حديث عن «تفاهمات» في سوتشي لإنقاذ «محور آستانة»

حديث عن «تفاهمات» في سوتشي لإنقاذ «محور آستانة»

السبت - 11 جمادى الآخرة 1440 هـ - 16 فبراير 2019 مـ رقم العدد [ 14690]
موسكو: رائد جبر
تباين المواقف بين روسيا وإيران وتركيا حال دون التوصل في قمة سوتشي إلى اتفاقات لإنهاء الوضع الحالي في إدلب، وحسم مسألة تطلعات تركيا لإقامة منطقة عازلة على الشريط الحدودي.
وحافظت الأطراف في التصريحات العلنية التي برزت خلال المؤتمر الصحافي المشترك للرؤساء الثلاثة على مواقفها السابقة، ما أسفر عن تراجع موسكو عن اللهجة القوية التي طغت خلال الأسابيع الأخيرة، حول ضرورة القيام بعمل عسكري حاسم لتقويض «الوجود الإرهابي» في محافظة إدلب.
وبدا أن موسكو وطهران وافقتا على إرجاء الحسم العسكري بهدف عدم السماح بزعزعة تماسك «محور آستانة» فيما سارت أنقرة في المقابل خطوة للاقتراب من موقفي روسيا وإيران عبر تصريحات أكدت على «أهمية بسط سيطرة الدولة السورية على كل أراضيها». كما أظهرت مرونة في التعامل مع اقتراح روسيا بالعودة إلى اتفاق أضنة الموقع بين دمشق وأنقرة في العام 1998، تاركة المجال مفتوحا لـ«مناقشة هذا الموضوع لاحقا».
أظهرت نتائج قمة سوتشي، هشاشة محور آستانة ووضعت أسئلة جديدة حول تضارب الأولويات عند أركانه بشكل بدا ملحوظا أكثر من أي وقت مضى، برغم أن الأطراف الثلاثة تعمدت التركيز على الأهمية الكبرى للمحافظة على مسار آستانة، حتى إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ذهب أبعد من ذلك، عندما أشار إلى استعداد لتوسيع الحضور الإقليمي والدولي فيه من خلال «ضم أطراف أبدت اهتماما بالمشاركة في اجتماعاته بصفة مراقبة».
الاختلاف الكبير في الأولويات والمداخل، برز ليس على صعيد إدلب أو المنطقة العازلة وحسب، وفي حين كان تركيز الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على ضرورة «ملء الفراغ الذي سوف يحدثه الانسحاب الأميركي من مناطق الشمال وعدم السماح بتحول المنطقة إلى ممرات عبور للإرهابيين، ذهب التركيز الروسي والإيراني إلى حتمية بسط السلطات السورية سيطرتها الكاملة على كل المناطق.
كان إردوغان مهتما بدعوة إيران وروسيا لحمل النظام على احترام وقف النار وعدم السماح بتفجير الموقف في إدلب، بينما انصرف الرئيس حسن روحاني إلى الشكوى من أن المجتمع الدولي لم يدن كما يجب الضربات الإسرائيلية على سوريا، وهو أمر لم يعلق عليه أبدا الطرفان الروسي والتركي. وأفرد روحاني مساحة خاصة لمواجهة تداعيات اجتماع وارسو، وهاجم بشدة واشنطن، بينما دافع بوتين عن الرئيس دونالد ترمب وقال إنه يفي بوعوده الانتخابية وحمل خصومه الداخليين مسؤولية تعثر خطواته.
حال من التباين الواسع حول الأحداث الدائرة في محيط محور آستانة برزت، وسط غياب الرؤية المشتركة «لملامح التسوية النهائية» التي وعدت موسكو بأنها ستكون بين قضايا البحث في القمة. لم تفلح النقاشات التمهيدية الثنائية التي سبقت القمة الثلاثية والتي طالت أكثر من ضعفي المدة المقررة لها، في الخروج برؤية موحدة للقضايا المطروحة على الطاولة.
ما زالت موسكو برغم إرجاء الحديث عن عملية عسكرية في إدلب تفضل الحسم العسكري، و«الإرهابيون لن يفروا من العقاب» كما توعد بوتين، بينما تفضل أنقرة التريث في حسم موضوع إدلب لأنها ورقة رابحة لاستكمال ترتيباتها في الشمال، وفقا لتحليل خبير روسي رأى أنه في الوقت ذاته تفضل تركيا عدم التسرع في الاستجابة لطلب موسكو بفتح قنوات اتصال مع النظام بهدف تحقيق أوسع مكاسب سياسية لاحقا من هذه الخطوة، ولمنع تسريع طرح مسألة وجودها العسكري على الأراضي السورية من جهة أخرى.
لكن، وسط هذا المشهد من التباين، برزت معطيات أمس، إلى أن خلف قرار إرجاء الحسم في إدلب، وتأجيل النقاش حول المنطقة الآمنة في الشمال، تفاهمات معينة لم تشأ الأطراف الثلاثة أن تعلن عنها في المرحلة الراهنة. ورأى مصدر روسي تحدثت إليه «الشرق الأوسط» أن تراجع موسكو عن لهجتها القوية حيال الحسم العسكري في إدلب ترافق مع تركيز بوتين على «خطوات محددة» ستقوم بها الأطراف، بهدف مواجهة الإرهاب ودفع التسوية. مشيرا إلى أن هذه العبارة تخفي وجود تفاهمات دفعت موسكو إلى تخفيف لهجتها، ومنحت الرئيس التركي في الوقت ذاته الفرصة ليظهر وكأنه «أنقذ إدلب مرة أخرى من عملية عسكرية كارثية لجهة عواقبها الإنسانية والسياسية».
وتحدث خبراء عن «مقاربة أخرى» لمعالجة الوضع في إدلب، تم وضع ملامحها الأساسية، وهو ما عبرت عنه بوضوح كلمات وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو بعد القمة مباشرة عندما أشار إلى أن «المحادثات حول إدلب كانت بناءة ومفيدة جدا».
ورغم أن موسكو تجنبت أمس، توضيح هذه التصريحات، لكن تعليقات خبراء أشارت إلى «النهج الذي تسير عليه الأطراف الثلاثة يحتاج ضبطا دقيقا. روسيا وتركيا وإيران ما زالت تعتمد على بعضها البعض في هذا الصدد».
وربط خبير قريب من الخارجية بين مساعي تسوية الوضع في إدلب، مع رزمة من القضايا الأخرى العالقة و«حل الوضع في إدلب يرتبط إلى درجة بعيدة بمشكلة الشمال الشرقي؛ حيث توجد القوات الكردية والتقدم في منطقة ما مستحيل دون إحراز تقدم في منطقة أخرى».
وفي حال صحت المعطيات عن توصل الأطراف إلى تفاهمات غير معلنة في سوتشي، فإن ذلك «لا يلغي أن التناقضات في الأولويات ما زالت هي الطابع المسيطر على هذا المحور»، لكنها تؤكد مجددا أن مسار آستانة ما زال يوفر منصة مريحة للبلدان الثلاثة، لذلك ثمة حرص على التمسك به، وعدم السماح بنقل الخلافات إلى العلن، فضلا عن التسرع بالإعلان عن تفاهمات قبل وضعها على طريق التنفيذ.
سوريا أخبار سوريا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة