عريقات لـ «الشرق الأوسط»: كيري لم يطرح خطة.. «والهوة تزداد»

كبير المفاوضين الفلسطينيين عبر عن خشيته على أبو مازن من مصير عرفات

عريقات لـ «الشرق الأوسط»: كيري لم يطرح خطة.. «والهوة تزداد»
TT

عريقات لـ «الشرق الأوسط»: كيري لم يطرح خطة.. «والهوة تزداد»

عريقات لـ «الشرق الأوسط»: كيري لم يطرح خطة.. «والهوة تزداد»

يحفظ الدكتور صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين، أسماء الشوارع والمدن والقرى الفلسطينية اسما اسما، يعرف فلسطين بالكيلومتر المربع، ولا يوجد من هو أفضل منه على الإطلاق في تحديد ما يريده الفلسطينيون من مفاوضات السلام مع الإسرائيليين؛ أي ما لهم وما عليهم.
أطلق عليه الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) لقب «ذاكرة المفاوضات»، التي خاضها منذ أن كان أمين سر الرئيس الراحل ياسر عرفات. لكن عريقات يقول إنه لا يصنع القرارات بصفته مفاوضا.
خبر الإسرائيليين جيدا وخبروه، وحاولوا إزاحته من على طاولة المفاوضات مرارا، وأكسبه كل ذلك - كما يبدو - حنكة سياسية.
ويمكن وصف عريقات بقائد ماراثون التفاوض مع الإسرائيليين، وجلب له هذا احتراما كبيرا وانتقادا أكبر، قبل أن يضع التاريخ حكمه على الرجل.
في مكتبه بمدينة أريحا، المليء بالصور مع رؤساء وزعماء وسياسيي ومناضلي وفقراء العالم، كان لـ«الشرق الأوسط» هذا الحوار معه.
* سأبدأ بما يثار حول اتفاق إطار يمكن أن يقدمه وزير الخارجية الأميركي جون كيري خلال زيارته القريبة للمنطقة، هل أنتم مستعدون من حيث المبدأ للتوقيع؟
- بالنسبة للمفاوضات، آخر جلسة عقدت كانت في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وبالفعل، خرجنا بهوة سحيقة بين الجانبين. والنتيجة، خلال ثلاثة أشهر من المفاوضات، هي أن إسرائيل قتلت 33 فلسطينيا بدم بارد، وطرحت عطاءات 5992 مستوطنة وهو يشكل ثلاثة أضعاف النمو الطبيعي في نيويورك، وهدمت 212 بيتا في القدس ومناطق «جيم»، فقدمت استقالتي. لم أعد أتحمل أخلاقيا أن أستمر في ظل هذه الجرائم المرتكبة من قبل إسرائيل. بعد ذلك، أخذت المفاوضات منحى آخر، أصبحت محادثات فلسطينية - أميركية، وإسرائيلية - أميركية. إلى هذه اللحظة، حسب معلوماتي، لم تقدم أميركا أي شيء رسمي، لم تقدم أي خطة. أميركا تطرح بالونات اختبار، أفكارا وردود فعل، وسلوكها التفاوضي في هذه المسألة واضح جدا. وفي الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي بعد جلسات طويلة بين أبو مازن وكيري، بعث الرئيس أبو مازن برسالة خطية للرئيس الأميركي باراك أوباما، وهي رسالة نوعيتها مختلفة، حدد فيها ما الذي لا يستطيع قبوله كفلسطيني، وكشعب، وكمنظمة تحرير.
* ماذا قال في الرسالة؟
- أولا، قال: «لا نستطيع قبول إسرائيل كدولة يهودية»، ثانيا: «لا نستطيع قبول أي دولة فلسطينية على حدود 67 من دون القدس»، ثالثا: «لا نستطيع قبول أي إسرائيلي على الأراضي الفلسطينية برا وبحرا وجوا ومعبرا، بعد استكمال الانسحاب التدريجي». رابعا: «لا أستطيع قبول أي حل من دون ممارسة اللاجئين حقهم في الخيار حسب القرار 194. حق العودة والتعويض، والإفراج عن المعتقلين حال التوقيع على الاتفاق». هذا هو الموقف الفلسطيني. وذهب الرئيس أبو مازن إلى الجامعة العربية، التي أرسلت مشكورة رسالة رسمية إلى الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة (بان كي مون)، أكدت فيها ما قاله الرئيس أبو مازن للإدارة الأميركية، كما بعثت رئيسة متابعة المبادرة العربية مشكورة، وهي قطر، برسالة مشابهة. الآن، سمعنا أن كيري عائد إلى المنطقة.. ما الذي يحمله معه؟ ما التسمية التي سيطلقونها؟ ما المضمون؟ لا نعلم، ومن السابق لأوانه أن نعرف.
* إذن، السقف الفلسطيني لأي طرح جديد هو رسالة أبو مازن؟
- ليس سقفنا، إنه مرجعيتنا لعملية السلام. وبالمناسبة، وخلافا لما يقوله الآخرون لنا، المفاوضات مداها تسعة أشهر، والهدف هو الوصول إلى اتفاق حول كل قضايا الوضع النهائي، وجاء نصا في الاتفاق مع كيري لا للحلول الانتقالية ولا المرحلية، وتمديد دقيقة واحدة بعد تسعة أشهر مستحيل. وتدرك الإدارة الأميركية أن استمرار تسعة أشهر مستحيل، وهم يريدون تقصير المدة كي يحافظوا على عملية السلام وليس تطويل المدة، لكن أمام تصميم إسرائيل على فرض وقائع جديدة (لا يمكن).
يعني لجنة وزارية إسرائيلية تطرح مشروعا بضم 29 في المائة من الضفة الغربية (الأغوار)؛ أي 2070 كيلومترا، ثم تقرها لجنة وزارية. لا يمكن أن يحدث ذلك من دون (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو، هذا دليل على أن حكومة إسرائيل تريد تدمير جهود عملية السلام.
* وما البديل أمامكم؟
- ثلاث مسائل واجبة الاتباع الآن. أولا: أعتقد أن على السلطة الوطنية التوقيع على الانضمام إلى مواثيق جنيف الأربعة لعام 1949 والبروتوكول الإضافي لعام 1977. وبذلك، تصبح فلسطين، بعاصمتها القدس، دولة تحت الاحتلال بشكل رسمي. دولة متعاقدة سامية. ومن حقنا التوقيع على ميثاق روما تنفيذا لقرار محكمة الجنايات الدولية. والذي يخشى من محكمة الجنايات الدولية عليه أن يوقف الجرائم. الأمر الثاني: هو أن تحذو دول العالم حذو ما سيقوم به الاتحاد الأوروبي بدءا من الأول من هذا العام، والذي سيدخل حيز التنفيذ مشروع تجفيف مستنقع الاستيطان الإسرائيلي وعدم التعامل مع الاستيطان ومقاطعة الاحتلال بكل الأشكال. الأمر الثالث: أن يقوم الاتحاد الأوروبي ومن لم يعترف بدولة فلسطين، بالاعتراف، إذا أراد العالم الحفاظ على الدولتين.
* في موضوع الاستيطان، الإسرائيليون يقولون إنه يجري مقابل إطلاق سراح أسرى، وإن هذا متفق عليه؟
- هذا كذب.. وأعود لتصريحات كيري ببيت لحم في السادس من نوفمبر الماضي بعد لقائه الرئيس عباس، إذ قال للعالم إن صفقة الأسرى تجري مقابل عدم الذهاب إلى الأمم المتحدة. هذا صحيح. نحن امتنعنا عن الذهاب إلى الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية مقابل الإفراج عن 104 أسرى. نتنياهو يقول: أسرى مقابل استيطان وكتل وكل ذلك، هذا دليل إضافي على جهوده غير منقطعة النظير لإفشال عملية السلام وإفشال جهود كيري. وأنا أقول إن الحكومة الإسرائيلية وحدها تتحمل إفشال عملية السلام. لا علاقة للأسرى بالمفاوضات أبدا، بل بعدم توجهنا للمؤسسات الدولية، وهذا ثمن باهظ دفعناه، لكنه مستحق لأن الشعوب التي تحترم نفسها تخوض حروبا للإفراج عن أبنائها.
* وهل هذا الاتفاق هو لـتسعة أشهر فقط؟ يعني محدد أو مفتوح؟
- تسعة أشهر فقط، وهو اتفاق خارج إطار المفاوضات.
* في موضوع الأشهر التسعة، وبصراحة، هل بإمكانكم الموافقة على تمديد المفاوضات إذا جاءكم كيري باتفاق مقنع؟
- لا أعتقد. نحن لسنا بحاجة إلى تمديد المفاوضات. المسائل واضحة ومحددة. دولة على حدود 67 وانسحاب إسرائيلي.
* لكن، هل تقبل إسرائيل انسحابا مباشرا.. إنهم يرفضون حتى مغادرة الأغوار؟! - انسحاب تدريجي. فليطبقوا مثال سيناء. الانسحاب لن يجري خلال يوم، نحن نعرف أن الانسحاب بحاجة إلى سقف زمني.
* ما السقف المقبول لديكم؟
- عندما قلت: سيناء. الانسحاب من هناك استغرق ثلاث سنوات، يعني من الممكن أن نكون بحاجة إلى عامين أو ثلاثة، لكن الرئيس أبو مازن هو الذي يتفق حول ذلك. بعد ذلك، من غير المسموح أن يبقى أي جندي إسرائيلي.
* وهل جاء الحديث عن انسحاب تدريجي في إطار خطة أمنية قدمها كيري؟
- كيري لم يطرح أي خطة، إنه يطرح بالونات اختبار فقط.
* لا سياسية ولا أمنية؟
- لا.. لا. يعني، الذي سيتزوج يجب أن يوقع على ورقة، وليس مجرد حديث شفهي، أنت وقعت، فما بالك بخطة؟
* لكن، لو سألتني قبل أن أوقع فسأقول لك إنه يوجد مشروع زواج؟
- لكن الإشهار هو الأساس. يمكنه أن يقول ما يشاء، لكن عندما يريد تقديم خطة عليه أن يقدم خطة مكتوبة لنا. إلى الآن لم يقدم ذلك، ولا أعتقد أنه سيقدمها في وقت قريب.
* بخصوص الأفكار، هل صحيح أنه عرض بقاء القوات الإسرائيلية في الأغوار؟
- لا أستطيع الخوض في التفاصيل التي جرت بين الرئيس وكيري.
* أنتم شاركتم في نحو 20 لقاء؟
- نعم، تقريبا.
* وهل توصلتم إلى نقطة اتفاق واحدة؟
- لم نتوصل إلى اتفاق.. نحن طرحنا مواقفنا، ولم نكن عبثيين على الإطلاق. لكن، بصراحة مع كل جلسة، كانت الهوة تزداد عمقا.
* الآن، أنت مستقيل؟
- نعم.
* هل التقيت المفاوضين الإسرائيليين بعد الاستقالة؟
- استقالتي لم تدخل حيز التنفيذ.. هي أمام السيد الرئيس.
* يعني، لم يوافق عليها؟
- أنا مصر عليها ولكن علي اتباع الإجراءات الواجبة، أنا لا أستطيع أن أترك دائرة شؤون المفاوضات دون وجود بديل. وهناك بدائل. نعم، التقيت الإسرائيليين؛ التقيت السيدة (تسيبي) ليفني، وزيرة العدل الإسرائيلية، في واشنطن، على هامش مؤتمر سابان، والتقينا على انفراد مع كيري وبشكل مشترك كذلك، والتقيتها مرة أخرى فيما يتعلق بقضية الأسرى. لكن، لم تجر أي مفاوضات رسمية بين الجانبين منذ الخامس من نوفمبر الماضي.
