وزير الدفاع الأميركي يزور كابل... ومعارك طاحنة في ولايات الشمال

جولة إقليمية جديدة لخليل زاد تمهيداً للمحادثات مع «طالبان»

وزير الدفاع الأميركي بالوكالة باتريك شاناهان يصافح أحد الجنود الأفغان في معسكر كوماندو أمس (أ.ب)
وزير الدفاع الأميركي بالوكالة باتريك شاناهان يصافح أحد الجنود الأفغان في معسكر كوماندو أمس (أ.ب)
TT

وزير الدفاع الأميركي يزور كابل... ومعارك طاحنة في ولايات الشمال

وزير الدفاع الأميركي بالوكالة باتريك شاناهان يصافح أحد الجنود الأفغان في معسكر كوماندو أمس (أ.ب)
وزير الدفاع الأميركي بالوكالة باتريك شاناهان يصافح أحد الجنود الأفغان في معسكر كوماندو أمس (أ.ب)

قبل أسبوعين من بدء جولة المفاوضات الجديدة بين المبعوث الأميركي لأفغانستان زلماي خليل زاد، وممثلي «طالبان» في الدوحة، أعلن المبعوث الأميركي الخاص لأفغانستان عن جولة جديدة في عدد من الدول ذات العلاقة بالشأن الأفغاني، فيما كان وزير الدفاع الأميركي بالوكالة باتريك شانهان، يقوم بزيارته الأولى لقواته في أفغانستان. وتزامنت هذه التحركات السياسية المهمة مع معارك ضارية في الشمال الأفغاني بين قوات الحكومة المدعومة من قوات حلف الأطلسي وقوات «طالبان» في عدد من الولايات.
فميدانياً، أعلنت الحكومة الأفغانية عن عمليات واسعة النطاق للقوات الأفغانية في ولايات تاخار وقندوز شمال أفغانستان، موقعةً عشرة قتلى من قوات «طالبان» فيما جُرح خمسة عشر آخرون في العمليات التي قادتها وحدات من الاستخبارات الأفغانية. وحظيت القوات الأفغانية بدعم من مدفعية وسلاح الجو لقوات حلف الأطلسي في أفغانستان، فيما قال «فيلق شاهين» التابع للجش الأفغاني إنه سيواصل عملياته ضد قوات «طالبان» في المنطقة، حيث يعمل على تقليص وجودها في ولايات الشمال إلى أدنى حد ممكن. وقال «فيلق شاهين» إن سلاح الجو الأفغاني قصف مواقع لقوات «طالبان» في منطقة حضرت سلطان في ولاية قندوز الشمالية، حيث قُتل اثنان من قوات «طالبان» وجُرح ثلاثة آخرون حسب بيان بثّته وكالة «خاما برس» من كابل. وفي نبأ آخر بثّته نفس الوكالة جاء أن القوات الأفغانية أسرت أحد قادة «طالبان» في ولاية زابل جنوب أفغانستان. وحسب بيان صادر عن قائد الشرطة في قندهار الجنرال تادين خان، فإن حاكم الظل من «طالبان» في مديريتي جلدك وتارنك في ولاية زابل تم أسره في عملية قامت بها القوات الأفغانية في مديرية إرغنداب في ولاية قندهار. ولم يعط قائد شرطة قندهار أي تفاصيل أخرى عن عملية الأسر أو هوية مسؤول «طالبان».
ونشرت وزارة الدفاع الأفغانية بياناً عن عمليات الجيش خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية قالت فيه إن خمسة وسبعين من قوات «طالبان» قُتلوا وجُرح عشرون آخرون في عمليات للجيش في مختلف الولايات.
وحسب بيان الجيش الأفغاني والاستخبارات، فإن عمليات مشتركة من عناصر من الجيش والاستخبارات شملت ولايات ننجرهار، وتاخار، وبروان، وغزني، وقندهار، وأروزجان، وبادغيس، وفراه، وبلخ، وجوزجان، وكابيسا، وهلمند، أدت إلى مصرع خمسة وسبعين من قوات «طالبان» وجرح عشرين آخرين.
كما أضاف البيان أن القوات الأفغانية أسرت اثنين من المشتبه بهم، كما قصفت قوات الحكومة مواقع بالمدفعية وسلاح الجو لقوات «طالبان». وأشار البيان إلى مقتل 24 من قوات «طالبان» وجرح تسعة آخرين في ترينكوت مركز ولاية أروزجان وسط أفغانستان، ومقتل اثنين وعشرين من قوات «طالبان» بينهم أحد القادة الميدانيين، وجرح ثمانية آخرين، وتدمير سيارتين مليئتين بالأسلحة في مناطق أندار، وأباند، وقره باغ، في ولاية غزني، كما قُتل اثنا عشر من قوات «طالبان» في منطقة معروف في ولاية قندهار جنوب أفغانستان، فيما جُرح ستة آخرون في نفس المنطقة. وأضاف البيان أن ستة من قوات «طالبان» قُتلوا في هجمات للجيش الأفغاني في ولاية هلمند جنوب أفغانستان في مناطق واهير، ونهر السراج، وسنغين، وجرم سير. وحسب بيان الجيش الأفغاني فإن مناطق خواجا بهاء الدين في ولاية تاخار الشمالية شهدت اشتباكات مع قوات «طالبان» أدت إلى مقتل ثلاثة من قوات «طالبان» وجرح اثنين آخرين، فيما قُتل ثلاثة من مسلحي «طالبان» في ولاية فراه غرب أفغانستان، وثلاثة آخرون في منطقة تشرخ في ولاية لوغر جنوب العاصمة كابل.
وشهدت الساعات الأربع والعشرين الماضية حسب بيان للجيش، قيام قواته بست عشرة عملية تمشيط، فيما قامت القوات الخاصة بثمانين غارة في العديد من الولايات، بينما قام سلاح الجو بـ113 غارة جوية لدعم قوات الجيش الأفغاني.
وكانت وزارة الداخلية الأفغانية قد قالت إنها تمكنت من إنقاذ سكان العاصمة كابل من تفجير ضخم كان يُعدّ عبر سيارة مفخخة قادمة من ولاية لوغر جنوب العاصمة. وتزامنت البيانات عن إنجازات الجيش والشرطة الأفغانية مع إعلان المبعوث الأميركي لأفغانستان زلماي خليل زاد، البدء بجولة إقليمية تشمل ست دول قبل بدئه جولة مفاوضات جديدة مع ممثلي «طالبان» في الدوحة.
وتشمل الجولة: بلجيكا مقر حلف شمال الأطلسي، وألمانيا، وتركيا، وقطر، وباكستان، وأفغانستان. وأن هذه الجولة تندرج في إطار جهد عالمي لتسهيل عملية السلام في أفغانستان وتحمي الأمن القومي الأميركي وتجمع الأطراف الأفغانية كافة في حوار أفغاني أفغاني يمكنهم من خلاله تحديد مسار لمستقبل بلادهم.
وكان القائم بأعمال وزير الدفاع الأميركي، قد وصل صباح أمس، إلى كابل في زيارة لم يعلن عنها مسبقاً تهدف إلى تقييم الوضع في أفغانستان، حيث يسعى الرئيس دونالد ترمب لسحب قوات بلاده من أفغانستان والتوصل إلى اتفاق سلام. وقال وزير الدفاع الأميركي بالوكالة إنه من الضروري أن تشارك الحكومة الأفغانية الحالية في المحادثات المتعلقة بالسلام في أفغانستان، وإن بلاده استثمرت كثيراً جداً في الأمن في أفغانستان، لكن الأفغان هم الذين يجب أن يقرروا مستقبلهم بأنفسهم.
وحسب وزير الدفاع الأميركي بالوكالة، فإنه لم يتلقَّ تعليمات من الرئيس الأميركي ترمب، لبدء سحب القوات الأميركية من أفغانستان.
من جانبها رفضت حركة «طالبان» عرضاً من الرئيس الأفغاني أشرف غني، فتح مكتب لها في أفغانستان مقابل إغلاق مكتبها السياسي في الدوحة، وشدد غني على سعي حكومته للسلام مع «طالبان» التي ترفض حتى الأن الجلوس مع ممثلي حكومته، وكان أشرف غني قد زار مدينة جلال آباد لاستقطاب الدعم الشعبي لسياسته يوم الأحد، إلا أنه ووجه بهتافات معادية له من قبل السكان المحليين، مما دعاه إلى قطع الزيارة والعودة مباشرةً إلى كابل، كما ذكرت ذلك مصادر محلية في جلال آباد. وكانت «طالبان» قد قالت في محادثاتها مع قيادات أفغانية إنها تطالب بمكتب لها في أفغانستان، على أن تضمن قوات حلف الأطلسي ألا تتعرض له بغاراتها الجوية، يمكِّن قياداتها من التواصل مع فئات الشعب الأفغاني والمبعوثين الدوليين، لكنها في الوقت نفسه رفضت أن يكون المكتب تحت سيطرة ومراقبة الحكومة الأفغانية أو منحة منها. وقال سهيل شاهين الناطق باسم المكتب السياسي لـ«طالبان» في الدوحة، إن التركيز للحركة الآن على اعتراف دولي بمكتب «طالبان» السياسي في الدوحة أكثر من الحصول على مكتب داخل أفغانستان.


