نهاية ولاية أقصر حكومة في تاريخ الديمقراطية الإسبانية الحديث

نهاية ولاية أقصر حكومة في تاريخ الديمقراطية الإسبانية الحديث

الانتخابات المقبلة باباً مفتوحاً على المجهول... وربما عودة اليمين متطرّفاً
السبت - 11 جمادى الآخرة 1440 هـ - 16 فبراير 2019 مـ رقم العدد [ 14690]
رئيس الحكومة الإسباني الاشتراكي بيدرو سانتشيز مرة أخرى يدخل في مواجهة يراهن فيها على كامل رصيده (أ.ب)
مدريد: شوقي الريّس
الانتخابات أبغض الحلال. هذه كانت حصيلة الحسابات التي أجراها رئيس الحكومة الإسباني الاشتراكي بيدرو سانتشيز بعد أن أدرك يوم الثلاثاء الماضي وهو يتابع النقاش البرلماني حول مشروع قانون الموازنة العامة أن الأكثرية التي جاءت به، من غير موعد وفي ظروف سياسية استثنائية، إلى رئاسة الحكومة مطلع الصيف الماضي، قد انتهت فترة صلاحيتها وبات كل طرف فيها يغنّي على ليلاه الانتخابية. في العاشرة من صباح أمس الجمعة وقف سانتشيز أمام وسائل الإعلام في نهاية اجتماع دوري لحكومته ليعلن نهاية ولاية أقصر حكومة في تاريخ الديمقراطية الإسبانية الحديث، وإجراء انتخابات عامة مسبقة في الثامن والعشرين من أبريل (نيسان) المقبل، أي قبل شهر من موعد الانتخابات الأوروبية والإقليمية والمحلية.

عنوان واحد يلقي ظلّه ثقيلاً على المشهد السياسي الإسباني بعد هذه الخطوة التي كانت مرتقبة منذ فترة بانتظار تحديد تاريخ لها: الأزمة الانفصالية الكاتالونية، التي تهيمن على مسرى الحياة السياسية الإسبانية منذ عام ونصف والتي كانت الصاعق الذي فجّر الأزمة التي دفعت بسانتشيز إلى خطوته، رغم أنه ليس ملزماً بها بموجب الدستور، مفتوحة على كل الاحتمالات التصعيدية مع محاكمة قادة الحركة الاستقلالية التي تصل إلى خواتيمها قبل موعد الانتخابات. وهناك أيضا الظهور المفاجئ، لأول مرة منذ سقوط نظام الجنرال فرنكو، لليمين المتطرف في الانتخابات الإقليمية الأندلسية واحتمالات صعوده في الانتخابات العامة، إضافة إلى الأزمة التي تتخبّط فيها الأحزاب والقوى اليسارية، وفي طليعتها الحزب الاشتراكي، مما يفتح الباب أمام عودة اليمين، متطرّفاً هذه المرة، إلى الحكم. كل ذلك يجعل من الانتخابات المقبلة باباً مفتوحاً على المجهول، أو على ما بات معلوماً بأن الاستقرار لم يعد مدرجاً على جدول أعمال السياسة الإسبانية.

في ختام كلمته أمام الصحافيين قال سانتشيز «سررت كثيراً بهذه العلاقة. أعقد الأمل في أن نعود ونلتقي قريباً لفترة طويلة». سانتشيز تعوّد أن ينهض من رماد هزائمه كالعنقاء. وها هو مرة أخرى يدخل في مواجهة يراهن فيها على كامل رصيده، تماماً كما فعل عندما استقال من مقعده البرلماني ليخوض معركة الأمانة العامة للحزب التي انتصر فيها محمولاً على نقمة القاعدة ضد القيادة التي تآمرت عليه لإسقاطه. يراهن على الفوز مدفوعاً بغضب اليسار من إسقاط الحكومة التي في سبعة أشهر أعادت ضخ الدماء التقدميّة في عروق الديمقراطية الإسبانية التي كانت تجنح في الاتجاه المعاكس منذ سنوات. لكن الناخبين هذه المرة ليسوا منتسبي الحزب الاشتراكي، بل كل المواطنين الإسبان الذين يقفون أمام لوحة انتخابية معقدة ومتداخلة.

