تظاهرة للمعرفة والتنوير على طرف الصحراء

«معرض القاهرة الدولي للكتاب» في يوبيله الذهبي

زائرة في معرض القاهرة للكتاب
زائرة في معرض القاهرة للكتاب
TT

تظاهرة للمعرفة والتنوير على طرف الصحراء

زائرة في معرض القاهرة للكتاب
زائرة في معرض القاهرة للكتاب

ثمة في هذا العالم المترامي بلدان كثيرة لا يشعر المرء، ولأسباب مختلفة، بأي دافع إلى زيارتها والتعرف إلى واقعها عن كثب. وثمة بلدان نزورها لمرة واحدة، بدافع الاكتشاف أو الفضول، ولا نجد بعد ذلك ما يحثنا على العودة إليها مرة ثانية. على أن مصر هي من البلدان القليلة التي لا تنتمي إلى كلا الصنفين، بحيث لا نكاد نغادرها في الزيارة الأولى حتى تراودنا من جديد فكرة العودة إليها، واستكناه ألغازها وخفاياها وجاذبيتها المغوية التي لا يبطل سحرها أبداً.
ولعل تلك الجاذبية لم تكن وليدة الصدفة ولا تنحصر في نقطة بعينها، بل يتضافر في صنعها الزمان والمكان، التاريخ والجغرافيا، الواقعي والسحري، كما الطبيعة والبشر. فلقد حفل تاريخ مصر القديم بأكثر الأسئلة اتصالاً بالجوهر الإنساني وبلغز الوجود ومعنى الحياة والموت، الأمر الذي استدرج الكتّاب والفلاسفة والشعراء على امتداد العصور إلى الوقوف على العناصر المختلفة التي أعطت لمصر طابعها الخاص ونكهتها الفريدة. وإذا كان المقريزي قد أشار إلى مصر بوصفها «قلب الأرض ومتوسطة الدنيا»، فإن جمال حمدان في كتابه الشهير «شخصية مصر» لم يبتعد كثيراً عما ذهب إليه المقريزي، حيث وصف بلاد الكنانة بأنها «ملحمة جغرافية» يتعانق فيها القلب الأفريقي وقلب العالم القديم، بقدر ما يتعانق النيل مع المتوسط.
ولأن مصر هي في محيطها من البلدان القليلة التي تحمل سمات الدولة العميقة، فإن الغلبة فيها ليست للعابر والعرضي والهش، بل لكل ما يترك على الأرض بصمته الراسخة كالأهرامات والمسلات والمعابد، أو لكل ما يحفظ الروح عبر منع الجسد من التحلل، أو لكل ما يمنع اللحظة العابرة من الزوال، عبر الكتب والأسفار والنقوش والروايات. والغلبة هنا هي، باستثناء خفة الظل، للثقل لا للخفة، وللنواة لا للقشرة، وللتحول البطيء لا للعواصف المرتجلة. كأن اتساع الجغرافيا وقِدم التاريخ يتحولان إلى ضابطي إيقاع لحركة الواقع وتغيراته، ويقيمان الحدود المقبولة بين النظام والفوضى، وبين تمثّل التراث والاندفاع إلى قلب الحداثة. وهو ما أتاح لمصر أن تكون قلعة الماضي من جهة، وأن تكون بوابة التنوير ومفتاح الولوج إلى ثقافة العصر وكشوفه، من جهة أخرى. وفي هذا البلد المحكوم بالمفارقات ينفتح كل شيء على نقيضه الضدي، بحيث يواجَه الشقاء بالنكتة الساخرة والذكاء اللماح، ويواجَه الفقر بالصبر والإرادة، ويواجَه صخب النهار وزحامه بالهسيس الصامت للنجوم التي يتلألأ بريقها السماوي على صفحة النيل.
وإذا كانت شاعرية مصر العالية هي المحصلة التلقائية لثرائها الإنساني والمشهدي، فإن الرواية من جهتها هي ثمرة التنوع المجتمعي المديني الذي يتجاور فيه نيلان اثنان؛ أولهما تصنعه المساقط الهائلة للمياه المتحدرة من أحشاء أفريقيا، والآخر يصنعه ملايين البشر الذين يصنعون من مكابداتهم اليومية نهراً من الحكايات ولغة السرد لا يكف عن التدفق.