* تقول إنك مصر على الاستقالة.. ماذا لو طلب منك الرئيس أن تستمر؟
- الاستقالة أمامه، وأنا أناشده أن يقبل.
* وإذا لم يقبلها؟
- إن شاء الله يقبلها؟
* يقول عنك الرئيس إنك «ذاكرة المفاوضات»؟
- الشعب مليء بالكفاءات ولا يوجد في هذا العالم من لا يمكن الاستغناء عنه؛ ديغول عندما أراد الاستقالة، احتجوا عليه.. قالوا له: كيف تستقيل؟! ذهب إلى نافذة مكتبه وقال للحضور: انظروا.. كانت هناك مقبرة. وأضاف: هنا دفن ناس كثيرون كنا نعتقد أنه لا يمكن الاستغناء عنهم.. لا يوجد على الأرض من لا يمكن الاستغناء عنه، والشعب الفلسطيني شعب كفاءات، وهناك من هو أفضل مني. المفاوض ليس صانع قرار ويجب ألا يكون صانع قرار.
* لكن، أنت في مركز صنع القرار بعدّك عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وعضو مركزية فتح؟
- نعم. لكن، بصفتي مفاوضا لست صانع قرار. أنا أذهب بتعليمات.
* قبل بدء المفاوضات الحالية، قلتم إنه يجب أن تنطلق من حيث انتهت مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت، هل استجاب الإسرائيليون لذلك؟
- لا أريد الخوض في التفاصيل، هذا ما تعهدنا به، لكن كل ما أقوله لك أن المسائل واضحة ومحددة، المواضيع هي: القدس، والمستوطنات، والأمن، والمياه، والأسرى، والحدود، واللاجئين، مرجعيتها دولتان على حدود 67. هذا ما كنا نتحدث عنه.
* ولكن، على الأقل نريد أن نعرف أين توقفت المفاوضات مع أولمرت؟
- توقفت مع أولمرت في نهاية 2008، وقد طرح أولمرت خارطة على الرئيس بـ100 في المائة من مساحة الضفة وغزة والقدس، وزاد عليها 20 كيلومترا. هذا حقيقة.
* مقابل ماذا؟
- لم تكتمل. نحن لم نرفض، كانت هناك محادثات جارية، وقال له الرئيس: «إذا اعترفتم بدولة على حدود 67، فنحن مستعدون لتبادل 1.9 في المائة. فقال أولمرت: «أريد 6.5 في المائة بالقيمة والمثل». وهنا، توقفت المفاوضات بعد أن سقط أولمرت.
* نريد شرحا أوفى لموضوع التبادل؟ هل يتضمن مستوطنات على الأرض الفلسطينية؟
- لم يجر الحديث عن مناطق محددة. نحن قلنا كمبدأ: إذا اعترفتم بنا يطرح الموضوع للنقاش. لكن، لا يمكن الحديث عن مبدأ التبادل من دون الإقرار بسيادة دولة فلسطين. مثلا: السعودية والأردن تبادلتا 29 ألف كيلومتر عام 1965. الأردن والعراق تبادلا 24 ألف كيلومتر عام 1984، وكذلك كندا وأميركا، وأميركا والمكسيك. هذا قانون يجري باتفاق بين دولتين ذات سيادتين، ومن دون أن يكون معترفا بنا لا يمكن أن نتحدث عن التبادل. موقفنا، أنه في حالة قبولنا كدولة كاملة السيادة، واعتراف إسرائيل بنا، وطرح هذا الموضوع - فسنناقشه.
* لكن، في إسرائيل يقولون إنهم سيضمون إليهم أربعة مجمعات استيطانية كبيرة من الضفة، وإنكم موافقون على ذلك؟
- أنا لا أستطيع أن أقف حارسا على شفاه الإسرائيليين. لكن، يجب أن يكون واضحا أن الاستيطان بكل أشكاله وأنواعه باطل ولاغ وغير شرعي، ومخالف للقانون الدولي، ويرقى إلى جريمة حرب.
