د. شيرين أبو النجا: دور المثقف في العالم العربي هو إنتاج المعرفة وليس قيادة الجماهير

الناقدة المصرية ترى أنه علينا أن نعيد قراءة السياسي لنفهم الثقافي

د. شيرين أبو النجا
د. شيرين أبو النجا
TT

د. شيرين أبو النجا: دور المثقف في العالم العربي هو إنتاج المعرفة وليس قيادة الجماهير

د. شيرين أبو النجا
د. شيرين أبو النجا

الدكتورة شيرين أبو النجا، ناقدة وروائية مصرية تعمل أستاذة للأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة، ولها مساهمات بارزة في مجال النقد والكتابة النسوية، كما أن آراءها الخاصة كثيرا ما تثير الجدل في المحافل الثقافية.
وفي حوارها هذا، أثارت الكثير من القضايا الثقافية والسياسية ذات الصلة؛ أهمها علاقة المثقف بالسلطة، وتأثير المشهد السياسي العربي على أحوال الثقافة والمثقفين، وخطورة الخطاب اليميني المتطرف على مستقبل الإبداع، وحقيقة وجود مصطلح الإبداع النسوي، ووضعية المبدعة العربية ومدى معاناتها احتكار الرجل. هنا نص الحوار:

* بداية، ما تقييمك للمشهد الثقافي المصري والعربي في ضوء ما يمر به من أحداث مهمة؟
- الوضع شديد التعقيد، سواء فيما يتعلق بعلاقة المثقف بذاته (الشك، التردد، الغضب، الانعزال الفكري)، أو علاقته بجماعة المثقفين الواسعة (الاتهام، الشجب، الرفض، الانقسام، التعاطف)، أو علاقته بالسلطة (الانسحاب، الهجوم، التقوقع، المقاومة، المعارضة، المساندة، التواطؤ). يبدو الأمر منطقيا أن تكون العلاقات متشابكة، ومتضمنة تواصلا وانقطاعا بهذا القدر. فاللحظة المعرفية والسياسية التي يمر بها العالم بأكمله، والانقلابات المهولة في مجال التكنولوجيا والمعلومات، بالإضافة إلى التطور الخيالي في صناعة الأسلحة (المصاحب لانتشار الأوبئة والظواهر الاجتماعية الفريدة)، وصعود خطابات يمينية متطرفة في المنطقة العربية - كل ذلك يجعل العالم يبدو كأنه يمر من ثقب إبرة، في محاولة مستميتة لإعادة صياغة علاقات القوى. في هذا السياق المضطرب المخيف، يتحول المثقف والمشهد الثقافي معه - بالضرورة - إلى أضعف حلقة، يمكن من خلالها النفاذ إلى قلب المجتمع بسهولة ويسر لإضفاء اللون المرغوب عليه، ولنا في تاريخ إيران وفرنسا الحديث نماذج صارخة لذلك. وعليه، لا يمكن أن نفْرط في المثالية ونتوقع تغييرا مباشرا في المشهد الثقافي برمته، كل ما يمكن فعله هو رصد خطاب المثقف كفرد. تقييم المشهد يحتاج إلى فترة أطول من ذلك، كما أن الثقافي ليس منفصلا بأي حال من الأحوال عن السياسي. ربما علينا أن نعيد قراءة السياسي لنفهم الثقافي.
* هل يمكن عدّ الأحداث الثقافية الكبرى والمتنوعة في المنطقة العربية مؤشرا على تطور الثقافة والإبداع في العالم العربي؟
- الحدث - والثورة حدث بكل المقاييس - لم ينته بعد، بل هو في صيرورة دائمة. بل إن الثورة نفسها، بمعنى الخروج إلى الشارع وإعادة تعريف المجال العام في علاقته بالمجريات السياسية، هي في حد ذاتها مؤشر على تطور الثقافة، أو بالأحرى على اكتساب مساحات جديدة ثقافيا. كما أن الثورة أنتجت أشكالا إبداعية جديدة لم تكن موجودة من قبل، وأهمها فن الغرافيتي، وإعادة الاعتبار للأفلام التوثيقية، ناهيك بتطور فن السخرية والمفارقة.
* ما رأيك في ثورات الربيع العربي وتأثيرها على المثقف العربي؟
- لا أعتقد أن المثقف العربي كان مستعدا للثورة، لا أعتقد أن أيا منا كان على استعداد، كانت الثورة حلما ليس إلا، وفجأة تحقق الحلم كأننا ننظر إلى ضوء باهر فلا نتمكن من الرؤية بوضوح. ظلت العلاقة بين الجماعة الثقافية والمؤسسة الرسمية راكدة، مشوبة باليأس، حتى انفجرت تماما كما حدث في بقية المجالات مع ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، إلا أن هذا الانفجار قد زاد من هشاشة الجماعة الثقافية في مواجهة خطاب يميني شديد المحافظة ينصب نفسه كأب جديد، وجيل جديد جل همه الإطاحة بسلطة الأب. لم يكن المأزق سهلا ولا متوقعا، رغم أن قراءة بسيطة للواقع كانت ستسهل للمثقف «الأبوي» فهم تطلعات جيل جديد ينهل من لغة جديدة، ومن ثم تعبر عن رؤية مغايرة للعالم.
* ألهمت ثورة يوليو (تموز) مبدعينا الكبار أعمالا خالدة، فلماذا لم نر ذلك مع ثورات الربيع العربي؟
- وهل انتهت الثورة؟ الثورة مستمرة طالما لم تتحقق الأهداف التي قامت من أجلها. كانت الكرامة هي المطلب، وحتى يتحقق ذلك يمكن أن نبحث عن «أعمال خالدة».
* هل كشفت تلك الثورات فشل المثقف العربي في التعاطي مع الأحداث والقيام بدور إيجابي؟
- دور المثقف هو إنتاج المعرفة فقط. هذا هو المعيار الذي ينبغي الأخذ به عند التقييم. بمراجعة تقارير المعرفة التي تصدر عن الأمم المتحدة بالتعاون مع مؤسسة آل مكتوم، ندرك أن العالم العربي بشكل عام متراجع في إنتاج المعرفة، وهذا هو ما يجب أن نوليه أهمية. على المثقف أن يذكر نفسه دائما بأن مهمته ليست الوصاية الأبوية (من دون وعي كأن يعيد إنتاج فكرة الأب - الرئيس) بوصفه مالكا للحقيقة، وليس مفروضا أن يقود الجماهير، بل أن يكون منها. فكلما كانت فكرته مرتبطة بالحركة الجماهيرية وتطلعاتها، كانت الفكرة عملية وقابلة للتحقق رغم كل القيود التي كانت تفرضها السلطة، وقادرة على خلخلة الخطاب السائد وإرباك مفرداته أملا في إنتاج لغة جديدة.
* ما رأيك في مصطلح «الإبداع النسوي»؟ وهل ما زال الجدل مستمرا حول النسوية؟ وهل توافقين على وصفك بناقدة للأدب النسوي؟
- البعض لا يزال يتعامل باستخفاف مع المصطلح، وهذا مفهوم. إلا أن طبيعة الجدل - إذا جازت تسميته هكذا - تغيرت كثيرا؛ لطبيعة الجيل الجديد المتخلصة من السلطوية الأبوية والمنفتحة أكثر في رؤيتها لما حولها. أما عن الوصف، فهذا غريب، كيف يمكن أن نصف أو نصنف الناقد! النقد هو النقد، كل ما في الأمر هو الرؤية التي يختار الناقد أن يقرأ بها العمل الفني أو المنتج الإبداعي. والحق، إنني أرى العالم بأكمله من خلال عدسة الجندر، وهو ما يمنحني مزيدا من القوة النقدية، لأن ما يستوقفني لا يلتفت إليه الآخر في أغلب الأحوال.
* في خضم تلك الأحداث، ما تقييمك لتأثيرها على وضع المبدعة العربية؟ وهل ما زالت المبدعة العربية تعاني احتكار الرجال؟
- طبيعة السؤال لا بد أن تتغير، لم يعد السؤال هكذا صالحا للواقع الإبداعي الحالي. فقد كان هذا السؤال مطروحا بقوة بصيغته الحالية حين كان إبداع النساء يعلن عن نفسه حثيثا، أما الآن فقد تغير خطاب «الاحتكار» أو «الاضطهاد»، وتمكنت المبدعة العربية من فرض نفسها على الساحة. الفكرة هي كيف يجري تقييم عملها، وما إذا كان العمل يلقى الاهتمام الجاد.
* ما تفسيرك لظاهرة هجرة المبدعين من بلدان عربية مختلفة، وهل ضاقت بهم الأرض العربية؟
- الساحة مثقلة بمشاكلها الداخلية، الأماكن والمساحات غير متاحة، التحقق الذاتي الذي يسهل استقبال الجديد منعدم تقريبا، والأهم هو غياب التربة القادرة على تطويع أشكال فنية جديدة لصالح المحلي. والأهم، أن المبدع لا يختار المكان الذي يهاجر إليه، بل إن المكان هو الذي يختاره، وهنا تظهر علاقات القوة بين الشمال والجنوب. مسألة الهجرة - التي لم تعد قاصرة على المبدع - لها علاقة برؤية مجتمعاتنا لأولوية الإبداع وأهمية المبدع، عندما تضيق البيئة المحلية بآراء المبدع وتطارده وتصادر أعماله وتحرمه من التواصل مع مجتمعه، فلا يكون أمامه سوى البحث عن سبيل آخر يشعر فيه بمكانته، ويستلهم منه طاقة تدفعه إلى إنتاج المزيد. هذا هو الفارق بين العالم الأول والعالم الثالث. نعم ضاقت بهم الأرض.. للأسف. كان لا بد من الثورة.
* إلى أي مدى ساهم ظهور أنواع كثيرة ومستحدثة من الفنون الأدبية في تراجع فنون أخرى أصيلة كالشعر مثلا؟
- الأمر من وجهة نظري يتعلق بالقراء، الرواية أسهل من القصيدة، وخاصة عندما تكون رواية «جاهزة»، بمعنى أنها لا تتطلب مجهودا من القارئ، فيؤدي ذلك إلى حجم المبيعات، أي السوق: العرض والطلب. لكن الملاحظ أن الثورة منحت الشعر ما كان قد فقده من بريق وتألق، فظهرت دواوين كثيرة أخيرا، منها شباب يقدم عمله الأول، وراجت ولها قراء كثيرون. وعلى ذكر الشعر، ظهرت الكثير من الشاعرات المصريات أخيرا في مجال الفصحى والعامية.
* هل ساهمت الكتابة باللغة العامية في تطور أم تدهور الأدب العربي؟
- وما رأيك في الراحل العملاق أحمد فؤاد نجم، وعبد الرحمن الأبنودي! حسمت هذه المعركة منذ زمن، ولم تكن معركة سهلة على الإطلاق، حتى إن أصداءها تلوح دائما في الخلفية.
* ما تأثير ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وتراجع دور الكتاب على حركة الإبداع في العالم العربي؟
- المطابع لا تتوقف عن الدوران، ولم يتراجع دور الكتاب، كل ما في الأمر أن الجيل الجديد الذي يود أن يقرأ كل ما ينشر لا يمتلك الموارد المالية الضرورية لاقتناء كتاب، فكان أن سهلت بعض المواقع على الإنترنت الحصول على هذه الكتب، القراءة - أبسط حق - صعبة ماديا. أما مواقع التواصل الاجتماعي، فهي شيء آخر، الـ«فيس بوك» و«تويتر»، وسائل تبادل أخبار، وأخيرا وسائل تجييش وتشكيل للوعي. بل إن بعض الكتب لاقت رواجا بسبب الحديث عنها على هذه المواقع. كما أن كل الشباب لا يقنع بنفسه ككاتب إلا إذا رأى كتابه مطبوعا في شكل ورقي.



ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

 

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

 

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.


على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
TT

على مسرح مكتبة قطر: تأويلات موسيقية لـ«أصوات ماكوندو» في «مائة عام من العزلة»

احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)
احتفالية غابرييل غارسيا ماركيز في مكتبة قطر الوطنية (قنا)

شهد مسرح مكتبة قطر الوطنية تأويلات موسيقية لرواية «مائة عام من العزلة»، إحدى روائع الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، وذلك ضمن فعالية «حديث الكتاب».

الحفل الموسيقي شاركت فيه الفنانة الكولومبية، أوريانا دا مارته، التي استكشفت العلاقة بين الموسيقى والسرد القصصي من منظور رواية «مائة عام من العزلة»، بالتعاون مع سفارة كولومبيا في الدوحة، وحملت الأمسية عنوان «أصوات ماكوندو: تأويلات موسيقية لرواية (مائة عام من العزلة)»، بما يعكس التزام المكتبة بمد جسور الحوار الثقافي بين الأمم، وإبراز ثراء التراث العالمي وتنوعه.

وقدَّمت الجلسة لعشاق الأدب ومتذوقي الموسيقى منظوراً فنياً جديداً لرواية تُعَد من أهم الأعمال الأدبية وأكثرها تأثيراً في أميركا اللاتينية، حيث استلهمت أوريانا من ألبومها الموسيقي الفائز بجوائز «رحلة إلى ماكوندو» مقطوعات موسيقية أصلية بعثت روحاً جديدة في أفكار ومعاني الرواية، بما تحمله من ذاكرة وخيال وملامح من تجربة أميركا اللاتينية.

واصطحبت الفنانة الكولومبية جمهورها لتحلق بهم في أجواء بلدة «ماكوندو»، في تجسيد لروح الواقعية السحرية في أعمال ماركيز، وذلك عبر توليفة فريدة جمعت بين أصالة النقاش الأدبي والعزف الموسيقي الحي.

وفي هذا السياق، أكدت هيا عبدالله الشيب، اختصاصي أول برامج الكبار في مكتبة قطر الوطنية، أن تنظيم هذه الفعالية الثقافية يعكس الحرص على تجاوز الآفاق التقليدية للقراءة؛ إذ إنه بفضل المزج بين أدب غابرييل غارسيا ماركيز وإبداعات أوريانا دا مارته الموسيقية، حظي رواد الجلسة بفرصة استثنائية للتحاور مع التراث الأدبي العالمي، والاحتفاء بالتقاليد الفنية الغنية والعريقة لجمهورية كولومبيا.

من جانبه، أكد السيد كاميلو فيزكايا السكرتير الأول القائم بالأعمال في سفارة جمهورية كولومبيا لدى الدولة، أن كولومبيا وقطر تحرصان على تعميق أواصر الصداقة بينهما من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية، وأنه على الرغم من تباعد المسافات الجغرافية بين البلدين، فإن مشاعر المودة والاحترام المتبادل تجمع بينهما؛ ما ينسج خيوطاً لصداقة متينة وعرى وثيقة لا تنفصم، فضلاً عن التقدير المشترك للتراث والإبداع والتبادل الثقافي.

وأوضح أن مثل هذه الفعاليات تقدم فرصة سانحة لتوطيد هذه الروابط، والاحتفاء بالقيم الإنسانية الغنية التي تجمع بين شعبي البلدين، عبر لغة الفن المشتركة.


«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية