الصحافة الكردية... تاريخ حافل من اجتهادات شخصية ومبادرات حزبية

بعضها أصدرته أنظمة حكمت أرض الأكراد لاستقطابهم

عدد أرشيفي لصحيفة «فهم الحقيقة» التي أصدرها الإنجليز عام 1918 لاستقطاب الأكراد
عدد أرشيفي لصحيفة «فهم الحقيقة» التي أصدرها الإنجليز عام 1918 لاستقطاب الأكراد
TT

الصحافة الكردية... تاريخ حافل من اجتهادات شخصية ومبادرات حزبية

عدد أرشيفي لصحيفة «فهم الحقيقة» التي أصدرها الإنجليز عام 1918 لاستقطاب الأكراد
عدد أرشيفي لصحيفة «فهم الحقيقة» التي أصدرها الإنجليز عام 1918 لاستقطاب الأكراد

تاريخ الصحافة الكردية حافل، ويمتد لأكثر من مائة وعشرين عاماً، بيد أن مسيرتها الطويلة التي دشنها مؤسس الصحافة الكردية مقداد مدحت بدرخان، بإصدار العدد الأول من صحيفة «كردستان» في القاهرة في 22 أبريل (نيسان) عام 1898، شهدت موجات كثيرة ومتقلبة من المد والجزر، ازدهرت فيها الصحافة الكردية بعض الأحيان، وغابت أو تلاشت تماماً في أحايين كثيرة، بفعل الظروف السياسية تارة، وتارة أخرى بفعل قيود وقساوة الأنظمة التي حكمت المنطقة، وتحديداً الدول التي يقطنها الكرد.
الصحف الكردية التي صدرت في مراحل مختلفة وعلى امتداد ذلك المشوار الشاق الطويل، يمكن تصنيفها ضمن ثلاث مجموعات: الأولى تمثل نتاجاً لاجتهادات شخصية لمثقفين أو أدباء أو سياسيين أكراد، والثانية - وهي الأكثر عدداً - تمثل جزءاً من أدبيات الأحزاب والمنظمات والتيارات السياسية الكردية، التي انبثقت في مراحل متفاوتة من تلك الحقبة، وفي بقاع متفرقة من كردستان المجزأة، والثالثة تمثل الصحف المملوكة للأنظمة التي حكمت أرض الأكراد، في سعيها لاستقطابهم لصالحها وترويضهم سياسياً.