كل استطلاعات الرأي المتداولة حتى الساعة تشير إلى أن الانتخابات المقبلة لن تغيّر شيئا يذكر في المعادلة البرلمانية الراهنة، وأن التحالفات اللاحقة هي التي ستحدد هويّة الحكومة المقبلة، ومن المتوقّع أن يكون مخاضها طويلاً وعسيراً كما في المرّات الأخيرة. التحالف اليميني الثلاثي بين الحزب الشعبي ومواطنون وفوكس المتطرف، الحاكم في إقليم الأندلس للمرة الأولى منذ ٣٧ عاماً بعد الانتخابات الإقليمية، من الاحتمالات الواضحة الواردة. كما هو وارد أيضا احتمال إعادة تشكيل المحور اليساري الذي نزع الثقة من حكومة راخوي السابقة وجاء بسانتشيز. لكن أياً من التحالفات المحتملة بعد الانتخابات لن يكون قادراً على ضمان الأغلبية البرلمانية من غير دعم الانفصاليين الكاتالونيين والقوميين الباسك، كما في التوزيع الحالي للكتل البرلمانية. يبقى احتمال ثالث، مستبعد في الوقت الراهن بسبب التشنّج الذي يرافق الحملات الانتخابية، هو التحالف بين الحزب الاشتراكي ومواطنون، رغم أن هذا الأخير أعلن رفضه للتحالف مع سانتشيز الذي يتهمه بالاستسلام لمطالب الانفصاليين الكاتالونيين ويتوعّد، في حال وصوله إلى الحكم، بتفعيل المادة ١٥٥ من الدستور وتعليق الحكم الذاتي في كاتالونيا.

لم يتأخر سانتشيز في إطلاق الحملة الانتخابية إذ صرّح بعد إعلان موعد الانتخابات بقليل قائلاً «كلّما وصل الاشتراكيون إلى الحكم يبدأ اليمين بكيل الاتهامات بخيانة الوطن... لكن إعلان استقلال كاتالونيا والاستفتاء حصلا عندما كان اليمين في الحكم. ومن الغريب أن يعلن حزب مواطنون مثلا الحجر الصحّي على التحالف معي وليس مع اليمين المتطرف».

وكان بعض القياديين في الحزب الاشتراكي قد نصحوا سانتشيز بتأجيل الانتخابات العامة حتى الخريف وإبعادها قدر الإمكان عن موعد الانتخابات الأوروبية، وبخاصة عن محاكمة القيادات الانفصالية التي ستكون المنبر الرئيسي للأحزاب الاستقلالية واليمينية المتطرفة على السواء في الحملة الانتخابية. من القرارات الهامة التي اتخذتها حكومة سانتشيز في الأشهر القليلة الماضية تجدر الإشارة إلى رفع الحد الأدنى للأجور إلى 900 يورو (ألف دولار)، وزيادة المعاشات التقاعدية ورواتب الموظفين العموميين واستعادة التغطية الصحية الشاملة وخطة لاستحداث فرص عمل مخصصة للشباب بقيمة ملياري يورو. لكن المشاريع الاجتماعية الأكثر طموحاً بقيت معلّقة داخل مشروع الموازنة الذي رفضه البرلمان، ومن المتوقّع أن تشكّل هذه عماد الحملة الانتخابية للحزب الاشتراكي التي ستبدأ في مدينة إشبيلية.

الأوساط المقرّبة من سانتشيز تبدي تفاؤلاً بنتائج الرهان الانتخابي وتعوّل على تعبئة شعبية غير مسبوقة. لكن المؤكد هو أن إسبانيا ستذهب إلى الانتخابات العامة للمرة الثالثة في أقل من أربع سنوات، وأن تغييراً جذريّاً قد حصل في البلد الذي كان يضارع ألمانيا من حيث الاستقرار السياسي، حيث دامت رئاسة فيليبي غونزاليس 14 سنة وخوسيه ماريّار آزنار 8 سنوات وخوسيه لويس زاباتيرو وماريانو راخوي 7 سنوات.
اسبانيا أخبار اسبانيا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة