ميدان رابعة استعاد رونقه بعد عام على فض الاعتصام

سكانه يأسفون من فترة تجمع «الإخوان» فيه.. ويؤكدون استحالة عودته مرة أخرى

مسجد وميدان رابعة العدوية (شرق القاهرة) بعد أن تم تطويرهما وإخلاؤهما من مخلفات اعتصام أنصار مرسي العام الماضي (تصوير: «الشرق الأوسط})
مسجد وميدان رابعة العدوية (شرق القاهرة) بعد أن تم تطويرهما وإخلاؤهما من مخلفات اعتصام أنصار مرسي العام الماضي (تصوير: «الشرق الأوسط})
TT

ميدان رابعة استعاد رونقه بعد عام على فض الاعتصام

مسجد وميدان رابعة العدوية (شرق القاهرة) بعد أن تم تطويرهما وإخلاؤهما من مخلفات اعتصام أنصار مرسي العام الماضي (تصوير: «الشرق الأوسط})
مسجد وميدان رابعة العدوية (شرق القاهرة) بعد أن تم تطويرهما وإخلاؤهما من مخلفات اعتصام أنصار مرسي العام الماضي (تصوير: «الشرق الأوسط})

«الإخوان».. كانوا هنا منذ عام تقريبا، اعتصموا في هذا المكان بعد أن فقدوا الحكم، وحولوه وأنصارهم إلى غابة من الضجيج السياسي بامتياز، تابعها العالم حينها بحسابات اتضح أنها خاسرة في النهاية.
«الشرق الأوسط» زارت منطقة «رابعة العدوية» بضاحية مدينة نصر (شرق القاهرة)، لكن لا أثر يذكر لاعتصام قام به الآلاف من أنصار الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، بعد عام من عملية أمنية قامت بها قوات الشرطة بمعاونة الجيش لفض الاعتصام، وخلفت مئات القتلى وآلاف الجرحى في الجانبين. فقد استطاعت السلطات المصرية أن تمحو آثار اعتصام استمر 47 يوما، عبر خطة تطوير شملت المنطقة، ومسجد رابعة الذي يتوسطها وسميت باسمه المنطقة وكان قد احترق خلال عملية المواجهات بين الأمن والمعتصمين، قبل أن يعاد ترميه مرة أخرى رغم استمرار إغلاقه خوفا من عودتهم للاعتصام به.
وبات دخول متظاهرين لـ«رابعة العدوية» والاعتصام به مرة أخرى أمرا شبه مستحيل، وفقا لما قاله مسؤولون أمنيون وسكان محليون لـ«الشرق الأوسط» التي تجولت في المنطقة عشية الذكرى السنوية الأولى اليوم (الخميس).
وعزل الجيش مرسي، المنتمي لجماعة «الإخوان»، في 3 يوليو (تموز) عام 2013، عقب مظاهرات حاشدة ضده بدأت في 30 يونيو (حزيران) من العام نفسه، وإزاء ذلك قام أنصاره من الجماعات الإسلامية المختلفة بالاعتصام في منطقة «رابعة»، الحي الراقي التابع لمدينة نصر (شرق القاهرة).
اختيار «الإخوان» لـ«رابعة» مركزا لاعتصامهم، رغم أنها تعد إحدى أهم المناطق العسكرية الموجودة بالقاهرة، لوجود العديد من المنشآت العسكرية بها، على رأسها الأمانة العامة لوزارة الدفاع، ومساكن لقادة وضباط القوات المسلحة، فُسر بعدد من الروايات بحسب مصادر إخوانية وجدت داخل الاعتصام العام الماضي، تحدثت لـ«الشرق الأوسط» عنه.
يقول البعض إنه لم يكن مخططا، بل جاء وفقا للظروف آنذاك، حيث رفضت القوى الإسلامية الدخول في نزاع عنيف مع القوى المدنية للتظاهر بميدان التحرير (أيقونة ثورة «25 يناير»)، بعد سيطرة معارضي حكم مرسي عليه، حفظا للدماء، إضافة إلى رغبتهم في الوجود قرب قصر الاتحادية الرئاسي (مقر حكم مرسي)، كما أنها ساحة مهمة جدا تمتد إلى محيط النصب التذكاري للجندي المجهول. وقال آخرون من خارج الجماعة إن اختيار «الإخوان» لـ«رابعة» جاء لأن حي مدينة نصر يعد مقرا لإقامة كثير من قادة الجماعة، مما يسهل التحكم في الاعتصام وتمويله. وما زال متظاهرو «الإخوان» يرفعون أربع أصابع من اليد في إشارة إلى اسم هذا الموقع.
منطقة «رابعة»، نفضت عن كاهلها الآن مئات الخيام لأنصار مرسي التي كانت منصوبة في مثل هذا اليوم من العام الماضي، ومنصة كبيرة أمام المسجد في قلب المنطقة، توالى الصعود عليها من قبل قيادات الجماعة لإلقاء خطابات حماسية تنادي بعودة مرسي للحكم تحت اسم «الشرعية» وتتهم الجيش بالخيانة.
وبدا واضحا المظهر الجمالي الذي أصبح عليه المكان بعد تطويره وزراعة الأشجار والورود التي اقتلعها المعتصمون. يقول محمد راضي، بواب أحد العقارات المجاورة للميدان، إن «المعتصمين قاموا بتدمير الحي بالكامل خلال تلك الفترة بعد أن كان من أرقى أحياء مدينة نصر، فقاموا بخلع الحجارة من الأرصفة، وأتلفوا الحدائق الصغيرة، وأقاموا حواجز حديدية وترابية لمنع دخول قوات الأمن إليهم قبيل فض الاعتصام، حتى إن سكان المنطقة وضيوفها كانوا يدخلونها بصعوبة في تلك الفترة وعانوا معاناة كبيرة من ذلك الاعتصام».
ومن بين ما شكا منه أهالي الحي مخاوفهم من انتشار الأمراض بين المعتصمين، بسبب طول فترة الاعتصام وكثرة الاختلاط وعدم وجود مياه كافية في مكان الاعتصام. ويضيف راضي: «ساعدنا عمال المحافظة على استعادة شكل الحي بدهان الحوائط ورفع أي شيء كان يشير إلى اعتصامهم».
وبمحيط مقر الاعتصام، توجد مدرستا عبد العزيز جاويش، ومدرسة مدينة نصر الفندقية، وقد جرى تخريبهما بالكامل من قبل أنصار «الإخوان»، وجرى استخدامهما أثناء فترة الاعتصام، وتدمير الأسوار، والبناء بالطوب الأحمر دورات مياه ومطابخ داخل أفنية المدارس، لكن محافظة القاهرة قامت وبالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم بصيانة وترميم هاتين المدرستين وإعادة شكلهما الحضاري.
أما مسجد «رابعة» الذي أحرق خلال المواجهات بين المعتصمين المحتمين فيه وقوات الأمن، فبدورها قامت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بإعادة ترميمه وصيانته، بعد أن قامت بتركيب الإضاءة والتكييف، ونفذت أعمال الدهانات والأرضيات ودورات المياه التي استخدمها المعتصمون لقضاء حاجاتهم.
لكن المسجد، الذي على سمي تيمنا باسم متصوفة عاشت في القرن الثاني الهجري، لا يزال مغلقا حتى الآن وتمنع الصلاة فيه. وتوجد قوات دائمة لحماية المسجد، يقول أحد مسؤولي الأمن به: «بعد أن جرى تطويره أمرت السلطات بإغلاقه خوفا من استغلاله مرة أخرى في عودة الاعتصام.. ولا يعلم متى سيجري افتتاحه».
وبينما ظلت قوات الأمن متمركزة طوال هذا العام ومنذ فض الاعتصام على مدخل حي رابعة، لمنع ولوج أي مظاهرات إليه مرة أخرى، خاصة يوم الجمعة من كل أسبوع، موعد مظاهرات «الإخوان»، يؤكد أهالي الحي أنه «من المستحيل السماح لهم بالاعتصام مرة أخرى في منطقتنا». تقول «نيرة» (موظفة في بنك بالحي): «بين الحين والآخر خلال العام الماضي يأتي العشرات خاصة من طلاب جامعة الأزهر المجاورة، للتظاهر وعمل وقفة لإحياء ذكرى رابعة والمطالبة بالقصاص، لكنهم يفرون مسرعين خوفا من بطش قوات الأمن بهم واعتقالهم».
وتضيف: «لن يسمح لهم أحد بالاستمرار بعدما رأينا العام الماضي كيف شوهوا المكان.. ربما يكونون على حق في بعض المطالب أو إن حق التظاهر مكفول لهم كما هو مكفول لمعارضيهم، لكن يجب ألا يكون ذلك في منطقة سكنية وحيوية مثل رابعة، وألا يكون اعتصام طويلا».
