التحويلات وساعات عمل محدودة، في حين توفر شركات الصرافة خدمات أكثر مرونة وسرعة؛ الأمر الذي دفع شريحة واسعة من الأفراد والتجار إلى الابتعاد عن التعامل المصرفي التقليدي، وفقاً للآنسي.

وشهد الناتج المحلي الإجمالي في اليمن انكماشاً حاداً ومستمراً خلال العقد الممتد من 2015 إلى 2025 (عقد الانقلاب الحوثي والحرب)، بانكماش وصل إلى نحو 43 في المائة، ووصل إجمالي الخسائر التراكمية للاقتصاد اليمني إلى أكثر من 126 مليار دولار، كما تنقل بيانات البنك الدولي ووزارة التخطيط والتعاون الدولي اليمنية.

أزمة بنيوية

خلال الأسابيع الماضية، أجرى البنك المركزي اليمني اجتماعات مكثفة مع البنوك المحلية وبرنامج الغذاء العالمي، وسط مخاوف من تأثيرات عميقة للنزاعات في المنطقة على الأمن الغذائي في البلاد، وعدم القدرة على توفير السلع الأساسية للسكان.

ويرى عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن المشكلة تتجاوز الأدوات الفنية للبنك المركزي إلى بنية مؤسسية أكثر تعقيداً؛ إذ تفتقر السلطات النقدية إلى أدوات مالية جاذبة يمكن أن تستقطب السيولة المكتنزة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي ذات العوائد المناسبة، فضلاً عن تأثير الانقسام النقدي والمؤسسي الذي فرضته الحرب وأدى إلى تشظي المنظومة المالية وإضعاف مركزية القرار النقدي.

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» استبعد المساجدي وجود تأثير مباشر لممارسات الجماعة الحوثية في هذه الأزمة التي تواجهها مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، إلا أنه نبّه إلى وقوع تأثير بنيوي لإقدام الجماعة على خلق اقتصاد موازٍ يعتمد على التعاملات غير المصرفية ويعيد إنتاج سلوكيات مالية مضطربة، ودفع السياسة النقدية إلى العمل في بيئة غير مكتملة السيطرة.

وتتهم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، الحوثيين بضرب واستهداف الاقتصاد اليمني وموارد الدولة، والاعتداء على موانئ تصدير النفط والتهديد وإيقاف حركة تصدير الوقود والغاز؛ ما أدى إلى حرمان السكان من أهم مصادر الإيرادات والمرتبات والخدمات الأساسية.

من جانبه، يربط الخبير الاقتصادي اليمني عبد السلام الأثوري أزمة السيولة بحالة تفكك أوسع طالت مؤسسات الدولة وآليات إدارة الموارد العامة. ويشير إلى أن جزءاً من الأموال المتداولة يتسرب خارج الدورة الاقتصادية الرسمية عبر قنوات غير مصرفية، في حين تتجه مبالغ أخرى نحو المضاربة بالعملات الأجنبية أو التحويل إلى الخارج؛ الأمر الذي يفاقم اختلالات السوق النقدية.

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بتدمير الاقتصاد واستهداف المنشآت الاقتصادية منذ بدء الحرب (أ.ب)

وطبقاً لما قاله الأثوري لـ«الشرق الأوسط»، فإن تراجع دور المؤسسات المالية الرسمية أدى إلى توسع الاقتصاد الموازي، حيث أصبحت شركات الصرافة تستحوذ على جزء كبير من السيولة وتوجهها نحو المضاربة والتحويلات الخارجية، كما عمّق الانقسام السياسي والنقدي تشظي المنظومة المالية؛ ما عطل الدورة النقدية وأحدث اختناقاً في السيولة، رغم وجود أموال كبيرة خارج الجهاز المصرفي.

إجراءات غير مجدية

على الرغم من الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي اليمني خلال الأشهر الماضية، بما في ذلك رفع أسعار الفائدة على الودائع، وتشديد الرقابة على شركات الصرافة، وتنظيم عمليات الاستيراد، فإن المراقبين يرون أن تأثير هذه الإجراءات لا يزال محدوداً ما لم تترافق مع إصلاحات أعمق تعيد الثقة بالقطاع المصرفي وتنشط الدورة النقدية.

ويؤكد الآنسي أن رفع أسعار الفائدة قد لا يحقق النتائج المرجوة؛ لأن البنك المركزي لا يسيطر فعلياً إلا على جزء محدود من الكتلة النقدية، بينما تبقى النسبة الأكبر خارج النظام المصرفي، كما يدعو إلى مراجعة بعض السياسات المتعلقة بتمويل الواردات لتخفيف الضغط على السيولة المحلية.

وطالب بتعديل القرار الملزم للمستوردين بتوريد 100 في المائة من قيمة الاعتمادات بالعملة المحلية لتخفيف الضغط عليها، منوهاً إلى أن البنك المركزي لا يستطيع إلزام البنوك بتجاوز ما يُعرف بمركز العملة؛ لأن البنوك لا تملك حق تغيير أموال المودعين من عملة إلى أخرى إلا بطلبهم.

على الرغم من تحسن سعر الريال اليمني فإنه يعاني ضعف القدرة الشرائية (أ.ب)

ويسعى البنك المركزي إلى إلزام بعض البنوك بتوفير العملات الأجنبية، وضخها في الأسواق لتغطية العجز عن دفع الرواتب.

من جهته، يدعو الأثوري إلى إصلاح الرواتب من خلال تدقيق القوائم الوظيفية وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر، وتشديد الرقابة على شركات الصرافة، ودمج جزء منها بالنظام المصرفي، والتحول للدفع الرقمي من خلال توسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد، ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة.

ومع استمرار اختناق السيولة رغم وجود كتل نقدية كبيرة خارج الجهاز المصرفي، تبدو الأزمة أقرب إلى أزمة توزيع وثقة وإدارة مالية منها إلى نقص فعلي في الأموال؛ وهو ما يجعل معالجتها مرهونة بإصلاحات مؤسسية أوسع تتجاوز الأدوات النقدية التقليدية.