لن يكون بالأمر المستغرب تبعاً لذلك أن يكون معرض القاهرة الدولي للكتاب واحداً من أهم المعارض المماثلة؛ ليس على الصعيد العربي فحسب، بل على الصعيد العالمي أيضاً. ليس فقط بسبب الكثافة السكانية المطردة أو الجغرافيا الشاسعة ذات الموقع الحساس، بل بسبب الغنى الثقافي الهائل الذي رفدته الحضارات المتعاقبة، ومن بينها الفرعونية والهيلينية والرومانية والإسلامية، بنتاجها المعرفي الثري وتعبيراتها الإبداعية الخلاقة. صحيح أن المعرض، الذي تأسس قبل نصف قرن، لم يكن الأقدم بين المعارض العربية، لكنه كان بالقطع أهمها وأكبرها وأضخمها من حيث المساحة والتسويق ودور النشر المشاركة.
ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن من اتخذ القرار بتأسيس المعرض هو وزير الثقافة المصري في ذلك الزمن ثروت عكاشة، الذي أسند للكاتبة والناقدة المعروفة سهير القلماوي مهمة الإشراف والتخطيط والتنفيذ العملي، ليكون الحدث إذ ذاك بمثابة تتويج رمزي لاحتفاء المصريين بالذكرى الألفية لتأسيس المدينة التي غدت مع الزمن واحدة من أشهر العواصم وأكثرها اكتظاظاً بالسكان والمعالم التاريخية المتجاورة. وكما جعل عكاشة من المعرض هديته الثمينة للمصريين في ذكرى تأسيس عاصمتهم، شاءت وزيرة الثقافة الحالية إيناس عبد الدايم أن تقدم لهم بعد 50 عاماً من التأسيس هدية موازية تتمثل في نقل المعرض من مكانه القديم في شارع صلاح سالم إلى مكان آخر يقع على طرف الصحراء بعيداً عن الفوضى والزحام الخانق، ويتسم بأرفع المواصفات الهندسية والجمالية، ويتيح لقاصديه أن يحولوا زيارتهم إلى فرصة للراحة والاستجمام والمتعة البصرية الخالصة. هكذا بدت النسخة الجديدة من المعرض أقرب إلى المواصفات العالمية النموذجية لمعارض الكتب، سواء من حيث التناغم الجمالي والهندسي بين أبنيته الأربعة المتقاربة، أو من حيث الأجنحة النظيفة والمرتبة بإتقان، فضلاً عن أحواض الزهور ونوافير المياه والمقاهي المنشأة بعيداً عن العشوائية والفوضى السابقتين.
ومع ذلك فسيكون من الإجحاف بمكانٍ الزعم بأن ما يُكسب الدورة الحالية لمعرض القاهرة أهميتها الاستثنائية ينحصر في الموقع الجديد وحده، بل تلك الجهود المضنية التي بذلها القيمون على الحدث لتحويله إلى عيد حقيقي لمئات الآلاف من الرواد والزائرين، كما للثقافتين العربية والإنسانية، وفي طليعة هؤلاء هيثم الحاج علي، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، ومعاونون نشطون مثل محيي عبد الحي ورشا الفقي وإسلام بيومي، وجنود مجهولون بذلوا أقصى ما يستطيعونه من جهد لإصدار مجلة «مرايا الكتاب» اليومية التي تقصت بنجاح صورة الحدث وأنشطته وانطباعات رواده وزائريه.
على أن استثنائية الحدث ليست مقتصرة على العدد غير المسبوق للمبدعين المدعوين فحسب، بل متصلة بالتمثيل الواسع للأسماء المشاركة التي وجدت في المناسبة فرصتها الأثيرة للتعبير عن هوياتها المختلفة من جهة، وللبحث عبر الحوارات المفتوحة عما يؤالف بين الثقافات ويضعها في مناخ التكامل والتفاعل الإيجابي، من جهة أخرى. وحيث اختيرت الجامعة العربية لتكون ضيفة للشرف في الدورة الحالية، كانت الندوات والأنشطة الثقافية المختلفة تتوزع بين كثير من القاعات المتجاورة، بما يُجبر الزائر المتابع على المفاضلة بين الأنشطة المتزامنة، أو بين أمسية شعرية تدور في قاعةٍ ما وندوة فكريةٍ تدور في قاعةٍ أخرى، رغم توقه العميق إلى حضور