ويشهد حي رابعة حاليا حالة من السيولة المرورية وانتظاما في حركة السيارات، مع انتشار واسع لقوات الأمن بالميدان، حيث تمركزت سيارة من قوات فض الشغب حاملة جنودا بالميدان لتأمينه من مظاهرات عناصر جماعة «الإخوان» مع حلول ذكرى فض اعتصام رابعة.
وقالت قيادات أمنية بوزارة الداخلية لـ«الشرق الأوسط» أمس إن اعتصام «الإخوان» السابق أصبح جزءا من التاريخ ولن يُسمح به مرة أخرى. ووفقا لتقرير أصدره المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر (شبه حكومي) في مارس (آذار) الماضي، فقد أسفر فض الاعتصام عن مقتل 632، منهم 624 مدنيا، و8 من رجال الشرطة. وتوصل التقرير إلى أن اعتصام رابعة لم يكن سلميا لوجود مسلحين استخدموا معتصمين سلميين «دروعا بشرية»، لكنه ذكر أن قوات الأمن أمهلت المعتصمين 25 دقيقة فقط لمغادرة موقع الاعتصام، وأخفقت في الحفاظ على «التناسبية في كثافة إطلاق النار» على المسلحين.
ودعا التحالف الوطني لدعم الشرعية أنصاره لتدشين ما سماه «موجة ثورية» تبدأ اليوم (الخميس) تحت عنوان «القصاص مطلبنا» في ذكرى فض الاعتصام. وقال التحالف، في بيان له: «لتكن كافة الميادين بكافة المحافظات هدفا للحراك والقرار الميداني للأرض بما يحفظ الأرواح ويحقق الأهداف فيما يخص الميادين الثلاثة: رابعة والتحرير والنهضة»، محذرا من «استهداف أرواح المصريين».
وقال اللواء هاني عبد اللطيف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية، إن وزارة الداخلية وضعت خطة أمنية محكمة لإحباط دعوات «الإخوان» في مثل هذا اليوم، موضحا أن رجال الشرطة في استنفار أمني، وأنه سيجري التعامل مع أي تهديدات بقوة وحسم، مشددا في الوقت نفسه على أن شهداء الشرطة الذين ضحوا بحياتهم خلال أحداث الفض صنعوا ملحمة تاريخية، وأنهم حموا بأجسادهم الشعب المصري من تهديدات جماعة (الإخوان) الإرهابية وحلفائها».
وأضاف أن الأجهزة الأمنية بالوزارة وجهت ضربات ناجحة للإرهاب خلال الفترة الماضية، تمكنت من خلالها من تقويض حركته، مشيرا إلى أنها تعمل الآن «على اقتلاع جذوره للقضاء عليه بشكل كامل؛ وذلك من خلال تجفيف منابع تمويله، ووقف مد العناصر الإرهابية بالأسلحة والمتفجرات؛ وذلك من خلال المعلومات التي تتوافر لأجهزة الأمن حول أنشطة تلك العناصر الإرهابية».
من جانبه، أكد اللواء مدحت المنشاوي، مساعد وزير الداخلية مدير الإدارة العامة للعمليات الخاصة، استعداد كل القطاعات الأمنية بوزارة الداخلية للتصدي لدعوات تنظيم «الإخوان» للتظاهر اليوم، مشيرا إلى أن اللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية عقد أكثر من اجتماع مع مساعديه للوقوف على خطة تأمين الشارع المصري خلال ذلك اليوم، حيث وجه بتكثيف الوجود الأمني على كل المنشآت المهمة والحيوية، وكذلك أقسام ومراكز الشرطة ومديريات الأمن بجميع مديريات الأمن، فضلا عن مضاعفة الخدمات الأمنية المكلفة بتأمين السجون وتسليحها بالأسلحة الثقيلة لمواجهة أي محاولة للاعتداء عليها.
وأوضح مساعد وزير الداخلية مدير الإدارة العامة للعمليات الخاصة أن خطة التأمين هي تكثيف الخدمات الأمنية بكل المحافظات على مستوى الجمهورية، ونشر وحدات التدخل السريع والمجموعات القتالية التابعة لقوات الأمن المركزي والعمليات الخاصة على كل الطرق والمحاور الرئيسة لسرعة الانتقال إلى أي بلاغات والتعامل الفوري والحاسم معها.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.