برلمان ليبيا يوافق على إجراء أول انتخابات رئاسية بالاقتراع المباشر

«مجلس الثوار» تحدى مجلس النواب.. واغتيال مدير أمن طرابلس.. وطائرات حفتر تقصف معقل المتطرفين في درنة

طفلان ليبيان يشيران إلى آثار القصف المدفعي على أحد مباني معسكرات الجيش بمحيط العاصمة طرابلس بفعل الاشتباكات بين المسلحين أول من أمس (أ.ف.ب)
طفلان ليبيان يشيران إلى آثار القصف المدفعي على أحد مباني معسكرات الجيش بمحيط العاصمة طرابلس بفعل الاشتباكات بين المسلحين أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

برلمان ليبيا يوافق على إجراء أول انتخابات رئاسية بالاقتراع المباشر

طفلان ليبيان يشيران إلى آثار القصف المدفعي على أحد مباني معسكرات الجيش بمحيط العاصمة طرابلس بفعل الاشتباكات بين المسلحين أول من أمس (أ.ف.ب)
طفلان ليبيان يشيران إلى آثار القصف المدفعي على أحد مباني معسكرات الجيش بمحيط العاصمة طرابلس بفعل الاشتباكات بين المسلحين أول من أمس (أ.ف.ب)

عادت الاغتيالات إلى قلب العاصمة الليبية طرابلس أمس بعدما قتل مجهولون ملثمون العقيد محمد سويسي مدير أمن طرابلس، بينما قرر أمس مجلس النواب الليبي أن تجرى أول انتخابات رئاسية في تاريخ البلاد لاختيار رئيسها المقبل عن طريق الاقتراع المباشر، لكنه أعلن أنه سيحدد لاحقا موعد الانتخابات وكيفية إجرائها للمفوضية العليا للانتخابات.
ووافق أعضاء المجلس في جلسة عقدوها بمقره المؤقت بمدينة طبرق بأقصى شرقي ليبيا، بأغلبية ساحقة على أن يجري اختيار رئيس الدولة الليبية عن طريق الانتخابات المباشرة من القاعدة الشعبية، حيث صوت 141 عضوا على أن يكون اختيار رئيس الجمهورية عن طريق الانتخابات المباشرة من القاعدة الشعبية، فيما امتنع اثنان، ورفض عضو واحد التصويت، من إجمالي 144 عضوا شاركوا في الجلسة.
وتعلق التصويت بكيفية انتخاب الرئيس المؤقت لليبيا وهل سيجري بالانتخاب المباشر أم غير مباشر وفقا لما جاء في التعديل الدستوري.
وجرى التصويت علانية في جلسة جرى بثها مباشرة على بعض القنوات الفضائية المحلية في أول إجراء من نوعه منذ تولي المجلس مهام عمله الأسبوع الماضي، بوصفه أعلى جهة دستورية وتشريعية في البلاد.
ويأمل شركاء غربيون أن يتيح البرلمان الجديد المجال أمام مفاوضات بين الميليشيات المتناحرة وداعميها السياسيين ليعود الاستقرار إلى ليبيا بعد شهر من اشتباكات حولت العاصمة طرابلس ومدينة بنغازي إلى ساحتي قتال.
وبعد ثلاث سنوات من الإطاحة بنظام حكم العقيد الراحل القذافي، خيم الخلاف السياسي على الحكومة الليبية الهشة، فأصاب البرلمان السابق بالشلل، وزاد من قوة الكتائب المتناحرة للمقاتلين السابقين المدججين بالسلاح.
واشتبكت هذه الكتائب في الماضي لكن الخصومة بينها تحولت الشهر الماضي إلى معارك ضارية في الشوارع تأتي في إطار صراع أوسع على غنائم عهد ما بعد القذافي في ليبيا. ومنذ بدء القتال، انسحب معظم الدبلوماسيين الغربيين من البلاد وأغلقوا سفاراتهم في ظل مخاوف من أن البلد المنتج للنفط على شفا الحرب الأهلية.
وأصبحت طرابلس أهدأ أمس، ولم تشهد أعمال القصف ونيران الصواريخ التي شهدتها خلال الأيام القليلة الماضية، بينما أدانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بشدة استمرار المعارك في طرابلس رغم الدعوات المتكررة لوقف فوري لإطلاق النار وعدم اللجوء إلى القوة لحل الخلافات السياسية.
وأعربت البعثة في بيان حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، عن استنكارها ارتفاع أعداد القتلى والجرحى من المدنيين، وأبدت قلقها البالغ من تناقص الإمدادات الطبية ونزوح آلاف العائلات والدمار الكبير الذي لحق بالمنازل والبنية التحتية وتوقف النشاط الاقتصادي.
كما نددت أيضا استمرار المعارك في المنطقة الشرقية والأذى الذي يلحق بالسكان المدنيين والاعتداء المستمر على مقرات الجيش والشرطة وكذلك استخدام الطيران في العمليات العسكرية. وقالت البعثة إنها بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، على اتصال مستمر مع كل الفرقاء سعيا إلى تحقيق وقف لإطلاق النار وحقن الدماء والاتفاق على معالجات سياسية للمشكلات الحاضرة، وحثت الجميع على التجاوب مع هذه الجهود دون إبطاء.
ويدور الصراع بين كتيبتي «القعقاع» و«الصواعق» المناهضتين للإسلاميين والتابعتين لمقاتلين سابقين من بلدة الزنتان الغربية من جهة، وكتائب تميل أكثر إلى الإسلاميين والكيانات السياسية الإسلامية ومرتبطة ببلدة مصراتة في غرب البلاد، من جهة أخرى.
في المقابل، دعا ما يسمى «المجلس الأعلى لثوار ليبيا» رئاسة المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته لتحديد موعد انعقاد جلسة إتمام مراسم التسليم والتسلم القانونية لمجلس النواب بمدينة بنغازي، مؤكدا استعداد الثوار لتأمين أعمال المجلس. وطلب المجلس الذي تهيمن عليه جماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤها من أعضاء مجلس النواب التوجه إلى مدينة بنغازي والإسهام بشكل فاعل في إنهاء حالة الانقسام ، مشيرا إلى أن أعضاء مجلس النواب الموجودين في طبرق قد خالفوا ما جاء في الإعلان الدستوري الذي منح رئاسة المؤتمر الوطني صلاحيات تحديد مكان وزمان انعقاد جلسة التسليم والتسلم.
وعدّ أن اجتماع الأعضاء في طبرق قد ساهم في إحداث شقاق واختلاف بين طيف واسع من ممثلي الشعب الليبي الذين قال إنهم تجاهلوا قرارات هيئة تطبيق معايير تولي المناصب العامة.
وزعم المجلس أنه احتراما لمطالب الشارع الليبي الذي خرج يوم الجمعة الماضي معبرا عن رفضه الاعتراف بالمجلس، فقد قرر المجلس الأعلى لثوار ليبيا اعتبار كل ما صدر عن المجلس المنعقد في طبرق من قرارات كأنها لم تصدر على الإطلاق.
من جهته، أصدر اللواء عبد السلام العبيدي رئيس الأركان العامة للجيش الليبي أمرا إلى أركان القوات البرية، البحرية، والجوية، والدفاع الجوي، وحرس الحدود، والمناطق العسكرية، وإلى التشكيلات والدروع التابعة لرئاسة الأركان، بالوقف الفوري لإطلاق النار في جميع مدن ليبيا.
وقال رئيس الأركان: «حقنا لدماء الليبيين وتنفيذا للبيان الصادر عن مجلس النواب بشأن وقف إطلاق النار، عليه نأمر نحن رئيس الأركان العامة للجيش الليبي بالوقف الفوري لإطلاق النار في جميع مدن ليبيا، وسوف يتحمل كل مخالف لهذه التعليمات والأوامر مسؤولية ذلك».
إلى ذلك، اغتال مجهولون أمس العقيد محمد سويسي مدير أمن طرابلس، بعدما أطلقوا عليه النار في منطقة تاجوراء عند إحدى الإشارات الضوئية بعد خروجه من اجتماع لمجلسها البلدي.
وقالت مصادر أمنية إن مجموعة ملثمة اغتالت سويسي وقامت باختطاف اثنين كانوا برفقته، فيما قال رامي كعال الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية الليبية إن «السويسي اغتيل عندما كان عائدا من اجتماع دعي إليه من قبل المجلس البلدي في تأجوراء، وبالتحديد بالقرب من مصحة المتوسط، حيث جرى اعتراضه من قبل سيارتين».

وأضاف: «طلبوا منه النزول بعدما قاموا بإجبار المرافقين له على النزول، حيث رفض السويسي النزول، عندها قام المسلحون بإطلاق النار مباشرة عليه، كما قاموا بضربه على مؤخرة الرأس بكعب البندقية، ولاذوا بالفرار بعدما قاموا باختطاف المرافقين».
وأعلن أن وزارة الداخلية تنعى الفقيد، مشيرا إلى أن مراسم دفن رسمية ستجرى لاحقا بحضور قيادات الوزارة.
من جهتها، زعمت غرفة العمليات الرسمية لعملية «قسورة» التي يشنها مقاتلون من مصراتة وحلفائهم أن مجموعة من ثوار مصراتة قاموا بمساعدة ثوار من «سوق الجمعة» في ما وصفته بـ«عملية نوعية» بالقرب من تأجوراء واعتقلوا أربعة أشخاص زعمت أنهم كانوا يخططون للسيطرة على معسكر في تأجوراء.
وقالت الغرفة في بيان مقتضب بثته عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «هذه المجموعة قتلت شخصين من بينهم (من وصفته) الزلم وقائد العصابة (مدير مديرية أمن طرابلس)»، وتساءلت: «من تظنونه يحميكم يا أهل طرابلس، هو يسرقكم ويمول العصابات».
وجاءت عملية الاغتيال بعد ساعات من تجديد مديرية الأمن بطرابلس، طلبها لجميع أعضاء الشرطة المتغيبين بضرورة الالتحاق فورا بأعمالهم، وذلك لتأدية واجباتهم لحماية المواطنين، وتأمين المرافق العامة والأماكن الحيوية بالمدينة.
ودعت المديرية رجال الشرطة المتغيبين عن العمل إلى ضرورة الالتحاق بمقار عملهم، نظرا لما تطلبه مصلحة الوطن، ولأنه تقع عليهم مسؤولية المحافظة على الأمن والاستقرار للمواطن.
وحثت في نداء بثته وكالة الأنباء المحلية، رجال الشرطة على الالتزام بالعمل المنوط بهم قانونا للمحافظة على الأمن داخل المدينة، وهددت باتخاذ الإجراءات القانونية ضد كل من يتخلف عن الالتحاق بعمله.
من جهة أخرى، قصفت طائرة عسكرية يعتقد أنها تابعة للجيش الوطني الذي يقوده اللواء متقاعد خليفة حفتر، مخزنا بميناء درنة البحري مما أدى إلى إحداث أضرار تدميرية بمرافقه دون وقوع أي إصابات بشرية بالميناء.
وقالت وكالة الأنباء المحلية إن الطائرة أصابت أيضا بقذائف أخرى المنطقة السكنية القريبة من الميناء، مما أدى إلى إصابة سبعة أشخاص بإصابات متفاوتة بين البسيطة والمتوسطة أخطرها إصابة طفلة تبلغ من العمر ثمانية أشهر حالتها مستقرة، فيما غادر بقية المصابين المستشفى. وكان العقيد محمد حجازي، الناطق باسم القيادة العامة للجيش الوطني، قد طلب من مصلحة الموانئ نقل کل سفنها إلى ميناء طبرق البحري.
وكان قد جرى العثور على جثتين إحداهما بمعسكر الصاعقة «21»، والأخرى بمنطقة سيدي فرج، وجرى تسليمهما لمركز بنغازي الطبي، فيما أعلن قيس الفاخري رئيس فرع الهلال الأحمر الليبي أنه جرى انتشال 85 جثة من مناطق الاشتباكات منذ أول أيام عيد الفطر وحتى أمس.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.