* نحن أمام 1400 وحدة جديدة متوقعة؟
- إذا أعلن نتنياهو عن 1400 وحدة جديدة، فسيكون أعلن منذ 29 يوليو (تموز) الماضي؛ أي منذ بداية المفاوضات، عن 7392 وحدة استيطانية وهو ثلاثة أضعاف النمو الطبيعي في نيويورك، وهذا ما يجعلني أقول إن نتنياهو أفشل المفاوضات.
* أنت تدعم الذهاب إلى المنظمات الدولية، لماذا؟ وكيف تستفيدون من ذلك أمام قوة محتلة تتحكم في كل التفاصيل؟
- (يبتسم). بعد 29 نوفمبر 2012 (الاعتراف بفلسطين دولة غير كاملة العضوية في الأمم المتحدة) ليس كما قبله. انضمام فلسطين إلى مواثيق جنيف الأربعة يجعل منها دولة تحت الاحتلال بعاصمتها القدس كما كانت النرويج وهولندا وبلجيكا وفرنسا وكوريا والفلبين إبان الحرب العالمية الثانية تحت الاحتلالين الألماني والياباني، فإذا ما أعلنت حاضنة المواثيق، وهي سويسرا، قبول فلسطين دولة متعاقدة سامية، يصبح أي مشروع استيطاني على أرضنا جريمة حرب، ولذلك تبعات. والمسألة في تسلسل منطقي. وهناك 63 مؤسسة دولية كذلك (سننضم إليها)، والذي يخشى من محاكمة الجنايات الدولية عليه أن يوقف الجرائم.
* هل هذه هي استراتيجيتكم المقبلة؟
- كما نضع نحن استراتيجية يضع نتنياهو ذلك أيضا، إنه يعمل على ثلاثة محاور؛ الأول: هو يريد السلطة من دون سلطة. والثاني: يريد احتلالا من دون تكلفة. والمحور الثالث أن يجعل غزة خارج الفضاء الفلسطيني، يريد إبقاء الأوضاع على ما هي عليه. نحن نقول إن السلطة ولدت لنقل الفلسطينيين من الاحتلال إلى الاستقلال ولن تكون لها وظيفة ثانية، وإذا أعتقد أنه سيحول وظيفة السلطة إلى تنسيق مالي وأمني فهو مخطئ. السلطة مهمتها أن تنقل الشعب الفلسطيني إلى الاستقلال، فإما تكون هكذا وإما لا تكون.
* هل تلمح إلى حل السلطة؟
- لا.. لا.
* هل هناك كثيرون يدعون إلى ذلك؟
- لقد كتبت دراسة قبل عامين ونصف العام، وقدمتها للقيادة، قلت إن هذه السلطة ولدت لنقل الشعب الفلسطيني إلى الاستقلال، نتنياهو يحاول تغيير وظيفة السلطة. السلطة لن تستطيع الصمود، ستنهار، أنا لا أدعو إلى حلها، هذا ليس حلا للسلطة، لكنها بهذه الطريقة ستنهار. علينا أن ندرس قرار الجمعية العامة الأخير، لدينا بدائل، اللجنة التنفيذية هي الحكومة المؤقتة لدولة فلسطين، والمطلوب عمله في انتخابات مستقبلية هو انتخاب برلمان دولة فلسطين وقيام دولة فلسطين، وعلينا أن نكرس الدولة، ولكن هذا يتطلب تطبيق المصالحة قبل أي عمل آخر. حركة حماس مطالبة بمراجعة موقفها، والعودة.. والقبول بالعودة إلى إرادة الشعب عبر انتخابات رئاسية وتشريعية ومجلس وطني وبشكل فوري، عندما نختلف نعود إلى صناديق الاقتراع وليس الرصاص. ثانيا، ذهابنا إلى المؤسسات الدولية والعضوية، هذا هو الرد الحاسم على استراتيجية نتنياهو. الأمر الثالث، تعزيز عمقنا العربي، عمودنا الفقري هو عالمنا العربي، ولم يحدث أن كنا معززين ومؤيدين من العرب كما نحن عليه الآن. رابعا، بعدنا الدولي لم يكن معززا كما نحن عليه الآن، والعالم أجمع مدرك أن هزيمة التطرف تتطلب تجفيف مستنقع الاحتلال، الإدارة الدولية عالمة بذلك.