مقالات ذات صلة

أفريقيا الكابتن إبراهيم تراوري قائد المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو وحوله عدد من الجنود (رويترز) p-circle

بوركينا فاسو ستجنِّد 100 ألف مدني في الجيش احتياطياً

أعلن وزير الحرب في بوركينا فاسو، السبت، أن بلاده ستجند 100 ألف مدني بحلول نهاية عام 2026، لتعزيز قواتها الاحتياطية، ودعم الجيش في حربه ضد الجماعات الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (أبيدجان)
أوروبا وحدة من قوات الشرطة تجوب شوارع مينا في نيجيريا (أ.ب)

الجيش النيجيري يعلن القضاء على 24 مقاتلاً من «بوكو حرام»

الجيش النيجيري يعلنُ القضاء على 24 مقاتلاً من «بوكو حرام»، بعد أن حاول عشرات المقاتلين من التنظيم الهجوم على قرية كوكاريتا.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»

اجتماع عسكري جزائري - موريتاني للتنسيق الأمني وإدارة الحدود

عقد وفدان عسكريان من الجزائر وموريتانيا اجتماعاً في مدينة تندوف، أقصى جنوب غربي الجزائر، بالقرب من الحدود بين البلدين، بهدف «تطوير التنسيق الأمني المشترك».

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

نيجيريا: مقتل 20 مدنياً على يد «بوكو حرام»

هدد تنظيم «بوكو حرام» الإرهابي بتصفية 416 رهينة لديه إذا لم تستجب الحكومة لمطالبه المتمثلة في دفع مبلغ 3.7 مليون دولار أميركي...

الشيخ محمد (نواكشوط)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...