صحف إنجليزية للأكراد
مصادر تاريخية كثيرة، تذكر أن الصحافة الكردية الحرة، مرت بحقبة مظلمة جداً من تاريخها، مع بداية الحرب العالمية الأولى، نتيجة لتحول المناطق الكردية إلى ساحات صراع عنيف بين دول الحلفاء والمحور، وتحديداً بين البريطانيين والعثمانيين، إذ اختفت الصحف الكردية حد التلاشي، بفعل أهوال الحرب التي تمكنت خلالها القوات البريطانية من بسط سيطرتها على أجزاء واسعة من العراق، بدءاً من البصرة في أقصى الجنوب، وصولاً إلى مدينة كركوك في الشمال، التي دخلتها القوات البريطانية في 7 من مايو (أيار) عام 1918، وفقاً للمؤرخ الكردي كمال مظهر، الذي يسلط الضوء على جانب واسع من أوضاع الصحافة الكردية حينئذٍ في العراق، ضمن كتابه المعنون «كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى»، مؤكداً أن الإنجليز بعد سيطرتهم على بلدة كفري جنوب شرقي كركوك، في 28 أبريل 1918، أبدوا اهتماماً واسعاً بالشأن الكردي، عبر إيفاد كثير من ضباطهم الأكفاء، سيما الذين عاشوا في كردستان قبل الحرب، لإقامة علاقات وثيقة مع الشخصيات والوجهاء وزعماء القبائل الكردية في كركوك والسليمانية، كما أوفدوا الجنرال نوئيل خصيصاً إلى السليمانية لمقابلة الشيخ محمود الحفيد، الذي كان يمسك بزمام الأمور في تلك المناطق.
من هنا دعت حاجة الإنجليز إلى إصدار صحيفة باللغة الكردية، لتكون وسيلة تضمن استقطاب الأكراد وقبائلهم إلى جانب الإنجليز؛ بل وتأليبهم ضد العثمانيين، من خلال بث الدعايات والإشاعات المناوئة للأتراك العثمانيين، كجزء من متطلبات الحرب النفسية ضدهم، فصدرت صحيفة «تيكه يشتني راستي» (فهم الحقيقة)، التي انطلقت من بغداد في 1 يناير (كانون الثاني) 1918، واستمرت حتى 27 يناير 1919، وقد حررت بالأحرف العربية والخط الفارسي وبمساحة 24 في 36 سنتيمتراً. وقد كتب تحت اسمها: «صحيفة سياسية واجتماعية تخدم وحدة وحرية الكرد»، وصدر منها 67 عدداً فقط، بواقع عددين في الأسبوع، ثم صارت أسبوعية الصدور، وقد أشرف عليها شخصياً القائد العسكري البريطاني الميجر سون، الذي كان ملماً بقواعد اللغة الكردية وأصول الصحافة، وأصدرها بالتعاون مع الصحافي شكري الفضلي.
توقفت الصحيفة عن الصدور بمجرد أن وضعت الحرب أوزارها. ونُشر في أعدادها كثير من الموضوعات الأدبية والسياسية والتاريخية، إضافة إلى قصائد لشعراء كرد.
ويؤكد المؤرخ مظهر أيضاً، أن البريطانيين أصدروا جريدة مماثلة، وللغرض ذاته، باللغة العربية، سموها صحيفة «العرب»، وطرزوا صدر صفحتها الأولى بعبارة تؤكد أن الصحيفة عربية الأصل والمبدأ، لذلك تصدر من «بغداد العروبة»، في محاولة لاستقطاب واجتذاب العراقيين.
ويضيف المؤرخ أن الإنجليز أولوا اهتماماً بالغاً بصحيفة «فهم الحقيقة» الكردية، ما جعلها تصدر بأسلوب صحافي رفيع وتصميم جذاب، افتقر إليهما كثير من الصحف الكردية التي صدرت بعدها بسنوات طويلة.
وبحسب مصادر تاريخية كثيرة، فإن «فهم الحقيقة» كانت ذات تأثير كبير، في تغيير وجهات نظر قطاع واسع من الأكراد لصالح الإنجليز، وسياساتهم في المنطقة، سيما وأنها ركزت في مقالاتها على المسائل التي تلامس الحس القومي للكرد، وسعيهم للانعتاق من الاحتلال، وتقربهم من تحقيق حلمهم الأزلي في امتلاك دولتهم المستقلة.

أقلام حزبية
بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وتوقيعها على اتفاق الاستسلام في 30 أكتوبر (تشرين الأول) 1918، بسط البريطانيون سيطرتهم على إسطنبول التي كانت تأوي نخباً سياسية وثقافية كردية كثيرة، من بينهم عشرات من الشخصيات السياسية، والعسكرية، والقانونية، والدينية، والاجتماعية، وخصوصاً من أبناء الأسر المعروفة، مثل الشمزينان، والبدرخان، والبابان.
وكان الرئيس الأميركي وودرو ويلسون، قد أعلن إبان الحرب عن مبادئه التي حظيت بموافقة الحلفاء، والتي ينص أحدها على ضمان حق تقرير المصير للشعوب غير التركية ضمن الدولة العثمانية. وفي ضوء ذلك كان الكرد في إسطنبول قد بنوا آمالاً عريضة على الحلفاء لجهة إقرار الحقوق القومية للشعب الكردي بعد انتهاء الحرب، فشرعوا في تأسيس منظمات وأحزاب وفعاليات سياسية، طامحين في تحقيق تلك الغاية. واقترنت أنشطتهم السياسية تلك بإصدار كثير من الصحف، في مقدمتها صحيفة «زين» (الحياة) التي صدر العدد الأول منها في أكتوبر عام 1918، أي بعد 17 يوماً فقط، من انتهاء الحرب، واستمرت عاماً واحداً، وصدر منها 25 عدداً، كان آخرها في 2 أكتوبر 1919. وكانت تنشر موضوعاتها باللغتين الكردية والتركية العثمانية، المكتوبة بالحروف العربية، وكان صاحب امتيازها ممدوح سليم.
تلتها صحيفة «كردستان» التي صدر العدد الأول منها في إسطنبول بتاريخ 31 يناير 1919، وباللغتين الكردية والتركية العثمانية أيضاً، كما نشرت بعض المقالات والقصائد بالعربية والفارسية، وكُتب في أعلى الصحيفة: «أسبوعية سياسية، اجتماعية، أدبية، علمية». وتعتبر هذه الصحيفة الرابعة التي تصدر باسم «كردستان»؛ إذ صدرت صحيفة بهذا الاسم للمرة الأولى في القاهرة، خلال الفترة من (1898 - 1902م)، كما أشرنا إلى ذلك آنفاً. ثم أصدرها للمرة الثانية في إسطنبول، ثريا بدرخان عام 1908، بعد نجاح الانقلاب العثماني. كما أصدرها هو نفسه للمرة الثالثة في 1917.
ومع تنامي دور مصطفى كمال أتاتورك، وبسط نفوذه على بقايا الدولة العثمانية، تلاشت رويداً رويداً الأنشطة الثقافية والسياسية الكردية في إسطنبول، حتى اختفت من الوجود تماماً.