المسألة الأخرى في استراتيجيتنا، هي بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية، لأن الدولة عائدة إلى الخريطة الجغرافية، وستكون دولة مساءلة ومحاسبة ومكاشفة وديمقراطية، لها حريات للجميع، وحريات دينية كذلك، هذه هي فلسطين وهذه رسالة فلسطين.
* وهل ترى فلسطين هذه قريبة؟
- نعم.. نحن نشعر بأننا ولدنا كفلسطينيين لإعادة فلسطين إلى خريطة الجغرافيا، والوطنية الفلسطينية تعني مقدار ما يقدمه أي فلسطيني لمجتمعه في مجال تخصصه، لا فهلوة ولا شعارات. ومن هنا، نحن 11 مليون فلسطيني في القارات الخمس، لا فرق بين فلسطيني وآخر إلا ما الذي سنقدمه لإعادة فلسطين إلى خريطة الجغرافيا.
* البعض يعتقدون أن حل الدولتين صعب وبعيد، بل مات. وينادون بتبني فكرة حل الدولة الواحدة؟
- لا يوجد حل اسمه حل الدولة الواحدة. الحل يتطلب موافقة طرفين، وإسرائيل لن توافق على الإطلاق، هناك واقع الدولة الواحدة، لكن ما يطرحه ويسعى إليه نتنياهو عمليا هو دولة واحدة بنظامين.
* وما الفرق. هل لك أن تشرح ذلك؟
- نحن نسعى لدولتين مستقلتين، لكن نتنياهو الآن باستمراره في الاستيطان والقتل والاقتحامات والإملاءات، يسعى عمليا لدولة واحدة بنظامين.. أبارتايد (قالها مشددا عليها مرتين). ومرة أخرى أعيد ما قلته مرارا: يوجد الآن طرق لا يسمح للفلسطينيين باستخدامها في محافظات الضفة، لم يحدث في جنوب أفريقيا العنصرية أن منع الأسود من استخدام طريق يستخدمه الأبيض، هذا نظام أبارتايد أسوأ وأعمق مما كان عليه في جنوب أفريقيا. إنهم يريدون دولة إسرائيل من النهر إلى البحر، ويريدون أقلية عربية لها مؤسساتها، لها مدارسها وجامعاتها وبرلمانها، لكن اليد الطولى العليا في السيطرة على الأرض والسماء والجو والمعابر هي لإسرائيل، وهذا ما قصدته بدولة بنظامين، تماما كما كانت جنوب أفريقيا دولة بنظامين.
* بالإضافة إلى البدائل الكثيرة التي تحدثت عنها، هل بديل المقاومة مطروح أمامكم على الطاولة؟
- الوجود الفلسطيني هو مقاومة، الجامعة.. المستشفى.. الصحافي.. مقاومة، وهذا مشروع. نحن ولدنا شعبا مقاوما للظلم والشر والاحتلال، لكن المقاومة شيء واستغلال المقاومة شيء آخر، نحن شعب مقاوم ولنا الحق في هذه المقاومة، ونتسلح الآن بدعم غير مسبوق لنا بمقاومة شعبية سلمية.
* قلت إن المفاوضات متوقفة؛ مشكلتكم إذن مع حكومة يقودها نتنياهو أم مع الإسرائيليين ككل؟
- أنا لا أختار من يفاوضني، نحن نريد السلام مع كل الإسرائيليين، هم يعرفون ذلك.. لكن سلامنا لن يكون بأي ثمن.