النشاطين معاً. وعلى امتداد 13 يوماً كانت قاعاته المختلفة تستضيف مئات الندوات والأمسيات وجلسات الحوار والمناقشة في شؤون الفكر والسياسة والمسرح والفلسفة والتاريخ والسينما والشعر وفنون السرد والتشكيل، وغيرها من شؤون الثقافة وشجونها. وكما كان للنقد الروائي والشعري والفني بوجه عام نصيبه الوافر من الاهتمام، فقد جرى تكريم شخصيات ريادية راحلة كطه حسين وصلاح عبد الصبور وعبد الرحمن الأبنودي وجمال حمدان ويوسف إدريس. كما كان للترجمة وإشكالياتها نصيبها الوافر من الندوات والمناقشات التي عززها حضور كثير من المستشرقين والمترجمين العرب والأجانب. وسيكون من باب الإنصاف هنا الإشارة إلى الدينامية المفرطة للناقد المصري جابر عصفور، الذي لوحظت مشاركته النشطة في غير ندوة نقدية وحوارية.
أما نسبة الحضور في القاعات فكانت تحددها أحياناً نجومية المشاركين، بمعزل عن طبيعة الموضوع وجاذبيته. وهو ما يؤكده اكتظاظ القاعة بالحضور في بعض الندوات الهامشية، لا لشيء إلا لأن المشاركين فيها هم من الأسماء المعروفة واللامعة، في حين أن ذلك الحضور كان يبلغ حدوده الدنيا في الندوات الأكثر أهمية وتأثيراً، كما كان حال الندوة المعقودة حول الشعر العربي، التي ضمت عدداً من الشعراء والنقاد المعروفين، على سبيل المثال لا الحصر.
لم يتيسر لي بالطبع، ولن يكون بالمستطاع أصلاً، أن أتابع كل ما يدور في قاعات المعرض وزواياه من أمسيات ولقاءات وحوارات بالغة التنوع والثراء، لكن ذلك لا يمنعني من أن ألاحظ الحظوة النسبية التي لقيها الشعر هذا العام بالقياس إلى غيره من الفنون. فقد غصّت القاعة المخصصة لأمسيات الشعر، بمدارسه المختلفة، بالعشرات من عشاق هذا الفن ومتابعيه، كما لو أن هؤلاء يعلنون عودتهم إلى بيت الطاعة الروحي بعد أن انفضوا طويلاً عن ديوانهم الجمعي، وبعد أن آلت ثوراتهم وأحلامهم الوردية إلى حضيضها البائس. ورغم أن كثيراً من المدعوين قد غابوا لسبب أو لآخر، كما كان حال عباس بيضون وعبد المنعم رمضان وعبده وازن وغيرهم، فإن قاعة الشعر في المعرض غصت بعشرات الأسماء الأخرى من مثل: حبيب الصايغ ومحمد إبراهيم أبو سنة وعلي جعفر العلاق ومحمد سليمان وشربل داغر وحسن طلب ومحمد آدم ومراد السوداني وعلوي الهاشمي ويوسف عبد العزيز ومحمد البريكي وسامح محجوب وعزت الطيري وشيرين العدوي، وآخرين من مختلف دول العالم وقاراته وأصقاعه.
أما الرواية بالمقابل فقد حافظت على مكانتها المرموقة التي تحتلها منذ عقود، سواء من حيث الندوات التي حفلت بكثير من نجومها اللامعين أو من حيث عدد قرائها الذي لا يكف عن الازدياد. وإذا كان يصعب على المرء أن يحيط بكل ما شهدته أيام المعرض وأمسياته من وقائع وتفاصيل، فإن ما لا يمكن إغفاله رغم ذلك هو تلك الصداقات القديمة أو المستجدة التي تنعقد بين كتّاب ومبدعين قادمين من أربع رياح الأرض لكي يبحثوا بين ربوع مصر «المحروسة» عما يعصم هذا الكوكب البائس من ربقة الجهل والعنف الظلامي والتقوقع على الذات، بينما يترسخ في دواخلهم حنين غامض للعودة إلى المكان. إذ ليست بعيدة تماماً عن الصواب، تلك المقولة الشعبية المتوارثة التي مفادها أن من يشرب من مياه النيل، لا بد له من أن يعود إليها ولو بعد حين.


مقالات ذات صلة

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.