ازدهار الورق في كردستان العراق
في كردستان العراق، التي سيطرت عليها القوات البريطانية أثناء الحرب وبعدها، اعتبر القائد البريطاني، الميجر سون، أول من جلب مطبعة للصحف إلى مدينة السليمانية، بعد توليه منصب الحاكم السياسي فيها. ومع مرور الوقت، نجحت النخب المثقفة الكردية في تحويل تلك المطبعة إلى نواة لأول مدرسة للصحافة الكردية في السليمانية، والتي كان لها الأثر الفاعل في إبقاء اللغة الكردية حية دون اندثار، بحسب ما يشير إلى ذلك السياسي والكاتب الكردي الراحل نوشيروان مصطفى، في كتابه «تاريخ الصحافة الكردية» المطبوع في تسعينات القرن الماضي، والذي يشير إلى أن الميجر سون أصدر في السليمانية صحيفة كردية باسم «بيشکهوتن»‌ (التقدم)، التي تبعتها صحف كردية أخرى، أصدرها مثقفو السليمانية، رغم أجواء الحرب والنزوح القاسية والمريرة، مثل صحيفة «بانكي کردستان» (نداء كردستان)، و«روزي کردستان» (شمس كردستان)، و«بانكي حهق» (نداء الحق)، و«أوميدي إیستیقلال» (أمل الاستقلال)، وهي صحف صدرت بمجملها في عشرينات القرن المنصرم، أي مع بدايات تشكيل الدولة العراقية عام 1920.
وكل تلك الصحف أصدرها نشطاء سياسيون أو مثقفون أو أدباء وشعراء أكراد، وبمصادر تمويل ذاتية، اعتمدت في الغالب على المردود المالي المتأتي من نشر الإعلانات التجارية، وشكاوى المواطنين، واشتراكات القراء. وكانت الغاية الأساسية منها - بحسب الأعداد المتوفرة منها في المكتب الوطنية بإقليم كردستان - هي الحفاظ على سلامة اللغة الكردية من التأثيرات الخارجية، وإذكاء المشاعر القومية، وصون جوهر القضية الكردية من صيرورة التقلبات السياسية والعسكرية في المنطقة. وكان بعضها يعارض بشدة مشروع إلحاق كردستان بالعراق، ويحث الجماهير على مناهضة ذلك المشروع، فيما البعض الآخر كان يجسد توجهات وسياسات قوى وأحزاب وتنظيمات كردية ظهرت في كردستان وقتذاك.
أما صحيفة «روناكي» (النور)، فهي أول نشرة صدرت في مدينة أربيل، في 24 أكتوبر 1935. وكانت صحيفة أسبوعية تتضمن موضوعات علمية، وأدبية، واجتماعية. وصدر منها 11 عدداً فقط، واستمرت عاماً فقط.
ومع بداية الأربعينات من القرن المنصرم، دخلت الصحافة الكردية مرحلة مختلفة تماماً، إذ اصطبغت بطابع حزبي بحت؛ إذ إن معظم الصحف التي صدرت في السر غالباً حتى مطلع السبعينات، مثلت لسان حال الأحزاب والتيارات الكردية التي برزت على الساحة السياسية، فيما بات يعرف بـ«كردستان العراق»، مثل: «الشرارة»، و«إلى أمام»، و«القاعدة»، و«وحدة النضال»، و«تحرر كردستان»، و«التحرر»، و«أنين الفلاح»، و«نضال كردستان»، وغيرها.
لا تزال الصحافة الكردية حتى يومنا، ورغم ذلك التاريخ الحافل والمشوار الطويل، صحافة تهيمن عليها التوجهات السياسية والحزبية، وتحاصرها من كل الجوانب، وتحد قدرتها على أداء رسالتها، ولا تزال الساحة الإعلامية في إقليم كردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي أشبه بالاستقلال منذ عام 1991، تخلو - وفق آراء كثير من النقاد والصحافيين - من صحف أو وسائل إعلام حرة ومستقلة، أما أسباب ذلك فكثيرة، لا مجال لذكرها هنا بالتفصيل.



تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».