* كيف؟
- لنا 37 كيلومترا على البحر الميت، لنا 97 كيلومترا من الحدود على نهر الأردن، لنا حقوق مائية في نهر الأردن، لنا القدس الشرقية، لنا ممر آمن بين الضفة وغزة تحت سيادتنا، لنا أربعة كيلومترات منطقة حراما في القدس، لنا 46 كيلومترا منطقة حراما في اللطرون (منطقة مهجرة شمال القدس)، ولنا مياه إقليمية على بحر غزة، وحق عودة اللاجئين. وأنا أوصي الجميع بألا يقايضوا حقا بحق. الرئيس الفلسطيني، ياسر عرفات، معلمنا وقائدنا، قتل وحوصر مظلوما ومسموما، لا لشيء، بل لأنه تمسك بما أقره لنا القانون الدولي. إذا اعتقدت إسرائيل أن عاما أو عشرين أو أكثر ستستطيع أن تخفض هذا السقف فهي واهمة.
* هل تخشى على أبو مازن من مصير أبو عمار؟
- نعم. طبعا. قرأت رسائل وجهها (أفيغدور) ليبرمان، وزير خارجية إسرائيل (لدول أوروبية مختلفة)، ولدي نسخ منها، يطلب رسميا التخلص من الرئيس محمود عباس، ويعده خطرا على إسرائيل. هم (الإسرائيليون) لديهم هذا النهج، قبل أن يقتل الرئيس عرفات مسموما، كانت هناك أصوات في حكومة شارون تقول إن الرئيس عرفات كان عقبة ويجب التخلص منه، ويكررون ذلك الآن، وأنا أقول لك: لو جاءت الأم تيريزا (راهبة ذات أصول ألبانية وممرضة عملت في الهند وحائزة جائزة نوبل للسلام عام 1979) رئيسة للشعب الفلسطيني، ومونتيسكيو (فيلسوف فرنسي صاحب نظرية فصل السلطات الذي تعتمده غالبية الأنظمة حاليا) رئيسا للبرلمان، وتوماس جيفرسون (أحد أشهر الرؤساء الأميركيين والمؤلف الرئيس لإعلان الاستقلال الأميركي) رئيسا للوزراء، وتمسكوا بدولة فلسطينية على حدود 67 وعاصمتها القدس، وحل قضية اللاجئين - لوصفوهم بأنهم غير شركاء وإرهابيون يجب التخلص منهم.
* أطلق عليكم الرئيس لقب «ذاكرة المفاوضات»، أريد أن أسألكم بعد 20 سنة من المفاوضات: ما القرار الذي أخذتموه وندمتم عليه.
- (بعد تفكير بسيط).. لا أريد أن أخوض في أي من التفاصيل.
* ما القرار الذي كان يجب أن تتخذوه ولم تقدموا عليه؟
- (بعد تفكير أيضا). في اعتقادي، إننا قد نكون ارتكبنا خطأ كبيرا عندما حصلنا على مكانة لدولة فلسطين كدولة غير عضو عام 2012 ولم نذهب مباشرة للمؤسسات الدولية لطلب عضوية هذه المؤسسات. أنا لا أقول إنه لا توجد أخطاء (أخرى). سنكتب يوما قريبا عن مجمل المفاوضات.. هذا حق لأحفادي وأحفادك.
* مذكرات يعني؟
- لا.. لا.
* هل نفهم أنك مغادر؟
- استقالتي قائمة، وأرجو قبولها، وأنا صاحب هذا الشأن، ولا أريد أن أقول أكثر من ذلك. المسألة ليست بالشخصنة، أنا لم أولد إلا جنديا فلسطينيا، وكل ما أقوم به لا يرقى إلى أظفار شهيد، وويل لأمة يصبح الفرد من قادتها يشعر بأنه أهم من قضيته، أنا جندي والحياة مستمرة والشعب الفلسطيني كله كفاءات تستطيع النهوض بهذه المسألة أكثر مني.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.